← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1644–1683 · переход к 1649.

стр. 1644

قَالُوا (١): ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ فَإِذَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَبَّى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي المَنَاسِكِ الكَبِيرِ (٢) وَالإِمْلَاءِ (٣): الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا، وَإِذَا أَخَذَ فِي السَّيْرِ إِنْ كَانَ رَاجِلًا. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: عَجِبْتُ لاخْتِلَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَعْنِي فِي وَقْتِ الإِهْلَالِ، فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجًا فَلَمَّا صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ، يَعْنِي الإِهْلَالَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْتُونَهُ أَرْسَالًا، وَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، وَأَيْمُ اللهِ لَقَدْ أَوْجَبَهُ فِي مُصَلَّاهُ (٤).

стр. 1645

وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَهَذَا فِيهِ فَضْلُ بَيَانِ وَعِلْمٍ (١). وَمَنْ قَالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قَالَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (اغْتَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالحَجِّ) (٢)، وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ جَابِرٍ ﵁. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): الرَّاحِلَةُ: الْمَرْكَبُ مِنَ الإِبِلِ ذَكَرا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَوْلُهُ: (قَائِمَةً) نُصِبَ عَلَى الحَالِ. وَ (الإِهْلَالُ): رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتّلْبِيَّةِ. * * *

стр. 1646

وَمِنْ بَابِ: الحَج عَلَى الرَّحْلِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ) (١). وَقَالَ عُمَرُ: (شُدُوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) (٢). * وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَنَسٍ (٣): (حَجَّ أَنَسٌ ﵁ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ). * * * * وَفِي حَدِيثٍ عَائِشَةَ ﵂: (فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ) (٤). (الرَّحْلُ) لِلْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ (٥)، وَكَذَلِكَ الرِّحَالَةُ، وَجَمْعُ الرَّحْلِ رحَالٌ. وَ (التَّنْعِيمُ) أَحَدُ المَوَاقِيتِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إِلَى الكَعْبَةِ (٦).

стр. 1647

وَ (أَعْمَرَهَا أَيْ: حَمَلَهَا إِلَى العُمْرَةِ فَاعْتَمَرَتْ، يُقَالُ: اعْتَمَرَتْ وَأَعْمَرَتْ. وَ (القَتَبُ) خَشَبُ الرَّحْلِ، قِيلَ: القَتَبُ لِلْجَمَلِ بِمَنْزِلَةِ الإِكَافِ لِلْحِمَارِ، وَالقتُوبَةُ: الإِبِلُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الأَقْتَابُ. وَقَوْلُ عُمَرَ: (شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) (١)، يُرِيدُ أَنَّ الحَجَّ جِهَادٌ فَسَارِعُوا إِلَيْهِ. وَشُدُّوا الأَقْتَابَ عَلَى الإِبِلِ فَارْكَبُوهَا، وَالرُّكُوبُ عَلَى الرَّحْلِ أَشَقُّ مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الْمَحْمَلِ، وَأَبْعَدُ مِنَ التَّرَفُّهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا) أَيْ: لَمْ يُؤْثِرِ الرَّحْلَ عَلَى الْمَحْمَلِ لِبُخْلِهِ، بَلْ طَلَبَ الْأَجْرَ بِذَلِكَ، وَالاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ) الزَّامِلَةُ: بَعِيرٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ الرَّجُلُ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ، وَفِي هَذَا أَيْضًا تَوَاضُعٌ، وَتَرْكُ تَرَفُّهٍ حَيْثُ جَعَلَ مَتَاعَهُ تَحْتَهُ، وَرَكَبَ فَوْقَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ) التَّأْنِيثُ لِلرَّاحِلَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الرَّحْلُ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، وَلَكِنَّ الرَّحْلَ دَلَّ عَلَيْهَا، أَيْ: كَانَتْ رَاحِلَتَهُ الَّتِي حَمَلَتِ الْمَتَاعَ وَالرَّاكِبَ. وَقَوْلُهُ: (فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ) أَيْ حَمَلَهَا عَلَى حَقِيبَةِ الرَّحْلِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): احْتَقَبَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَاحْتَقَبْتُ فَلَانًا، ...................

стр. 1648

وَ [ … ] (١) فَلانٌ، وَاحْتَقَبَ فَلَانُ الإِثْمَ أَيْ: رَكِبَهُ. وَالحَقِيبَةُ: مَعْرُوفَةٌ. قَالَ (٢): [من الوَافِر] حَقِيبَةُ رَحْلِهَا بَدَنٌ وسَرْجٌ … تُعَارِضُهَا مُرَبَّبَةٌ دَؤُولُ وَمِنْ بَابِ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ( … قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٣). قِيلَ: الحَجُّ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَآثِمِ، وَالبَيْعُ الْمَبْرُورُ: الَّذِي لا خِيَانَةَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ لِرَجُلٍ قَدِمَ مِنَ الحَجِّ: (بَرَّ العَمَلُ) (٤) يَعْنِي: عَمَل الحَجَّ، دَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا لَا مَأْثَمَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: (لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) يَعْنِي: فِي حَقِّ النِّسَاءِ. وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَرْفَثْ) قِيلَ: الرَّفَثُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الجِمَاعِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ

стр. 1649

الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مَا خُوطِبَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ. وَالرَّفَثُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١) هُوَ الجمَاعُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الرَّفَثُ: القَبِيحُ مِنَ الكَلَامِ، يُقَالُ: رَفَثَ يَرْفُثُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَفْسُقُ) الفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَسُكُونُ الْمَعْصِيَّةِ. وَمِنْ بَاب: فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ) (٣). (قَرْن): مَنْزِلٌ مِنَ الْمَنَازِلِ، وَمِيقَاتٌ مِنْ مَوَاقِيتِ الحَجِّ، بِسُكُونِ الرَّاءِ، على طَرِيقِ أَهْلِ نَجْدٍ (٤). وَقَوْلُهُ: (فَرَضَهَا) أَيْ: وَقَّتَهَا وَبَيَّنَهَا. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٥): إِنَّمَا وَقَتَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِتَكُونَ حُدُودًا لَا يَتَجَاوَزُهَا مَنْ أَرَادَ الإِحْرَامَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهِي لَا تَمْنَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الإِحَرَامِ قَبْلَ بُلُوغِهَا.

стр. 1650

وَمِنْ بَابِ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) * فِيهِ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵁: ( … فَإِذَا قَدِمُوا المَدِينَةَ سَأَلُوا النَّاسَ) (٢)، وَفِي نُسْخَةٍ (٣): (فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ). فِي الحَدِيثِ زَجْرٌ عَنِ التَّكَفُّفِ وَكَثَرَةِ السُّوَالِ، وَتَرْغِيبٌ فِي التَّعَفُّفِ وَالقَنَاعَةِ بالإقلال. وَمِنْ بَاب: مُهَلُّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَأَبْوَابٍ بَعْدَهُ (مُهَلُّ) بِضَمِّ المِيمِ: مَوْضِعُ الإِهْلَالِ، مُفْعَل مِنْ أَهَلَّ يُهِلُّ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٤): الْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ: مِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ (٥)؛ وَمِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الجُحْفَةُ (٦)، وَمِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنٌ؛

стр. 1651

وَمِيقَاتُ أَهْلِ اليَمَنِ: اليَلَمْلَمُ (١) وَمِيقَاتُ أَهْلِ العِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالشَّرْقِ: ذَاتُ عِرْقٍ (٢). أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ الثَّلَاثُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: (وَمُهَلْ أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) (٣). وَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَقَالَ طَاوُسٌ: (وَلَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَا كَانَ حِينَئِذٍ أَهْلُ العِرَاقِ، وَإِنَّمَا وَقَّتَ النَّاسُ بَعْدَهُ ذَاتَ عِرْقٍ) (٤). وَذَهَبَ عَطَاءُ إِلَى [أَنَّ] (٥) ذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ (٦). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَمَا أَرَاهُ إِلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ (٧). وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: (لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 1652

لِأَهْلِ المَشْرِقِ، فَقَالَ: انْظُرُوا مَا حِيَالَ طَرِيقِهِمْ؟ فَقَالُوا: قَرْنٌ فَقَالَ: قِيسُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَاتُ عِرْقٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَطْنُ العَقِيقِ، فَوَفَّتَ عُمَرُ ﵁ ذَاتَ عِرْقٍ) (١). قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ (٢): وَلَوْ أَهَلُّوا مِنَ العَقِيقِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَهْلَ العِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ. وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (وَقَّتَ لِأَهْلِ

стр. 1653

الْمَشْرِقِ العَقِيقَ) (١) وَالعَقِيقُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَاسْتَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِالأَحْوَطِ. وَقَوْلُهُ: (هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ [مِمَّنْ] (٢) أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ). قَوْلُهُ: (هُنَّ لَهُنَّ وَمَنْ حَوْلَهُنَّ) أَيْ: هَذِهِ الْمَنَازِلُ وَالْمَوَاقِيتُ. (لَهُنَّ) لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَالْمَنَازِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الجَمَاعَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ نَجْدٍ، أَيْ: هَذِهِ البِقَاعُ الَّتِي هِيَ لِهَذِهِ الجَمَاعَاتِ المَذْكُورَاتِ.

стр. 1654

(وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ) أَيْ: عَلَى هَذِهِ البَقَاعِ. (مِنْ غَيْرِهِنَّ) أَيْ: مِنْ [غَيْرِ] (١) أَهْلِ هَذِهِ المَوَاقِيتِ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) أَيْ: مِمَّنْ كَانَ مَنْزِلُهُ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ. (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أَيْ: كَانَ مَنْزِلُهُ وَمُقَامُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَالَّذِينَ هُمْ دُونَ الْمِيقَاتِ أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ، وَالَّذِينَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ أَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ. وَقَوْلُهُ: (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أَيْ: فَمِنْ حَيثُ ابْتَدَأَ السَّفَرَ. (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) يَعْنِي: يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَجُمْلَهُ هَذَا أَنَّهُ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِالْمِيقَاتِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ وَبِالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ يُحْرِمُ مِنْهُ. وَفِي خَبَرِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٢): هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ بَلَدُهُ يُحْرِمُ مِنْهُ. * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ) (٣) يَعْنِي: البَصْرَةَ وَالكُوفَة.

стр. 1655

وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا) أَيْ: هُوَ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِنَا. وَقَوْلُهُ: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) أَيْ: مُقَابِلَهَا وَتِلْقَاءَهَا. * * * * وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا) (١) اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ صَلَّى بِهَا. وَمِنْ بَاب: خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ طَرِيقُ الشَّجَرَةِ: طَرِيقُ مَكَّةَ. كَانَ يَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرِّسِ، أَقْرَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ وَبَاتَ بِهَا. وَمِنْ بَاب: (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ) * حَدِيثُ: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلَّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) (٢). (العَقِيقُ): أَحَدُ المَوَاقِيتِ (٣).

стр. 1656

وَفِي قَوْلِهِ: (قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) تَفْضِيلٌ لِلْقِرَانِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ عُمْرَةٌ مُدْرَجَةً فِي حَجَّةٍ [عَلَى] (١) مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّ عَمَلَ العُمْرَةِ مُضَمَّنْ فِي عَمَلِ الحَجِّ، يُجْزِئُهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ. وَ (المُعَرِّسُ): مَوْضِعُ النُّزُولِ بِالسَّحَرِ. وَقَوْلُهُ: (يَتَوَخَّى بِالمُنَاخ) يَعْنِي: الْمَوْضِعَ يَنِخُ فِيهِ نَاقَتَهُ. وَ (يَتَحَّرَى): يَقْصِدُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: (وَسَطُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ بَطْنِ الوَادِي وَبَيْنَ الطَّرِيقِ. وَمِنْ بَاب: غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ * حَدِيثُ: صَفْوَانَ بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ (٢). قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ) يُقَالُ: تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ وَهُوَ إِذَا تَطَيَّبَ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ يَغِطُّ) مِنَ الغَطِيطِ، كَغَطِيطِ النَّائِمِ. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ أُظِلَّ بِهِ) أَيْ: جُعِلَ لَهُ كَالخَيْمَةِ يُسْتَظَلُّ بِهِ، (أُظِلَّ) فِعْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِيهِ ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) أَيْ: كُشِفَ عَنْهُ مَا يَغْشَاهُ مِنْ ثِقَلِ الوَحْيِ.

стр. 1657

فَمَنْ رَوَاهُ بِالتَّشْدِيدِ - وَالرِّوَايَةُ بِهِ أَكْثَرُ - فَمَعْنَاهُ: كُشِفَ عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَفِي الحَدِيثِ: (الحَسَاءُ يَسْرُو عَنِ فُؤَادِ السَّقِيمِ) (١)، أَيْ: يَكْشِفُ عَنْ فُؤَادِهِ، يُقَالُ: سَرَوْتُ الثَّوْبَ وَسَرَيْتُهُ إِذَا نَزَعْتُهُ. وَفِي الحَدِيثِ: (فَإِذَا مَطَرَتْ - يَعْنِي السَّحَابَةَ - سُرَّيَ عَنْهُ) (٢) أَيْ كُشِفَ عَنْهُ الخَوْفُ. وَقَوْلُهُ: (اغْسِلِ الطِّيبَ، وَانْزِعِ الجُبَّةَ) لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ التَّطَيُّبُ وَلُبْسُ المَخِيطِ. وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثُ مَرَّاتٍ) مُبَالَغَةٌ فِي الغَسْلِ لِيَزُولَ أَثَرُ الطِّيبِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَطَاءٌ. وَمِنْ بَابِ: الطِّيب عِنْدَ الإِحْرَامِ قَوْلُهُ: (وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ) (٣) شِبْهُ تَكَّةِ السَّرَاوِيلِ، يُشَدُّ عَلَى الوَسَطِ. وَ (التُّبَّانُ): شَبِيهُ [سِرْوَالٍ] (٤) قَصِيرٍ.

стр. 1658

وَ (الوَبِيصُ) البَرِيقُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ) أَيْ: شَدَّ، وَالْمُتَحَرِّمُ: الْمُتَلَبِّسُ. وَمِنْ بَاب: مَنْ أَهَلَّ مُلَبَّدًا يُقَالُ: لَبَّدَ الرَّجُلُ إِذَا جَمَعَ شَعْرَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَلَطَّخَهُ بِالصَّمْغِ لِئَلَّا يَقَعَ فِيهِ القَمْلُ. وَفِي الحَدِيثِ أَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَخْرَجْتُ كِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مُلَبَّدًا) (١) أَيْ: مُرَقَّعًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَاللَّبَدُ مَعْرُوفٌ، وَتَلَبَّدَتِ الأَرْضِ، وَلَبَّدَ الْمَطَرُ الأَرْضَ، وَيُقَالُ لِلْأَسَدِ: ذُو اللَّبْدَةِ، لأَنَّ قَطِيفَتَهُ تَتَلَبَّدُ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ الدَّمَاءِ، قَالَ الأَعْشَى (٢): [من الطَّوِيل] كَسَتْهُ بَعُوضُ القَرْيَتَيْنِ قَطِيفَةً … مَتَى مَا تَنَلْ مِنْ جِلْدِهِ يَتَلَبَّدُ وَيُقَالُ: لَبَّدَ الرَّجُلُ إِذَا جَعَلَ فِي رَأْسِهِ شَيْئًا مِنَ الصَّمْغِ لِئَلَّا يَقْمُلَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ [إِذَا] (٣) تَلَبَّدَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَمْلُ. * * *

стр. 1659

وَمِنْ بَاب: مَا لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلَا العَمَائِمَ) (١). لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ وَالسَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ، وَهُوَ كِسَاءُ [ … ] (٢) الرَّأْس وَنَحَّاهُ مِنْهُ مَا تَحْتَ الحَنَكِ لِيَسْتَمْسِكَ وَلَا يَقَعَ. وَحُكْمُ القَلَنْسُوَةِ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا غَطَّى الرَّأْسَ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَلَهُ خُفَّانِ قَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَين وَلَبِسَهُمَا، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنِ التَّطَيُّبِ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي بَدَنِهِ، وَكَذَلِكَ الطِّيبُ فِي طَعَامِهِ، وَالاكْتِحَالُ بِالكُحْلِ الَّذِي فِيهِ طِيبٌ. وَمِنْ بَابِ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ … ) (٣). (تَرَجَّلَ): أَيْ سَرَّحَ شَعْرَ رَأْسِهِ، يُقَالَ رَجَلْتُ الشَّعْرَ، أَيْ: مَشَطْتُهُ.

стр. 1660

وَقَوْلُهُ: (تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ) الْمُرْتَدِعُ قَالَ (١): [من البَسِيط] ....................... … يَجْرِي بِدِيبَاجَتَيْهِ الرَّشْحُ مُرْتَدِعُ وَقَوْلُهُ: (لَا تَلَثَّمْ) (٢) أَيْ: لَا تَتَلَثَّمْ، مِنَ اللِّثَامِ، وَهُوَ مَا تُغَطَّى بِهِ الشَّفَةُ مِنَ الثَّوْبِ. (وَلَا تَبَرْقَعْ) أَيْ لَا تَتَبَرْقَعْ، مِنَ البُرْقُعِ، وَهُوَ مَا يُغَطَّى بِهِ الوَجْهُ. وَمِنْ بَابِ: التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الإِهْلَالِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا). قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا) يَعْنِي: الهَدْيَ بِمَكَّةَ. (وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ) (٣) يَعْنِي: الأُضْحِيَّةَ فِي عِيدِ الأَضْحَى. وَ (الأَمْلَحُ): الأَبْيَضُ الَّذِي يُخَالِطُهُ سَوَادٌ. * * *

стр. 1661

وَمِنْ بَابِ: الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ) ثُمَّ قَالَ: (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ) (١). قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَقْتَ الإِحْرَامِ، وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيهِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): الإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى التَّلْبِيَةِ وَلَا إِلَى غَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حَتَّى تَنْضَافَ إِلَيْهِ التَّلْبِيَةُ أَوْ سَوْقُ الهَدْيِ. وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى خَلَّادُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَانِي جبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ) (٥).

стр. 1662

قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الاسْتِحْبَابُ. وَمِنْ بَابِ: التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي * فِيهِ حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ (١)، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يَحُجُّ. وَمِنْ بَابِ: كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ؟ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ)، وَفِي نُسْخَةٍ: (هَذَا مَكَانُ عُمْرَتِكِ) أَيْ: بَدَلُّ، وَيَجُوزُ بِالنَّصْبِ. وَفِيهِ: (انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ). كَانَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٣) يَتَأَوَّلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِأَنْ تَدَعَ عَمَلَ العُمْرَةِ،

стр. 1663

وَتُدْخِلَ عَلَيْهَا الحَجَّ فَتَكُونَ قَارِنَةً، لَا أَنْ تَدَعَ العُمْرَةَ نَفْسَهَا. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): وَقَوْلُهُ (انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي) لَا يُشَاكِلُ هَذِهِ القَضِيَّة. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢) يَتَأَوَّلُ أَيْضًا أَنَّ عُمْرَتَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ لِدُخُولِها في عقدِ الإحْرَام بِالحَجِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ تَطْييبَ نَفْسِهَا بِذَلِكَ حِينَ قَالَتْ: (مَا بَالُ نِسَائِكَ يَنْصَرِفْنَ بِعُمْرَةٍ وَأَنْصَرِفُ بِلَا عُمْرَةٍ) (٣). وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ : (دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي)، ثُمَّ قَوْلِهِ لَهَا: (هَذَا مَكَانُ عُمْرَتِكِ) يُوهِمُ مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى [التَّرْخِيص] (٤) فِي نَسْخِ العُمْرَةِ كَمَا أَذِنَ فِي نَسْخِ الحَجِّ، وَهُوَ وَجْهٌ بَعِيدٌ. وَمِنْ بَاب: مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ - قَدِمَ عليٌّ ﵁ عَلَى النَّبِي ﷺ مِنَ اليَمَنِ فَقَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) (٥)، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (فَأَهْدِ

стр. 1664

وَامْكُثْ حَرَامًا). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، لِأَنَّ الهَدْيَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى القَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ دُونَ الْمُفْرِدِ. وَلَوْ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ مُتَمَتِّعًا لَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِلْحَجِّ إحْرَامًا، فَلَمَّا [أَمَرَهُ [(٢) بِأَنْ يَمْكُثَ [حَرَامًا [(٣) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَارِنٌ. وَقَوْلُهُ: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الإِحْرَامِ عَلَى سَبِيلِ إِرْسَالِ النِّيَّةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ لِلنَّوْعِ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الحَجِّ، ثُمَّ لَهُ تَعْيِينُهُ بَعْدُ، قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ. قَالَ (٤): وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، فَنَوَى القِرَانَ وَقْتَ عَقْدِ الإِحْرَامِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَلْتَ به). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ، لأَنَّ [الثَّابِتَ] (٦) عِنْدَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ.

стр. 1665

قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا يَخْتَلِفُ أَنَّ الإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنَ القِرَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ؛ فَفِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ: الإِفْرَادُ أَفْضَلُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١). وَفِي الثَّانِي: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢). وَ [قَالَ] (٣) أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالثَّوْرِيُّ (٥) فِي القِرَانِ: أَفْضَلُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَنَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ (٦).

стр. 1666

وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) (١). قَالَ: وَلِأَنَّهِ يَأْتِي بِالعِبَادَتَيْنِ فِي وَقْتٍ شَرِيفٍ، وَهُوَ أَشْهُرُ الحَجِّ. وَدَلِيلُ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، وجَابِرٍ (٢)، وَعَائِشَةُ ﵃، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الحَجَّ (٣). وَلِأَنَّ الإِفْرَادَ يُأْتَى فِيهِ بِالعِبَادَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، لَا يَتَدَاخَلُ شَيْءٌ مِنْهُمَا، فَكَانَ أَفْضَلَ. قالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ التَّمَتُّعِ؛ فَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ تَطييبًا لِقَلْبِ أَصْحَابِهِ؛ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جَابِرًا ﵁ رَوَى: (أَحْرَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْرَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ

стр. 1667

وَقَفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ يَنْتَظِرُ القَضَاءَ) (١). وَ [نَزَلَ] (٢) عَلَيْهِ القَضَاءُ بِأَنَّ مَنْ سَاقَ الهَدْيَ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَمَنْ لَمْ يَسُقُ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاقَ الهَدْيَ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَلَمْ يَسُقُ غَيْرُهُمَا. بَابُ قَوْلِ اللهِ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالُ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ (٤). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ (٥).

стр. 1668

وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَكَرْمَانَ (١).

стр. 1669

* وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، وَنَزَلْنَا بِسَرِفَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيُ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا) (١). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالُ، وَذُو القِعْدَةِ، وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ (٢). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: وَلَيْلَةُ النَّحْرِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تِسْعَةُ أَيَّامٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ (٣). وَاعْتَرَضَ ابْنُ دَاوُدَ (٤) عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: قَوْلُهُ (تِسْعٌ) إِنْ أَرَادَ بِهَا اللَّيَالِيَ فَهُوَ

стр. 1670

خَطَأٌ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ عَشْرٌ، وَإِنْ أَرَادَ الأَيَّامَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي اللُّغَةِ، لِأَنَّ الأَيَّامَ فِي العَدَدِ بِالهَاءِ كَقَولِهِ: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامَ، فَغَلَّبَ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، وَالعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّذْكِيرَ إِلَّا فِي العَدَدِ، تَقُولُ: سِرْتُ عَشْرًا، تُرِيدُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) وَأَرَادَ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي (٣). وَإِنَّمَا أَفْرَدَ لَيْلَةَ النَّحْرِ عَنْ ذَلِكَ وَذَكَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لأَنَّ الإِحْرَامَ مُسْتَحَبٌّ قَبْلَهَا، لأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ مَا بَقِيَ فِيهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالُ، وَذُو القِعْدَةِ، وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ (٤)، فَأَدْخَلُوا يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ (٥). وَحكِي عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ (٦): شَوَّالُ، وَذُو القِعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٧).

стр. 1671

وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: رُوِيَ [عَنِ] (١) ابن مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَابنِ الزُّبَيْرِ (٢) أَنَّهُمْ قَالُوا: (شَهْرَانِ وَعَشْرُ لَيَالٍ). قَالُوا: وَإِذَا أُطْلِقَ ذَلِكَ اقْتَضَى بِعَدَدٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَدْخُلُ فِيهِ. وَدَلِيلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيُّ: قَوْلُهُ ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٣). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَالِكٍ (٤): أَنَّ تَقْدِيرَهُ إِحْرَامُ الحَجِّ وَأَفْعَالُ الحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يُفْعَلُ [فِي] (٥) ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِحْرَامٌ بِالحَجِّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ يُكْرَهُ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٦) وَذَلِكَ جَائِزٌ يَوْمَ النَّحْرِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ فِي أَوَّلِهِ وَيَحِلُّ لَهُ الجِمَاعُ.

стр. 1672

وَمَا رَوَوْهُ عَنِ الصَّحَابَةِ فَلَا تَدْخُلُ الأَيَّامُ فِي لَفْظِ اللَّيَالِي إِلَّا بِمَا أَرَادَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَلَا يَلْزَمُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَبَّرَ [عَنِ] (١) الاثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ بِلَفْظِ الجَمْعِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) وَقَدْ أَجْمَعْنَا مَعَ مَالِكٍ أَنَّ الأَقْرَاء الأَطْهَارُ (٣)، وَأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ احْتُسِبَ بِبَقِيَّةِ الظُّهْرِ قُرْءٌ، فَيَكُونُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَالعَرَبُ تَقُولُ: لِثَلَاثٍ خَلَونَ وَإِنْ كَانُوا فِي الثَّالِثِ. فَصْلٌ وَقَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ الْحَجِّ) (٤). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٥): إِذَا أَحْرَمَ بِالحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ، وَانْعَقَدَ بِالعُمْرَةِ، وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ: (سُئِلَ: أَيُّهَلُ بِالحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ؟ فَقَالَ: لا) (٦).

стр. 1673

وَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣) قَبْلُ، وَأَحْمَدُ (٤): يُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ، فَإِنْ أَحْرَمَ انْعَقَدَ حَجُّهُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٥). وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٦)، وَتَقْدِيرُهُ: وَقْتُ الحَجِّ، أَوْ أَشْهُرُ الحَجِّ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيهِ مُقَامَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا وَقتُهُ لَمْ يَجُزِ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ (٧). وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٨) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ لِلنَّاسِ وَبَعْضُهُ

стр. 1674

لِلْحَجِّ، وَتُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَصْلٌ وَكَرَاهَهُ عُثْمَانَ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ (١)، وَفِي البُوَيْطِي عَنِ الشَّافِعِيِّ (٢): أَنَّ الإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤). وَقَالَ فِي الإِمْلَاءِ (٥): الأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَلَدِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦). وَوَجْهُ القَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ النَّبِيَّ الله ﷺ أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ (٧)، وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا الأَفْضَلَ. وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيرِ الإِحْرَامِ تَقْدِيرًا بِالعِبَادَةِ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ رَجُلٍ كَثِيرِ المَعَاصِي وَآخَرَ قَلِيلِ الطَّاعَاتِ، فَقَالَ: (السَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ) (٨).

стр. 1675

وَوَجْهُ القَوْلِ الآخَرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَليٍّ ﵁ أَنَّهُمَا قَالَا: (إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ) (٢). وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ): تُرِيدُ ذَا القِعْدَةِ وَذَا الحِجَّةِ. وَ (حُرُمِ الحَجِّ) تُرِيدُ: وَقْتَ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ. وَقَوْلُهَا: (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، مَكَانٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ (٣)، وَلَا يَنْصَرِفُ، لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ وَالتَّعْرِيفِ، وَ (الهَدْيُ) مَا يُهْدَى إِلَى البَيْتِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) فِيهِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا يَجْعَلْهَا عُمْرَةً.

стр. 1676

وَقَوْلُهُ: (مَا يُبْكِيكِ يَا هَنَتَاهُ) يُقَالُ: هَنَ، كِنَايَةً عَنِ الشَّيْءٍ لَا يَذْكُرُهُ بِاسْمِهِ، وَلِلْمُؤَنَّثِ هَنَةٌ. وَالأَلِفُ وَالهَاءُ فِي آخِرِهِ كَالأَلِفِ وَالهَاءِ فِي النُّدْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ النُّونَ. وَقَوْلُهُ: (قَالَ: لَا يَضِيرُكِ) أَيْ: لَا يَضُرُّكِ، يُقَالُ: ضَارَهُ يَضِيرُهُ، وَضَرَّهُ يَضُرُّهُ. وَقَوْلُهُ: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) اليَاءُ لإِشْبَاعِ كَسْرَةِ الكَافِ. وَقَوْلُهَا: (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) النَّفَرُ: القَوْمُ يَنْفِرُونَ مِنْ مِنِّي، وَمَعْنَى النَّفْر: الانْطِلَاقُ وَالرُّجُوعُ، يُقَالُ: اسْتَنْفَرَنَا الأَمِيرُ أَيْ: دَعَانَا إِلَى قِتَالِ العَدُوِّ فَنَفَرْنَا أَيْ: انْطَلَقْنَا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) أَيْ: أَنْتَظِرُكُمَا. (حَتَّى تَأْتِيَانِ)، أَيْ: (حَتَّى تَأْتِيَانِي) فَحُذِفَتِ اليَاءُ تَخْفِيفًا، وَكَسْرَةُ النُّونِ تدُلُّ عَلَيْهِ. وَ (المُحَصَّبُ) بِفَتْحِ الصَّادِ: مَوْضِع بِقُرْبِ مَكَّةَ (١). وَقَوْلُهُ: (فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ) أَيْ: أَخْبَرَهُمْ بِالارْتِحَالِ، يُقَالُ: آذَنْتُهُ أَيْ: أَعْلَمْتُهُ. وَفِي القُرْآنِ: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٣).

стр. 1677

وَمِنْ بَابِ: التَّمَتُّعِ وَ [القِرَانِ] (١) وَالإِفْرَادِ فِي الحَجِّ، وَفَسْخِ الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَج فَلَمَّا قَدِمْنَا [تَطَوَّفْنَا] (٢) بِالبَيْتِ) (٣). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٤): أُنْزِلَتْ فَرِيضَةُ الحَجِّ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٥): وُجُوبُ الحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي لَا أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ فِعْلِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ المُسْتَحَبَّ تَعْجِيلُهُ، فَإِنْ أُخِّرَ جَازَ وَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (٦) أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ أَيْمَ وَعَصَى (٧).

стр. 1678

قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): فَرِيضَةُ الحَجِّ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَأَخَرَ لِأَصْحَابِهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ كَانَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِيهَا مُوَسَّعًا كَانَ وُجُوبُ فِعْلِهَا مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ، وَعَكْسُهُ الصَّوْمُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إِذَا أَخَّرَ فِعْلَ الحَجَّ ثُمَّ فَعَلَهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ لَمْ يَأْثَمْ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُقَالُ لِمَنْ لَزِمَهُ الحَجُّ وَقَدَرَ عَلَيْهِ: يَجُوزُ [لَكَ] (٢) أَنْ تُؤَخِّرَهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَأَنَّكَ تَفْعَلُهُ فِيمَا بَعْدُ، فَإِنْ مُتَّ وَلَمْ تَفْعَلْ عَصَيْتَ. قَالَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ [مَنْ] (٣) يَقُولُ: إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، فَإِنْ أَدَّى إِلَى تَلَفٍ نَفْسِهَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ لِمَنْ لَزِمَهُ الحَجُّ وَقَدَرَ عَلَيْهِ: لَكَ أَنْ تُؤَخِّرَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّكَ أَنَّكَ إِنْ أَخَّرْتَهُ فَاتَكَ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَصَى بِالتَّأْخِيرِ. قَوْلُها: (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ) أَيْ: لَا نَظُنُّ إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُحْرِمُونَ (٤) بِالحَجِّ. (فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا) يُقَالُ: طَافَ وَتَطَوَّفَ. وَقَوْلُهُا: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصَبَةِ) التَّحْصِيبُ: النَّوْمُ بِالشِّعْبِ الَّذِي مَخْرَجُهُ

стр. 1679

إِلَى الأَبْطَح سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانَ مَوْضِعًا نَزَلَه النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسُنَّهُ لِلنَّاسِ؛ فَمَنْ شَاءَ حَصَّبَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُحَصِّبْ. وَالْمُحَصَّبُ: مَوْضِعُ الجِمَارِ بِمِنىً. وَقَوْلُهُ: (فَأَهِلِّي بِعُمْرَةِ) الإِهْلَالُ هَا هُنَا التَّلْبِيَةُ، وَأَصْلُ الإِهْلَالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ مُهِلٌّ وَمُسْتَهِلٌّ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ، قَالَ: (لَا يُوَرَّثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا) (١) وَذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِصَوْتِهِ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ حَيًّا. وَأَهَلَّ بِالحَجِّ: إِذَا لَبَّى وَرَفَعَ بِهِ صَوْتَهُ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْإِهْلَالِ مَخَافَةَ الافْتِتَانِ بِهَا، قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [من السَّرِيع] يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ وَقَالَ النَّابِغَةُ (٣): [من الكَامِل] كَمُضِيئَةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا … أَوْ دُمْيَةٍ مِنْ مَرْمَرٍ مَرْفُوعَةٍ بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ … بُنيَتْ بِآجُرٍّ يُشَادُ وَقَرْمَد

стр. 1680

أَرَادَ بِـ (الْمُضِيئَةِ): الدُّرَّةَ النَيِّرَةَ، وَ (صَدَفِيَّةٍ): مَنْسُوبَةٌ إِلَى صَدَفٍ. وَأَرَادَ بِـ (الغَوَّاصِ): الْمَلَّاحَ الَّذِي يُخْرِجُ تِلْكَ الدُّرَّةَ مِنَ البَحْرِ، و (البَهِجُ): الفَرِحُ المَسْرُورُ. وَقَوْلُهُ: (يُهِلُّ) أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. وَالأَصْلُ فِي الإِهْلَالِ: أَنْ يَرَى الرَّجُلُ الهِلَالَ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، يَقُولُ: رَأَيْتُ الهِلَالَ، أَوْ يَذْكُرُ الله رَافِعًا صَوْتَهُ. وَ (الدُّمْيَةُ): الصُّورَةُ الْمُنْقَشَةُ، وَ (الْمَرْمَرُ) حَجَرٌ أَمْلَسُ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لأَنَّ الصُّوَرَ عَلَيْهِ أَحْسَنُ، وَقَالَ: (مَرْفُوعَةٍ): لأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ كَانَ أَحْسَنَ فِي عَيْنِكَ، يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تُشْبِهُ دُرَّةً صَافِيَّةَ اللَّوْنِ إِذَا أَخْرَجَهَا مَلَّاحُهَا مِنَ الصَّدَفِ؛ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، وَسَجَدَ شُكْرًا لَهُ أَنَّ صُورَةً مُنْقَشَةً فِي حَجَرِ الرُّخَامِ إِذَا تَأَمَّلْتَهَا فِي مَكَانٍ عَالٍ أَعْجَبَكَ حُسْنُهَا وَبَهَاؤُهَا. وَقَوْلُهَا: (مَا أَرَانِي إِلَّا حَابِسَتَهُمْ) أَيْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا مَانِعَتَهُمْ مِنَ الخُرُوجِ، وَأَنَّهُمْ يَتَوَقَّفُونَ بِسَبَبِي. قَالَ: (عَقْرَى حَلْقَى) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): العَقْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي القَوَائِم، عَقَرَهُ: إِذَا قَطَعَ قَائِمَةً مِنْ قَوَائِمِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ ثَمُودَ: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ (٢)، أَيْ: تَعَاطَى الشَّقِيُّ عَقْرَ النَّاقَةِ، فَبَلَغَ مَا أَرَادَ.

стр. 1681

وَقِيلَ: العَقْرُ عِنْدَ العَرَبِ: قَطْعُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ، ثُمَّ جُعِلَ النَّحْرُ عَقْرًا، لأَنَّ العَقْرَ سَبَبٌ لِنَحْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ نَاحِرَ البَعِيرِ [يَعْقُرُهُ وَيَنْحَرُهُ] (١). قَالَ (٢): وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ العَرَبِ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ وُقُوعِهِ. قَالَ شَمِر: قُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدِ: لِمَ لَا تُجِيزُ عَقْرَى حَلْقَى؟ قَالَ: لِأَنَّ فَعْلَى تَجِيءُ نَعْتًا، [وَلَمْ تَجِئْ] (٣) فِي الدُّعَاءِ، قُلْتُ: رَوَى ابْنُ شُمَيْلِ عَنِ العَرَبِ: مُطَيَّرَى، وَعَقْرَى أَخَفُّ مِنْهَا؟ فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَقَالَ: صَيَّرُوهُ عَلَى وَجْهَينِ. * * * * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرُ الْفُجُورِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرُ، وَعَفَا الأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ) (٤). قَوْلُهُ: (إِذَا بَرَا الدَّبَر) يَعْنِي الدَّبَرَ عَلَى ظُهُورِ الإِبِلِ إِذَا انْصَرَفَتْ عَنِ الحَجِّ، دَبَّرَتْ ظُهُورُهَا. (وعَفَا الأَثَرُ): أَيْ: ذَهَبَ أَثَرُ الدَّبَرِ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ بِمَعْنَى دَرَسَ وَانْمَحَى، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: (وَعَفَا الوَبَر) (٥) يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ.

стр. 1682

وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَسْخِ الحَجِّ بِالعُمْرَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ: ابن عَبَّاسٍ (١) وَجَابِرٌ (٢)، وَأَنَسٌ (٣)، وَعَائِشَةُ (٤)، وَحَفْصَةُ (٥). وَقَوْلُهُ (٦): (أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ) يَعْنِي: حِلٌّ يَحِلُّ لَهُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، حَتَّى غِشْيَانُ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ تَمَامُ الحِلِّ. وَقَوْلُهُ: (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ) أَيْ: رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. *وَفِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: (وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ) (٧) أَيْ: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ، وَإِظْهَارُ التَّضْعِيف لُغَةٌ. وَقُولُهُ: (لَبَّدْتُ رَأْسِي) التَّلْبِيدُ: عِلاجُ الشَّعَرِ بِالصَّمْغ وَنَحْوِهِ حَتَّى يَجْتَمَعَ وَيَتَلَبَّدَ، فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الغُبَارُ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ الدَّبِيبُ. وَإِنَّمَا [يَفْعَلُهُ] (٨) مَنْ [يَطُولُ] (٩) مُكْثُهُ، وَتَتَطَاوَلُ الْأَيَّامُ بِهِ فِي قَضَاءِ أَعْمَالِ

стр. 1683

الحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ، دُونَ الْمُعْتَمِرِ الَّذِي هُوَ إِنَّمَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ، فَإِذَا هُوَ قَدْ حَلَّ. وَفِي قَوْلِهَا: (لَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ هُنَاكَ عُمْرَةٌ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: (وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (١) أَيْ: لَا يَحِلُّ مِنِّي مَا حَرُمَ عَليَّ حَتَّى أَذْبَحَ الهَدْيَ. وَمِنْ بَاب قَوْلِ اللهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): وَحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِينَ لَا مُتْعَةَ عَلَيْهِمْ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ لَيْلَتَيْنِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ صَحَّ تَمَتُّعُهُ وَقِرَانُهُ، وَلَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الحَرَامِ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَالحَرَمِ، وَمِنَ الحَرَمِ عَلَى مَسَافَةٍ لَا يَقْصُرُ إِلَيْهَا الصَّلَاةَ، وَمَنْ كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٥): حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الحَرَامِ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوَى
следующие страницы →