← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1749–1788 · переход к 1754.

стр. 1749

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): يُجْزِئُ. وَمِنْ بَابِ: لَا يُعْطِي الجَزَّارَ مِنَ الهَدْيِ شَيْئًا * حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁: (وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا) (٢). (الجُزَارَةُ) بِضَمِّ الجِيمِ أَجْرَةُ الجَزَّارِ، وَقِيلَ: الجُزَارَةُ: مَا يَسْقُطُ مِنَ الجَزُورِ، فَلَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ [٢١٠] (مِنْ جُزَارَتِهَا) جَازَ أَنْ يُقَالَ: لَا يُعْطَى مِنْ بَعْضِ الجَزُورِ أُجْرَةً لَهُ (٣). وَالْمَعْنَى: كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الهَدْيِ، لَا يَجُوزُ أَجْرُ الجَزَّارِ مِنَ الهَدْيِ، لأَنَّ الهَدْيَ لِلتَّصَدُّقِ، أَوْ لِيُؤْكَلَ مِنْهُ وَيُهْدَى. وَمِنْ بَابِ: الذَّبْحِ قَبْلَ الحَلْقِ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مُرَتَّبَةٌ، وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبُهَا: يَرْمِي الجَمَرَةَ، ثُمَّ يَذْبَحُ، ثُمَّ يَحْلِقُ، ثُمَّ يَطُوفُ.

стр. 1750

وَالسَّائِلُ قَدَّمَ وَأَخَّرَ، قَدَّمَ الطَّوَافَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) (١). وَطَوَافُ الفَرْضِ وَيُدْعَى - طَوَافَ الزِّيَارَةِ - قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، وَالذَّبْحُ قَبْلَ الحِلَاقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢). وَأَخَّرَ الرَّمْيَ وَكَانَ حَقَّهُ أَنْ يُقَدَّمَ، فَلَمْ يُعَنَّفْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الجَهْلِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ [وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ:] (٣) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، وَلَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي) (٤). * وفي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (فَقَالَ: لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ) (٥)؛ لِأَنَّ الإِثْمَ مَوْضُوعٌ عَنِ الجَاهِلِ وَالنَّاسِي. وَالسَّائِلُ قَدْ أَتَى بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ، إِلَّا [أَنَّهُ] (٦) تَرَكَ فِيهَا التَّرْتِيبَ. وَفِي قَوْلِهِ: (لَا حَرَجَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابن عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: (مَنْ قَدَّمَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ أَخَرَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ) (٧).

стр. 1751

وَالْمُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ الطَّوَافُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَمِنْ بَابِ: الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ) (١). قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): كَانَ عَادَةُ أَكْثَرِ العَرَبِ اتِّخَاذُ الشَّعَرِ عَلَى الرُّؤُوسِ وَتَوْفِيرُهَا، وَكَانَ التَّسْبِيدُ (٣) وَالحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنَ الشُّهْرَةِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الحِلَاقُ، فَمَالُوا إِلَى القَصِّ والتَّقْصِيرِ، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالإِحْلَالِ كَمَا تَقَدَّمَ بِالحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا: كَيْفَ نُحِلُّ وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ، وَإِنَّمَا الحَلْقُ [بَعْدَ] (٤) أَنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَاسْتَبْطَأَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمْ: افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَقَالَ:

стр. 1752

(لَوْلَا أَنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْتُ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ وَحَلَقْتُ) (١). فَلَمَّا أَحَلُّوا كَانَ مَعَهُمْ مَنْ حَلَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ وَلَمْ يَحْلُقْ لِمَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَفِي رِوَايَةٍ: (قَالَ فِي [الرَّابِعَةِ] (٢): وَالمُقَصِّرِينَ) (٣) اسْتَحَقَّ الدُّعَاءَ مَنْ حَلَقَ أَكْثَرَ مِمَّنْ (٤) قَصَّرَ. * حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ﵁: (قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ) (٥). قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٦): الْمِشْقَصُ: سَهْمٌ فِيهِ نَصْلٌ عَرِيضٌ. يَعْنِي: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ عُمَرِهِ، وَالْعُمَرُ جَمْعُ: عُمْرَةٍ، وَالحَلْقُ: حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ. حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَقَصَّرَ فِي بَعْضِ العُمَرِ، وَالتَّقْصِيرُ: أَنْ يَجُزَّ شَعَرَاتٍ أَوْ بَعْضَ الشَّعَرِ. رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَنَحَرَ، نَاوَلَ

стр. 1753

الحَلَّاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ شِقَّهُ الأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ) (١). وَمِنْ بَابِ: الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ * رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا ثُمَّ يَقِيلُ ثُمَّ يَأْتِي مِنًى) (٢)، يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ. (يَقِيلُ) مِنَ القَيْلُولَةِ. * وَحَدِيثُ: (كَانَ يَزُورُ البَيْتَ أَيَّامَ مِنًى) (٣) يَعْنِي الطَّوَافَ.

стр. 1754

* وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ قَالَ: (حَابِسَتُنَا هِي، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: اخْرُجُوا) (١)، ظَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، [فَتَحْبِسَهُمْ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ فَتَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ] (٢)، فَلَمَّا قَالُوا أَفَاضَتْ [يَوْمَ النَّحْرِ، أَيْ: طَافَتْ طَوَافَ الفَرْضِ، قَالَ: اخْرُجُوا، رَخَّصَ لَهَا فِي تَرْكِ طَوَافِ الوَدَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى قَوْلِ] (٣) أَكْثَرِ العُلَمَاءِ. وَمِنْ بَابِ الخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) (٤). * وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: (أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) (٥)، يَعْنِي: أَلَيْسَ اليَوْمَ يَوْمُ النَّحْرِ. وَ (يَوْمَ النَّحْرِ) نَصْبُ خَبَرِ لَيْسَ، وَيَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ [اسْمَ لَيْسَ] (٦). وَقَوْلُهُ: (قَالَ: أَلَيْسَ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ)، يُرِيدُ قَوْلَهُ : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ

стр. 1755

رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (١). وَقِيلَ: البَلْدَةُ اسْمٌ خَاصٌّ بِمَكَّةَ. وَمِنْ بَابِ: هَلْ يَبِيتُ أَهْلُ السِّقَايَةِ؟ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ فِي هَذَا. وَمِنْ بَابِ رَمْي الجِمَارِ * حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁: (كُنَّا نَتَحَيَّنُ) (٢). (نَتَحَيَّنُ): نَتَفَعَّلُ مِنَ الحِينِ، وَالحِينُ: الزَّمَانُ، أَيْ: نُرَاقِبُ الوَقْتَ، يُقَالُ: حَيَّنْتُ الشَّاةَ، أَيْ: جَعَلْتُ لَهَا وَقْتًا لِلْحَلْبِ. * فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ ﵁: (وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ) (٣)، أَيْ: أُنْزلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ. [اسْتَبْطَنَ الوَادِي] (٤) يَعْنِي: أَتَى بَطْنَ الْوَادِي. (حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ) (٥) أَيْ: قَابَلَهَا.

стр. 1756

(اعْتَرَضَهَا) أَيْ: عَرَضَهَا، وَتَعَرَّضَ لَهَا. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ) (١) أَيْ: يَأْتِيَ السَّهْلَ مِنَ الْأَرْضِ. (ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ) أَيْ: ذَاتَ الشِّمَالِ، أَيْ: جَانِبَ الشِّمَالِ. (فَيُسْهِلَ): قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): السَّهْلُ خِلافُ الجَبَلِ. (ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ) أَيْ: جَمْرَةَ العَقَبَةِ. وَقَوْلُهُ (كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا) (٣)، وَيُرْوَى بِكَسْرِ الدَّالِ: تَأْنِيثُ الْأَدْنَى، يُرِيدُ الجَمْرَةَ الَّتِي هِيَ أَقَرَبَ إِلَى مَكَّةَ. * وفي حَدِيثِ الزُّهْرِي: (ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ) (٤) أَيْ: نَاحِيَّةَ اليَسَارِ. *وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ [عَهْدِ] (٥) هِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ) (٦)، يُرِيدُ: طَوَافَ الوَدَاعِ، أَيْ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ، أَيْ: تَرْجِعَ وَتَتْرُكَ طَوَافَ الوَدَاعِ إِذَا طَافَتْ طَوَافَ الْفَرْضِ.

стр. 1757

* وَحَدِيثُ: (ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ) (٢)، يَعْنِي: لَيْلَةَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى. وَقَوْلُها: (أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ) (٣) أَصْعَدَ لُغَةٌ فِي صَعِدَ. وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ التَّحْصِيبُ فِي شَيْءٍ) (٤) أَيْ: بِشَيْءٍ مِنْ مَنَاسِكِ الحَجِّ، يَعْنِي: النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ، يَعْنِي: مَنْ شَاءَ نَزَلَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ. بَابُ: النُّزُولِ بِذِي طِوًى بِكَسْرِ الطَّاءِ (٥): مَكَانٌ يَنْزِلُهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ. (وَالنُّزُولِ بِالبَطْحَاءِ) (٦) مَكَانٌ بِذِي الحُلَيْفَةِ يَنْزِلُهُ مَنْ رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَمِنْ بَابِ: الْإِدْلَاجِ بِالْمُحَصَّبِ (الإِدْلَاجُ): السَّيْرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ.

стр. 1758

وَقَوْلُهُ: (عَقْرَى حَلْقَى) (١) قَدْ مَضَى الكَلَامُ فِيهِ. وَمِنْ بَابِ وُجُوبِ العُمْرَةِ، وَبَابِ: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ * حَدِيثُ (وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ [عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ] (٢) ﵂) (٣) يَعْنِي: الاِسْتِيَاكَ. وَحَدِيثُ قَتَادَةَ: (سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁: كَم اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ أَرْبَعًا: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ أَرَاهُ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً) (٤). وَفِي رِوَايَةٍ: (وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ) (٥). وَفِي رِوَايَةٍ: (اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ) (٦). وَفِي رِوَايَةِ البَرَاءِ ﵁: (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ) (٧).

стр. 1759

وَمِنْ بَابِ: عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ (وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ) (١)، أَيْ: بَعِيرًا نَسْتَقِي عَلَيْهِ، وَنَسْقِي مِنْهُ الْأَرْضَ. قَوْلُهُ: (فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ) (٢)، أَيْ: قَرُبَ مِنِّي، يُقَالُ: أَظَلَّنِي فُلَانٌ، وَإِنَّمَا ظُلَّ لِأَنَّ ظِلَّهُ كَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْكَ مِنْ قُرْبِكَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) (٣)، أَيْ: لَوْ عَلِمْتُ مِنْ أَمْرِي فِي الأَوَّلِ مَا عَلِمْتُ فِي الآخِرِ. وَمِنْ بَاب: أَجْرِ العُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ (يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ) (٤)، أَيْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ. (وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ)، أَيْ: وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكَ أَوْ نَصَبِكَ) النَّصَبُ [التَّعَبُ] (٥). وَقَوْلُهُ: (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) (٦) لَمْ يَنْصَرِفُ لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّعْرِيفِ، وَالرَّاءُ مِنْهُ مَكْسُورَةٌ.

стр. 1760

وَمِنْ بَابِ: يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الحَجِّ * حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ) (١). الجِعْرَانَةُ: بِسُكُونِ العَيْنِ (٢). (وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ) وَالخَلُوقُ: طِيبٌ. وَقَوْلُهُ: (كَغَطِيطِ البَكْرِ) أَيْ: كَصَوْتِ الفَتَى مِنَ الإِبِلِ. * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ) (٣). (مَنَاةُ): صَنَمٌ، وَلَا يَدْخُلُهَا الكَسْرُ وَالتَّنْوِينُ، وَتَكُونِ فَي حَالِ الجَرِّ مَفْتُوحَةً لأَنَّهَا مُؤَنَّتْ مَعْرُوفَةٌ. وَ (حَذْوَ قُدَيْدٍ) أَيْ: مُقَابِلَ قُدَيْدٍ، وَقَدَيْدُ مَوْضِعٌ (٤). وَمِنْ بَابِ: مَتَى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ * حَدِيثُ: (قَالَ: بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ

стр. 1761

وَلَا نَصَبَ) (١). (البَيْتُ): القَصْرُ. وَ (القَصَبُ): الدُّرُّ الْمُجَوَّفُ. وَ (لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ)، أَيْ: أَهْلُهُ لَا يَصْخَبُونَ، وَلَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ، وَصَاحِبُهُ لَا يَلْحَقُه فِي بِنَائِهِ تَعَبُّ، أَيْ: بَيْتٌ بَعِيدٌ مِنَ الْآفَاتِ (٢). وَمِنْ بَابِ: مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؟ قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ) (٣)، أَيْ: مَكَانٍ مُشْرِفٍ مُرْتَفِعٍ. و (قفل): رَجَعَ. (آيبُونَ): رَاجِعُونَ، أَيْ: رَجَعَ فَهُوَ آيِبٌ. (اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ) (٤)، أُغَيْلِمَةُ تَصْغِيرُ غِلْمَةٍ، وَغِلْمَةٌ جَمْعُ غُلَامٍ. (لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ) (٥)، أَيْ: لَا يَأْتِيهِمْ لَيْلًا إِذَا رَجَعَ مِنَ السَّفَرِ.

стр. 1762

وَمِنْ بَابِ مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ الْمَدِينَةَ * حَدِيثُ أَنَسٍ: (فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ) (١). يُرِيدُ: طُرُقَهَا الْمُرْتَفِعَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: (جُدْرَاتِ المَدِينَةِ) (٢)، جَمْعُ جُدُرٍ، وَجُدُرٌ جَمْعُ: جِدَارٍ. وَقَوْلُهُ: (أَوْضَعَ نَاقَتَهُ)، أَيْ: حَمَلَهَا عَلَى السَّيْرِ السَّرِيعِ. وَمِنْ بَابِ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ * حَدِيثُ: (فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ) (٣). النَّهْمَةُ: الهِمَّةُ بِالشَّيْءِ، يُقَالَ: نَهِمَ فُلَانٌ يَنْهَمُ، وَفُلَانٌ مَنْهُومٌ بِكَذَا، أَيْ: مولعُ بِهِ. وَمِنْ بَابِ الْمُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيدِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵁ (لَيَالِي نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ) (٤)، يَعْنِي جَيْشَ الشَّامِ حِينَ حَاصَرُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ

стр. 1763

الْهَدْيِ﴾ (١)، وَالأَصْلُ فِي الحَصْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وَنَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ سَنَةَ سِتٍ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَحَصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالحُدَيْبِيَّةِ، وَصَدُّوهُ عَنِ البَيْتِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَحَلَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ العُمْرَةِ، وَصَالَحُوا قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَعُودُوا فِي العَامِ القَابِلِ مُعْتَمِرِينَ، وَيَدْخُلُوا مَكَّةَ، وَيُقِيمُوا بِهَا لَيَالٍ ثَلَاثًا. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): إِذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنعُوهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى البَيْتِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: (أُحْصِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَنَحَرْنَا البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) (٣). فَإِنْ أَحْصَرَهُ عَدُوٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ التَّحَلُّلُ أَيْضًا مِنَ الإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ البَيْتِ بِغَيْرِ حَقٍ، وَكَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ كَمَا لَوْ حَصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ. فَأَمَّا الحَصْرُ الخَاصُّ: (٤) فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَهُوَ قَادِرٌ

стр. 1764

عَلَى أَدَائِهِ فَلَمْ يَرُدَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ، لأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الخَلَاصِ، وَإِنْ كَانَ حُبِسَ بِغَيْرِ حَقٍ، مِثْلَ أَنْ يَحْبِسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا، أَوْ حُبِسَ بِدَيْنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ، لأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ البَيْتِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ مَا لَمْ يُهْدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا هَدْيَ عَلَى الْمُحْصَرِ (١). دَلِيلُنَا: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (أُحْصِرْنَا .... ) الحَدِيثُ. فَيُقَالُ: فِي الخَبَرِ حُكْمٌ وَسَبَبٌ، فَالسَّبَبُ الحَصْرُ، وَالحُكْمُ النَّحْرُ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ تَعَلُّقَ الحُكْمِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ نُسُكِهِ قَبْلَ التَّمَامِ، فَلَزِمَهُ الهَدْيُ كَمَا لَوْ فَاتَهُ الحَجُّ وَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (٢)، وَلَهُ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ حَيْثُ الحَصْرُ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِيفَادُ ذَلِكَ إِلَى الحَرَمِ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يَجُوزُ النَّحْرُ إِلَّا فِي الحَرَمِ، سَوَاءٌ كَانَ الحَصْرُ فِي الحِلَّ أَوْ فِي الحَرَمِ.

стр. 1765

وَدَلِيلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ بِالعُمْرَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِالحُدَيْبِيَّةِ حَصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَلَمَّا صَالَحَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو نَحَرَ وَتَحَلَّلَ) (١). وَمَوْضِعُ تَحَلُّلِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَّةِ مِنَ الحِلِّ، وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ نَحَرَ هَدْيَهُ فِيهِ. وَمِنْ بَاب: مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ، وَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ (٢) حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (٣). وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ (٤): يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ،

стр. 1766

لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَّةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُّ إِلَى البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ [يُقْضُوا] (١) شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لَهُ، قَالَ: (وَالحُدَيْبِيَّةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): إِنْ تَحَلَّلَ لَزِمَهُ دَمٌ لِأَجْلِ التَّحَلُلِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَقْضِي، وَإِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): إِنْ كَانَ لَا يَخَافُ فَوَاتَ الحَجِّ يَتْرُكُ التَّحَلُّلَ، بِأَنْ كَانَ الوَقْتُ وَاسِعًا، فَأَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَا يَتَحَلَّلَ إِلَى أَنْ يَنْكَشِفَ العَدُوُّ، [فَإِنِ انْكَشَفَ] (٤) مَضَى عَلَى إِحْرَامِهِ فَأَتَمَّهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): إِذَا أَحْصَرُوهُمْ، وَأَذِنُوا لَهُمْ فِي النُّفُوذِ وَأَعْطَوْهُمْ الأَمَانَ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِأَمَانِهِمْ، وَيُعْلَمُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَغْدِرُونَ لَمْ يَجْزِ التَّحَلُّلُ، لِأَنَّ الحَصْرَ قَدْ زَالَ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهُمْ وَرُجُوعُهُمْ جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٦): الْمُحْصَرُ إِذَا تَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ [لَمْ يَلْزَمُهُ] (٧)

стр. 1767

القَضَاءُ بِالتَّحَلُّلِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ حَجَّةَ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةَ تَطَوُّعٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ حَجَّةَ الإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَةَ الإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ تَكُونُ بَاقِيَةً فِي ذِمَّتِهِ (١)، لأَنَّ جَمِيعَ شَرَائِطِ الحَجِّ لَمْ تُوجَدْ، فَعَلَى هَذَا التَّحَلُّلُ بِالحَصْرِ لَا يُوجِبُ القَضَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): إِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ لَزِمَهُ القَضَاءُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ الحُدَيْبِيَّةِ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يُحْرِمُونَ بِالعُمْرَةِ، فَحَصَرَهُمْ العَدُوُّ، فَتَحَلَّلُوا، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَادَ فِي آخِرٍ بِعَدَدٍ دُونَهُمْ، فَلَوْ كَانَ القَضَاءُ لَوَجَبَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، وَلأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَكَانُوا قَدْ فَعَلُوهُ، وَلَوْ فَعَلُوهُ لَنُقِلَ نَقْلًا عامًا أَوْ خَاصًا (٣). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي إِيجَابِ القَضَاءِ فِي الحَصْرِ العَامِّ مَشَقَّةٌ، لِأَنَّ النَّاسَ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، فَأُسْقِطَ ذَلِكَ، وَالخَاصُّ يَنْفَرِدُ بِهِ آحَادُ النَّاسِ، فَلَا تَعُمُّ لَهُمُ الْمَشَقَّةُ وَالضَّرَرِيَّة.

стр. 1768

بَابُ قَوْلِ اللهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (١) * حَدِيثُ كَعْبِ بن عُجْرَةَ: (لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ) (٢). (الهَوَامُّ): جَمْعُ الهَامَّةِ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وَيَعْنِي بِهَا الْقَمْلَ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): الهَمِيمُ: [الدَّبِيبُ] (٤). وَقَوْلُهُ: (أَوِ انْسُكْ شَاةً) (٥) مَعْنَاهُ: أَوِ اذْبَحْ، يُقَالُ: نَسَكَ يَنْسُكُ إِذَا ذَبَحَ الذَّبِيحَةَ، وَالمَنْسَكُ: المَوْضِعُ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ القُرْبَانُ. وَفِي رِوَايَةٍ: (انْسُكْ بِشَاةٍ) أَيْ: تَقَرَّبْ بِشَاةٍ. وَقَوْلُهُ: (يَتَهَافَتُ قَمْلًا) (٦)، التَّهَافُتُ: تَسَاقُطُ الشَّيْءِ شَيْئًا شَيْئًا، وَتَهَافَتَ الفَرَاشُ فِي النَّارِ (٧): تَسَاقَطَ، وَكُلُّ شَيْءٍ انْخَفَضَ وَاتَّضَعَ فَقَدْ هَفَتَ وَانْهَفَتَ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ تَصَدَّقُ بِفَرَقٍ) الفَرَقُ: مِكْيَالٌ يَسَعُ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا، وَقِيلَ: سِتَّةَ

стр. 1769

عَشَرَ رَطْلًا (١). قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى (٢): فَرَقٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَلَا تَقُلْ: فَرْقٌ. وَقَوْلُهُ: (أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ) النُّسُكُ: مَا يُذْبَحُ، وَفِي رِوَايَةٍ: (مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لَا) (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَّةِ وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الفِدْيَةَ) (٤). قَالَ الفَرَّاءُ (٥) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٦)، أَيْ: تَيَسَّرَ، نَحْوُ: اسْتَصْعَبَ وَصَعُبَ، يُقَالُ: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ، وَأَحْصَرَهُ السُّلْطَانُ. وَقَالَ الزَّجَاجُ (٧): الإِحْصَارُ عِنْدَ الجُمْهُورِ يُسْتَعْمَلُ فِي الحَرْبِ وَالْمَرَضِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالحَصْرُ: الحَبْسُ مُطْلَقًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى: فَإِنْ حَبَسَ حَابِسٌ قَاهِرٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوِ انْقِطَاعُ نَفَقَةٍ فَمَا

стр. 1770

اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، أَيْ: تَيَسَّرَ، نَحْوُ: اسْتَصْعَبَ وَتَصَعَّبَ، أَيْ: أَنْ يَبْعَثَ هَدْيًا إِلَى الحَرَمِ: شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً بِحَسَبَ مَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْبَحَ هَدْيَهُ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (١)، أَيْ: مَرَضًا يَضُرُّ بِهِ تَرْكُ الشَّعَرِ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ صُدَاعٍ أَوْ جِرَاحٍ. ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾، مِنْ هَامَّةٍ أَوْ قَمْلٍ؛ فَتُؤَدِّيهِ الضَّرُورَةُ إِلَى الحَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَحَلَقَ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، يَعْنِي: صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾، يَعْنِي: إِطْعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾، أَيْ: ذَبِيحَةٍ، فَالإِطْعَامُ وَالنُّسُكُ لِأَهْلِ الحَرَمِ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بن عُجْرَةَ. ومِنْ بَابِ قَوْلِ اللهِ : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٢) * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدْتُهُ أُمُّهُ) (٣). قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٤)، الرَّفَثُ فِي الأَصْلِ:

стр. 1771

الإِفْحَاشُ فِي الْمَنْطِقِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الكِنَايَةِ عَنِ الجِمَاعِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (١): هُوَ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِذِكْرِ الجِمَاعِ. وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ (٢): قُلْتُ لِعَطَاء: أَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: إِذَا حَلَلْتُ أَمسُّكِ، قَالَ: لَا، ذَلِكَ الرَّفَثُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٣): يَعْنِي بِهِ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا. وَقَالَ ابن عُمَرَ ﵁: هُوَ قَتْلُ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ (٤).

стр. 1772

وَمِنْ بَابِ: جَزَاءِ الصَّيْدِ بَابُ: وَإِذَا صَادَ الحَلَالُ فَأَهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن أَبِي قَتَادَةَ: (انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الحُدَيْبِيَّةِ) (١). قَوْلُهُ: (وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ) (٢)، (غَيْقَةَ) بِالغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ تَحْتِهِ بِنُقْطَتَيْنِ وَالقَافُ: مَوْضِعٌ (٣). وَقَوْلُهُ (فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ) أَيْ: أَسْقَطْتُهُ، يُقَالُ: رَمَاهُ فَأَثْبَتَهُ، أَيْ: حَبَسَهُ مَكَانَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ (٤)، أَيْ: لِيَحْبِسُوكَ، وَأَصْبَحَ الْمَرِيضُ مُثْبَتًا، أَيْ: لَا حِرَاكَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (خَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أَيْ: يَقْتَطِعَنَا العَدُوُّ (٥). وَقَوْلُهُ: (أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا)، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٦): مَرْفُوعُ النَّاقَةِ فِي السَّيْرِ خِلافُ مَوْضُوعِهَا، قَالَ طَرَفَةُ (٧): [من السَّريع] مَوْضُوعُهَا زَوْلٌ وَمَرْفُوعُهَا … كَمَرِّ صَوْبٍ لَجِبٍ وَسْطَ رِيحِ

стр. 1773

وَقِيلَ: رَفَعَ الفَرَسُ وَرَفَعْتُهُ أَنَا، أَيْ: كَلَّفْتُهُ السَّيْرَ. وَقَوْلُهُ: (شَأْوًا) أَيْ: قَدْرَ عُلُوهِ، (وَأَسِيرُ شَأْوًا). وَقَوْلُهُ: (تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَسْرِ الهَاءِ، وَرُوِيَ: (بِتِعْهِنَ) بِكَسْرِ التَّاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ (١). وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا) السُّقْيَا: مَوْضِعُ قَبِيلَة (٢). ونُصِب: مَفْعُولُ قَائِل، وَمَعْنَى قَائِلٌ أَيْ: قَاصِد. وقوله (٣): وَقَوْلُهُ: (وَعِنْدِي مِنْهُمْ فَاضِلَةٌ)، أَيْ: فَضْلَةٌ. وَقَوْلُهُ: (فَانْظُرْهُمْ) أَيْ: انْتَظِرْهُمْ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُهُ أَيْ: انْتَظَرْتُهُ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّا صِدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ) يُقَالَ: صَادَ يَصِيدُ، وَفِي نُسْخَةٍ (إصدنا) بِقَطْعِ الأَلِفِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ، وَجْهًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (اصَّدْنَا) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ مِنْ قَوْلِكَ: (اصْتَادَ) افْتَعَلَ مِنَ الصَّيْدِ، ثُمَّ أُدْعِمَتِ التَّاءُ فِي

стр. 1774

الصَّادِ، أَوِ الطَّاءُ فِي الصَّادِ. وَقَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالقَاحَةِ) (١) عَلَى وَزْنِ القَالَةِ، مَوْضِعٌ (٢). وَقَوْلُهُ: (يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا) يَتَفَاعَلُونَ، مِنَ الرُّؤْيَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ أَمَامَنَا) ظَرْفٌ، أَيْ: قُدَّامَنَا. وَقَوْلُهُ (فَعَقَرْتُهُ) أَيْ: جَرَحْتُهُ. وَقَوْلُهُ (مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) أَيْ: مِنْ خَلْفِ أَكَمَةٍ، وَالأَكَمَةُ: الجَبَلُ الصَّغِيرُ، قَالَ (٣): [من البسيط] فَيَفْزَعُونُ إِلَى جُرْدٍ مُسَحَّجَةٍ … أَفْنَى دَوَابِرَهُنَّ الرَّكْضُ وَالأَكَمُ الجُرْدُ: القَصِيرَةُ الشَّعَرِ، والْمُسَحَّجَةُ: الَّتِي أُصِيبَتْ بِالعَضَّ، وَدَوَابِرُهُنَّ: مَآخِيرُ حَوافِرِهِنَّ، وَالرَّكْضُ: رَكْضُ الْفَارِسِ، وَالأَكَمُ: جَمْعُ أَكَمَةٍ. وَحَدِيثُ الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ: (وَهُوَ بِالأَبْواءِ أَوْ بِوَدَّانَ) (٤)، (الأَبْوَاءُ): بِالْمَدِّ، (وَدَّانَ): بِالتَّشْدِيدِ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) مُحْرِمُونَ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَامٌ، وَقَوْمٌ حُرُمٌ.

стр. 1775

* وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ) (١). صِفَةُ الكُلِّ وَلَفْظُ الكُلِّ مُذَكَّرُ. وَ (يُقْتَلْنَ) الضَّمِيرُ رَاجِعُ إِلَى مَعْنَى الكُلِّ، وَهُوَ جَمْعٌ، وَهُوَ تَأْكِيدُ (خَمْسٌ). يَعْنِي بِالخَمْسِ: الدَّوَابَّ الخَمْسَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الحَدِيثِ، وَهِيَ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَارَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ. وَفِي رِوَايَةٍ (خَمْسٌ فَوَاسِقُ) (٢)، وَأَصْلُ الفِسْقِ فِي اللُّغَةِ: الخُرُوجُ، قَالَ اللهُ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ﴾ (٣)، أَيْ: خَرَجَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ. أَيْ: هُنَّ خَارِجَاتٌ عَلَى النَّاسِ بِالأَذَى، أَوْ خَارِجاتٌ عَنِ الْاِنْقِيَادِ، وَتَرَكَ الإِضْمَارَ، وَيَعْنِي: خَمْسٌ مُؤْذِيَاتٌ مُضِرَّاتٌ، وَسُمِّيَ الخَوَارِجُ خَوَارِجًا لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ بِالْإِضْرَارِ وَالإِيذَاءِ. فَالغُرَابُ يَقَعُ عَلَى دَابِرِ البَعِيرِ فَيَنْقُرُهُ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلِذَلِكَ سَمَّتْهُ العَرَبُ: ابنَ دَايَة (٤)، وَيَنْزِعُ عَيْنَ الحَمَلِ الحَسِيرِ، وَيَخْتَلِسُ أَطْعِمَةَ النَّاسِ. وَالحِدَأَةُ كَذَلِكَ تَخْتَلِسُ اللَّحْمَ وَالفَرَارِيجَ.

стр. 1776

وَالعَقْرَبُ تَلْدَغُ وَتُؤْلِمُ. وَفِي رِوَايَةٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ (وَالحَيَّةُ) (١)، وَهِيَ تَنْهَشُ، وَتَكْرَعُ فِي الشَّرَابِ وَتَمُجُّ فِيهِ رِيقَهَا وَالسُّمَّ. وَالفَأْرَةُ تَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهَا فَتَسْرِقُ الأَطْعِمَةَ وَتُفْسِدُهَا، وَتَقْرِضُ الثِّيَابَ، وَتَأْخُذُ الفَتِيلَةَ مِنَ السِّرَاجِ فَتُضْرِمُ بِهَا البَيْتَ. وَالكَلْبُ العَقُورُ: يَعْقِرُ وَيَجْرَحُ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الكَلْبُ العَقُورُ: كُلُّ سَبْعٍ يَعْقِرُ، وَلَمْ يُخَصَّ بِهِ الكَلْبُ (٢). وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُتْبَةَ بن أَبِي لَهَبٍ: (اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ، فَتَخَطَّى الأَسَدُ أَصْحَابَهُ إِلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ) (٣).

стр. 1777

* وَحَدِيثُ عَبْدِ اللهِ ﵁: (بَيْنَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ (١) وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ) (٢). يَعْنِي: أَتَلَقَّنُهَا، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: تَلَقَّنْتُ حَدِيثًا مِنْ فُلَانٍ: إِذَا أَخَذْتُهُ عَنْهُ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٣) فَتَعَلَّمَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا) الرَّطْبُ عِبَارَةٌ عَنِ الغَضِّ الطَّرِيِّ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ: لَمْ يَجِفَّ رِيقُهُ بِهَا (٤)، (إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ اقْتُلُوهَا). وَقَالَ: (وُقِيَتْ شَرَّكُمْ) نَصْبُ مَفْعُولٍ ثَانٍ، وَكَذَلِكَ (كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا) أَيْ: لَمْ يَلْحَقْكُمْ ضَرَرُهَا، وَلَمْ يَلْحَقْهَا ضَرَرُكُمْ، أَيْ: أَنَّ الله سَلَّمَكُمْ مِنْهَا وَسَلَّمَهَا مِنْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ فَلَمْ تَقْدِرْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (٥): هُوَ البُخَارِيُّ، (إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنَّ مِنًى مِنَ الحَرَمِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الحَيَّةِ فِيهِ بَأْسًا).

стр. 1778

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: فُوَيْسِقٌ) (١). (الوَزَعُ): دَابَّةٌ لَهَا قَوَائِمُ، تَعْدُو فِي أُصُولِ الحَشِيشِ، قِيلَ: إِنَّهَا تَأْخُذُ ضِرْعَ النَّاقَةِ فَتَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا وَقِيلَ (٢): كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَى نَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِتَلْتَهِبَ. وَ (فُوَيْسِقُ): تَصْغِيرُ: فَاسِقٍ، وَهُوَ تَصْغِيرُ الهَوَانِ، وَتَحْقِيرُ الشَّأْنِ، وَتَقْتَضِي هَذِهِ الكَلِمَةُ الذَّمَّ لَهَا. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ: (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بن سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ) أَيْ: الجُيُوشَ وَقَوْلُهُ: (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِخُرْبَةٍ) (٣) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هُوَ البُخَارِيُّ: خُرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): الخُرْبَةُ: العَوْرَةُ، يُقَالُ: مَا فِيهِ خُرْبَةٌ أَيْ: عَيْبٌ، وَالخَارِبُ: اللِّصُّ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُعْضَدُ بِهَا شَجَرَةٌ)، العَضُدُ: القَطْعُ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) قِيلَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عُنْوَةً لَا صُلْحًا (٥).

стр. 1779

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١): أَنَّ شَجَرَةَ الحَرَمِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهَا؛ سَوَاءٌ غَرَسَهُ الآدمِيُّونَ أَوْ نَبَتَ مِنْ غَيْرِ غَرْسٍ، وَقَدْ فَرَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ مَا يُنْبِتُهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ غَرْسِ أَحَدٍ، وَبَيْنَ مَا يُنْبِتُهُ الآدَمِيُّونَ (٢)، وَيَقُولُونَ: النَّهِيُ وَرَدَ فِيمَا أَنْبَتَهُ اللهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَلَفْظُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى فِيهِ الفِدْيَةُ (٣)، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا شَيْء عَلَى مَنْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ (٤). وَمِنْ بَابِ: [لَا] (٥) يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ قَوْلُهُ: (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) (٦). الخَلَا الحَشِيشُ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا يُحْتَشُّ مِنَ الحَرَمِ، فَأَمَّا الرَّعْيُ فَلَا بَأْسَ بِهِ (٧).

стр. 1780

وَعَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الحَشِيشِ؛ فَإِنِ كَانَ يُسْتَخْلَفُ إِذَا قُطِعَ كَانَ جَائِزًا قَطْعُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَخْلَفُ: لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ القَضِيبُ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، وَفِيهِ مَا يَقُصُّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يُحْتَشُّ وَلَا يُرْعَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (٢): لَا بَأْسَ بِقَطْعِ الشَّوْكِ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ وَعَدَمِ النَّفْعِ، وَلَا بَأْسَ بَأَنْ يُنْتَفَعَ بِحُطَامِ الشَّجَرِ وَمَا بَلِيَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرَّفٍ)، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): لَا فَرْقَ بَيْنَ لقَطَةِ الحِلِّ وَلْقَطَةِ الحَرَمِ، وَفَرَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي بَيْنَهَا، وَقَالَ (٤): لَيْسَ لِوَاجِدِ لُقَطِ الحَرَمِ غَيْرُ التَّعْرِيفِ أَبَدًا، وَلَا يَمْلِكُهَا بِحَالٍ، وَلَا يَسْتَنْفِقُهَا حَتَّى يَظْفَرَ بِصَاحِبِهَا، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِنْ هَذَا القَوْلِ (٥). وَمَعْنَى (لَا يُخْتَلَى) لَا يُقْطَعُ.

стр. 1781

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هَلْ تَدْرِي مَا (لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا)؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ (١). وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَعْرِضُ لَهُ بِالاصْطِيَادِ وَلَا يُهَاجُ. وَمِنْ بَابِ: لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) (٢). قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، أَيْ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، لِأَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ دَارَ شِرْكٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتْرُكُونَهَا مِنْ أَجْل أَذَى الْمُشْرِكِينَ، فَيُهَاجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ صَارَتْ دَارَ الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى تَرْكِهَا، قَدْ نَفَتْ ثَوَابَ الهِجْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَقِيَ ثَوَابُ الجِهَادِ، وَثَوَابُ نِيَّةِ الخَيْرِ فِي لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ . (لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَوْكٍ فِيهِ نَفْعٌ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)، قِيلَ: لُقَطَةُ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ لَا يَحِلُّ لِمُلْتَقِطِهَا مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا تَعْرِيفُهَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا الإِذْخِرَ) نَبْتٌ طَيِّبٌ إِذَا يَبِسَ دُقَّ وَغَسَلَ بِهِ اليَدَ (٣). وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ): القَيْنُ الصَّائِغُ وَالحَدَّادُ، وَفِي رِوَايَةٍ: (لِصَاغَتِنَا) (٤).

стр. 1782

وَهُوَ جَمْعُ صَائِغٍ، الصَّائِعُ: يُوقِدُ بِهِ النَّارَ تَحْتَ مَا يَصُوغُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلِبُيُوتِهِمْ) أَيْ: يُوقِدُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: (وَقُبُورِنَا) (٢) أَيْ: يُطْرَحُ فِي القُبُورِ تَحْتَ المَيِّتِ. وَمِنْ بَابِ: الحِجَامَةِ لِلْمُحْرم * حَدِيثُ: (احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِي جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) (٣). (بِلَحْيَي) عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَّةِ (٤) مُضَافَةٌ إِلَى (جَمَلٍ) بِالجِيمِ الْمُعْجَمَةِ: مَوْضِعٌ (٥). أَنْشَدَنِي غَانِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَوْلَا رَسُولُ اللهِ مَا زُرْنَا مَلَلْ … وَلَا الرَّوْثَاتِ وَلَا لَحْيَي جَمَلْ وَقَوْلُهُ (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بِتَحْرِيكِ السِّينِ. وَمِنْ بَابِ: [مَا] (٦) يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ * قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (لَا تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ) (٧).

стр. 1783

قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵁ (١): النَّبَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يُنبتُ لِلطِّيبِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ، وَمَا يُنبتُ لِلطِّيبِ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ، وَضَرْبٌ يُنْبَتُ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ. فَأَمَّا مَا يُنْبِتُ الطيبَ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطيبُ: فَهُوَ الوَرْدُ، وَاليَاسَمِينُ، وَالخَيْرِيُّ، وَالوَرْسُ، وَالزَّعْفَرَانُ، وَالكَافُورُ، وَالعَنْبَرُ. أَمَّا الكَافُورُ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الشَّجَرِ مِثْلَ الصَّمْعَ. وَأَمَّا العَنْبَرُ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يَنْبُتُ فِي البَحْرِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ فَيَبْتَلِعُهُ الحُوتُ، فَيُرَى فِي جَوْفِهَا، فَيُظَنُّ أَنَّهُ مِنَ السَّمَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَجَرٌ، فَهَذَا النَّوْعُ طِيبٌ إِنَّ شَمَّهُ الْمُحْرِمُ، أَوْ مَسَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابن عُمَرَ ﵁ ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ: (وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الوَرَسُ) (٣). نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ، وَنَبَّهَ عَلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ الطِّيبِ.

стр. 1784

وَأَمَّا مَا لَا يُنْبَتُ لِلطِّيبِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ: كَالتُّفَّاحِ، وَالْبَارِنْج (١). وَالأُتْرُنْج (٢)، وَالدَّارُ صِينِي (٣)، وَالقُرُنْفُلِ (٤)، وَالشِّيح (٥)، وَالقَيْصُومِ (٦)، وَالشَّقَائِقِ (٧)، وَنَوْرِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطِيبٍ، لِأَنَّهُ لَا يُنْبَتُ لِلطِّيبِ،

стр. 1785

وَلَا يُسْتَعْمَلُ لِلطِّيبِ. وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يُنْبِتُ لِلطِّيبِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ: كَالرَّيْحَانِ الفَارِسِي (١) وَهُوَ الأَخْضَرُ، وَالْمَرْزنجوش (٢)، وَاللُّفَاح (٣) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكُلُّهُ طِيبٌ وَفِيهِ الفِدْيَةُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي الرَّيْحَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طِيبٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَنتَقِبُ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ سَتْرِ رَأْسِهِ بِالْمَخِيطِ وَغَيْرِ الْمَخِيطِ، وَمَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي بَدَنِهِ، وَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخِيطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ

стр. 1786

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الَّذِي يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ وَلَا البُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الخُفَّيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسُ خُفَّيْن، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) (١). قَالُوا: فَمَنَعَهُ مِنْ سَتْرِ رَأْسِهِ بِالْمَخِيطِ وَغَيْرِ الْمَخِيطِ، وَمَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ المَخِيطِ فِي بَدَيْهِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ [يَلْبَسُ الخُفَّيْنِ] (٢) وَيَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ حَتَّى يَصِيرًا كَالنَّعْلَيْنِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ (٣). قَالَ أَحْمَدُ (٤): لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. دَلِيلُنَا قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعُهُمَا) (٥)، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الخَبَرِ الَّذِي لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ القَطْعُ، لأَنَّهُ زِيَادَةٌ (٦).

стр. 1787

وَإِذَا عَدِمَ الْمُحْرِمُ الإِزَارَ وَلَبِسَ السَّرَاوِيلَ، ثُمَّ وَجَدَ الإِزَارَ فَعَلَيْهِ نَزْعُ السَّرَاوِيلِ، فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهَ مَعَ قُدْرَتِهِ مَعَ الإِزَارِ لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ، وَهَكَذَا إِذَا عَدِمَ النَّعْلَيْنِ فَلَبِسَ الخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الحُفَّيْنِ، فَإِنِ اسْتَدَامَ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى النَّعْلَيْنِ لَزِمَتُهُ الفِدْيَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ لُبْسَ الخُفِّ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: القَطْعُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ النَّعْلِ، فَإِذَا وُجِدَ النَّعْلُ فَقَدْ زَالَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ، فَلَمْ يَجُزِ اللَّبْسُ. وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ، فَإِنَّهُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَا يَفْتِقُهُ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (١): لَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ بِحَالٍ، فَإِنْ لَبِسَ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَفْتِقُهُ وَيَتَّزِرُ بِهِ، فَإِنْ لَبِسَهُ صَحِيحًا فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ (إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ) (٤)، وَلَمْ يَذْكُرِ الفِدْيَةَ، وَلَوْ كَانَتِ الفِدْيَةُ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا، لأَنَّ الحَاجَةَ أَكْثَرُ إِلَيْهَا مِنَ اللَّبْسِ.

стр. 1788

وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الإِحْرَامِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ) (١). وَالقُفَّازُ: مَا يُلْبَسُ فِي اليَدِ كَمَا يُلْبَسُ الخُفُّ فِي الرِّجْلِ. وَمِنْ بَابِ: الاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ * حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ) (٢)، هُمَا جَانِبَا البِئْرِ، مَا يُبْنَى عَلَى شَقَّةِ البِئْرِ مِنَ الجَانِبَيْنِ، وَتُوضَعُ عَلَيْهِ البَكَرَةُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ (٣). وَمِنْ بَابِ: لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحِرِمِ * حَدِيثُ: (أَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إِلَّا فِي القِرَابِ) (٤).
следующие страницы →