← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1854–1893 · переход к 1859.

стр. 1854

وقَوْلُهُ: (يَقْلِبُها) (١) أَيْ: يَصْرِفهَا. وَقَوْلُهُ: (فَرحْن) (٢) مِن الرُّواحِ، وَهُوَ فِعْلُ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ. وقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَجَازَا) أَيْ: مُضِيًا وبعدًا. و (المُعْتَكَفُ) مَوْضِعُ الاعْتِكَافِ. و (هَاجتِ السَّمَاءُ) (٣)، أَيْ: طَلَعَتِ السَّحابُ. و (القُبَّةُ): الخَيْمَةُ، والقِبَابُ: جَمْعٌ. وقَوْلُهُ: (مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلبِرُّ؟) (٤) (مَا): حَرفُ نَفْيٍ، و (الْبِرُّ): فاعِلُ حَمَلَهُنَّ، أَيْ: لمَ يفْعَلْنَ هذَا بِرًّا، إِنَّما فعلَنَّ هَذَا مُبَاهَاةً. وقولهُ: (كَانَت تُرَجِّل النَّبِيَّ) (٥) أيْ: تُسَرِّحُ شَعَرهُ وتُمَشِّطُهُ. وقولها: (يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ) أَيْ: يُمِيلُ رَأْسَهُ إِلَيهَا لِتُمَشِّطَهُ. وكانَ بابُ الحُجرةِ إلَى الْمَسْجِدِ، وكَانَتْ عائِشَةُ ﵂ تَقْعُدُ فِي حُجْرَتهَا، ويَقعُدُ النَّبيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ خَارِجَ الحُجْرَةِ فَيُمِيلُ إِلَيْهَا رَأْسَهُ لِتمشُطَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ

стр. 1855

رأسه فأُرَجِّلَه) (١). ومن فقهِ هَذِهِ الأحَادِيث: أنَّ الاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا في المَسْجِدِ، قالَ الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، ولَو كانَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَكَانَ يَخْرُجُ لترجيلِ الرَّأْسِ. ويَصِحُ الاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرأةِ فِي الْمَسْجِدِ (٣). وقال أبو حَنِيفَة (٤): اعْتِكَافُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ. وقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ رويَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) (٥) فيهِ دَليلٌ أَنَّه يجوز للمُعْتَكِفِ أَنْ يَغْسِلَ رأسَهُ. وَفِيمَا رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ يجوزُ للمُعتَكِفِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ. وَفِيمَا رَوَيْناهُ دَليلٌ أَنَّه يجوزُ لَهُ تَرْجِيلُ الرَّأْسِ، وَتَدْهِينُهُ. وَفِيهِ دَليلٌ أَنَّ إحْرَاجَ بَعْضِ البَدَنِ وإِدْخَالَهُ لا يَجْرِي مَجْرَى جَمِيعِهِ، وذَلكَ يَدُلُّ علَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا لم يَحْنَثْ بِذَلِكَ.

стр. 1856

وَفِيهِ دليل على أنَّ الحائِضِ ليْسَتْ بِنَجِسَةٍ، لأنَّه لَوْ كَانَتْ نَجِسَةٌ لَمَا مَكَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِن غَسْلِ رَأْسِهِ. وفِيهِ دَليلٌ أَنَّ يَدَ الْمَرْأَةِ لَيْسَتْ بِعَورَةٍ، وذلكَ لأَنَّ الْمَسْجِدَ لَم يَكُنْ يَنفَكُّ مِنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فإذَا غَسَلَتْ رَأْسَهُ شَاهَدُوا يَدَيْهَا. ولا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ الْمَرْضَى، وَلا يَشْهَدُ الجنَائِزَ، لما رَوتْ عائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَشْهَدُ جَنَازَةً، ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولَا يَمَسُّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرُها، ولَا يَخْرُجُ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ، إِلَّا لِمَا بُدَّ مِنْهُ) (١). قالَ أهلُ العِلمِ: وَالْمُبَاشَرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُبَاشَرةٌ في الفَرْجِ، فإنَّها مُحرَّمَةٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَإِذَا فَعَلَهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، لقولِهِ تعَالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).

стр. 1857

وأما الضَّربُ الثَّانِي مِنَ الْمُبَاشَرَةِ: وهِي الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الفَرْجِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، بِأَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ إِكْرَامًا، أَوْ يُنَاوِلَهَا شَيْئًا فَوَقعَتْ يَدُهَا عَلَى يَدِهِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلا يُؤَثِّرُ في الاعْتِكَافِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِليَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ) (١)، وَلَا شَكَّ أَنَّ يَدَهَا كَانَتْ تُصِيبُ رَأْسَهُ. وأما الضَّربُ الثَّالثُ: وهُوَ الْمُبَاشَرةُ في غَيرِ الفَرجِ بِشَهوةٍ، بِأَنْ يُقَبِّلَ بالشَّهْوَةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الاعْتِكَاف (٢). * * *

стр. 1858

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَاب البُيُوعِ قالَ الله تَعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، فنَهَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بالبَاطِلِ واسْتَثَنَى التِّجَارَةَ، فَثَبَتَ جَوازُهَا. ونَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَررِ (٢)، فَدَلَّ عَلَى جَوازِ مَا لَيْسَ بِغَرِرٍ. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) أَحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ تَبَايَعَهُ المتَبَايَعَانِ جَائِزَا الْأَمْرِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: أحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ مَا لَم يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ [الْمُبَيِّنُ عَنِ اللهِ] (٤) تَعَالَى مَا أَرَادَ، فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي أَكَّدَّ اللهُ فَرْضَهُ فِي كِتَابِهِ، وبَيَّنَ كَيْفِيَتَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ يَكُونَ مِنَ العَامَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ. قال الشَّافعي رحمة الله عليه (٥) وأيّ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَلْزَمَ اللهُ خَلْقَهُ طَاعَةَ نَبِيِّهِ

стр. 1859

ﷺ ، فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُ فَمِنَ الله قَبِلَ، فلمَّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بُيُوعٍ تَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، أَوْ كَانَ فِي معنَاهُ. فالآيةُ تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: العُمُومُ. والثَّانِي: الإجمَالُ. والثَّالِثُ: أَنَّها عامٌّ أُرِيدَ بهِ الخَاصُّ. والرَّابِعُ: أَنَّها تَحْتَمِلُ الإِجْمَالَ، وَتَحْتَمِلُ العُمُومَ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ. والخَامِسُ: أَنَّهُ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا سَيُحَرِّمهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي [التَّالي] (١). فأمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فدخَلَ عَلَى جَوازِ كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، لأَنَّ الله تَعَالَى أَبَاحَ الْبَيْعَ، وَذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلَانِ فِي الْكَلِمَةِ إِمَّا لِلْجِنْسِ، أَوْ لِلْعَهْدِ، وَلَا مَعْهُودَ دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّام لأَجْلِهِ، فثبَتَ أَنَّهُ أُرِيدَ بها جِنْسُ الْبَيْعِ، وَلأَنَّ الجِنْسَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ العهدُ، والعَهْدُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الجِنْسُ. أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَنَّ هَذَا أَظْهَرُ الْمَعانِي مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالصِّيغَةُ، لأنَّ صِيغَةَ اللَّفْظِ صِيغَةُ الْعُمُومِ واسْتِغْراقُ الْجِنْسِ، وَلَم يُرِدْ بِهَذَا اخْتِيَارًا لهذَا القِسمِ.

стр. 1860

وأمَّا القِسْمُ الثَّاني: فإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ، ويَكُون هَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي أَكَّدَ اللهُ فَرضَهَا فِي كتَابِهِ، وبيَّنَ كَيْفِيَتَهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ . وَالدَّلِيلُ عَلَى إِجْمَالها: تَعَارُضُ اللَّفْظِ فِي الآيَةِ، وَتَعَارُضُ الآيَةِ للسُّنَّة؛ فَأَمَّا التَّعَارُضُ فِي الآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)، وَهَذَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ كُلِّ بَيْعٍ سَوَاءً كَانَ البَدَلَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ مُتَفَاضِلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْبَيْعِ عِنْدَ تَفَاضُلِ الْعِوَضَيْنِ، فَتَعَارَضَ اللَّفْظَانِ، واحْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى بَيَانٍ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى العُمُومِ، لِأنَّا نُحِلُّ بُيُوعًا يَتَفَاضَلُ فِيهَا الْبَدَلانِ، وَنُحَرِّمُ بُيُوعًا يَتَسَاوَى فِيهَا الْبَدَلَانِ. وأَمَّا مُعَارِضَةُ الآيةِ للسُّنَّة، فهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَرَّمَ بُيُوعًا مِثْلَ بُيُوعِ الْمُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَة وَغَيْرَ ذَلكَ، ثُمَّ وَرَدَتِ الآيَةُ بِإِبَاحَةِ كُلِّ بَيْعٍ؛ فَحَصَلَتْ مُعَارَضَةُ الْآيَةِ للسُّنَّةِ، فَاحْتَاجَ أَنْ تُبَيَّنَ البُيُوعُ الَّتِي اقْتَضَتِ الآيَةُ إِبَاحَتَهَا مِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي (٣) حَرَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَتُخَصُّ مِنْهَا. والشَّافِعِيُّ يُسَمِّي مَا كَانَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ: الآيَةَ الْمُراقِبَةَ عَلَى السُّنَّةِ. وأَمَّا الاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أنْ يَرِدَ لَفْظٌ عَامٌّ، ويَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ. وهَلْ هذَا مُجْمَلٌ مِن حيثُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظ؟ أَوْ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ

стр. 1861

وَالْمَعْنَى؟ وَهَذَا أَشْبَهُ، والدَّليلُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُجْمَلٌ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمكِنْ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى بَيَانِ كَانَ مُجْمَلًا، كَقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، لأَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَوْ خُلِّينَا وَظَاهِرَهُ أَمْكَنَ التَّعليقُ بِهِ. وقِيلَ: الْمُجْمَلُ: مَا احتاجَ إِلى بَيانٍ لِيُعْلَمَ بِهِ اللَّفْظُ، وأَمَّا مَا يَحتَاجُ إلى بيَانٍ لِيُعْلَمَ بِهِ مَا لَم يُرَدْ بِهِ اللَّفْظُ يَكُونُ عَامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا. وأمَّا الاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ الإِجْمَالَ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ. وأَمَّا الخَامِسُ: فَذَكَرَ أَنَّهُ يَحتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَصُورَةُ هَذَا أَنْ تَكُونَ الآيَةُ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً فِي الإِبَاحَةِ، ولِكنَّ المرادَ بهِ إبَاحَةُ كُلِّ بيعٍ إلَّا مَا يلزمُهُ النَّبيُّ ﷺ في الثَّاني، فَيُخَصُّ ذَلِكَ مِن جُملتِهَا. واخْتَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ الْمُرَادَ بالآيةِ هذَا القِسْمُ دُونَ غَيْرِهِ (٢)، لِأَنَّهُ قالَ: فلَمَّا أباحَ الله تعالى بُيوعًا ترَاضَى بهَا الْمُتَبَايِعَانِ، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ كُلَّ بَيْعٍ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ ، فبيَّن أنَّ هذَا هُوَ الْمُرادُ، بالآيةِ. وأَمَّا قَوْلُه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فإنَّما نَصَّ عَلَى النَّهْي عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالبَاطِلِ؛

стр. 1862

لأَنَّ مُعْظَمَ إِتْلَافِ الأَمْوَالِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، فَنَصَّ عَلَى الْأَكْلِ، وَنَبَّهَ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ تَحْرِيم اللبْسِ بِالبَاطِلِ، والشُّرْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ (١)، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): هَذَا لَيْسَ باسْتثنَاءٍ، لأَنَّ الاِسْتَثنَاءَ هُوَ مَا لَوْ لَمْ يُذْكَر كَانَ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا فِي جُمْلَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). وفي هَذِهِ الآية لَم يَسْتَثْنِ التِّجَارَةَ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ اللَّفْظِ الأَوَّلِ، لأَنَّ أَكْلَ الْمَالِ بِالبَاطِلِ لَا تَدْخُلُ [تَحْتَهُ] (٤) التِّجَارَة، وَإِنَّمَا هَذَا ابْتِدَاءُ كَلامٍ، فَتَقدِيرهُ: لَا تأكُلُوا أموَالَكَمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ، لَكِنْ كُلُوهُ بِتِجارةٍ. قالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (٥): هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لأنَّ التِّجَارَةَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، والاسْتِثْنَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: استثنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَاسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الجنس. فأَمَّا الاسْتِثْنَاءُ مِنْ الجِنْسِ، نَحْو قَوْلِهِ: (مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إِلَّا زَيدٌ). وأَمَّا (٦) الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الجنْسِ نَحو قولهِ: (مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إِلَّا حِمَارا)،

стр. 1863

ولَا خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي صِحَّةِ هذَا الاستِثناءِ، وإِنَّما اختَلَفُوا فِي إعرابِهِ (١): فعَلَى لُغَةِ أَهْلِ الحِجَازِ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ فَإِعْرَابُهُ بِالنَّصْبِ. وعلَى لُغَةِ بنِي تَمِيمٍ: إِعْرابُهُ بالرَّفْعِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (٢)، هذَا اسْتِثناءٌ من غَيرِ الجِنْسِ؛ لأنَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النِّعْمَة. وقَدْ وَرَدَ الشِّعرُ بالاستثنَاءِ مِنْ غيرِ الجِنْسِ (٣): [مِن الرَّجز] وبَلْدَةٍ لَيسَ بِهَا أنِيسُ … إِلَّا اليَعَافِيرُ وإلَّا الْعِيسُ فاستثنى الْعِيسَ، وَهِي الإِبِلُ مِنَ الأَنِيسِ. * * * * وأمَّا حَديثُ أبي هُريرة ﵁: (وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ سَفْقٌ بالأَسْوَاقِ) (٤)، كذَا في هذِهِ الرِّوايَةِ: (سَفْق) بالسِّين، والسِّينُ وَالصَّادُ يَتَعَاقبَانِ. وفي الحدِيثِ: (صَفقَتَانِ فِي صَفقَة رِبًا) (٥)، مَعناهُ: بَيْعتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ

стр. 1864

علَى وَجْهَين: أَحَدُهُما: أَنْ يَقُولَ البَائِعُ للمُشْتَرِي بِعْتُكَ كَذَا بِمَائَةِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا وَكَذَا. والوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعِشْرِينَ دِرْهِمًا، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي مَتَاعَكَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ. وَقِيلَ لِلْبَيْعَةِ صَفقَةٌ لِضَرْبِ الْيَدِ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيعِ. وفي الحدِيثِ: (إِنَّ أكبرَ الكَبَائِرِ أَنْ تُقاتِلَ أهْلَ صَفْقَتِكَ) (١)، هُو أَنْ يُعْطِيَ

стр. 1865

غَيْرَهُ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ، ثُمَّ يُقَاتِلَهُ. وَقَوْلُهُ: (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً علي) (١). (النَّمِرَة) كِسَاءُ مُلَوَّنٌ، ولَعَلَّهُ أُخِذَ مِنَ النَّمِر لِمَا فِيهِ مِن سَوادٍ وَبَيَاضٍ. وفي الحديث فضيلة أبي هُرَيْرَةَ ﵁، اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، فَكَانَ حَافِظَ الأُمَّة. وفيه أنَّ الاشْتِغَالَ بالدُّنْيَا وَتَحْصِيلَ العِلْمِ قلَّمَا يَجْتَمِعَانِ. * * * * وحديثُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن عَوْفٍ: (كَمْ سُقتَ؟) (٢). أي: كَمْ أعطَيْتَهَا مِن الْمَهْرِ؟ يقَالُ: سَاقَ إليهِ كذَا أَيْ: أَعْطَاهُ. و (النَّوَاةُ) خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ اسْمَ سَنْجَةٍ يُوزَنُ بِها، أَوْ يُسَمَّى هَذَا القَدْرُ مِنَ الذَّهَبِ نَواةً (٣). وَقَوْلُهُ (ثُمَّ تَابِعَ الغُدُوَّ) أَيْ: عِنْدَ الْيَوْمِ الثَّانِي. و (الغُدُوُّ) مَصْدَرُ غَدَا يَغْدُو، والْمُتَابَعَةُ إلحاقُ الشَّيءِ بِغيرِهِ.

стр. 1866

وَقَوْلُهُ: (أَيُّ زَوْجَتَيَّ) أَيْ: أَرَدتَّ أَنْ تَنكِحهَا. (نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا) أَيْ: طَلَّقْتُهَا، ونَزَعتُهَا لكَ. وقوله: (حتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا) (١) أي: رَبحَ. وقوله: (وَضَرٌ من صُفْرَةٍ) قالَ أهل اللُّغة (٢): يُقَالُ لِبَقِيَّةِ الْهِنَاء: وَضَرٌ. وقال صاحِبُ الغَريبينِ: في الحدِيثِ أَنَّه: (رأَى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَضَرًا مِنْ صُفْرَةٍ)، أَيْ: لَطْخًا مِن خَلُوقٍ أو طيِبٍ له لَونٌ، وذلِكَ مِنْ فِعْلِ العَرُوسِ إِذَا بَنَى بِأَهْلِهِ. وَقِيلَ: وَضِرَ الإِنَاءِ يَوْضَرُ إِذَا اتَّسَخَ (٣)، قال (٤): [مِنَ الطَّوِيل] ...... ...... ...... … أبَاريقُ لم يَعْلَقُ بها وَضَرُ الزَّبَدِ و (مَهْيَم) كَلمةٌ يمانية مَعنَاهَا: مَا حَالُك؟ وما أمرُكَ؟ (وتَأَثَّمُوا) أيْ: اجْتَنِبُوا الإِثْمَ وتَحرَّزُوا منهُ.

стр. 1867

ومن باب: الحلالُ بَيِّنٌ * فيهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ (١). وفَيهِ مِنَ الْفِقْهِ: اجتِنَابُ الْمُشْتَبِهَاتِ، وهِي مَا يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهَا مُشْتَبِهَةٌ، وَفِي أَنْفُسِهَا غَيْرُ مُحلَّلَةٍ ولَا مُحرَّمَةٍ. إِنَّ الله إِنَّمَا بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبيِّنًا لأُمَّتِهِ جَمِيعَ مَا تَهُمْ إِليهِ الحاجَةُ مِن أَمْرِ دِينِهِم مِمَّا أحلَّهُ لَهُمْ، وَحَرَّمَهُ عَلَيهِم، ومَا يَجوزُ لَهُم فِعْلُهُ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ اجْتِنَابُهُ. ومن باب تَفسِيرُ المُشْتَبِهَاتِ قال حسَّانُ بنُ أَبي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى ما [لا] (٢) يَرِيبُك) (٣). وفيهِ: حَديثُ ابن الحارِثِ (أَنَّ امْرَأَةً سَودَاء جَاءَتْ … ) (٤).

стр. 1868

* وفيهِ: حَديثُ عَبْدِ بن زَمْعَة (١). * وحَدِيثُ عَدَيَّ بن حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ (٢). ومن باب: مَا يَتَنَزَّهُ مِن الشُّبهَاتِ * حَديثُ أَنَسٍ: (لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلتهَا) (٣). ومِن بَاب مَنْ لَم يَرَ الْوَسَاوِسَ ونَحْوِهَا مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ * حديثُ عَبَّادِ بن تَمِيمٍ عَن عَمِّه: (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ [الرَّجلُ] (٤) يَجِدُ في الصَّلاةِ شَيئًا … ) (٥). * وحديثُ عائِشَةَ: ﵂ (أَنَّ قَوْمًا قالُوا يَا رَسُولَ الله: إِنَّ قومًا يأتُونَنَا باللَّحمِ … ) (٦). ومِن تَفسِيرِ الْمُشْتَبِهَاتِ والشُّبهَاتِ: فالْمُشْتَبهَاتُ فِي اللُّغة في حَدِيثِ حُذَيْفَة، وذَكرَ الفِتْنَةَ، فقالَ: (تَشْتَبِهُ مُقْبِلَةً، وَتَبِينُ مُدْبِرَةً) (٧)، يعنِي: أنَّ الفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَت شُبِّهَتْ عَلَى القَومِ، وَأَرَتْهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى

стр. 1869

الحَقَّ حَتَّى يَدْخُلُوا فِيهَا، ويَرْكبُوا مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ وَانْقَضَتْ بَانَ أَمْرُهَا، فَعَلِمَ مَنْ دَخلَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الخَطَأ، قَالَ الشَّاعِرُ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] تَبَيَّنُ أعْقَابُ الأُمُورِ إِذَا مَضَتْ … وَتُقْبِلُ أَشْبَاهًا عَلَيْكَ صُدُورُهَا وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٢)، أَيْ: اشْتَبَهَ، فَلَا نَقِفُ عَلَى الْمُرَادِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (٣)، أي: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الفَضْلِ وَالحِكَمَةِ، لَا تَنَاقُضَ فِيهِ، وَلَا تَختَلِفُ مَعَانِيهِ. وقالَ صَاحِبُ المجمَل (٤): الْمُشَبَّهَاتُ مِنَ الأُمُورِ: الْمُشْكِلاتُ، والشِّبْهُ وَالشَّبَهُ والشَّبِيهُ في الشَّيئَيْنِ المتَشَابهينِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ النُّعْمَان بن بَشِير: (فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (٥)، أيْ:

стр. 1870

طلَبَ الْبَراءَةَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ. قال أَهْلُ اللُّغة (١): بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ، وأَبْرَأَتُ الرَّجُلَ مِنَ الدِّينِ. وفي رواية: (وَمَن يُخالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ) (٢)، أَيْ: يَتَجَاسَرَ، فَيقَع في الحرَامِ. * وفِي حَديثِ الحسَنِ بن عَلِيٍّ: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) (٣)، وفِي حَديثِ أبي أمَامَة: (إِذَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ شَيءٌ فَدَعْهُ) (٤).

стр. 1871

وأَمَّا مَا فِي خَبرِ زكريَّا بنُ أبي زَائِدة: (فَمَنْ وَقَعَ فِي المُشْتَبِهَاتِ وَقَعَ فِي الحرَامِ) (١)، فَهَذَا لَفظُهُ لَفْظُ الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ: يَقَعُ في الحَرامِ، كقولِهِ: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) (٢) يَعْنِي: ويُنْفَخُ فِي الصُّور. وقالَ الشافعيُّ (٣) ﵀ في قولهِ : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٤): البُلوغُ بُلُوغَانِ: أحدُهُما: مُقاربَةُ البُلُوغِ. والثَّانِي: انْقِضَاءُ البُلُوغِ، كمَا تَقُولُ العَربُ إِذَا أَرَادَتِ الْبَلْدَة فَقَرُبْتَ مِنْهَا: قَدْ بَلَغْتُهَا، أوتُرِيدُ الأَمْرَ فَتَقْرُبُ مِن مُرَادِهَا، فَتَقُولُ: قَد بلغْتُ حَاجَتِي بمعنَى قَولِهِ: (وَقَعَ فِي الحَرَامِ) أَيْ: قَرُبَ مِنْ مُواقَعَةِ الحَرَامِ، لأَنَّ الْمُرتِعَ حَوْلَ الْحِمَى قَرُبَ مِن مُواقعَةِ الْحِمَى. والدَّليلُ علَى صِحَّة هذَا الْمَعْنَى خَبَرُ مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ: (لَمْ تَلْبَثْ غَنَمُهُ أَنْ تَرْتَعَ وَسَطَه) (٥)، أَخبَرَ أَنَّ الْمُرْتِعَ حَوْلَ الْحِمَى قَد قَارَبَ أَنْ يَرتَعَ الحِمَى. وخَبْرُ عَطِيَّةَ السَّعْدِي شَبيهٌ بهذا أيضًا قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ) (٦)، أَخْبَرَ

стр. 1872

ﷺ أَنَّ تَرْكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِلوُقُوعِ فِيمَا فِيهِ بَأْسٌ مِن التَّقْوَى. * * * * وأمَّا حَديثُ النَّوَّاسِ بن سَمْعَان (١) فَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَا حَكَّ فِي صَدْرِ الْمَرْءِ لَا يَسْتَيقُنُ تَحْرِيمَهُ وَلَا إبَاحَتَهُ، وكَانَ عِنْدَ النَّاسِ حَرَامًا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، فَهُوَ إِثْمٌ لَا يَجُوزُ لِمَنْ شَكَّ فِيهِ فِعْلَهُ، لأَنَّ الْمُسْلِمَ إِنَّما يُكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ النَّاسِ مَحْظُور، لَا عَلَى مَا هُوَ عِنْدَهُم حَلالٌ جَائِزٌ فِعْلُهُ، ولَم يَقُلْ: مَا حَكَّ في صَدْرِكَ فَهُو إثْمٌ، إِنَّما قالَ: (مَا حَكَّ فِي صَدركَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَهُو إثمٌ). فَصْلٌ رُويَ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵁ بِألفَاظٍ مُختلِفَة، فَفِي رِوايةٍ: (فَاجْتَنِبُوا المشْتَبِهَاتِ) (٢). وَفِي رِوايَةِ [سُفيَان] (٣) عَن أبي فَرْوَةَ عَن الشَّعبي: (وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمْنَ تَركَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِن الإِثمِ كانَ لما اسْتَبَانَ لَهُ أَشدُّ تَركًا) (٤).

стр. 1873

وفي رِوايةٍ جَريرٍ عَن أَبي فَروَة: (وُمَشَبَّهَاتٌ بَينَ ذَلِكَ، فَمَن تَرَكَهَا كَانَ لما اسْتَبَانَ أَترَكُ) (١). وفي رِوايةٍ: (وَمن اجْتَرَأَ عَلَى مَا شَكَّ فِيهِ أَوْ شَكَّ أَنْ يُواقِعَ مَا اسْتَبَانَ لَهُ مِنَ الإثمِ) (٢). وفِي روايةٍ: (وَمَن يُخَالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يجسُرَ) (٣). وفِي روايةٍ (فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ) (٤). وفِي روايةٍ: (وإنَّ الحَرامَ حِمَى الله الَّذِي أَحْمَى عَلَى عِبَادِهِ) (٥). وفِي روايةٍ: (المعَاصِي حِمَى الله) (٦). وفي قوله (٧) (فَمَنْ تَركَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ) فِي رِوَايَةِ ابن عُيَيْنَةَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قد يُشْتَبَهُ عَلَى الْمَرءِ (٨)، لَا أَنَّ الشَّيءَ فِي ذَاتِهِ يَشتَبَه. وفي الحَدِيثِ دَلالةُ عَلَى اجْتِنَابِ مَا ارتَابَ بِهِ الْمَرْءُ وشَكَّ فِيهِ مِنَ البُيُوعِ وَغَيْرِهَا.

стр. 1874

وفي حديثِ الحَسَنِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الخَيْرَ طُمَانِينَةٌ، وإِنَّ الشَّرَّ فِي الرِّيبَة) (١). وفي رواية: (الخَيْرَ طُمَأنِينَةٌ، والكَذِبَ رِيبَة) (٢). وفي حَدِيثِ النُّعْمَان ﵁ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْءِ وَلَم يَبِنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَمْ حَلالٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، لأنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَبِهَ عَلَى الْمَرْءِ هُوَ بَيْنَ الحَرَامِ البَيِّن [وَالحَلَالِ البَيِّنِ] (٣)، وَالشَّيْءُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وفِي تَشْبِيهِ النَّبيِّ ﷺ الحَرَامَ بالحِمَى، والشُّبُهَاتِ بِمَا حَوْلَ الحِمَى، وإِخْبَارِهِ أَنَّ الرَّاعِيَ حولَ الحِمَى يَخشَى عَلَيْهِ أَن يَرتَعَ الحِمَى، دَليلٌ بَيِّنٌ أَنَّ مُرْتِعَ مَا حَوْلَ الْحِمَى غَيْرُ مُرْتِعٍ نَفْسَ الحِمَى، كَذَلِكَ واقِعُ الْمُشْتَبَهَاتِ خَلافَ وَاقعِ الحرَامِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: (فَمَنْ تَرَكَ مَا اشتَبَهَ علَيهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتبَانَ لهُ أَتْرَك) (٤)، دَليلٌ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ هُوَ مَا يَشْتَبهُ عَلَى الْمَرْءِ إِبَاحَتُهُ أَوْ حَظْرُهُ، لأَنَّهُ فِي ذَاتِهِ مُشْتَبِهٌ غَيْرُ مُبَاحٍ وَلَا مَحْظُورٍ.

стр. 1875

ومِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ: أَنْ يَسُكَ الْمَرْءُ فِي الشَّيْءِ، وَيَشْتَبِهَ عَلَيْهِ أَهُوَ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّه لخلْقِهِ أو مِمَّا حَظرهُ عَلَيْهِم؟ واجْتِنَابُ هَذَا مِنَ الْوَرعِ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ فِي الضَّبِّ أَنَّهُ أُمَّةٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ (١)، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفِي رِوَايَةِ أبي الزُّبير: (إنّي لَا أَدْرِي، لَعَلَّهُ مِن القُرُونِ الَّتِي مُسِخَت) (٢). وَبما فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن حَسَنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ القُدُورِ بِمَا فِيهَا مِن لحُومِها (٣). ولَيْسَتْ هَذِهِ الأَخْبَارُ بِخِلافِ خَبَرِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَضِيَّتِهِ مَعَ خَالِدِ بن الْوَلِيدِ ﵁ (٤)، إِذْ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ: (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ)، أَيْ: لأَنَّهُ يَتَخَالِجُ فِي نَفْسِي أَنَّ الضَّبَّ مِمَّا مُسِخَ، وَفِي أَكْلِ خَالِدٍ الضَّبَّ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُر دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّم.

стр. 1876

وهَذَا مِمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهم أَنْ يُحِلُّوا أَوْ يُحَرِّمُوا إِلَّا مَا أَبَانَ الله لَهُمْ تَحْلِيلَهُ أَوْ تَحْرِيمَهُ، وأَنَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِم يَجِبُ عَلَيْهِم أَنْ يَكِلُوا عِلْمَهُم إِلَى عَالِمِهِ، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الضَّبُّ أَهُوَ مِمَّا مُسِخَ أَمْ لَا؟ لم يَتَقَدَّم علَى القَوْلِ بِتَحْرِيمهِ ولَا تحْلِيلِهِ. وقدْ أُتِيَ بِالْمُتَلاعِنَيْنِ فَسَكَتَ عَنِ الفُتْيَا فِيهِ وَالْحُكْمِ بَينَهُمَا، وَانتَظَرَ القَضَاءَ حتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ (١)، فَبَيّنَ اللهُ الحُكْمَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُما بما أمَرهُ الله . ورُوي عَنهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَيْرِ الْبَقَاعِ وَشَرِّ الْبِقَاعِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، حَتَّى أعْلَمَهُ جِبريلُ ﵇ (٢). ومِن هذَا الجِنْسِ أَيْضًا: ارْتيَابُ النَّبيِّ ﷺ فِي الفأرِ أهُو ممَّا مُسِخَ أم لَا (٣)؟ فَلَمَّا أَخْبِرَ أَنَّ مَا مُسِخَ لَم يَكنْ لَهُ نَسْلٌ ولَا عَقِبٌ، عُلِمَ أَنَّ الضّبَّ والْفَأرَ لَيْسَا مِمَّا مُسِخَ.

стр. 1877

وقَريبٌ مِن هَذَا مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَا) أَدْرِي تُبَعُ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ ومَا أَدْرِي أَذُو القَرْنَيْنِ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ وَمَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّاراتٌ؟) (١). فَدَرَى بَعدَ مَا لَم يَدْرِ. وفي رِوايةٍ: (مَا أَدْرِي عُزَيرٌ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟) (٢). ومِن الْمُشْتَبَهَاتِ: حَدِيثُ: (وإنْ خَالَطَ كَلْبَكَ كِلابٌ فَقَتَلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ ولَم تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ) (٣). وقال ﷺ : (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله ، فإِنْ وَجَدتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ: إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وقَعَ فِي مَاءٍ؛ فَلَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟) (٤).

стр. 1878

ومِن هذَا الجِنْسِ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ (١) فِي شَاتَيْنِ: إِحْدَاهُما مَذْبُوحَةٌ، والأُخْرَى مَيِّتَةٌ فَشَكَّ فِيهِمَا شَاكٌّ، وفِي شَاتَيْنِ: ذَبَحَ إِحْدَاهُمَا مُسْلِمٌ، والأُخْرَى مَجُوسِيٌّ، فَشَكَّ فِيهِمَا مُسْلِمٌ. قالَ: ولَيسَ هَذَا كَالإِنَاءَيْنِ وقَعَتْ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةٌ؛ لأَنَّ الشَّاتَيْنِ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهَا كَانَتَا مُحَرَّمَتَي الأَكْلِ، فَلَمَّا خَرجَتِ الرُّوحُ مِن إِحْدَاهُمَا بِذَكَاةِ مُسلِمٍ [حلَّ] (٢) الأكلُ، ومِنَ الأُخْرَى بِذَبْحِ مَجُوسِيٍ فَحَرُمَ الأَكْلُ، لأَنَّا عِندَ الشَّكِّ رَجعنَا إِلَى الأَصْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهَا، فَلَّمَا كَانَا مُحَرَّمَي الْأَكْلِ فِي الأَصْلِ، ثُمَّ حَصَلَ الشَّكُّ، لَم يَجُزْ أَنْ يَزُولَ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ، ولَم يَجُزْ أَكْلُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي وَقْتٍ مِن الأوقاتِ بيقِينٍ إلا بِيَقِينٍ مِثْلِهُ أَنَّهُ حَلالٌ، فَأَمَّا الإِنَاءَانِ فَقَدْ عُلِمَ قَبْلَ حَلُولِ النَّجاسَة في أحَدِهما أَنَّهُمَا كانَا طَاهرينِ، فلَمَّا حَلَّتْ في أَحَدِهِمَا النَّجَاسَةُ وتجري وأهرَاق (٣) أَحَدَهُما عُلِمَ أَنَّ الثَّانِيَ كانَ طَاهرًا فِي وَقْتٍ مِن الأَوقَاتِ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ زالَتِ الطَّهَارَةُ أَمْ لَا؟ فَكَانَ حُكْمُه أَنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّل، فَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي الْمُشْتَبِهَاتِ. ومن بَابِ الْمُشْتَبِهَات * حَدِيثُ أَنَسٍ، وقَدْ ذَكرهُ البُخاريُّ في بَابِ: مَا يُتَنَزَّهُ مِن الشُّبُهَاتِ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لأَكَلْتُهَا) (٤).

стр. 1879

* وفي رواية أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : (أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) (١). قَوْلُهُ: (بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ) كَلِمَةٌ غَريبَةٌ، لأنَّ المُشْهُورَ أَنَّ سَقَطَ لَا يَتَعَدَّى، عَلَى أنَّ العَربَ قَد تَذكرُ الفَاعلَ بلَفظِ الْمَفْعُولِ، والمَفْعُولَ بِلَفْظِ الفَاعِلِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى مَفْهُومًا. ويجوزُ أنْ يُقَالَ: سَقطَ يأْتي لازمًا ومُتَعَدِّيًا بِدَلِيل قَوْلِهِ: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ (٢). ومن باب: مَنْ لَمْ يَرَ الوَسَاوِسَ ونَحْوَهَا مِن الشُّبِهَاتِ * فيه حَديثُ عَبَّاد بن تَميمٍ عَن عَمِّه قَالَ: (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) (٣). * * * * وحَدِيثُ عَائِشَةَ: (أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَم لا؟ … ) (٤).

стр. 1880

فِقهُ حَديثِ أبي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ (١): لَمَّا ارْتَابَ النَّبِيُّ ﷺ فِي التَّمْرَةِ أَهِيَ مِن الصَّدَقَة الَّتي تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ هِيَ مِنْ مَالٍ لَهُ تَرَكَ أَكْلَهَا، ولَم يَكُنْ قَبْلَ الشَّكِّ في تِلْكَ التَّمَرَة يَقِينُ تَحْرِيمٍ، وَلَا يَقِينُ تَحْلِيلٍ فَيُرْجَعُ إِلى الأَصْلِ، فالتَّقَدُّمُ عَلَى أَكْلِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ غَيْرُ جَائِرٍ، ولَيْسَ لِمُفْتٍ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا بِأَكْلِهِ. ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَن جَدِّه: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَضَوَّرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَسْهَرَكَ؟ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً سَاقِطَةً فَأَكَلْتُهَا، ثُمَّ تَذَكَّرتُ تَمْرًا كَانَ عِنْدَنَا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَة، فَمَا أَدْرِي أَمِنْ ذَلِكَ كَانَتْ أَوْ مِنْ تَمْرِ أَهْلِي؟ فَذَاكَ أَسْهَرَنِي) (٢). قيل: التَّضَوُّر: التَّلَوِّي والتَّقَلُّبُ، وقِيلَ: هو التَّقَلُّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ. كَانَ ﷺ يَسْهَرُ وَيَتَضَوَّرُ بِسَبَبِ أَكْلِ التَّمْرَةِ الَّتِي شَكَّ فِيهَا أَكَانَتْ مِن تَمْرِ أَهْلِهِ أَمْ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَة. ومِمَّا جَاءَ وهُو قَرِيبٌ لِلْمَعْنَى مِمَّا قَدَّمْنَاهُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ، واحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالحةً، قالتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُوني، وإنْ كانَتْ غَيْرَ صَالِحةٍ قَالتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانُ، ولَو سَمِعَ صُعِقَ) (٣).

стр. 1881

وكانَ ﷺ سُئِلَ قَبْلَ ذَلكَ: هَل تَتَكَلَّمُ الجِنَازَة؟ فَلَم يُجِبْ حَتَّى أَعْلَمَهُ الله ذِلِكَ (١). عَن أبي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَنَّه بَينما هُو جَالسٌ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجلٌ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الجِنَازَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : [الله] (٢) أَعْلَمُ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: أنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ما حدَّثَكُم أهْلُ الكِتابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، فإِنْ كَانَ حَقًّا لَم تُكَذِّبُوهُم، وإِنْ كَانَ بَاطلًا لم تُصَدِّقُوهُم) (٣). فالنَّبِيُّ ﷺ وَكَلَ عِلْمَ ذَلكَ إلى اللهِ ؛ إذْ لَم يُخْبِرْهُ اللهُ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فلَمَّا أَعْلَمَهُ اللهُ ذَلكَ أَخْبَرَ أُمَّتَهُ. ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ خَارِجَةَ بن زَيْدٍ عَن أُمِّ العَلاء أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا تُوفِّيَ عُثْمَانُ ابن مَظعُونٍ: هَنيئًا لَكَ الجنَّة، فقال ﷺ : (وَمَا يُدْرِيكِ؟ وَهَذَا أَنَا رَسُولُ اللهِ، فَوالله مَا أَدْرِي مَا يُفعَلُ بِهِ) (٤)، كَان ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ اللهُ لَهُ فِي سُورَةِ الفَتْحِ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ

стр. 1882

لَهُ مَا تَقَدَّم مِن ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ لَمْ يَدْرِ مَا يُفعَلُ بِهِ، فَلَّمَا دَرَى أَعْلَمَ النَّاسَ ذَلكَ. ومِن الْمُشْتَبِهَاتِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرءِ اجتِنَابُهُ ولَا يجوزُ لَهُ التَّقدُّمُ علَيهِ، وَذَلكَ كرجُلٍ شَكَّ في امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجَهَا نِكاحًا صَحِيحًا أَمْ لَا؟ أَوْ شَكَّ فِي أَمَةٍ: أوهِبَتْ لَهُ أَوَ مَلَكَهَا مِلْكًا صَحِيحًا؟ أَوْ شَكَّ فِي مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلكَ مِمَّا يَمْلِكُه الآدَمِيُّونَ هَلْ مَلَكَهُ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْمُلْكِ أَم لَا؟ فَهَذَا وأَمثالُهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ اجْتِنَابُهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ فَرْجٍ، وَلَا أَكْلُ مَأْكُولٍ، وَلَا شُرْبُ مَشْرُوبٍ عَلَى هَذِهِ الحَالِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الْمُلكَ، إِذِ اليَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، فَلَمَّا اسْتَيْقَنَ أَنَّ غَيْرَهُ كَانَ مَالِكًا لِذَلِكَ في وَقْتٍ ثُم شَكَّ هَلْ ذَاكَ مَلَكَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَمَلَكَهُ هُوَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي أَمْ لَا؟ بَطَلَ أنْ يَزُولَ مِلْكٌ بِيقِينٍ مِثْلِهِ. ومِن ذَلكَ حَدِيثُ الصَّيدِ؛ لَمَّا شَكَّ مُرْسِلُ الْكَلْبِ فِي خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الصَّيْدِ أكَانَ بِأخْذِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّم الَّذِي يَجُوزُ أَكْلُ صَيْدِهِ؟ أَوْ بِأَخْذِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ الَّذِي لم يُرسِلْه الصَّائِدُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَكْلُ صَيْدِهِ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ؟ زَجَرَ النَّبِيُّ ﵁ عَنْ أَكْلِ الَّذِي خَرَجَ رُوحُه عَلَى هَذَا الحالِ إِذْ كَانَ الصَّيْدُ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ غَيْرَ جَائِزٍ أَكْلُهُ حَيًّا؛ فَلَمَّا خَرجَتْ رُوحُهُ ولَم يَعْلَمْ أَكَانَ بِاصْطِيَادِ كَلْبٍ يَكُونُ أَخْذُهُ ذَكَاةً؟ أَوْ بِاصْطِيادِ كَلْبٍ يَكُونُ أَخْذُهُ غَيْرَ ذَكَاةٍ؟ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّ خُرُوجَ الرُّوحِ مِنْهُ كَانَ بِذَكَاةٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّكَاةِ. ومِن الْمُشْتَبِهَاتِ: أَنْ يَكُونَ تَحْلِيلُ الشَّيْءِ وَإِبَاحَةُ فِعْلِهِ عَلَى الْمَرْءِ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ يَحْدُثَ حَادِثٌ، فَيَشُكَّ الْمَرْءُ فِيمَا كَانَ حَلَالًا لَهُ: أَحُرِّمَ عَلَيْهِ وَوَجَبَ اجْتِنَابهُ أَمْ لا؟ كَرَجُلٍ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا، أَوْ يَمْلِكُ جَارِيةً مِلْكًا صَحِيحًا، أو يملِكُ

стр. 1883

مَالًا مِلكًا حَلَالًا، ثُمَّ شَكَّ أَحُرِّمَتْ عليهِ امْرَأَتُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ [فَسْخٍ] (١)، أو حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الجَارِيَةُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ زَالَ مِلْكُ الْمَالِ عَنْهُ بِمَعْنًى مِنَ المَعَانِي أَمْ لَا؟ فهذَا وأَمْثَالُهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ؛ لأنَّ مَا كَانَ حَلَالًا بِيقينٍ لَا يَحْرُمُ بِشَكٍّ، ولَا يَحْرُمُ إِلَّا بِيَقِينٍ. وأَصْلُ هَذَا البَابِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ قَد أحدَثَ فَلَا يَنصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) (٢). أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ يَقِينَ الطَّهَارَةِ لَا يَزُولُ وَلَا يَنْتَقِلُ بالشَّكِّ، هذا المعنَى الثَّاني مِن الشُّبُهَاتِ. والمعنَى الثَّالثُ: أنْ يَشتَبِهَ عَلَى الْمَرءِ الشَّيْءُ مِمَّا لَا يَكُونُ الْيَقِينُ بِتَحْلِيلِهِ ولَا تَحريمِهِ مُتَقَدَّمًا؛ كالرَّجلِ يَشُكُّ فِي امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا: فَلَا يَدْرِي أَهِيَ امْرَأَتُهُ أَمْ جَارِيَتُهُ؟ أَوْ هِي امْرَأَةُ غَيْرِهِ أَوْ جَارِيَةُ غَيْرِهِ؟ أَوْ يَشُكُّ في مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، فَلَا يَدْرِي أَهُو مِلْكُهُ أَمْ مِلْكُ غَيْرِهِ؟ وَلَيْسَ هُنَاكَ تحريمٌ ولَا تَحليلٌ مُتَقدِّمٌ، فَهَذَا ومَا أَشْبَهَهُ يُؤْمَرُ الْمَرْءُ [بِاجْتِنَابِهِ] (٣)، ولَا يَجوزُ لِعَالمٍ ولَا مُفْتٍ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا بِوَطْءِ فَرْجٍ هَذِهِ صِفَتُه، وَلَا بِأَكْلِ مَالٍ هَذِهِ حَالُهُ، غَيْرَ أَنَّ الأَكْلَ والشُّرْبَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَيْسَرُ خَطْبًا فِي الْمَأْثَمِ مِنَ الْوَطْءِ، إِذْ جَائِزٌ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيُطَيِّبَهُ لَهُ مَالِكُهُ، وَالفَرْجُ إِذَا وُطِئَ لَا

стр. 1884

يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بَعْدَ الوَطْءِ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَمَن وَطِءَ فَرَجًا عَلَى هَذِهِ الحالِ لَا يُقَالُ: وَطِءَ فَرْجًا حَرَامًا ولَا فَرْجًا حَلَالًا؛ لاشْتِبَاهِ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ. ومن باب: مَنْ لَم يُبَالِ مِن حَيثُ كَسَبَ الْمَال * فيهِ حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ) (١). وفي حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ ﵁: (إِنَّ الخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالخَيْرِ … ) (٢). الحدِيثُ دَليلٌ عَلَى تمحِيقِ بَرَكَةِ الْمَالِ وَالانْتِفَاعِ بِهِ إِذَا جُمِعَ مِنْ غَيْرِ حِلِّه. وفي روَايةٍ: (وَكَانَ شَهِيدًا عَلَيهِ يَومَ القِيَامَة) (٣)، أَيْ: يَشهِدُ الْمَالُ الْمَجْمُوعُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ عَلَى جَامِعِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وفي حَدِيثِ: (رُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِي الْمَالِ لَهُ النَّارُ يَوْمَ القِيامَة) (٤): تَغْلِيظٌ فِي

стр. 1885

جَمْعِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّه (١). ومن بابِ: التِّجَارَة فِي الْبَرِّ، وباب: في البَحرِ قال قَتادَة: (كَانَ القَومُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُم حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ؛ لَم تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ (٢). * * * * وفي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي الاسْتِئذَانِ: فَقَالَ عُمَرُ ﵁: (أَخَفِيَ عَلَيّ [هَذَا] (٣) مِن أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بالأسوَاقِ) (٤)، يعني التِّجَارَةَ. وفي حَدِيثِ قَيْسِ بن أبِي غَرزَة: (كُنَّا نُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَة، فَسَمَّانَا

стр. 1886

رَسُولُ اللهِ بِاسْمٍ أَحْسَنَ مِنْهُ، فقالَ: أَيَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) (١)، وَرُوِيَ: (يَا مَعْشَرَ التِّجَارِ) بِكَسرِ التَّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. يقالُ: تاجرٌ وتِجَارٌ؛ كمَا يُقَالُ: صاحِبٌ وصِحَابٌ، وتَاجِرٌ وَتُجَّارٌ كَمَا يُقَالُ: كَافِرٌ وكُفَّار. وفِيهِ بَيَانُ بَدْءِ تَسْمِيَةِ الْبَاعَةِ تُجَّارًا، كَانُوا يُسَمُّونَهُم سَمَاسِرَةً، فَسَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ تُجَّارًا إِذْ كَانَ أَحْسَنَ اللَّفظِ، وَلاتِّبَاعِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، سَمَّى جَمِيعَ الْبُيُوعِ تِجَارَةً؛ فَالبَائِعُ والْمُشْتَرِي تَاجِرَانِ عَلَى مَعْنَى لَفْظِ الْقُرْآنِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (التُّجَّارُ فُجَّارٌ) (٣)، لَفْظُهُ عَامٌّ، وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ

стр. 1887

أَنَّهُ قَالَ: (يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ). وفِي رِوَايَةِ ابن شِبْلٍ: (يَحْلِفُونَ فَيَأْثَمُونَ) (١).

стр. 1888

وفِي رِوَايَةٍ: (فُجُورُهُ أَنْ يُزَيِّنَ سِلْعَتَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهَا) (١). ومِن الدَّليلِ عَلَى اسْتِحْبَابِ التِّجَارَةِ مَعَ الصِّدْقِ وأَدَاءِ الأَمَانَةِ فِيهَا، مَا رُوِيَ: (التَّاجِرُ الصَّادِقُ الأَمِينُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَة) (٢). ومِن بَابِ: مَن لَمْ يُبَالِ مِن حَيثُ كَسَبَ المَالَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: (وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) (٣)، وفِي رِوَايَةِ أَبِي حُمَيْدٍ: (أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنيَا فَإِنَّ كُلًا مُيَسَّرٌ لِمَا

стр. 1889

كُتِبَ لَهُ) (١). ومن بَابِ: كَسْبُ الرَّجُلِ وعَمَلُهُ بِيَدِهِ * فيهِ حَديثُ الْمِقْدَامِ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ [خَيْرًا] (٢) مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَل يَدِهِ، وإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَل يَدِهِ) (٣). وفِي رِوَايَةِ أَبي هُرَيْرَة: (كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) (٤). * * * * وفِي حَديثِ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) (٥). وفي رِوايَةٍ: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحْبُلَهُ … ) (٦)، يَعْنِي: للاحتِطَابِ.

стр. 1890

عَملُ الْمَرءِ بِيدِهِ أَعْلَى الْمَكَاسِبِ مُطْلَقٌ فِي الحَدِيثِ، وهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّصِيحَة، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ: (خَيْرُ الكَسْبِ كَسْبُ يَدِ العَامِلِ إِذَا نَصَحَ) (١). ومن باب: [السُّهُولَةُ والسَّماحَة فِي الشِّراءِ والبَيعِ، ومن طَلبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبَهُ فِي عَفَافٍ] (٢) قَوْلُهُ: (وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبُهُ فِي عَفَافٍ): العَفافُ: الكَفُّ عَن مَا لَا يَحِلُّ، يقالُ: عَفَّ عِفَّةٌ وعَفَافًا. والسَّمْحُ: السَّهْلُ، والْمُسَامَحَة: الْمُسَاهَلَة. قالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ: "رُمْحٌ مُسَمَّحٌ: قَدْ [ثُقِّفَ حتَّى] (٣) لَانَ" (٤). ومن باب: مَن أَنْظَرَ مُعْسِرًا الإنظَارُ: التَّأْخِيرُ، وفِي القُرآنِ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٥)، وهِيَ اسمٌ مِن الإنظَارِ، وقولُه: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦).

стр. 1891

وقولُه: (وأتَجاوَزُ عَنْ المُعْسِرِ) (١)، (التَّجَاوُزُ): العَفْوُ. و (المُوسِرُ): الغَنِيُّ. و (الْمُعْسِر): الْفَقِيرُ. وقولُه: (قَالَ لِفِتيَانِهِ) (٢) أَيْ: لِوُكَلَائِهِ، وَالَّذِينَ يَقومُونَ بِأَمْرِهِ. ومن بَاب: إِذَا بَيَّنَ البَائِعَانِ ولَم يَكْتُمَا قولُه: (هَذَا مَا اسْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ مِنَ العَدَّاءِ بن خَالِدٍ بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ) (٣)، نَصْبٌ بِوقوعِ فِعلِ البَيعِ عَليهِ. و (بَيعَ) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، لأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ وَالشِّراءِ قَرِيبٌ البَعْضَ مِن البَعْضٍ؛ فَكَأَنَّهُ مَصْدَرُ اشْتَرَى، ويَجُوزُ أَنْ يُروَى: خَبَرَ

стр. 1892

مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (١). قالَ صَاحِبُ الغَرِيبَينِ (٢): ويُكتَبُ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ: (لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَة)، فَالخِبْثَةُ: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ طِيبَةٍ، لأنَّهُ مِن قَوْمٍ لم يَحل سَبْيُهُم لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُم، أوْ حُرِّيَةٍ فِي الْأَصْلِ وَجَبَتْ لَهُم، فَكُلُّ حَرَامٍ خَبِيثٌ. وقالَ قَتادَة: الغَائِلَة: الزِّنَا، والسَّرقَةُ، والإبَاقُ. وقالَ أَهلُ اللُّغة (٣): الغُولُ: الخِيَانَة، وكَذَلِكَ الغَائِلَة. قَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ (٤): (وَلَا غَائِلَة) الغَائِلَة أَنْ يَكُونَ مَسْرُوقًا، فَإِذَا اسْتُحِقَّ غَالَ مَالَ مُشْتَرِيهِ الَّذِي أَدَّاهُ فِي ثَمِنِهِ. قالَ ابن عَرفَة (٥): يُقَالُ: غَالَهُ واغْتَالَهُ، أَيْ: ذَهَبَ بِهِ، ويُقَالُ: (الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ)، أَيْ: يُهْلِكُ الحلِيمَ. كَانَتْ العَربُ تَقُولُ: إِنَّ الغِيلَانَ فِي الفَلَوَاتِ تُرَى أَيْ: لِلنَّاسِ فَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا، أيْ: تَلَوَّنُ تَلَوُّنًا، فَتُضِلُّهم عَن الطَّريقِ وتُهلِكُهُم، ويَذْكُرُونَها فِي أَشْعَارِهِم، وفِي

стр. 1893

حَدِيثٍ آخَرَ: (إِذَا تَغَوَّلَتِ الغِيلَانُ فَبَادَرُوا بالأذَانِ) (١). يقالُ: تَغَوَّلَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تَلَوَّنَتْ، وَبِهِ سُمِّيَ الغُولُ: لِتَلَوُّنِها. وقولُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي: (إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِين يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وسِجِسْتَان، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيةً شَدِيدَةً) (٢). هذَا مِن بَابِ كَرَاهِيَةِ تَزْيِينِ السِّلعَة. و (الآرِي) الْمَعْلَفُ، أصْلُهُ مِن قَولِهم تَأرَّيتُ فِي الْمَكَانِ إِذَا احْتَبَسْتُ (٣). ومن باب: بَيعِ الخلطِ مِن التَّمرِ * قوله: (كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْع وَهُوَ الْخِلْطُ مِنْ التَّمْرِ) (٤) وهُو مَا لَا يَكونُ
следующие страницы →