← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1819–1858 · переход к 1824.

стр. 1819

وَمِنْ بَابِ: [تَأْخِيرِ السَّحُورِ] (١) (كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (٢). أَيْ: ثُمَّ يَكُونُ مِنِّيَ إِسْرَاعٌ حَتَّى أُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . في الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْخِيرِ السَّحُورِ وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَهُ: (تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ فَقَالَ: قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةٍ) (٣). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلَ أَنْ لَا يَنَامَ بَعْدَ السَّحُورِ، قِيلَ: كَانَ النَّاسُ حَتَّى (٤) تُصَلَّى الفَجْرُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَمِنْ بَابِ: بَرَكَةِ السَّحُورِ كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ إِذَا قَامُوا فِي لَيَالِي الصِّيَامِ لَمْ يَأْكُلُوا إِلَى مَسَاءِ غَدِهِمْ، فَأَبَاحَ اللهُ ذَلِكَ، وَسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ السَّحُورَ مُخَالَفَةً لَهُمْ. قِيلَ: كَانَ النَّاسُ فِي ابْتِدَاء الإِسْلَام إِذَا أَفْطَرُوا حَلَّ لَهُمْ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَى أَنْ يُصَلُّوا العِشَاءَ، أَوْ يَنَامُوا، فَإِذَا فَعَلُوا أَحَدَ هَذَيْنِ حَرُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ

стр. 1820

يُفْطِرُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الغَدِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَأَبِيحَ لَهُمْ الأَكْلُ وَالشَّرَابُ وَالجِمَاعُ إِلَى طُلوُعِ الفَجْرِ. قِيلَ: وَإِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَصَابَ أَهْلَهُ بَعْدَ العِشَاءِ، وَأَنَّ صِرْمَةَ بنَ قَيْسٍ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُ حَتَّى صَلَّى الرَّسُولُ ﷺ العِشَاءَ [فَقَامَ فَأَكَلَ] (١) ثُمَّ أَتيَا النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الغَدِ، فَأَخْبَرَاهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢) الآية. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (فَنُسِخَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَفْوًا مِنَ اللهِ وَرَحْمَةً) (٣). * * * * وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ) (٤).

стр. 1821

قَالَ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ: كَانَ الوِصَالُ مُبَاحًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَكْرُوهًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَالوِصَالُ: هُوَ تَرْكُ الأَكْلِ بِاللَّيْلِ دُونَ نِيَّةِ الفِطْرِ، لِأَنَّ نِيَّةَ الفِطْرِ تَحْصُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلِ. نَهَى عَنِ الوِصَالِ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ [تُوَاصِلُ] (١) قَالَ: (إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى). وَمِنْ بَابِ: [إِذَا] (٢) نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ ﵂: (كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا لا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا) (٣). وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ (٤)، وَأَبُو هُرَيْرَةَ (٥)،

стр. 1822

وَابْنُ عَبَّاسٍ (١) وَحُذَيْفَةُ (٢) ﵃. * وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بن الْأَكْوَعِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: (إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ) (٣). قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ، أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ إِذَنْ أَصُومُ) (٤). وَيَجُوزُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (٥). وَقَوْلُهُ: (مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ) إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مُرَاعَاةٌ لِحَقِّ الوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَدْرَكَ أَوَّلَهُ لَصَامَهُ، وَقَدْ يَقْدَمُ الْمُسَافِرُ فِي نِصْفِ نَهَارِ الصَّوْمِ، فَيُمْسِكُ عَنِ الطَّعَامِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ احْتِرَامًا لِلْوَقْتِ وَاحْتِرَازًا مِنَ الفِتْنَةِ، لِئَلَّا يُظَنَّ

стр. 1823

ظَنُّ السَّوْءِ. وَقَدْ يُحْبَسُ الْمَحْبُوسُ فِي الحُشِّ وَالْمَكَانِ القَذِرِ، وَحَيْثُ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَيَمُرُّ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَيُصَلِّي، وَصَلَاتُهُ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ عَنْ فَرْضِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِمُرَاعَاةِ الوَقْتِ، وَالتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ. وَفِي الحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَمِنْ بَابِ الصَائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا * حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ (٢). قَالَ البُخَارِيُّ: (وَقَالَ هَمَّامٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ، وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ). يَعْنِي: أَصَحُّ إِسْنَادًا لِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٣). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٤): إِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.

стр. 1824

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ الفَجْرَ أَوْ لَا يَعْلَمَ. فَإِنْ لَمْ [يَعْلَمْ] (١)، فَإِنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ، كَمَا لَوْ أَكَلَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ طَلَعَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الجِمَاعَ مَعَ علمه. وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِطُلُوعِ الفَجْرِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ. قَالُوا (٢): وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مِنِ احْتِلَامٍ اغْتَسَلَ وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ، بَلْ يَغْتَسْلُ وَيُتِمُ الصَّوْمَ، بِدَلِيلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵄: (وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) (٣). قِيلَ: الإِرْبَةُ: الحَاجَةُ، أَرَادَتْ أَنَّهُ كَانَ غَالِبًا لِهَوَاهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: ﴿مَآرِبُ﴾ (٤) حَاجَةٌ (٥). وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٦): أَرِبَ الرَّجُلُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الشَّيْء وَطَلَبَهُ.

стр. 1825

قَالَ ابْنُ [مُقْبِلٍ] (١): [من البَسِيط] وَإِنَّ فِينَا صَبُوحًا إِنْ أَرِبْتَ بِهِ … ............... أَيْ: إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ وَأَرَدْتَهُ. وَالإِرْبُ: العُضْو، وَالجَمْعُ: الآرَابُ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): وَمَنْ حَرَّكَتِ القُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالكَرَاهِيَةُ كَرَاهِيَةُ تَحْرِيمٍ، وَإِنْ لَمْ تُحَرِّكِ القُبْلَةُ شَهْوَتَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَتَرْكُهَا أَوْلَى. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّبَابِ (٣). قَالُوا (٤): وَلِأَنَّ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَا نَأْمَنُ أَنْ يُنْزِلَ فَيَفْسُدَ الصَّوْمُ، وَفِي الآخَرِ يُؤْمَنُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قالُوا: وَإِنْ بَاشَرَهَا فِيمَا دُونَ الفَرْجِ ثُمَّ (٥) إِنْ تَمَضْمَضَ وَلَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى

стр. 1826

جَوْفِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَكَذَلِكَ القُبْلَةُ. فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَنَزَعَ مَعَ الطُّلُوعِ وَأَنْزَلَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ، وَإِنْ نَظَرَ وَتَلَذَّذَ وَأَنْزَلَ لَمْ يَبْطُلْ لأَنَّهُ إِنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ. وَقَوْلُهَا: (فَدَخَلَتْ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ) (١)، (الخَمِيلَةُ): كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَالخَمِيلَةُ: الرَّمْلَةُ اللَّيِّنَةُ. وَقَوْلُهُ: (أَنَفِسْتِ) بِفَتْحِ النُّونِ، يَعْنِي: أَحِضْتِ، يُقَالُ: نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ إِذَا وَلَدَتْ، وَالنِّفَاسُ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: نُفَسَاءُ إِذَا وَضَعَتْ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ النَّفَس وَهُوَ الدَّمُ. وَمِنْ بَابِ: اغْتِسَالِ الصَّائِمِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): وَيَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْزِلَ الْمَاءَ، وَيَنْغَمِسَ فِيهِ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الحَارِثِ قَالَ: (حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَالعَطَشِ وَهُوَ صَائِمٌ) (٣).

стр. 1827

* وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ فِي رَمَضَانَ يَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) (١). قَالَ البُخَارِيُّ: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ (٢). يَعْنِي: أَنْ يَذُوقَ الشَّيْء وَهُوَ صَائِمٌ لِيَعْرِفَ طَعْمَهُ، يَعْنِي: يَذُوقُهُ بِطَرَفِ لِسَانِهِ وَلَا يَصِلُ إِلَى الجَوْفِ مِنْهُ. وَقَالَ أَنَسٌ: (إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَفَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ) (٣).

стр. 1828

(أَبْزَنُ): فَارِسِيُّ، وَمَعْنَاهُ حَوْضُ الْمَاءِ. وَ (أَتَقَدَّمُ فِيهِ) أَيْ: أَغُوصُ وَأَنْغَمِسُ. قَالُوا (١): وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتَحِلَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ (كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ) (٢). وَمِنْ بَابِ: الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا وَقَالَ عَطَاءٌ: (إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ المَاءُ فِي حَلْقِهِ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ) (٣). (اسْتَنْثَر) أَيْ: اسْتَنْشَقَ. * * * * وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ) (٤).

стр. 1829

قَالَ الخَطَّابِيُّ (١): مَعْنَاهُ أَنَّ النِّسْيَانَ ضَرُورَةٌ، وَالأَفْعَالُ الضَّرُورِيَّةُ غَيْرُ مُضَافَةٍ فِي الحُكْمِ إِلَى فَاعِلِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهَا، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الجِمَاعِ إِذَا كَانَ مِنْهُ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاتِهِ، فَبَنَى عَلَيْهَا. وَمِنْ بَابِ: سِوَاكِ الرَّطْبِ وَاليَابِسِ لِلصَّائِمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢): وَلَا أَكْرَهُ فِي الصَّوْمِ السِّوَاكَ بِالعُودِ الرَّطْبِ، وَأَكْرَهُ بالعَشِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ (٣): السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِ الصَّائِمِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فَأَمَّا الصَّائِمُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَيُكْرَهُ فِي آخِرِهِ، قَالُوا: وَيُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وإِسْحَاقُ (٤). وَقَالَ مَالِكٌ (٥) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦): لَا يُكْرَهُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا رَوَى خَبَّابٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَإِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ، فَمَا مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ إِلَّا كَانَتَا نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٧).

стр. 1830

وَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَأَحْمَدُ (٢) إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِخَشَبَةٍ رَطْبَةٍ لِأَنَّهُ يَحْلُبُ الفَمَ، فَهُوَ كَمَضْغِ العِلْكِ. وَمِنْ بَابِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقَ بِمِنْخَرِهِ المَاءَ) (٣). وَقَالَ الحَسَنُ: (لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ) (٤)، الدَّوَاءُ: يُجْعَلُ بِالأَنْفِ، وَالْمِسْعَطُ: الإِنَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السَّعُوطُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: (وَلَا يَمْضَعُ العِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقُ العِلْكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) (٥).

стр. 1831

قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ العِلْكُ، لأَنَّهُ يُجَفِّفُ الفَمَ وَيُعْطِسُ، وَلَا يُفَطِّرُ؛ لِأَنَّهُ يَدُورُ فِي الفَمِ وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ إِلَى الجَوْفِ شَيْءٌ يُبْطِلُ الصَّوْمَ. قَالُوا: وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَمْضَغَ الخُبْزَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَمْضَعُ لَهُ غَيْرُهُ لَمْ [يُكْرَهُ] (٢) لَهُ ذَلِكَ. بَابُ: إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى العَرَقَ) (٣). [فِي الإِذْنِ] (٤) لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ الثَّمْرَ الَّذِي فِي العَرَقِ وُجُوهٌ، مِنْهَا: لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ رُخْصَةٌ لَهُ، وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهُ الزُّهْرِيُّ] (٥). وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ التَّكْفِيرِ لِعِلَّةِ العَدَمِ، أَوْ عِلَّةٍ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا وَجَدَ، أَوْ زَالَتْ عَنْهُ العِلَّهُ أَنَّ الكَفَّارَةَ بِحَالِهَا، وَعَلَيْهِ الخُرُوجُ مِنْهَا.

стр. 1832

وَقَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)، (اللَّابَةُ الأَرْضُ الكَثِيرَةُ الحَصْبَاءُ، وَالجَمْعُ: لُوبٌ، قَالَ (١): [من الوَافِر] ...... ...... ...... … أَتِيٌّ مَدَّهُ صُحَرٌ وَلُوبُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا) (٢). وَخَالَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ (٣)، وَمَعْمَرٌ (٤)، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ (٥).

стр. 1833

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى رِوَايَتِهِمْ أَوْلَى أَنه لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهِ مَا رَوَاهُ، وَمَالَ إِلَى التَّكْفِيرِ بِالإِطْعَامِ مُبْطِلًا لِلتَّخْيِيرِ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: الحَدِيثُ مَنْسُوخٌ (١). وَ (العَرَقُ): الْمِكْتَلُ وَهُوَ الزَّنْبِيلُ الكَبِيرُ. وَمِنْ بَابِ: الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ). قَالَ البُخَارِيُّ (٢): وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): إِنِ اسْتَقَاءَ بَطَلَ صَوْمُهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁

стр. 1834

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَمَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ). قَالُوا: لأَنَّ القَيْءَ (١) إِذَا صَعَدَ تَرَدَّدَ فَيَرْجِعُ بَعْضُهُ إِلَى الجَوْفِ فَيَصِيرُ كَطَعَامٍ ابْتَلَعَهُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): ذَرَعَ الرَّجُلُ فِي سَعْيِهِ إِذَا عَدَا فَاسْتَعَانَ بِيَدَيْهِ وَحَرَّكَهُمَا، وَفَرَسٌ ذَرِيعُ: وَاسِعُ الخَطْوِ بَيِّنُ الذَّرَاعَةِ، وَقَوَائِمُ ذَرِعَاتٌ أَيْ: سَرِيعَاتٌ. فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ كَفَّارَةُ الجِمَاعِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَلَى التَّرْتِيبِ (٣)، فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الإِعْتَاقِ لَمْ يَجُز لَهُ العُدُولُ إِلَى الصِّيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ جَازَ أَنْ يُطْعِمَ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، يُكَفِّرُ بِأَيِّ الثَّلَاثَةِ شَاءَ (٤). وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً فَتُعْتِقُهَا؟

стр. 1835

قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) (١)، قَالَ: فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّرْتِيبِ، لأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوَّلًا (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟) ثُمَّ قَالَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ؟) ثُمَّ قَالَ: (هَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُ: (أَعْتِقُ رَقَبَةً، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا أَجِدُ) (٢)، لَمَّا أَخْبَرَهُ بِالْعَجْزِ عَنِ العِتْقِ نَقَلَهُ إِلَى الإِطْعَامِ (٣). وَفِي قَوْلِهِ: (شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ) دَلِيلُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صَوْمِ الكَفَّارَةِ التَّتَابُعُ. وَقَوْلُهُ: (سِتِّينَ مِسْكِينًا)، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٤): كُلُّ مِسْكِينٍ بِمُدٍّ كَمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَأَتِيَ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا) (٥)، وَخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا تَكْفِي سِتِّينَ مُدًّا، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الوَاجِبُ. * * *

стр. 1836

وَمِنْ بَابِ: الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ قَوْلُهُ: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) (١)، أَيْ: اخْلِطِ السَّوِيقَ بِالْمَاءِ، وَالْمِجْدَحُ: الخَشَبَةُ الَّتِي يُجْدَحُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: (إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) (٢) أَيْ: أُدَاوِمُ عَلَى الصَّوْمِ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) (٣) قَالَ البُخَارِيُّ: الكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. وَمِنْ بَابِ: مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ * قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ) (٤). قَالَ يَحْيَى (٥): الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . فِيهِ دَلِيلُ أَنَّ تَأْخِيرَ القَضَاءِ جَائِزٌ مُوَسَّعٌ فِي الأَشْهُرِ العَشَرَةِ، وَأَنَّهُ يَنْحَصِرُ فِي شَعْبَانَ، وَتَصِيرُ أَيَّامُهُ مُتَعَيَّنَةٌ لِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: إِنْ لَمْ يَقْضِ الفَائِتَ حَتَّى انْسَلَخَ شَعْبَانُ كَانَتْ عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ الفَائِتِ مُدٌّ، وَهُوَ

стр. 1837

قَوْلُ مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِي (٢)، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٣). وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُؤَخِّرُهُ لاشْتِغَالِهَا بِحُقُوقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي العِشْرَةِ وَلِلْخِدْمَةِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ قِيلَ: هَذَا فِي الصَّوْمِ الوَاجِبِ مِثْلَ قَضَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ صَوْمِ النَّذْرِ، وَقَدْ قَالَ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٤)، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُويَة (٥)، وَقَالُوا: يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ (٦): لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَشَبَّهُوهُ بِالصَّلَاةِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلٌ عَلَى البَدَنِ. وَمِنْ بَابِ: مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا) (٧).

стр. 1838

قِيلَ: أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَّةِ الْمَشْرِقِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ - وَهُوَ أَوَائِلُ الظُّلْمَةِ - لَا يُقْبِلُ مِنْ ذَلِكَ الشِّقِّ إِلَّا وَقَدْ سَقَطَ القُرْصُ. وَمَعْنَى أَفْطَرَ الصَّائِمُ دَخَلَ فِي حُكْمِ الفِطْرِ إِذَا جَاءَ وَقْتُ الفِطْرِ، أَيْ: هُوَ مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا. وَمِنْ بَابِ: صَوْمِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِنَشْوَانَ فِي رَمَضَانَ: (وَيْلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ! فَضَرَبَهُ) (١). (النَّشْوَانُ): السَّكْرَانُ، وَالمَعْنَى: وَيْلَكَ! أَشَرِبْتَ وَصِبْيَانُنَا الصِّغَارُ صِيامٌ!! يُوَبِّخُهُ بِذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ الوِصَالِ * قَالَ البُخَارِيُّ: (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ). يُرِيدُ: رَحْمَةً [لِلْأُمَّةِ] (٢)، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ. وَ (التَّعَمُّقُ): تَكَلُّفُ مَا لَمْ يُكَلَّفُ.

стр. 1839

وَقَوْلُهُ: (إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي) (١)، قِيلَ: كَانَ يُطْعَمُ طَعَامَ الآخِرَةِ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ (المُتَبَذِّلَةُ) (٢): اللَّابِسُةُ ثِيَابَ البَذَلَةِ، وَالتَّارِكَةُ ثِيَابَ الزِّينَةِ. وَمِنْ بَاب: صَوْمِ شَعْبَانَ، وَبَابِ: حَقِّ الصَّيْفِ (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) (٣): دُووِمَ عَلَى وَزْنِ فُوعِلَ مِنْ قَوْلِكَ: دَاوَمْتُ عَلَى الشَّيْءِ أَيْ: وَاظَبْتُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًا) (٤)، الزَّوْرُ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالجَمْعِ، يُقَالُ: رَجُلٌ زَوْرٌ وَقَوْمٌ زَوْرٌ، أَيْ: إِنَّ لِضَيْفِكَ الَّذِي يَزُورُكَ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى قَالَ فِي ثَلَاثٍ) (٥) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقْرَأُ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَوْلُهُ (ونَهَشَتْ لَهُ النَّفْسُ) (٦) بِالثَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وَقَدْ

стр. 1840

وَرَدَ فِي اللُّغَةِ بِثَلَاثٍ (١): نَهَثَ الرَّجُلُ بِمَعْنَى: شُغِلَ (٢)، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: (لَا صَامَ)، قِيلَ: مَعْنَاهُ مَعْنَى الخَبَرِ، أَيْ: لَمْ يَصُمْ. قَالَ (٣): [من الرَّجَز] ...... ...... ...... … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا أَيْ: لَمْ يُلِمَّ. وَفِي نُسْخَةٍ: (وَنُهِكَتْ لَهُ النَّفْسُ بِهِ) (٤)، وَقَوْلُهُ

стр. 1841

(إِنَّ لِي خُوَيْصَة) (١) تَصْغِيرُ خَاصَّةٍ، وَجَازَ فِيهِ التَقَامُ السَّاكَنَيْنِ لأَنَّ اليَاءَ حَرْفُ المدِّ واللِّين. و (مَقْدِمَ حُجَّاجِ أَيْ: وقتَ قُدُومِ حُجَّاجِ البَصْرَة. ومن بَابِ الصَّومِ مِن آخر الشَّهرِ * حَديثُ عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵁: (أمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ، قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) (٢). وفي رواية: (مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ) (٣). قال أهلُ اللُّغة (٤): سَرَرُ الشَّهْر: الأيَّامُ الَّتي يَسْتَسِرُ فِي لَيَالِيهَا الْقَمَرُ، وَيُقَالُ: السِّرَارُ أَيْضًا. قال الشَّاعرُ (٥): [مِن الرَّجَز] ...... ...... ...... … عَشِيَّة الهلَالِ أو سَرَارُهَا وقَولُهُ: (أَظنُّه قال: يعْنِي رَمَضَانَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَة، والْمَحْفُوظُ:

стр. 1842

(مِن شَعْبَانَ) (١). قالَ أبُو عبَيدٍ (٢) فِي حَديثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه سَأَلَ رجلًا فَقَالَ: (هَلْ صُمْتَ مِن سِرَارِ هَذَا الشَّهرِ شَيْئًا؟ قالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفطَرْتَ مِن رَمَضَانَ فَصُمْ يَومَينِ). أَخبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ بْنُ عَبدِ الكَرِيم (٣)، أَخْبَرَنَا أَبو بَكرٍ بن مَرْدُويَه (٤)، أَخْبَرَنَا دَعْلَج (٥)، أخبرنَا ابن عبدِ العَزيزِ (٦)، أخبرنَا أبو عُبيدٍ قالَ: حَدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ عَن الجُرَيْرِي عَنِ أَبي العَلاء بن الشِّخِّير عَن مُطَرِّفٍ عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁

стр. 1843

عن النَّبِيِّ ﷺ يَعنِي أَنَّهُ سَأَلَ رَجلًا)، وذَكَرَ الحدِيثَ (١). قالَ أبو عُبَيْدٍ (٢): قالَ الكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ: السَّرَارُ: آخِرُ الشَّهْرِ لَيلَةَ يَسْتَسِرُ الْهِلَالُ. قالَ أبو عُبَيْدٍ: وربَّما اسْتَسَرَ لَيلةً، وربَّما اسْتَسَرَ لَيلَتَينِ إِذا تَمَّ الشَّهْرُ، وأَنشَدَ الكِسَائِيُّ (٣): [مِنَ الرَّجَز] نَحنُ صَبَحْنَا عَامرًا فِي دَارِهَا … عَشِيَّةَ الهِلَالِ أَوْ سرَارُهَا جُردًا تَعَادَى طَرَفَيْ نَهَارِهَا … ...... ...... ...... قال أبو عُبَيْدٍ (٤): وفِيهِ لُغَةٌ أخْرَى: سِرَرُ الشَّهرِ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِن الفِقهِ: أَنَّهُ إنمَّا سأَلَهُ عن سَرَارِ شَعبانَ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لمْ يَصُمْهُ أمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْدَ الْفِطْرِ يَومَينِ. قال أبو عُبيد (٥): فَوجْهُ الحديثِ عِنْدِي - والله أعلم أَنَّ هَذَا مِن نَذرٍ كَانَ علَى ذَلكَ الرَّجُلِ فِي ذلِكَ الوقتِ أو تَطوُّعٍ قدْ كانَ أَلْزَمَهُ نفسَهُ، فلمَّا [فَاتَهُ] (٦) أَمَرهُ بقضَائِهِ، لَا أعرِفُ لِلحَدِيثِ وجَهًا غَيْرَهُ.

стр. 1844

وفيه أيضًا: أَنَّهُ لَم يَرَ بَأْسًا أَنْ يَصِلَ رَمَضَانَ [بِشَعْبَانَ] (١) إِذْ كَانَ لا يُرادُ بِهِ رَمَضَانُ، إِنَّما يُرادُ بِهِ التطوُّعُ أو النَّذْرُ يَكونُ في ذَلِكَ الوقتِ. ومِمَّا يُشبِهُ هذَا الحدِيثَ حدِيثُهُ الآخَر: (لَا تُقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيومٍ ولَا يَومَينِ، إِلَّا أَن يُوافق ذَلِكَ صَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُم) (٢)، فهذَا مَعنَاهُ التَطوُّعُ أيضًا، فأَمَّا إِذَا كَانَ يُرِيدُ بِهِ رَمضانَ فَلَا، لأَنَّهُ خِلافُ الإِمَامِ والنَّاس. ومن بابِ: صَومِ يَوم الجُمُعَة * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) (٣). قَالَ أهلُ العِلمِ: وكُرهَ صَومُ يَومِ الجُمُعَةِ مُفْرَدًا، فَأَمَّا إِذَا صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يُكْرَهُ، لِلْخَبرِ الَّذِي رَوَاهُ أبو هُريرَةَ ﵁. وَقَوْلُهُ: (وإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) (٤). قالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ الله عليهِ (٥): إِذَا دَخَلَ الرَّجلُ فِي صَومِ التَطوُّعِ، أَوْ صَلاةِ التَّطوُّع فإنَّهُ [لا] (٦) يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهَا، بَلْ هُوَ بِالخيَارِ: إِنْ شَاءَ مَضَى

стр. 1845

فِيهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَمضِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ الخُرُوجُ (١)، ويُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَإِذَا خَرَجَ منهُ لم يَلْزَمُهُ القضَاءُ، سَوَاءٌ أَخَرجَ لِعِلَّةٍ، أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّورِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣). وقالَ أبو حَنِيفَة (٤): يلزَمُهُ القَضاءُ بالخُروج مِنهَا، سَواءٌ أَخَرَجَ لِعُذْرٍ أو لِغَيرِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أَنَّه قَالَ: يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ. وقالَ مَالكٌ (٥): إِنْ خَرَجَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ خَرجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزَمَهُ. ومن باب: هَلْ يخصُّ شَيئًا مِن الأيَّامِ * حَدِيثُ علقَمَة: (قُلتُ لِعَائِشَة ﵂: هلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُطيقُ) (٦). قَوْلُهَا: (دِيمَةً) تَعني: الدَّائِم، مِثْلُ الدِّيمَة فِي الْمَطَرِ، والدِّيمَةُ: مَطَرٌ يَدُومُ أيَّامًا. * * *

стр. 1846

ومن باب: صَوم يَومِ عَرفَة * حَدِيثُ مَيْمُونَة: (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ) (١). (الحِلَابُ): وُهو قِدحٌ يُحلَبُ فِيهِ. قالَ أَصحَابُ الشَّافِعِي (٢): يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ عَرفَةَ بِعَرَفَةَ لِلحَاجِّ، قِيلَ: لأَنَّهم يَضعُفُونَ عَن الذِّكرِ، والذِّكْرُ في ذَلكَ الْمَوْضِعِ أَوْلَى مِنْ صِيامِ التَطوُّعِ فيهِ. ومن بَاب: صَوم يَومِ الفِطرِ ويَومِ النَّحرِ * حدِيثُ عُمَرَ ﵁: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن صَومِهِمَا) (٣). قالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي ﵀ (٤): [لَا يجوزُ صَومُ] (٥) يومِ الفِطْرِ، وَلَا يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا أَيَّامِ مِنًى فَرْضًا وَلَا تَطَوُّعًا. فأَمَّا يَوْمُ الفِطْرِ وَيَوْمُ النَّحْرِ فَلَا يَجُوزُ صَومُهُمَا بِحَالٍ، لَا عَنِ الْفَرْضِ وَلَا عَنِ النَّفْلِ، فَإِنْ نَذَرَ نَاذِرٌ صَوْمَهُمَا لَم يَنعَقِدْ نَدْرُهُ.

стр. 1847

وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَنعقِدُ. والدَّليلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ ذلِكَ الْيَوْمِ: مَا رُوِيَ عَن أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ والنَّحْرِ)، وَقَدْ ذَكَرهُ البُخَارِيّ (٢). ورُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صَومِ سِتَّة أَيَّامٍ: يَومِ الفِطْرِ، ويَوْمِ الأَضْحَى، ويَوْمِ الشَّكِّ، وأيَّامِ التَّشْرِيقِ (٣)، إذا لم يَصُمِ الأَيَّامَ الثَّلاثَةَ فِي الْعَشْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤)، وَقَالَ فِي الحَدِيثِ: لَا يَجُوزُ.

стр. 1848

وَقَوْلُهُ: (عَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) (١). (اشتِمَالُ الصَّمَّاءِ): أنْ يلتَحِفَ بِثَوْبِهِ ثُم يُلقِيَ الجَانِبَ الأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، وقيلَ: هُو أنْ يَتَجَلَّلَ الرَّجُلُ بِثَوبِهِ، وَلَا يَرْفَعَ مِنهُ جَانبًا. قال القُتَيْبي: "وإِنَّما قيلَ لَها [الصَّمَّاءُ] (٢)، لأنَّه إِذَا اشتَمَلَ بِهِ سَدَّ عَلَى يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ الْمَنَافِذَ كُلَّها، كالصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرِقٌ ولَا صَدعٌ" (٣). وأمَّا (الاحْتِباءُ): فَضَمُّ السَّاقِ إلى البَطْنِ بِثَوْبٍ عَلَى وَجْهٍ تَبْدُو مِنهُ العَورَةُ. وأَمَّا (الْمُلامَسَةُ) و (الْمُنَابِذَةُ) فَضَرْبانِ مِنَ البَيعِ. قال أبو عُبَيْدٍ (٤): الْمُلَامَسَةُ أن يَقولَ: إِذَا لَمَسْتَ ثَوبِي أَو لَمَسْتُ ثَوبَكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيعُ [بِكذَا وكذَا] (٥). وقِيلَ: هُو أَنْ يَلْمِسَ [الرَّجلُ] (٦) المَتَاعَ مِنْ وَراءِ الثَّوبِ ولا يَنظُرُ إِلَيهِ، ثُمَّ يوقعُ البيعَ علَيهِ. قال أبو عُبيدٍ: والْمُنَابَذَةُ هُوَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: انبُذْ إِلَيَّ الثّوبَ، وَأَنْبَذُهُ إِليكَ فَيجِبُ البيْعُ.

стр. 1849

وقِيلَ: هُو أنْ يَقُولَ: إذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ الْحَصَاةَ فَقَدْ وَجَبَ البَيعُ. ومن: باب: صِيامُ يَومِ عَاشُورَاءَ صَوْمُ يَومٍ عَاشُوراءَ مُستحَبٌّ، وهُو اليومُ العَاشِرُ مِن الْمُحَرَّم، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَالَ: (إِذَا كَانَ العَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ، فَلَمْ يَأْتِ العَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوفِي رَسُولُ الله ﷺ (١). فقيلَ: أَرَادَ بذَلِكَ مُخَالَفَةَ اليَهُودِ. وَقِيلَ: نهَى أَنْ يَصُومَ يَوْمًا فَرْدًا لَا يُوصَلُ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، كَمَا نَهَى أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الجُمُعَةِ لَا يُوصَلَ بالخَمِيسِ وَلَا بِالسَّبتِ (٢). ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (يومُ عَاشورَاءَ هذَا اليَومُ التَّاسِعُ) (٣). ويُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ، والْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهم قَالُوا: يَومُ عَاشُوراءَ يَومُ العَاشِرِ (٤).

стр. 1850

والأَحْوطُ أَنْ يَصُومَ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ لِيَسْتَدْرِكَ الفَضِيلَةَ عَلَى الكَمَالِ، وَرُوِيَ عَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ (كَانَ يصُومُ يَومَ عَاشُوراءَ فِي السَّفَرِ، ويُوالِي بَيْنَ اليَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ) (١). ومن باب: صَلاةِ التَّراويحِ * حَديثُ: (فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُون) (٢) (أوزاعٌ)، أيْ: جَماعاتٍ. وقَوْلُهُ: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ) (٣) أَيْ: تَوافَقَتْ، وأَصْلُ الكَلمَةِ مَهموزَة. قالَ أَهْلُ اللُّغة (٤): الْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) (٥)، القَزَعُ قِطَعُ السَّحَابِ، والوَاحِدَةُ: قَزَعَة. وقَوْلهُ: (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ): (الجَرِيدُ): سَعَفُ النَّخْلِ، الوَاحِدَةُ: جَرِيدَةٌ، سُمِّيتْ كَذَلِكَ لأنَّهُ قَدْ جُرِدَ عَنْهَا خَوصُهَا.

стр. 1851

وَقَوْلُهُ: (تَحَرَّوْا) (١) يعني: اطلُبُوا. وَقَوْلُهُ: (قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ) (٢) أَيْ: ظَهَرَ لِي مِن الرَّأْي أَوْ مِنَ الْوَحْي. وقَوْلُهُ: (فَتَلَاحَى رَجُلَان) (٣) أي: تَخَاصَمَ، يقالُ: لَاحَاهُ يُلَاحِيهِ، مُلَاحاةً، أَيْ: خَاصَمَهُ. * * *

стр. 1852

ومن باب الاعتِكَافِ حدِيثُ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ) (١). قالَ أَهلُ اللُّغة (٢): الاعْتِكَافُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى الشَّيْء، يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ، وقيل في التَّفسِير: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٣) أَيْ: يُقِيمُونَ عليها ويلازِمُونَها. وروي (أَنَّ عَلِيًا لله مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشَّطْرَنْجِ، فَقَالَ: [مَا] (٤) هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتي أَنْتُم لَهَا عَاكِفُون) (٥) أَي: مُلازِمُون. هذَا مِن جَهَة اللُّغة.

стр. 1853

وأَمَّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ: فَالاعْتِكَافُ: الإِقَامَةُ فِي مَوْضِعٍ مخصُوصٍ، وهُو فِي الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ، فَاسْمُهُ في الشَّرْع أخَصُّ مِنهُ في اللُّغَة. فإذَا ثَبَتَ هذا فإنَّ الاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، لِلْأَخْبَارِ الَّتي رَواهَا البُخاريُّ. وقَوْلُهُ: (فَوَكَفَ المَسْجِدُ) (١) أيِ: نزَلَ مِنْ سَقْفِهِ المَاءُ. وقَوْلُهُ: (وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ)، العَرِيشُ: سَقْفُ الْبَيْتِ، وقِيلَ: الْعَريشُ بمعْنَى: الْمَعْرُوش. وقَوْلُهُ: (يُصْغِي إِليَّ رَأْسَهُ) (٢) أَيْ: يُمِيلُ. وقَوْلُها: (فَأُرَجِّلَهُ) أَيْ: أَمْشُطُهُ. وَقَوْلُهُ: (رَأَى الأَخْبِيَةَ) (٣) هِي: جَمْعُ خِبَاءٍ. وقولهُ: (آلبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ) مَعنَى تَرونَ: تَظُنُّونَ. و (البِرَّ): نَصْبُ مَفْعُولِ (تَرونَ)، وهو مَفعُولٌ مقَدَّم. وفيهِ دَلالةٌ أَنَّ العَمَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَالِصًا للهِ، لَم يَكُنْ مَقبولًا (٤) عِنْدَ الله، كأَنَّهُ يَقُولُ: تَرونَ فعلن هذَا مُمَارَاةً.

стр. 1854

وقَوْلُهُ: (يَقْلِبُها) (١) أَيْ: يَصْرِفهَا. وَقَوْلُهُ: (فَرحْن) (٢) مِن الرُّواحِ، وَهُوَ فِعْلُ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ. وقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَجَازَا) أَيْ: مُضِيًا وبعدًا. و (المُعْتَكَفُ) مَوْضِعُ الاعْتِكَافِ. و (هَاجتِ السَّمَاءُ) (٣)، أَيْ: طَلَعَتِ السَّحابُ. و (القُبَّةُ): الخَيْمَةُ، والقِبَابُ: جَمْعٌ. وقَوْلُهُ: (مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلبِرُّ؟) (٤) (مَا): حَرفُ نَفْيٍ، و (الْبِرُّ): فاعِلُ حَمَلَهُنَّ، أَيْ: لمَ يفْعَلْنَ هذَا بِرًّا، إِنَّما فعلَنَّ هَذَا مُبَاهَاةً. وقولهُ: (كَانَت تُرَجِّل النَّبِيَّ) (٥) أيْ: تُسَرِّحُ شَعَرهُ وتُمَشِّطُهُ. وقولها: (يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ) أَيْ: يُمِيلُ رَأْسَهُ إِلَيهَا لِتُمَشِّطَهُ. وكانَ بابُ الحُجرةِ إلَى الْمَسْجِدِ، وكَانَتْ عائِشَةُ ﵂ تَقْعُدُ فِي حُجْرَتهَا، ويَقعُدُ النَّبيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ خَارِجَ الحُجْرَةِ فَيُمِيلُ إِلَيْهَا رَأْسَهُ لِتمشُطَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ

стр. 1855

رأسه فأُرَجِّلَه) (١). ومن فقهِ هَذِهِ الأحَادِيث: أنَّ الاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا في المَسْجِدِ، قالَ الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، ولَو كانَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَكَانَ يَخْرُجُ لترجيلِ الرَّأْسِ. ويَصِحُ الاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرأةِ فِي الْمَسْجِدِ (٣). وقال أبو حَنِيفَة (٤): اعْتِكَافُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ. وقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ رويَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) (٥) فيهِ دَليلٌ أَنَّه يجوز للمُعْتَكِفِ أَنْ يَغْسِلَ رأسَهُ. وَفِيمَا رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ يجوزُ للمُعتَكِفِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ. وَفِيمَا رَوَيْناهُ دَليلٌ أَنَّه يجوزُ لَهُ تَرْجِيلُ الرَّأْسِ، وَتَدْهِينُهُ. وَفِيهِ دَليلٌ أَنَّ إحْرَاجَ بَعْضِ البَدَنِ وإِدْخَالَهُ لا يَجْرِي مَجْرَى جَمِيعِهِ، وذَلكَ يَدُلُّ علَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا لم يَحْنَثْ بِذَلِكَ.

стр. 1856

وَفِيهِ دليل على أنَّ الحائِضِ ليْسَتْ بِنَجِسَةٍ، لأنَّه لَوْ كَانَتْ نَجِسَةٌ لَمَا مَكَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِن غَسْلِ رَأْسِهِ. وفِيهِ دَليلٌ أَنَّ يَدَ الْمَرْأَةِ لَيْسَتْ بِعَورَةٍ، وذلكَ لأَنَّ الْمَسْجِدَ لَم يَكُنْ يَنفَكُّ مِنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فإذَا غَسَلَتْ رَأْسَهُ شَاهَدُوا يَدَيْهَا. ولا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ الْمَرْضَى، وَلا يَشْهَدُ الجنَائِزَ، لما رَوتْ عائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَشْهَدُ جَنَازَةً، ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولَا يَمَسُّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرُها، ولَا يَخْرُجُ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ، إِلَّا لِمَا بُدَّ مِنْهُ) (١). قالَ أهلُ العِلمِ: وَالْمُبَاشَرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُبَاشَرةٌ في الفَرْجِ، فإنَّها مُحرَّمَةٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَإِذَا فَعَلَهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، لقولِهِ تعَالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).

стр. 1857

وأما الضَّربُ الثَّانِي مِنَ الْمُبَاشَرَةِ: وهِي الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الفَرْجِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، بِأَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ إِكْرَامًا، أَوْ يُنَاوِلَهَا شَيْئًا فَوَقعَتْ يَدُهَا عَلَى يَدِهِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلا يُؤَثِّرُ في الاعْتِكَافِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِليَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ) (١)، وَلَا شَكَّ أَنَّ يَدَهَا كَانَتْ تُصِيبُ رَأْسَهُ. وأما الضَّربُ الثَّالثُ: وهُوَ الْمُبَاشَرةُ في غَيرِ الفَرجِ بِشَهوةٍ، بِأَنْ يُقَبِّلَ بالشَّهْوَةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الاعْتِكَاف (٢). * * *

стр. 1858

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَاب البُيُوعِ قالَ الله تَعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، فنَهَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بالبَاطِلِ واسْتَثَنَى التِّجَارَةَ، فَثَبَتَ جَوازُهَا. ونَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَررِ (٢)، فَدَلَّ عَلَى جَوازِ مَا لَيْسَ بِغَرِرٍ. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) أَحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ تَبَايَعَهُ المتَبَايَعَانِ جَائِزَا الْأَمْرِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: أحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ مَا لَم يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ [الْمُبَيِّنُ عَنِ اللهِ] (٤) تَعَالَى مَا أَرَادَ، فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي أَكَّدَّ اللهُ فَرْضَهُ فِي كِتَابِهِ، وبَيَّنَ كَيْفِيَتَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ يَكُونَ مِنَ العَامَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ. قال الشَّافعي رحمة الله عليه (٥) وأيّ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَلْزَمَ اللهُ خَلْقَهُ طَاعَةَ نَبِيِّهِ
следующие страницы →