← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1609–1648 · переход к 1614.

стр. 1609

السَّمَاءِ فَفِيهِ العُشْرُ)، وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ)، (مَا) زَائِدَةٌ، وَ (أَقَلَّ) فِي مَوْضِعِ جَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ فَيَدْخُلَهُ الجَرُّ. وَقَوْلُهُ: (وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ العُشْرِ)، مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ مَعْنَى: مَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي، لأَنَّ النَّوَاضِحَ [وَاحِدُهَا] (١) نَاضِحَةٌ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْأَنْصَارِ ﵃، وَقَدْ قَعَدُوا عَنْ تَلَقِّيهِ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الحَجِّ: (مَا فَعَلَتِ النَّوَاضِحُ) (٢). وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي نِصْفُ العُشُرِ. وَمِنْ بَاب: أَخْذ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى [بِالتَّمْرِ] (٣) عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِثَمَرِهِ وَهَذَا مِنْ ثَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ) (٤). صِرَامُ النَّخْلِ: جُذَاذُهُ، وَقَدْ أَصْرَمَ النَّخْلُ أَيْ: جَاءَ وَقْتُ صِرَامِهِ أَيْ: قَطْعِ ثَمْرِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَوْمًا) كَذَا فِي النُّسْخَةِ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: حَتَّى يَصِيرَ التَّمْرُ عِنْدَهُ كَوْمًا، الكُومُ: القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الشَّيْء.

стр. 1610

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ: "الكُومُ: القِطْعَةُ مِنَ الإِبِلِ، وَالكُومَةُ: الصُّبْرَةُ" (١)، أَيْ: الشَّيْءُ الْمَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (مَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟) مَا عَلِمْتَ؟: اسْتِفْهَامٌ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهَامٍ، وَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﵇. وَمِنْ بَاب: مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ * فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا) (٢)، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: (عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ) (٣)، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): وَوَقْتُ الخَرْصِ إِذَا حَلَّ البَيْعُ، وَذَلِكَ حِينَ يُرَى فِي الحَائِطِ الحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ، وَذَلِكَ حِينَ يَتَمَوَّهُ العِنَبُ وَيُؤَخَذُ مِنْهُ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٦): حَتَّى يَحمَرَّ مَا يَحمَرُّ مِنَ التَّمْرَةِ، وَيَصْفَرَّ مَا يَصْفَرُّ، وَكَذَلِكَ العِنَبُ: يَسْوَدُّ أَسْوَدُهُ، وَيَتَمَوَّهُ أَبْيَضُهُ. وَالتَّمَوُّهُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَاءِ، أَيْ: يَدُورُ فِي المَاءِ الحُلْوِ.

стр. 1611

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تُزْهِي) يُقَالُ أَزْهَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا احْمَرَّتْ أَوِ اصْفَرَّتْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: زَهَتِ التَّمْرَةُ تَزْهُو. وَمِنْ بَاب: هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ؟ * حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ (١): (تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ). قَالَ البُخَارِيُّ (٢): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةٌ عَن الشِّرَاءِ، وَلَمْ يَنْه غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: (فَاسْتَأْمَرَهُ) أَيْ: اسْتَشَارَهُ. وَقَوْلُهُ: (لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أَيْ: إِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِشَيْءٍ لِلَّهِ فَاقْطَعْ طَمَعَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا تَبِعَتْهُ نَفْسُكَ وَرَغَبْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ لَرَخُصَ فِي ثَمَنِهِ، أَوْ لِمَعْنىً آخَرَ يُرْغَبُ فِيهِ؛ فَكَأَنَّكَ عُدْتَ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَمْ تَقْطَعْ طَمَعَكَ مِنْهُ. وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا تصَدَّقَ بِهِ اشْتَرَاهُ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثَانِيًا لا لِيَنْتَفِعَ بِهِ، فَيَكُونَ كَالعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَالعَائِدِ فِي قَيْنِهِ) (٣) فِيهِ تَقْبِيحُ صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، أَيْ كَمَا يَقْبُحُ أَنْ يَقِيءَ ثُمَّ يَأْكُلَ فِيهِ، كَذَلِكَ يَقْبُحُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ اللَّهِ، ثُمَّ يَجُرَّهُ إِلَى نَفْسِهِ بِوَجْهٍ

стр. 1612

مِنَ الوُجُوه. وَقَوْلُهُ: (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) أَيْ: يَبِيعُهُ بِوَكْسٍ، لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قَدْرَهُ، وَلَا قَدْرَ قِيمَتِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵁ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) (١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِالشَّكِّ (٢) فِي فِعْلِ الحَسَنِ أَوِ الحُسَيْنِ. وَهَذَا الشَّكُّ مِنْ بَعْض الرُّوَاةِ؛ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُ أَتْقَنُ. وَقَوْلُهُ: (كِخْ كِخْ): زَجْرٌ لَهُ، وَأَمْرٌ بِالْقَاءِ التَّمْرَةِ مِنَ الفَمِ، يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُلْقِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: (كِخْ كِخْ) انْفَتَحَ فَمُهُ وَسَقَطَتِ التَّمْرَةُ. وَمِنْ بَابِ: الصَّدَقَةُ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ [شَاةٌ مَيِّتَةٌ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ

стр. 1613

لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ] (١): هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا) (٢). وَبَعْدَهُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، [وَ] (٣) أَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا) (٤). وَبَعْدَهُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) (٥). وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) (٦)، ذَكَرَهُ فِي بَابِ: إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ. فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ دَلِيلٌ أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغ. وَدَلِيلٌ أَنَّهَا لَوْ أَعْطَتْ جِلْدَهَا لِآلِ النَّبِيِّ ﷺ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً عَلَيْهَا، كَانَتْ هَدِيَّةً عَلَى النَّبِيِّ، وَعَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بَرِيرَةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ. وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهَا شَاةً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَتْ

стр. 1614

أُمُّ عَطِيَّةَ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَدِيَّةٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ البُخَارِيِّ: إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ، أَي كَانَتْ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، ثُمَّ لَمَّا أَهْدَتْهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَحَوَّلَتْ إِلَى هَدِيَّةٍ، أَيْ: صَارَتْ هَدِيَّةً. وَقَوْلُهُ: (قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) أَيْ: مَكَانَ حِلِّهَا، أَيْ: مَكَانًا تَحِلُّ لَنَا فِيهِ. وَأُمُّ عَطِيَّةَ هِيَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيَّةُ، بِضَمِّ النُّونِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَسِيبَةُ بِفَتْحِ النُّونِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): حَلَّ يَحِلُّ بِكَسْرِ الحَاءِ إِذَا وَجَبَ، وَفِي القُرْآنِ: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ (٢)، أَيْ: يَجِبُ. وَالحِلُّ: الحَلَالُ، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) قِيلَ: حَتَّى بَلَغَ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ. وَقَوْلُهُ: (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) أَيْ: حَيْثُ يَحِلُّ أَكْلُهَا، وَالْمَحِلُّ: مَفْعِلٌ مِنْ حَلَّ الشَّيْءُ. وَمِنْ بَاب: أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ فِي الفُقَرَاءِ حَيْثُ (٤) كَانُوا * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁

стр. 1615

حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ (١): (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ الكِتاب … ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢)، وَقَالَ: (وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ). قَالَ أَبُو عُبَيْد فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَعَثَ مُصَدِّقًا فَقَالَ: (لَا تَأْخُذْ مِنْ حَزَرَاتِ أَنْفُسِ النَّاسِ شَيْئًا، خُذِ الشَّارِفَ وَالبِكْرَ وَذَا العَيْبِ) (٣). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٤): الحَزَرَاتُ: خِيَارُ (٥) الْمَالِ، يَقُولُ: لَا تَأْخُذُ خِيَارَ أَمْوَالِهِمْ، خُذِ الشَّارِفَ: وَهِيَ الْمُسِنَّةُ الهَرِمَةُ، وَالبِكْرَ: وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنْ ذَكَرِ الإِبِلِ، وَإِنَّمَا

стр. 1616

السُّنَّةُ القَائِمَةُ فِي النَّاسِ أَنْ لَا يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا بِنْتُ مَخَاضٍ، أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ، أَوْ حِقَّةٌ، أَوْ جَذَعَةٌ، لَيْسَ فِيهَا سِنٌّ فَوْقَ هَذِهِ الأَرْبَعِ وَلَا دُونَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ النَّاسُ بِالشَّرَائِعِ، فَلَّمَا قَوِيَ الإِسْلَامُ وَاسْتَحْكَمَ؛ جَرَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى مَجَارِيهَا وَوُجُوهِهَا. * * * * وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁: (دَع الرُّبَا وَالمَاخِضَ وَالأَكُولَة) (١). وَأَمَّا الرُّبَا فَهِيَ القَرِيبَةُ العَهْدِ بِالوِلَادَةِ، يُقَالُ: هِيَ فِي رَبَابِهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَنْشَدَ الأَصْمَعِيُّ لِبَعْضِ الأَعْرَابِ (٢): [من الرَّجز] ..................... … * حَنينُ أُمِّ البَوُّ فِي رَبَابِهَا وَأَمَّا المَاخِضُ، فَـ[هِيَ] (٣) الَّتِي قَدْ أَخَذَهَا الْمَخَاصُ لِتَضَعَ. وَالأَكُولَةُ: الَّتِي تُسَمَّنُ لِلْأَكْلِ لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (بَعَثَ مُصَدِّقًا فَأُتِيَ بِشَاةٍ شَافِعٍ فَلَمْ يَأْخُذْهَا، وَقَالَ: ائتِنِي بِمُعْتَاطٍ) (٤).

стр. 1617

الشَّافِعُ: الَّتِي مَعَهَا وَلَدُهَا. وَالمُعْتَاطُ: الَّتِي يَضْرِبُهَا الفَحْلُ فَلَمْ تَحْمِل. وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) * وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمُ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ) (٢) مَعْنَاهُ: تَرَحَمْ عَلَيْهِمْ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٣) أَيْ: يَتَرَحَمُونَ. وَمَعْنَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) أَيْ ادْعُ لَهُمْ بِالخَيْرِ، وَفِي الحَدِيثِ: (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) (٥) أَيْ: فَلْيَدْعُ لِأَرْبَابِ الطَّعَامِ بِالمَغْفِرَةِ وَالبَرَكَةِ.

стр. 1618

وَقَالَ الأَعْشَى (١): [من البسيط] تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلا … يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالوَجَعَا عَلَيكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … [نَوْمًا] (٢) فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَرُبَتْ رَاحِلَتِي. وَ (عَلَيكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ): (مثلُ) رُفِعَ بِالابْتِدَاءِ، وَ (عَلَيْكِ) خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ (مِثْلَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الإِغْرَاءِ، أَيْ: الَّذِي مِثْلَ دُعَائِكِ وَيَكُونُ صِفَةً للدُّعَاءِ. (فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا) أَيْ: فَإِنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ لَا مَحَالَة. وَقَالَ أَيْضًا (٣): [من الْمُتَقَارِب] وَصَهْبَاءَ طَافَ يَهُودِيُّهَا * وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّها * [وَصَلَّى عَلَى دَنْهَا] (٤) وَارْتَشَمْ (الصَّهْبَاءُ): الخَمْرُ، وَ (يَهُودِيُّهَا): الخَمَّارُ الَّذِي يَبِيعُهَا، وَ (خَتَمْ) مِنَ الخَتْمِ. (وَقَابَلَهَا الرِّيحَ) أَيْ: وَضَعَهَا مُبَالَةَ الرِّيحِ، أَيْ: اسْتَقْبَلَ بِدَنِّهَا الرِّيحَ، يُقَالَ قَابَلْتُهَا كَذَا، وَأَقْبَلْتُهُ كَذَا.

стр. 1619

(وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا): أَيْ دَعَا. وَقِيلَ: (ارْتَشمَ): جَعَلَ عَلَى الخَتْمِ عَلَامَةً. وَمِنْ بَاب: قَوْلِ اللهِ : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (١) * حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ: (اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ) (٢). قِيلَ: الأَسْدُ هُمُ الأَزْدُ، وَالسِّينُ وَالزَّايُّ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ، وَأَمَّا قَبِيلَةُ أَسْدٍ تَجِيءُ بِغَيْرِ الأَلِفِ وَاللَّامِ. وَ (ابْنُ اللُّتْبِيَّةَ) اسْمُ أُمِّهِ عُرِفَ بِهَا. وَمِنْ بَابِ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ وَمِنْ بَابِ: فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ وَهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى هَذَا البَابِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. * قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ، هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) (٣) أَيْ:

стр. 1620

لَيْسَ بِرِكَازٍ يَجِبُ فِيهِ الخُمُسُ. (هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) أَيْ: دَفَعَهُ وَرَمَاهُ إِلَى شَاطِئِهِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: (فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الخُمُسُ) (١) وَجَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الرِّكَازِ. قَالَ البُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرَّكَازِ الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ. هَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي البَابِ (٢) فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَعَدَمِ الوُجُوبِ فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي ذِكْرِ البَحْرِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّكَاةَ مَعَهُ، وَلَا ذَكَرَ الخُمُسَ عُلِمَ أَنَّ حُكْمَهُ لَيْسَ حُكْمَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): إِنَّ الرِّكَازَ هُوَ الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الأَرْضِ،

стр. 1621

وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكُزُ، يُقَالُ: رَكَزَ رُمْحَهُ أَيْ: غَرَزَهُ. وَالوَاجِبُ فِيمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الخُمُسُ، وَالأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ)، وَقَدْ ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا البَابِ (١). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): وَيُفَارِقُ حَقُّ الرِّكَازِ حَقَّ الْمَعْدِنِ حَيْثُ قُلْنَا يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ فِي أَحَدِ الأَقْوَالِ، لِأَنَّ الْمَعْدِنَ يَحْتَاجُ إِلَى تَخْلِيصٍ وَعَمَلٍ وَاسْتِخْرَاجٍ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ حَالَة وُجُودِهِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَوْلُ؟ وَأَمَّا النِّصَابُ فَقَالَ فِي القَدِيمِ (٣): لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَهُوَ أَصَحُّ الرِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ (٥)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٦). وَوَجْهُهُ عُمُومِ الخَبَرِ، وَأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِيهِ تَخْمِيسُهُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ النِّصَابُ كَالغَنِيمَةِ. وَقَالَ فِي الأُمِّ (٧): يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ، لِأَنَّهُ زَكَاةٌ عِنْدَنَا، وَاعْتَبَرَ فِيهِ النِّصَابَ.

стр. 1622

وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي أَجْنَاسِ الرِّكَازِ؛ فَقَالَ فِي القَدِيمِ (١): يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا يُوجَدُ رِكَازًا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ (٢)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٣). وَقَالَ فِي الجَدِيدِ (٤): لَا يُؤْخَذُ الخُمُسُ إِلَّا مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ. وَوَجْهُ القَوْلِ القَدِيمِ عُمُومُ الخَبَرِ، وَأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ تَخْمِيسُهُ، فَاسْتَوَى جَمِيعُ أَجْنَاسِه كَالغَنِيمَةِ. وَوَجْهُ القَوْلِ الجَدِيدِ: أَنَّهُ زَكَاةٌ أَوْ حَقٌّ يَجِبُ فِيمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْأَرْضِ، فَوَجَبَ في بعض الأَجْنَاسِ كَزَكَاةِ الحُبُوب (٥). قَالَ البُخَارِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ إِدْرِيسَ (٦): الرِّكَازُ [دِفْنُ] (٧) الجَاهِلِيَّةِ،

стр. 1623

فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ، وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَعْدِنِ: (جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) (١). وَأَخَذَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ، أَيْ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةً (٢). وَقالَ الحَسَنُ (٣): مَا كَانَ مِنْ رِكَازِ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ لقَطَةً فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ (٤): [الْمَعْدِنُ] (٥) رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهُ

стр. 1624

[يُقَالُ] (١): أَركَزَ الْمَعْدِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: فَقَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ الشَّيْءُ أَوْ رَبحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ، ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ وَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ. * * * * وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) (٢). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): العَجْمَاءُ: البَهِيمَةُ، سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ لأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الكَلَام فَهُوَ أَعْجَمُ، وَالْمُؤَنَّثُ عَجْمَاءُ، يَعْنِي: البَهِيمَةَ تُفْلِتُ فَتُصِيبُ إِنْسَانًا فِي إِفْلَاتِهَا فَذَاكَ هَدَرٌ أَيْ جُبَارٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): جُبَارٌ أَيْ: هَدَرٌ. قِيلَ: البَهِيمَةُ الْمُتَفَلِّتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا لَيْسَ لَهَا قَائِدٌ وَلَا رَاكِبٌ يَصْرِفُهَا إِلَى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُهَا إِذَا صَدَمَتْ إِنْسَانًا فَأَهْلَكَتْهُ وَأَتْلَفَتْ مَالًا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هَدَرٌ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهَا دِيَةٌ وَلَا غَرَامَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا رَاكِبًا لَهَا وَقَائِدًا ضَمِنَ جِنَايَتهَا. (وَالبِئْرُ جُبَارٌ) أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحْفِرَ لَهُ فِي مُلْكِهِ فَيَنْهَارُ عَلَيْهِ البِئْرُ فَإِنَّهُ هَدَرٌ،

стр. 1625

وَكَذَلِكَ الْمَعْدِنُ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) هُوَ الْمَالُ العَادِي، وَهُوَ مَا دُفِنَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، يُؤخَذُ مِنْهُ الخُمُسُ فِي الحَالِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ مُرُورُ الحَوْلِ. وَأَمَّا الْمَعْدِنُ فَفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وَذَلِكَ لِثِقَلِ الْمُؤْنَةِ فِيهِ، وَحَقُّهُ [ … ] (١) فِي الرِّكَازِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَوْلُ تَشْبِيهًا بِمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الزَّرْعِ إِذَا بَلَغَ النِّصَابَ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): الأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْدِنِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ. أَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣)، وَالْمَعْدِنُ مِمَّا أُخْرِجَ مِنَ الْأَرْضِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ الْمَعَادِنَ القَبْلِيَّة (٤)، وَلَمْ يَقْطَعْ حَقَّ الْمُسْلِمِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ فِي وُجُوبِ

стр. 1626

الحَقِّ فِي الْمَعْدِنِ. وَسُمِّيَ الْمَعْدِنُ مَعْدِنَا لإِقَامَةِ التِّبْرِ فِيهِ، يُقَالُ عَدَنَ يَعْدِنُ عُدُونًا فَهُوَ عَادِنٌ أَيْ: مُقِيمٌ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جَنَّاتُ عَدْنٍ لِأَنَّهَا دَارُ مُقَامٍ وَخُلُودٍ. وَمِنْ بَابِ: اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوُا المَدِينَةَ) (١). عُرَيْنَةُ: قَبِيلَةٌ، وَالْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا عُرَنِيٌّ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): اجْتَوَيْتُ البِلَادَ أَيْ: كَرِهْتُهَا وَإِنْ كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ،

стр. 1627

وَجَويتُ [مِنْ ذَلِكَ] (١) أَيْضًا، قَالَ زُهَيْرٌ (٢): [من الوَافِرُ] بَسَأْتُ بِنَيْئِهَا وجَوِيتُ عَنْهَا * وَعِنْدِي إِذْ أَرَدْتُ لَهَا دَوَاءُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (اجْتَوَوْا المَدِينَةَ) لَمْ يُوَافِقُهُمُ الْمُقَامُ بِهَا، فَدَوِيَتْ بُطُونُهُمْ فَرَخَّصَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَعَالَجُوا بِشُرْبٍ أَبْوَالِ الإِبِلِ. وَقِيلَ: أَبَاحَ لَهُمْ أَلْبَانَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَلَهُمْ فِيهَا نَصِيبٌ، لأَنَّهُمْ أَحَدُ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَة. (وَاسْتَاقُوا) أَيْ: سَاقُوا. وَ (الذَّوْدُ): جَمَاعَةُ الإِبِلِ. وَ (السَّمْرُ) أَنْ تُحْمَى مَسَامِيرُ الحَدِيدِ بِالنَّارِ ثُمَّ تُكْحَلَ بِهَا الْعَيْنُ، وَأَمَّا السَّمْلُ بِاللَّامِ فَهُوَ أَنْ تُفْقَأَ. قِيلَ: إِنَّمَا قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، وَمِنَ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالفَسَادِ. وَ (الحَرَّةُ) أَرْضِ أَلْبَسَتْهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ. وَقِيلَ: سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ، فَلِذَلِكَ سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ [أَعْيُنَهُمْ] (٣).

стр. 1628

وَمِنْ بَابِ: وَسْمِ الإِمَامِ إِبَلَ الصَّدَقَةِ * حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﵁: (غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ … ) (١). (التَّحْنِيكُ): أَنْ يُمْضَغَ التَّمْرُ، ثُمَّ يُلْصَقَ بِحَنَكِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، يُقَالُ: حَنَّكْتُ الصَّبِيَّ تَحْنِيكًا، أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلَ جَوْفَهُ أَوَّلُ طَعَامٍ يُخَالِطُهُ رِزْقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تبرُّكًا بِهِ. وَ (الْمِيسَمُ): حَدِيدَةٌ تُوسَمُ بِهَا إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةٌ لَهَا، تُحْمَى الحَدِيدَةُ، وَتُوضَعُ عَلَى أَفْخَاذِهَا كَالْكَيِّ لِتَتَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَيُعْلَمَ أَنَّهَا إِبِلُ الصَّدَقَةِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): وَسَمْتُ الشَّيْءَ وَسْمًا إِذَا أَثَّرْتُ فِيهِ بِسِمَةٍ، وَمَوْسِمُ الحَاجِّ: مَكَانُ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ مُعَلَّمٌ، وَفُلَانٌ [مَوْسُومٌ] (٣) بِالخَيْرِ، وَ [فُلَانَةٌ] (٤) ذَاتُ ميْسَمٍ: إِذَا كَانَ عَلَيْهَا أَثَرُ الجَمَالِ. وَقَوْلُهُ: (يَسِمُ) مُسْتَقْبَلُ وَسَمَ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِشْعَارَ البُدْنِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا لِتَتَمَيَّزَ عَنِ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ. * * *

стр. 1629

وَمِنْ أَبْوَابٍ صَدَقَةِ الفِطر بَابُ: فَرْضِ زَكَاةِ الفِطْرِ زَكَاةُ الفِطْرِ فَرِيضَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيُّ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): هِيَ وَاجِبَةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْضَ أَعْلَى مِنَ الوَاجِبِ (٣). * * * * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) (٤). في الحَدِيثِ دَلِيلانِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: (فَرَضَ).

стр. 1630

وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ (زَكَاةَ الفِطْرِ) وَالزَّكَاةُ مَفْرُوضَةٌ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) بَيَانُ أَنَّ إِخْرَاجَهَا إِنَّمَا يَجِبُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي إِخْرَاجِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ (١). وَأَمَّا بَعْدَ يَوْمِ الفِطْرِ فَقَالَ أَحْمَدُ (٢): أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَمَنْ بَابٍ: صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: ( … عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) (٣). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٤): العَبْدُ لَا مَالَ لَهُ، وَإِنَّمَا فَرْضُهَا عَلَى سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مِنْ أَهْلِ الظُّهْرَةِ لَزِمَهُ نَفَقَةُ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ فِطْرَتُهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالوَلَدِ مَعَ وَالِدِهِ. وَزَكَاةُ الفِطْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ كَانَتْ فِطْرَتُهُ فِي مَالِهِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الغَيْرِ. وَالنَّفَقَةُ عَلَى الغَيْرِ: بِالنَّسَبِ وَالسَّبَبِ. أَمَّا النَّسَبُ: إِذَا كَانُوا مِنْ عَمُودِ الوِلَادَةِ، وَهُمُ: الأَوْلَادُ، وَأَوْلَادُ الأَوْلَادِ،

стр. 1631

وَالآبَاءُ، وَالعَمَّاتُ، وَالأَجْدَادُ، وَالحِداتُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا تَجِبُ فِطْرَةُ الأَبِ عَلَى ابْنِهِ، وَلَا فِطْرَةُ الجَدِّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ الأُمُّ وَالجَدَّاتُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِهَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ. فَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تَتْبَعُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ، وَعِنْدَهُ تَتْبَعُ الوِلَايَةَ. وَأَمَّا السَّبَبُ: فَتَجِبُ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ وَفِطْرَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): تَجِبُّ فِطْرَتُهَا فِي مَالِهَا. وَقَوْلُهُ: (مِنَ المُسْلِمِينَ) دَلِيلٌ أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ (زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةٌ للصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفثِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ)، وَالطُّهْرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ بَابِ: صَدَقَةُ الفِطْرِ * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: (كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ … ) (٤). إِذَا أَخْرَجَ صَدَقَةَ الفِطْرِ شَعِيرًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ صَاعًا بِلَا خِلَافٍ (٥) لِحَدِيثِ ابْنِ

стр. 1632

عُمَرَ (١)، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (٢)، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْرَجَ تَمْرًا. فَأَمَّا إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ أَخْرَجَ طَعَامًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَخْرَجَ زَبِيبًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يُخْرِجُ صَاعًا، وَبِهَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ (٥)، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٦): الوَاجِبُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (أَغْنُوهُمْ عِنِ الطَّلَبِ) (٧)، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الاسْتِغْنَاءُ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِمْ

стр. 1633

مِنْ غَالِبِ قُوتِهِمْ. وَقَوْلُ عَبْدِ اللهِ: (فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ) (١)، وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ: (أَرَى مُدًا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) (٢) وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى إِخْرَاجَ القِيَمِ في الزَّكَاةِ (٣). وَدَلِيلُ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا.

стр. 1634

وَفِي قَوْلِهِ: (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ. وَقِيلَ: لَمَّا نَصَّ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، لأَنَّ فِي النَّصِ عَلَى الوَاحِدِ تَنْبِيهًا أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَفِي النَّصِّ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّنْبِيهَ. وَمِنْ بَاب: صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ * (فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ) (١) أَيْ: فَأَعْوَزَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ التَّمْرُ، يُقَالُ: أَعْوَزَهُ كَذَا إِذَا فَقَدَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ. وَقَوْلُهُ: (فَأَعْطَى شَعِيرًا) أَيْ: لَمَّا لَمْ بِجِدِ التَّمْرَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ أَعْطَى مَكَانَهُ الشَّعِيرَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ) شَرْطٌ (عَنْ بَنِيَّ) هَذَا قَوْلُ نَافِعٍ، وَكَانَ نَافِعٌ وَأَوْلَادُهُ مَوالِي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَفِي نَفَقَتِهِ، فَكَانَ يُعْطِي عَنْهُمُ الفِطْرَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا) أَيْ: مَنْ قَالَ أَنَا فَقِيرٌ أَعْطَاهُ وَلَمْ يَتَجَسَّسُ، وَيُقْسِمُ صَدَقَةَ الفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقْسَمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ، فَيَدْفَعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَّةِ إِنْ وُجِدَ جَمِيعُهُمْ، أَوْ إِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ.

стр. 1635

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا صِنْفًا وَاحِدًا. وَقَوْلُهُ: (كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ تَقْدِيمِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ بِأَيَّامٍ. * * *

стр. 1636

كِتَابُ الحَج وَوُجُوبُ الحَجِّ وَفَضْلُهُ، وَقَوْلُ اللهِ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس ﵁ قَالَ: (كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) (٢). اسْتَشْهَدَ البُخَارِيُّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الحَجِّ لِقَوْلِهِ: (إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كبيرًا) أَيْ: فُرِضَ الحَجُّ وَأَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): لَا يَجُوزُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يَسْتَنِيبَ لَا فِي الفَرْضِ وَلَا فِي التَّطَوُّع.

стр. 1637

وَقَالَ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّطَوُّعِ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالفَرْضِ فِي حَقِّ الْمَغْضُوبِ. وَالكَلَامُ فِي الْمَرِيضِ: لا يَخْلُو الْمَرِيضُ مِنْ أَحَدٍ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَيْؤُوسًا مِنْهُ، أَوْ غَيْرَ مَيْؤُوسٍ مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَيْؤُوسًا مِنْهُ، وَيُرْجَى بُرْؤُهُ وَزَوَالُ مَرَضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): يَجُوزُ. وَإِنْ كَانَ مَيْؤُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الخِبْرَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الاسْتِنَابَةُ. فَقَوْلُ الْمَرْأَةِ: (لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ زَمِنَ أَوْ فِي حُكْمِ الزمن (٦). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٧): المَعْضُوبُ: الزَّمِنُ الَّذِي لَا حِرَاكَ بِهِ.

стр. 1638

قَالَ الخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ (١): الحَجُّ كَثْرَةُ القَصْدِ إِلَى مَنْ يُعَظَّمُ، وَفُلَانٌ حَاجٌّ، وَالجَمْعُ حُجَّاجٌ وَحَجِيجٌ، وَيُسَمَّى الحَجُّ مَنْسَكًا. وَالنَّسْكُ الاسْمُ لِلْعِبَادَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ نَاسِكٌ، أَيْ: عَابِدٌ، فَسُمِّيَ الحَجُّ نَسْكًا لأَنَّهُ عِبَادَةٌ. وَالنُّسُكُ بِضَمِّ السِّينِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) فَالْمُرَادُ بِهِ الذَّبْحُ. وَالنَّسِيكَةُ: الذَّبِيحَةُ، وَالْمَنْسَكُ: مَوْضِعُ الذَّبْحِ، وَيُسَمَّى مَوْضِعُ العِبَادَةِ مَنْسَكًا أَيْضًا. وَالأَصْلُ فِي وُجُوبِ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣)، وَقَدْ ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ البَابِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤): لَا يَجِبُ الحَجُّ إِلَّا بِوُجُودِ سَبْعِ شَرَائِطَ (٥): البُلُوغُ، وَالعَقْلُ، وَالإِسْلَامُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَوُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ، وَإِمْكَانُ السَّيْرِ، فَإِنْ عُدِمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ لَمْ يَجِبِ الحَجُّ.

стр. 1639

فَالصَّبِيُّ لَا حَجَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ) (١). وَكَذَا الْمَجْنُونُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: (وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) (٢). وَكَذَلِكَ الكَافِرُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، لأَنَّ الحَجَّ عِبَادَةٌ، وَالكُفْرَ يُنَافِي العِبَادَاتِ. وَكَذَلِكَ العَبْدُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسلام) (٣).

стр. 1640

وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلةِ، لِأَنَّ الله عَلَّقَ الوُجُوبَ بِالاسْتِطَاعَةِ، وَذَلِكَ وُجُوبُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) (١). وَكَذَلِكَ لَا يَجَبُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُخَلّىً، لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ عَدُوٌّ وَلَا غَيْرُهُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَلًّى فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِإِمْكَانِ السَّيْرِ، وَهُوَ أَنْ تُوجَدَ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فِي وَقْتِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسِيرَ وَيُدْرِكَ الحَجَّ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ بِأَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ فَإِنَّ الحَجَّ لَا يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنْ بَقِيَ إِلَى السَّنَةِ الأُخْرَى وَوُجِدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِط وَجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ وَاسْتَقَرَّ، وَإِنْ عُدِمَ بَعْضُهَا فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ.

стр. 1641

إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَأَرْبَعُ شَرَائِطَ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ السَّبْعِ هِيَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الحَجِّ وَأَدَائِهِ، وَهِيَ البُلُوغُ وَالعَقْلُ وَالإِسْلَامُ وَالحُرِّيَّةُ، فَإِذَا عُدِمَ بَعْضُهَا لَمْ يَجِبِ الحَجُّ، وَإِذَا فُعِلَ لَمْ يُجْزِئُ عَنِ الفَرْضِ. وَالشَّرْطَانِ الآخَرَانِ وَهُمَا: العَقْلُ وَالإِسْلَامُ لَا يَصِحُّ الحَجُّ مَعَ عَدَمِهِما. وَمَنْ حَجَّ حَجَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا. وَقَوْلُهُ: (كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١)، يُقَالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ إِذَا رَكِبْتُ خَلْفَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَأَرْدَفْتُهُ: أَرْكَبْتُهُ خَلْفِي. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِي (٢): رَدِفْتُ الرَّجُلَ وَأَرْدَفْتُهُ، وَلَحِقْتُهُ وَأَلْحَقْتُهُ بِمَعْنىً وَاحِدٍ، وَالرَّدِيفُ: الَّذِي يَرْكَبُ خَلْفَكَ عَلَى الدَّابَّةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَبِعَ شَيْئًا فَهُوَ رِدْفَهُ، وَأَرْدَافُ الْمُلُوكِ فِي الجَاهِلِيَّةِ: الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الْمُلُوكَ. وَ (خَثْعَمَ) حَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ، وَبَجِيلَةُ مِنْ قَبَائِلِ اليَمَنِ، وَكَانَ الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ ﵁ غُلامًا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ. وَمِنْ بَابِ: قَولِ اللهِ : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٣) أَرَادَ البُخَارِيُّ بِهَذَا أَوَّلَ الآيَةِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى

стр. 1642

وُجُوبِ الحَجِّ. رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أُمِرَ بِذَلِكَ صَعَدَ الجَبَلَ، فَنَادَى: عِبَادَ اللهِ، أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ، فَأَجَابُوا، [حَتَّى] أَجَابَهُ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَكُلُّ مَنْ حَجَّ وَلَبَّى فَهُوَ مِمَنْ أَجَابَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ (١). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): رِجَالٌ جَمْعُ رَاجِلٍ، مِثْلُ صَاحِبٍ وصِحَابٍ. وَ (الضَّامِرُ) القَلِيلُ اللَّحْمِ، الْمَهْزُولُ. وَ (الفِجَاجُ) جَمْعُ فَجٍّ، قَالَ البُخَارِيُّ: (فِجَاجًا): الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (٣). * * * * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلَّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً) (٤). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٥): إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الإِحْرَامَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، لِمَا رَوَى خَارِجَةُ بنُ زَيْدِ بن ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (تَجَرَّدَ

стр. 1643

لإهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ) (١). قَالُوا: وَيَتَجَرَّدُ وَيَلْبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ. قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي الإِحْرَامِ لُبْسُ الْمَخِيطِ كَالقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالجُبَّةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ وَلَا العِمَامَةَ) (٢). قَالُوا (٣): وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ لإِحْرَامِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٤): يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِطِيبٍ تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ.

стр. 1644

قَالُوا (١): ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ فَإِذَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَبَّى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي المَنَاسِكِ الكَبِيرِ (٢) وَالإِمْلَاءِ (٣): الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا، وَإِذَا أَخَذَ فِي السَّيْرِ إِنْ كَانَ رَاجِلًا. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: عَجِبْتُ لاخْتِلَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَعْنِي فِي وَقْتِ الإِهْلَالِ، فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجًا فَلَمَّا صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ، يَعْنِي الإِهْلَالَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْتُونَهُ أَرْسَالًا، وَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، وَأَيْمُ اللهِ لَقَدْ أَوْجَبَهُ فِي مُصَلَّاهُ (٤).

стр. 1645

وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَهَذَا فِيهِ فَضْلُ بَيَانِ وَعِلْمٍ (١). وَمَنْ قَالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قَالَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (اغْتَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالحَجِّ) (٢)، وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ جَابِرٍ ﵁. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): الرَّاحِلَةُ: الْمَرْكَبُ مِنَ الإِبِلِ ذَكَرا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَوْلُهُ: (قَائِمَةً) نُصِبَ عَلَى الحَالِ. وَ (الإِهْلَالُ): رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتّلْبِيَّةِ. * * *

стр. 1646

وَمِنْ بَابِ: الحَج عَلَى الرَّحْلِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ) (١). وَقَالَ عُمَرُ: (شُدُوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) (٢). * وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَنَسٍ (٣): (حَجَّ أَنَسٌ ﵁ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ). * * * * وَفِي حَدِيثٍ عَائِشَةَ ﵂: (فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ) (٤). (الرَّحْلُ) لِلْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ (٥)، وَكَذَلِكَ الرِّحَالَةُ، وَجَمْعُ الرَّحْلِ رحَالٌ. وَ (التَّنْعِيمُ) أَحَدُ المَوَاقِيتِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إِلَى الكَعْبَةِ (٦).

стр. 1647

وَ (أَعْمَرَهَا أَيْ: حَمَلَهَا إِلَى العُمْرَةِ فَاعْتَمَرَتْ، يُقَالُ: اعْتَمَرَتْ وَأَعْمَرَتْ. وَ (القَتَبُ) خَشَبُ الرَّحْلِ، قِيلَ: القَتَبُ لِلْجَمَلِ بِمَنْزِلَةِ الإِكَافِ لِلْحِمَارِ، وَالقتُوبَةُ: الإِبِلُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الأَقْتَابُ. وَقَوْلُ عُمَرَ: (شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) (١)، يُرِيدُ أَنَّ الحَجَّ جِهَادٌ فَسَارِعُوا إِلَيْهِ. وَشُدُّوا الأَقْتَابَ عَلَى الإِبِلِ فَارْكَبُوهَا، وَالرُّكُوبُ عَلَى الرَّحْلِ أَشَقُّ مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الْمَحْمَلِ، وَأَبْعَدُ مِنَ التَّرَفُّهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا) أَيْ: لَمْ يُؤْثِرِ الرَّحْلَ عَلَى الْمَحْمَلِ لِبُخْلِهِ، بَلْ طَلَبَ الْأَجْرَ بِذَلِكَ، وَالاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ) الزَّامِلَةُ: بَعِيرٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ الرَّجُلُ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ، وَفِي هَذَا أَيْضًا تَوَاضُعٌ، وَتَرْكُ تَرَفُّهٍ حَيْثُ جَعَلَ مَتَاعَهُ تَحْتَهُ، وَرَكَبَ فَوْقَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ) التَّأْنِيثُ لِلرَّاحِلَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الرَّحْلُ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، وَلَكِنَّ الرَّحْلَ دَلَّ عَلَيْهَا، أَيْ: كَانَتْ رَاحِلَتَهُ الَّتِي حَمَلَتِ الْمَتَاعَ وَالرَّاكِبَ. وَقَوْلُهُ: (فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ) أَيْ حَمَلَهَا عَلَى حَقِيبَةِ الرَّحْلِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): احْتَقَبَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَاحْتَقَبْتُ فَلَانًا، ...................

стр. 1648

وَ [ … ] (١) فَلانٌ، وَاحْتَقَبَ فَلَانُ الإِثْمَ أَيْ: رَكِبَهُ. وَالحَقِيبَةُ: مَعْرُوفَةٌ. قَالَ (٢): [من الوَافِر] حَقِيبَةُ رَحْلِهَا بَدَنٌ وسَرْجٌ … تُعَارِضُهَا مُرَبَّبَةٌ دَؤُولُ وَمِنْ بَابِ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ( … قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٣). قِيلَ: الحَجُّ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَآثِمِ، وَالبَيْعُ الْمَبْرُورُ: الَّذِي لا خِيَانَةَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ لِرَجُلٍ قَدِمَ مِنَ الحَجِّ: (بَرَّ العَمَلُ) (٤) يَعْنِي: عَمَل الحَجَّ، دَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا لَا مَأْثَمَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: (لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) يَعْنِي: فِي حَقِّ النِّسَاءِ. وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَرْفَثْ) قِيلَ: الرَّفَثُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الجِمَاعِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ
следующие страницы →