Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1889–1928 · переход к 1894.
стр. 1889
كُتِبَ لَهُ) (١).
ومن بَابِ: كَسْبُ الرَّجُلِ وعَمَلُهُ بِيَدِهِ
* فيهِ حَديثُ الْمِقْدَامِ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ [خَيْرًا] (٢) مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَل يَدِهِ، وإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَل يَدِهِ) (٣).
وفِي رِوَايَةِ أَبي هُرَيْرَة: (كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) (٤).
* * *
* وفِي حَديثِ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) (٥).
وفي رِوايَةٍ: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحْبُلَهُ … ) (٦)، يَعْنِي: للاحتِطَابِ. стр. 1890
عَملُ الْمَرءِ بِيدِهِ أَعْلَى الْمَكَاسِبِ مُطْلَقٌ فِي الحَدِيثِ، وهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّصِيحَة، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ: (خَيْرُ الكَسْبِ كَسْبُ يَدِ العَامِلِ إِذَا نَصَحَ) (١).
ومن باب: [السُّهُولَةُ والسَّماحَة فِي الشِّراءِ والبَيعِ، ومن طَلبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبَهُ فِي عَفَافٍ] (٢)
قَوْلُهُ: (وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبُهُ فِي عَفَافٍ): العَفافُ: الكَفُّ عَن مَا لَا يَحِلُّ، يقالُ: عَفَّ عِفَّةٌ وعَفَافًا.
والسَّمْحُ: السَّهْلُ، والْمُسَامَحَة: الْمُسَاهَلَة.
قالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ: "رُمْحٌ مُسَمَّحٌ: قَدْ [ثُقِّفَ حتَّى] (٣) لَانَ" (٤).
ومن باب: مَن أَنْظَرَ مُعْسِرًا
الإنظَارُ: التَّأْخِيرُ، وفِي القُرآنِ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٥)، وهِيَ اسمٌ مِن الإنظَارِ، وقولُه: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦). стр. 1891
وقولُه: (وأتَجاوَزُ عَنْ المُعْسِرِ) (١)، (التَّجَاوُزُ): العَفْوُ.
و (المُوسِرُ): الغَنِيُّ.
و (الْمُعْسِر): الْفَقِيرُ.
وقولُه: (قَالَ لِفِتيَانِهِ) (٢) أَيْ: لِوُكَلَائِهِ، وَالَّذِينَ يَقومُونَ بِأَمْرِهِ.
ومن بَاب: إِذَا بَيَّنَ البَائِعَانِ ولَم يَكْتُمَا
قولُه: (هَذَا مَا اسْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ مِنَ العَدَّاءِ بن خَالِدٍ بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ) (٣)، نَصْبٌ بِوقوعِ فِعلِ البَيعِ عَليهِ.
و (بَيعَ) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، لأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ وَالشِّراءِ قَرِيبٌ البَعْضَ مِن البَعْضٍ؛ فَكَأَنَّهُ مَصْدَرُ اشْتَرَى، ويَجُوزُ أَنْ يُروَى: خَبَرَ стр. 1892
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (١).
قالَ صَاحِبُ الغَرِيبَينِ (٢): ويُكتَبُ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ: (لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَة)، فَالخِبْثَةُ: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ طِيبَةٍ، لأنَّهُ مِن قَوْمٍ لم يَحل سَبْيُهُم لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُم، أوْ حُرِّيَةٍ فِي الْأَصْلِ وَجَبَتْ لَهُم، فَكُلُّ حَرَامٍ خَبِيثٌ.
وقالَ قَتادَة: الغَائِلَة: الزِّنَا، والسَّرقَةُ، والإبَاقُ.
وقالَ أَهلُ اللُّغة (٣): الغُولُ: الخِيَانَة، وكَذَلِكَ الغَائِلَة.
قَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ (٤): (وَلَا غَائِلَة) الغَائِلَة أَنْ يَكُونَ مَسْرُوقًا، فَإِذَا اسْتُحِقَّ غَالَ مَالَ مُشْتَرِيهِ الَّذِي أَدَّاهُ فِي ثَمِنِهِ.
قالَ ابن عَرفَة (٥): يُقَالُ: غَالَهُ واغْتَالَهُ، أَيْ: ذَهَبَ بِهِ، ويُقَالُ: (الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ)، أَيْ: يُهْلِكُ الحلِيمَ.
كَانَتْ العَربُ تَقُولُ: إِنَّ الغِيلَانَ فِي الفَلَوَاتِ تُرَى أَيْ: لِلنَّاسِ فَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا، أيْ: تَلَوَّنُ تَلَوُّنًا، فَتُضِلُّهم عَن الطَّريقِ وتُهلِكُهُم، ويَذْكُرُونَها فِي أَشْعَارِهِم، وفِي стр. 1893
حَدِيثٍ آخَرَ: (إِذَا تَغَوَّلَتِ الغِيلَانُ فَبَادَرُوا بالأذَانِ) (١).
يقالُ: تَغَوَّلَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تَلَوَّنَتْ، وَبِهِ سُمِّيَ الغُولُ: لِتَلَوُّنِها.
وقولُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي: (إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِين يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وسِجِسْتَان، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيةً شَدِيدَةً) (٢).
هذَا مِن بَابِ كَرَاهِيَةِ تَزْيِينِ السِّلعَة.
و (الآرِي) الْمَعْلَفُ، أصْلُهُ مِن قَولِهم تَأرَّيتُ فِي الْمَكَانِ إِذَا احْتَبَسْتُ (٣).
ومن باب: بَيعِ الخلطِ مِن التَّمرِ
* قوله: (كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْع وَهُوَ الْخِلْطُ مِنْ التَّمْرِ) (٤) وهُو مَا لَا يَكونُ стр. 1894
مِن نَوْعٍ وَاحِدٍ.
ومن باب [أكلِ] (١) الرِّبَا
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ) (٢) أَيْ: مُبَارَكَةٍ.
وَقَوْلُهُ: (نَهى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ) (٣).
قَالَ أَهْلُ الفِقهِ: والأصْلُ فِي تَحريم الرِّبَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٤).
ورُوِيَ: (لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ) (٥)، فَإِذَا ثَبَتَ تَحرِيمُ الرِّبَا؛ فَإِنَّهُ عَلَى ضَربَينِ:
أحدُهُما فِي النَّقدِ؛ فإنَّهُ يَثْبُتُ مِن جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وهو التَّفَاضُلُ فِي الجِنْسِ، مِثلَ أنْ يَبِيعَ درهمًا بِدِرْهَمَين، أَوْ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ، أَوْ قَفِيزِ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْنِ، فَهَذَا رِبًا مُحرَّمٌ.
فأَمَّا التَّمَاثُلُ فِي جِنْسِ النَّقْدِ؛ فإِنَّهُ يَجُوزُ، مِثْلَ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بالدِّرهَمِ، والدِّينَارِ بالدِّينَارِ.
وكَذَلكَ التَّمَاثُلُ والتَّفَاضُلُ فِي الجِنْسَيْنِ جَائِزُ أَيْضًا، مِثْلَ بَيْعِ الدِّرْهَمَيْنِ стр. 1895
بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمَ بِالدِّينَارَيْنِ.
فأَمَّا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الجِنْسِ الْوَاحِدِ.
والثَّانِي: فِي الجِنْسَيْنِ.
فأمَّا الجِنْسُ الوَاحِدُ: فَهو أنَّه لَا يَجُوزُ بَيْعُ الجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا إِلَى أَجَلٍ، وإِنَّما لَم يَجُزْ ذَلِكَ لأَجْلِ النَّسَا، لأنَّهُ لَوْ بَاعَهُ نَقْدًا جازَ.
فَأَمَّا إِذَا بَاعَ الجِنْسَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا إِلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَيْسَ النَّهِيُّ عَنْهُ لأَجْلِ النَّسَا فَحَسَبُ؛ لأَنَّهُ لَو بَاعَهُ نَقْدًا لَم يَصِحَّ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِن الرِّبَا فِي النَّسِيئَة: هُوَ الرِّبَا فِي الجَنْسَيْنِ؛ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ بِجِنْسٍ آخَرَ ممَّا فِيهِ الرِّبَا، لَا مُتَفَاضلًا ولا مُتَسَاوِيًا إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ بِيعَ نَقْدًا جَازَ بِكُلِّ حَالٍ.
فإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فالرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِه (١)، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة) (٢).
وأَمَّا الرِّبا فِي النَّقْدِ فَمُحَرَّمٌ عِندَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، ورُوِيَ عَن أربعَةٍ مِن الصَّحَابَة أَنَّهم قالُوا: لَا رِبَا فِي النَّقْدِ إنَّما الرِّبَا فِي النَّسِيئَة، رُويَ ذَلكَ عَن ابن стр. 1896
عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وزَيْدِ بن أَرْقَمَ، وأُسَامَةَ بن زَيْدٍ ﵃.
دَلِيلُنَا: مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الدِّرْهَمُ بالدِّرْهَمِ، وَالدِّينَارُ بالدِّينَارِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا) (١).
وَرَوَى عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهبِ، ولَا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَواءً بسَواءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، والْوَرِقَ بالذَّهَبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعير بالبُرِّ، والتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، والْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بَيدٍ كَيْفَ شِئْتِمْ) (٢).
وأمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَن ذَلكَ.
قَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: قَدِمتُ مَكَّة فَوَجَدتُ بها عَبْدَ اللهِ بن عَبَّاسٍ ﵁، يعنِي: يَبيعُ الدِّرْهَمَ بِالدَّرْهَمَينِ، فَرَجَعَتُ إِلَى العِراقِ، فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَسَأَلْتُهُ عَن ذَلِكَ فَقالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ стр. 1897
الخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن ذَلِكَ) (١).
* * *
* وأمَّا حَديثُهُ: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ) (٢)، فَمَذهَبُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّ عَيْنَ الكَلْبِ نَجِسٌ، لَا يجوزُ بَيعهُ ولا يَحِلُّ ثَمنُهُ، ولَا تُضمَنُ قِيمَتُهُ إِذَا أُتْلِفَ، ولا يجوزُ إِمْسَاكُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِمَّا الصَّيدُ، أَوْ حِفظُ مَاشِيةٍ، أو زَرعٍ (٣).
وقَالَ مَالكٌ (٤): لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، وَلَكِنْ إِذَا أُتلِفَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ.
وقال أبو حَنِيفَة (٥): لَيسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وإِنَّما نَجَاسَتَهُ بِمنْزِلَةِ نَجَاسَةِ الْمُجَاوَرَة، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكِلابِ، وَيَحِلُّ ثَمَنُهَا، وتُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الإتلَافِ، قَالَ: فَكُلُّ كَلْبٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ بِجِلْدِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَسَائِرُ الْكِلَابِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، إِذْ سَائِرُ الْكِلابِ يَطْهُرُ جِلْدُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالدِّبَاغِ. стр. 1898
ونَحْنُ نَقُولُ: حَيوانٌ يُغْسَلُ الإنَاءُ مِن وُلُوغِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسَ العَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الخنْزِيرِ.
ومن باب: مَا قِيلَ فِي الصُّواغ
وباب: القَيْنِ والحَدَّادِ
وباب: الخَيَّاطِ والنَّسَّاج
وباب: النَّجَّار
فِيهِ دَليلٌ علَى أَنَّ هَذِهِ الْمَكَاسِبَ حَلالٌ؛ فَأَمَّا النِّجَارَةُ فَفِيهَا اسْتِحْبَابٌ اسْتِنَانًا بِبَعضِ الأنْبِيَاءِ صَلواتُ الله عَلَيهِم، رُوي أن زكريَّا ﵇ كانَ نَجَّارًا (١).
وكَذَلِكَ رِعايَةُ الغَنم فِيهَا اسْتِحْبَابٌ اسْتِنَانًا بالأنْبِياءِ ﵈، لِمَا رُوِيَ عَن النَّبِيّ ﷺ : (وَهَلْ مِن نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا) (٢).
وقولُه: (مَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ) (٣)، (الدُّبَّاءُ): الْقَرَعُ.
وفي قَوْلِهِ: (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَومَئِذٍ) فَضِيلَةٌ لأَنَسٍ ﵁، إِذْ بَلَغَتْ محبَّتهُ للنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ مَا أَحَبَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن الأطعِمَة.
وفي الحدِيثِ الإِجَابَةُ إلى الدَّعْوَةِ.
ودَليلٌ أَنَّهُ إِنَّما كانَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاء لأنَّ الصَّحْفَةَ الَّتِي قُرِّبَتْ إِلَيْهِ كَانَتْ لَهُ وَحْدَهُ، стр. 1899
فإِذَا كَانَتْ لَهُ وَلِغَيرْهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ.
وقولُه: (هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ في حَاشِيَتِها) (١)، أيْ: لَهَا هُدْبٌ.
وفِيهِ دَليلٌ أَنَّ كَسْبَ النَّسَّاجِ كَسْبٌ حَلالٌ.
وفي قَوْلِهِ: (مَا سَأَلته إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يجوزُ لِلمَرْءِ أَنْ يُعِدَّ كَفَنَهُ قَبْلَ مَوْتِه، وفى ذلك استعدادٌ لِلْمَوْتِ.
وفِيهِ دَليلٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَرُدُّ السَّائِلَ.
وفي قولِهِ: (فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ) (٢) دَلالَةُ نُبُوَّتِهِ ﷺ .
وفِيهِ فَضْلُ سَماعِ الذِّكْرِ.
ومن باب: شِراءُ الدَّوابِ والحِميرِ
(فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِه) (٣).
(الْمِحْجَنُ): خَشَبَةٌ فِي طَرَفِهَا انْعِقَافٌ، يُقَالُ: حَجَنْتُ واحْتَجَنْتُ بِهَا الشَّيْء، أَيْ: جَذَبْتُهُ إِلَى نَفْسِي.
وَقَوْلُهُ: (أَفَلَا جَاريةً) نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: أَفَلَا تَزَوَّجْتَ جَارِيةً.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا قَدِمْتَ فَالكَيْسَ الكَيْسَ) انتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِيرُ: فَالزَمْ الْكَيْسَ. стр. 1900
قِيلَ: الكَيْسُ مَا هنَا الجِمَاعُ، وقِيلَ: الكَيْسُ العَقْلُ، كَأَنَّه جَعَلَ طَلَبَ الوَلَدِ عقلًا (١).
وفي الحديثِ: (أيُّ المؤْمِنِين أَكْيَسُ) (٢).
قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ (٣): أي: أَعْقَلُ، وقال أبو العَبَّاسِ: الكَيْسَ: العَقْلُ. [من البسيط]
وإِنَّمَا الشَّعرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ … عَلَى المَجالِسِ إِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمْقًا (٤)
أخبَرَنَا محَمَّد بنُ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الوَهَّاب (٥)، أَخْبَرَنَا أَبو عبدِ الله الحَمَّال، стр. 1901
حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعفَر (١)، حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِم (٢)، حَدَّثنا مُسلِمُ بن إِبْرَاهِيم، حدَّثنا حَمَّاد بن سَلَمَة، أخبَرَنَا أَيُّوب، عَن عِكرمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ يَحُثُّ [رجلًا] (٣) مِن أَصْحَابِهِ علَى التَزوّجِ فَفَعَلَ، فقالَ لهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا فَلانُ، انْظُرْ أَنْ تَكُونَ فَحِيلًا) (٤).
قالَ أهلُ اللُّغة (٥) فَحْلٌ فَحِيلٌ، أَيْ: كَريمٌ يَصْلُحُ لِلْفِحْلَةِ، يقالُ: أَفْحَلْتُهُ فَحْلًا: إِذَا أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ يَضْرِبُ فِي إِبِلِهِ، وفَحَلْتُ إِبِلِي فَحْلًا: إِذَا أَرْسَلْت فِيهَا فَحْلًا.
قال (٦): [مِنَ الرَّجَز]
نَفْحَلُهَا الْبِيضَ … القَلِيلَاتِ الطَّبَعْ
وقولُه: (أنْ يَزِنَ لِي وَقِيَّة)، (الوَقِيَّة): لُغَةٌ فِي الأوقِيَّة. стр. 1902
ومن باب: شِرَاء الإبلِ الهِيمِ
قالَ أهلُ اللُّغة (١): الْهِيمُ: الإبِلُ العِطاشُ الَّتِي لَا تَكَادُ تُروَى، وكَذَلِكَ الرِّمالُ تَبْتَلِعُ الْمَاءَ.
والْهُيَامُ كالجُنُونِ، والهَائمُ الْمُخَالِفُ لِلقَصْدِ، الذَّاهِبُ عَلَى وَجْهِهِ.
قالَ:
هِيمَ تَهيم ظَلَّت تمرس
وقالَ صاحِبُ الغَرِيبينِ (٢): قولُهُ : ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٣)، قالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْهِيمُ، الرِّمالُ الَّتِي لَا يَرْوِيهَا مَاءُ السَّمَاءِ، يُقَالُ: كَثِيبٌ أَهْيَمُ، وكُثْبَانٌ هِيمٌ.
وقالَ أهلُ اللُّغة (٤): الهِيمُ: الْإِبِلُ الَّتِي يُصِيبهَا دَاءٌ يَقَالُ لَهُ الهُيَامُ، لَا تَرْوَى مِنَ الْمَاءِ حَتَّى تَمُوتَ، وَاحِدُهَا: أَهْيَمُ وهَيْمَانُ، ومِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا بَاعَ إِبلًا هيمًا) (٥)، أيْ: مِرَاضًا، فَهِيَ تَمصُّ الْمَاءَ مَصًّا، وَلَا تُرْوَى.
وَفِي حَدِيثِ الاسْتِسْقَاءِ: (اغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وهَامَتْ دَوَابُّنا) (٦) أي: عطَشَتْ. стр. 1903
وقَوْلُهُ: (كَانَ هَا هَنَا رَجلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ) (١)، هُوَ فَعَّالُ مِن قَولِكَ: نَاسَ يَنُوسُ.
وقولُه: (قَالَ: فَاسْتَقِهَا) هُو أَمرٌ مِن اسْتَاقَ يَسْتَاقُ، وهُو افْتَعَلَ مِنْ ساقَهُ يَسُوقُهُ.
وقولهُ: (فَقَالَ جابرٌ) (٢) أَيْ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : جَابِرٌ؟ أَيْ: أَنْتَ جَابِرٌ؟ وهُو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٌ.
ومن باب: بَيع السِّلَاحِ فِي الفِتنَة
(فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا) (٣).
الْمَخْرَفُ: البُسْتَانُ الَّذِي يُخْتَرَفُ مِنهُ التَّمْرُ.
قالَ أَهلُ اللُّغة (٤): خَرفَتُ الثَّمَرَةَ واخْتَرَفتُهَا، أَيْ: اجْتَنَيْتُهَا، والْمَخْرَفُ بفَتْحِ الميمِ: جَمَاعَةُ النَّخْلِ، وَقِيلَ: الْمَخْرَفُ: البُسْتَانُ، وَالْمِخْرَفُ بالكَسْرِ: الْمِكْتَلُ الَّذِي يُخْتَرَفُ مِنهُ. стр. 1904
وقولهُ: (تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ) أي: جَمَعْتُهُ، وأثْلَهُ الشَّيءِ: أَصْلُهُ.
قال (١): [مِنَ البَسِيطِ]
أَلَسْتَ مُنتَهِيًا عَن نَحْتِ أَثْلَتِنَا … ولَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الْإِبِلُ
ومَجْدٌ مُؤَثَّلٌ، أَيْ: قَدِيمٌ.
قال (٢): [مِنَ الطَّويل]
ولَكِنَّمَا أسْعَى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍ … وقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤثَّلَ أَمْثَالِي
ومن باب: ذِكرُ الحَجَّامِ
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ) (٣)، فِيهِ دَليلٌ عَلَى إِبَاحَةِ مُقَاطِعَةِ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الحَجَّامَ عَلَى خَرَاجٍ مَعْلُومٍ مُيَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً (٤).
وفي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: (عَبدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ) (٥)، وفِيهِ جَوازُ وَضْعِ ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ عَنِ الْعَبْدِ، والتَّخْفِيفِ عنهُ إِذَا كَانتْ الضَّرِيبَة مُثْقَلَة.
وقَوْلُهُ فِي رِوايَةٍ خَارِجَ الصَّحيحِ: (فَوَضَعَ عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ضَرِيبَتِه) (٦)، стр. 1905
إنَّما أضِيفَ الوَضْعُ إِلى النَّبِيِّ ﷺ لأنَّهُ كَانَ هُوَ الآمِرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وأْمُرْ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ).
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَه: (كَمْ ضَرِيبَتُكَ؟ فَقَالَ: ثَلَاثَةُ آصْعٍ، فَوَضَعَ عنهُ صَاعًا)، رواهُ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ ﵁ (١).
ومن باب: صَاحِبُ السِّلْعَةِ أحقُّ بالسَّومِ
اسْتِيامُ الْبَيْعِ أَنْ يطلبَ بِسِلعَتِهِ ثَمَنًا، والسَّوْمُ أنْ يَطلُبَ الْمُشْتَرِي السَّلْعَةَ بِثَمَنٍ، ويُقَال: البَائِعُ والْمُشْتَرِي مُتَسَاوِمَانِ؛ يَطْلُبُ البائعُ بِسِلْعَتِهِ ثَمَنًا، وَيَطلُبُ الْمُشْتَرِي السِّلْعَة بِثَمَنٍ.
وَقَوْلُهُ: (ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ) (٢)، أَيْ: قَدِّرُوا لِي ثَمَنَ حَائِطِكُم.
والثَّمَنُ: قِيمَةُ الشَّيْءِ، وَثَامَنَهُ بِكَذَا، أَيْ: قَرَّبَ مَعهُ الثَّمَن.
ومن باب: كَمْ يجوزُ الخِيَارُ؟
وباب: إِذَا لَم يُوقِّتْ فِي الخِيَارِ
وباب: البَيِّعان بالخيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا
البَيعُ يَنعقِدُ بِإِيجَابٍ مِنَ البَائِعِ وَقَبُولٍ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَلْزَمُ بِنَفْسِ العَقْدِ، стр. 1906
بَلْ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن المتبايعِيْنَ خِيَارُ الفَسْخِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ إِلى أَنْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَتَراضَيَا بالتَّبَايُعِ في المجَالِسَ (١)، وإِلَى هَذَا ذَهَبَ جماعَةٌ مِن الصَّحابَة والتَّابِعِين.
وقالَ جَمَاعَةٌ: الْبَيْعُ يَلزَمُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيارُ الْمَجْلِسِ، ذَهَبَ إِلَى هَذَا مِنَ التَّابِعِينَ: شُرَيحٌ (٢)، والنَّخعِيُّ (٣)، ومِنَ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٌ (٤) وأبُو حَنِيفَة (٥).
واحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ (٦)، وأَحْمدُ (٧) في إِثْبَاتِ الخِيارِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ) (٨).
فَأَثِبَتَ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ الخِيَارَ بَعْدَ تَسْمِيتِهِمَا بَيِّعَيْنِ وَمُتَبَابِعَيْنِ، وَكُلُّ اسْمٍ اشْتُقَّ مِنْ فِعْلٍ فَإِنَّهُ يُسَمَّى بِهِ بَعْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَالضَّارِبِ وَالشَّاتِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ الْمُتَبَايِعَانِ إِنَّمَا يُسَمَّيانِ مُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ وُجُودِ التَّبَايُعِ بَيْنَهُمَا، فَالخَبَرُ يَقْتَضِي стр. 1907
إِثْبَاتَ الخِيَارِ لَهُمَا فِي تِلْكَ الحَالِ.
وإذَا ثَبتَ الخيَارُ لِلمُتَبَايِعَيْنِ فَلَهُ أنْ يَنْقَطِعَ بِأَمْرَينِ: التَّفَرُّقِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (أو يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ) (١).
وأمَّا الكلامُ في كَيْفِيَّةِ التَّفَرُّقِ والتَّخْيِيرِ:
فأمَّا التَّفَرُّقُ: فَلَا حَدَّ لهُ في الشَّرعِ، [وَ] (٢) لا فِي اللُّغةِ، وإِنَّمَا الْمَرْجِعُ في تحديدِهِ إلى العُرْفِ وَالعَادَة كَالْمَقْبُوضِ، وغَيْر ذَلكَ.
وأمَّا التَّخْيِيرُ: فإِنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بِهِ أَيضًا، فَإِذَا تَخَايَرَا بَعْدَ الْبَيْعِ لَزِمِ الْعَقْدُ وَإِنْ لَم يَتَفَرَّقَا، وهُو أنْ يَقُولَ أَحَدُهُما لصَاحِبِه: اخْتَرِ الْبَيْعَ، فَيَنقَطِعُ خِيَارُ القَائِلِ بِهَذَا، فإِذَا قالَ صَاحِبُه: قَدْ اختَرتُ لَزِمَ، فَلَم يَكنْ لَهما فَسْخُهُ، يَدلُّ عَليهِ قَولهُ: (أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِه).
ومن باب: مَا يُكرَهُ مِن الخِداعِ فِي البَيعِ
* حَديثُ ابن عُمَرَ: (إذَا بَايعتَ فَقُلْ لَا خلَابَة) (٣).
(الْخِلَابَةُ): الخِداعُ، وَرَجُلٌ خَلُوبٌ وخَلَبُوتٌ، أَيْ: ذُو خَدِيعَةٍ (٤)، ومِن أمْثَالِهم: (إِذَا لَم تَغْلِبْ فَاخْلُبْ) (٥)، يقُولُ: إذا أعيَاكَ الأمرُ مُغالبَةً فاطْلُبهُ стр. 1908
مُخَالَبَةً، أَيْ: مُخَادَعَة.
فَصْلُّ في الشُّرُوطِ الَّتِي لا تُفْسِدُ عَقْدَ الْبَيْعِ إِذَا اشْتُرِطتْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ
في حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: (واشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي) (١).
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بن سَعِيدٍ قَالَ: أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَوَجَدْتُ بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ، وابْنَ أَبِي لَيْلَى (٢)، وَابنَ شُبْرُمَةَ، فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطًا؟ قَالَ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ والشَّرْطُ بَاطِلٌ.
فَأَتَيْتُ ابنَ أَبِي لَيْلَى، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: البَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، فَقُلْتُ: ثَلاثَةٌ مِن فُقَهَاءِ الكُوفَةِ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيْنَا فِي مَسْأَلَةٍ!!
فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : (نَهَى عَن شَرِطَينِ فِي بَيعٍ) (٣).
قالَ: فَأَتَيْتُ ابنَ أَبِي لَيْلَى فَذكرْتُ ذلِكَ لهُ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثِنِي стр. 1909
هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: (اشْتَرِي بَرِيرَةَ، واشْتَرِطِي) (١)، البَيعُ جَائزٌ، والشَّرطُ باطلٌ.
فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَذَكرتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بن كِدَامٍ عَنْ مُحَارِبِ بن دِثَارٍ عَن جَابِرِ بن عبدِ الله ﵁ قالَ: (بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً واشْتَرطتُ حِمْلَانَهَا إِلَى المَدِينَة) (٢)، فَأَجَازَ البَيعَ والشَّرطَ (٣).
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاق بنُ خُزيمَة: احْتِجَاجُ أَبي حَنِيفَة بالخبَرِ الَّذِي رواهُ فِي هذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَلَطٌ وَسَهْوٌ، سُئِلَ عن بَائِعٍ بَاعَ بَيْعًا، واشْتَرَطَ شَرْطًا، فَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ شَرْطَينِ في بَيعٍ)، وظَاهِرُ هَذَا الخَبرِ إِنْ احتَجَّ به مُحتَجٌّ يَدُلُّ أنَّ الشَّرْطَ الوَاحِدَ جَائزٌ في البيعِ، لأنَّهُ إذَا نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ دَلَّ أَنَّ شَرْطًا وَاحِدًا جَائزٌ.
وأمَّا احْتِجَاجُ ابن أبي لَيْلَى بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ، قَالُوا: الْوَلَاءُ لَا يَجوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، ومُحالٌ أَنْ يُؤخَّرَ الوَلاءُ، فالنَّبيُّ ﷺ إِنَّمَا أَبْطَلَ شَرْطَ الْوَلاءِ فِي الْبَيعِ، لأَنَّ الْوَلاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهُ غَيْرُ الْمُعْتِقِ.
فأَمَّا احتِجَاجُ ابْنِ شُبْرُمَةَ بِخَبَرِ جَابِرٍ، فَهُوَ كَمَا احْتَجَّ فِي جَوَازِ الْبَيعِ مَعَ جَوازِ الشَّرطِ. стр. 1910
والشُّروط فِي الْبَيْعِ مُختَلِفَةٌ، مِنهَا: مَا يُبْطِلُ البيعَ، ومِنْهَا: مَا لَا يُبْطِلُ البَيعَ وإِنْ بَطَلَ الشَّرْطُ، ومِنْهَا: مَا يجوزُ البَيعُ مَعَ جَوازِ الشُّروطِ، وعبدُ الوَارِثِ سَألَهم جَمِيعًا عَن الشَّرطِ فِي البَيعِ، فَلَم يَتَثبَّتْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي السُّؤالِ، وَلَا اسْتَفْهَمَ السَّائِلَ أَيَّ شَرْطٍ يَسْأَلُ، وأَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم عَنِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ بِلَا سُؤالٍ: أيُّ شَرْطٍ شُرِطَ فِي البَيعِ، فيعلَمُ هَلْ يَجوزُ ذَلكَ الشَّرطُ أمْ يَبطُلُ؟ أو هل يجوزُ هَذَا البيعُ مَعَ هَذَا الشَّرطِ أو يَبطُلَانِ جَميعًا؟ أَوْ يَبطلُ الشَّرطُ ويجوزُ البيعُ؟
فَمِن ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْمُبْتَاعِ فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ أَلَّا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَة.
ومِن ذَلِكَ اسْتِراطُ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيوعِ أنْ لَا خِلابَةَ، وَلَا خِيَانَة فِيمَا ابْتَاعَ، ومِنهُ الحدِيثُ الَّذِي رواهُ ابن عُمَرَ (١).
وفِيهِ دَليلٌ أَنَّ النَّبِيَّ الله ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ الإِجَابَةَ، لأَنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهِ رُتَّةٌ (٢)، رُويَ ذَلكَ مِن طَرِيقِ نَافِعٍ (٣).
وفي رواية: (كَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ فِي لِسانِهِ شَيْءٌ، فَكَانَ إِذَا بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ غُبِنَ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (إِذَا بِعْتَ أَوِ ابْتَعْتَ فَقُلْ: стр. 1911
لَا خِلَابَة) (١).
وفي رِوايَةِ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبْتَاعُ، وَكَانَ فِي عُقدَتِهِ ضَعيفٌ، فأتَى أهْلُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، احْجُرْ عَلَى فُلانٍ، فَإِنَّه يَبْتَاعُ، وفِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَنَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ: (إِنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ الْبَيْعَ فَقُلْ: هَاءَ وَهَاءَ، وَلَا خِلَابَة) (٢).
وفي روايةٍ: (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ إِذَا بايعَ يُلَجْلِجُ ويَقُولُ: لَا خِلَابَة) (٣).
وفِي رِوَايَةٍ: (ويقُولُ: لَا خِذَابَة) (٤).
ومِن ذَلكَ: النَّهْيُ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَهُوَ بَيْعتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وهُوَ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ يَبيعَهُ الْمُبْتَاعُ سِلْعَةً أُخْرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وهُو كأَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ دَارِي هَذِهِ بِأَلْفِ دِرْهِمٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي عَبْدَكَ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، إِذَا стр. 1912
وَجبَتْ لَكَ دَارِي وَجَبَ لِي عَبْدُكَ.
ومن باب: الكَيلُ على البَائِعِ والمعْطِي
* فِيهِ حَديثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَن ابْتَاعَ طَعامًا فَلَا يَبعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَه) (١).
قَالَ أَصحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): إِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ طَعَامًا، فَلَا يُجوزُ بَيْعُهُ والتَّصَرُّفُ فِيهِ قبلَ القَبضِ بِلَا خِلافٍ (٣)، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁.
وأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ؛ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مِذَاهِبَ:
فذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا الطَّعامِ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعامِ، لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٤).
وذهَبَ مَالكٌ إِلى أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ (٥).
وقَالَ طَائِفَةٌ: مَا كَانَ مَكِيلًا وَمَوْزُونًا لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وهُوَ مَذْهَبُ أَحْمدَ بن حَنْبَلٍ ﵀ (٦)، وَبِهِ قَالَ مِن التَّابِعِينَ: стр. 1913
سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّب (١).
وذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كالعَقَارِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ (٢).
دليلُ الشَّافِعِي: مَا رَوَى حَكِيمُ بنُ حِزامٍ ﵁ قال: (قلتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أبتَاعُ بُيوعًا فمَا الَّذِي يحلُّ لي مِنهَا ومَا الَّذِي يَحْرُمُ؟ قَالَ: إِذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حتَّى تَقبضَهُ) (٣)، وهذَا عَامٌّ في جَميعِ البُيُوعِ. стр. 1914
والْقِيَاسُ هُو أَنَّهُ قَبْضٌ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ بَيْعٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنعَ جَوازَ التَّصَرُّفِ في الْمَبِيعِ.
دليلهُ مَعَ مَالكٍ: الطَّعامُ، ومَعَ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا يُنْقَلُ وَيُحوَّلُ، وَمَعَ أَحْمَد: الْمَكِيلُ والْمَوْزُونُ.
فأَمَّا مَنِ ابْتَاعَ جُزَافًا، فَقَبْضُهُ أنْ يَنقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِه.
والكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كَيفِيَة قَبضِ الْمَبِيعِ، والقَبْضُ فِي الأَشْيَاءِ يَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلافِ الْمَقبُوضِ، والْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فإنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُقْبَضُ وَيَتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ والثَّوْبِ وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، فَقَبْضُهُ تَنَاوُلُهُ.
وإِن كَانَ ممَا يُقبَضُ [بِـ] (١) النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ كَالْمَتَاعِ الثَّقِيلِ وَالخَشَبِ الثَّقِيلِ، فَقَبْضُهُ بِتَحْوِيلِهِ، وَنَقْلِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.
وإِنْ كَانَ طَعامًا؛ فَإِنْ بَاعَهُ كَيْلًا فَقَبْضُهُ أنْ يَكْتَالَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ جُزَافًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلى مَوْضِعٍ.
وإِنْ كَانَ حَيوانًا؛ فإنْ كَانَ عَبْدًا فَقَبْضُهُ أنْ يَسْتَدْعِيَهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى عِنْدِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بَهِيمَةً فَقَبْضُهَا أَنْ يَسُوقَهَا مِن مَوْضِعِهَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَر.
وإِنْ كانَ عَقَارًا أو أَرْضًا فَقَبضُهُ التَّخلِيةُ بَيْنَ المُشْتَرِي وبَينَهُ. стр. 1915
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): القَبْضُ فِي الأشْيَاءِ كُلِّهَا يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ، سَواءٌ كانَ مِمَّا يُنْقَلُ أَوْ لَا يُنْقَلُ.
دَلِيلُ الشَّافِعِي ﵀: مَا رَوَى ابن عُمَرَ ﵁ قَالَ: (ابْتَعْتُ زَيْتًا مِنْ رَجُلٍ مِنَ السُّوقِ، فَأعطَاني بهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَهَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ بِذِراعِي مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵁، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَحُوزَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَعِ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِم) (٢).
ولأَنَّ القَبْضَ فِي العَقارِ والنَّخْلِ وَالشَّجَرِ التَّخْلِيَةُ وَالتَّسْلِيمُ، اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَجَبَ أنْ يَكُونَ الْقَبْضُ بِالنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ اعْتِبَارًا بالعَادَةِ فِيهِ.
وَمِنْ بَابِ: إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ
* فيهِ حَديثُ عَائِشَةَ ﵂: (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) (٣).
أَيْ: أَتَانَا بَغْتَةً، وأَصْلُ الرَّوْعِ: الْفَزَعُ، يُقَالُ: رَاعَهُ أَيْ: أَفْزَعَهُ. стр. 1916
وقولهُ: (قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: الصُّحْبَة) يُرْوَى بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ.
فالنَّصبُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلِ التَّقْدِيرُ: أَلتَمِسُ الصُّحبَةَ؟ فقالَ: الصَّحْبَة أَيْ: الْزَمِ الصُّحْبَةَ، أَوْ أَدْرَكْتَ الصُّحْبَةَ.
والرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ رَفْعِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأَ [الْمَحْذُوفِ] (١)، وَالتَّقْدِيرُ: مَسْأَلَتِي الصُّحْبَةُ، أَوْ مَطْلُوبِي، فَقَالَ: الصُّحْبَةُ مبْذُولَةٌ.
ومن بابِ: لا يَبيعُ عَلَى بَيع أخِيهِ، ولا يَسُومُ عَلَى سَومِ أخِيهِ
* وفيهِ: حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) (٢).
صُورَةُ (٣): أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ سِلعَةً، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمُبْتَاعِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: بِكُمْ ابْتَعْتَهَا؟ فَيَقُولُ: بمائَةٍ، فَيَقُولَ: أنا أَبِيعُكَ مِثْلَهَا بِتِسْعِينَ، أَوْ خَيْرًا مِنْهَا بِمائَةٍ، فَرُبَّمَا يَفْسَخُ البَائِعُ بحَقَّ الخِيَارِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ فَسَادًا عَلَى الْغَيْرِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى بَيْعِهِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.
وأمَّا السَّوْمُ عَلَى سَومٍ أخِيهِ، والاسْتِيَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، فَصُورَةُ ذَلِكَ: أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلٌ رجُلًا فِي سِلْعَةٍ، وَهُمَا يَتَفَاوَضَانِ فِي تَقْدِيرِ الثَّمَنِ، وَلَم يَحْصُلْ بَيْنَهُمَا تَبَايُعٌ، فَجَاءَ آخَرُ فَطَلَبهَا بِلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَن.
والسَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ: أَنْ يَجِيءَ الرَّجلُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَعْرِضَ عَلَيْهِ مِثْلَ стр. 1917
تِلْكَ السِّلْعَةِ بِدُونِ ذَلكَ الثَّمَنِ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، لأَنَّه فِي مَعْنَى الخِطْبَة عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وقَد نُهِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْبَابِ (١).
وفي الخِطْبَة علَى الخِطْبَةِ ثَلاثُ مَسَائِلَ:
إحدَاهَا: أنْ يَخْطِبَ رَجُلٌ امْرَأَة فَصَرَّحتْ بإجَابَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا بِلَا خِلافٍ (٢)، وفِيهِ وَرَدَ الخَبَرُ.
والثَّانيَة: أنْ يَخْطِبَهَا فَلَمْ تُصَرِّح بإجَابَتِهِ، وَلَا وُجِدَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، فَيَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَخطِبهَا.
والثَّالثَة: أَنْ يَخطِبهَا فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّصْرِيحُ، وَلَكِنْ يُوجَدُ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الإِجَابَة، فَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي هَذَا قَوْلَانِ (٣).
وَفِي الْمَسَائلِ الثَّلاثِ في الخِطْبَةِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَالاسْتِيَامِ عَلَى سَوْمٍ أَخِيه.
وهَذَا الحُكْمُ فِي السَّوْمِ إِذَا كَانَتِ الْمُسَاوَمَةُ مَعَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَأَمَّا إِذَا طُرِحَتِ السَّلْعَةُ فِي النِّدَاءِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا، ويُبَالِغَ فِي ثَمِنِهَا، لأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلكَ стр. 1918
إضْرارٌ بِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَكفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا) يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ، أَيْ: قَلَبْتُهُ، وَهَذَا مَثَلٌ لإِمَالَةِ الضَّرَّةِ حَقَّ صَاحِبَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا إِلَى نَفْسِهَا.
وَرُوِيَ: (لِتَكْتَفِئَ) وهُو تَفْتَعِلَ مِن كَفَأتْ.
قالَ الكِسَائِيُّ (١): كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا كَبَبَتَهُ.
ومن بَابِ النَّجْشِ
* فيهِ حَديثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ) (٢).
النَّجْشُ خَديعةٌ، ولَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدّينِ، وَصُورَةُ النَّجْشِ: أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ فِي ثَمَنِ الشَّيْء وَهُوَ لَا يُريدُ شِراءَهُ لِيَغُرَّ النَّاسَ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَا يَجوزُ لأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ البَيعَ، لأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي الْمَعْقُودِ عَلَيهِ، فَصَارَ كَالنَّهْيِ عَنِ البَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ يَوْمَ الجُمُعَة (٣).
وهَلْ يَثْبُتُ لِلْمُبْتَاعِ الخِيَارُ؟ يُنْظَرُ:
فإِنْ لَم يَكُنْ (٤) لِلْبَائِعِ فِيهِ صَنِيعٌ، بَلْ فَعَلَهُ النَّاجِشُ بِاخْتِيَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ стр. 1919
الخيَارُ، لأَنَّ التَّفْرِيطَ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَانَ مِنْ سَبِيلِهِ أَنْ يَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَى مَن يَعْرِفُ فِي السِّلْعَةِ فَيَبْتَاعَهَا لَهُ.
وإنْ كانَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنَ البَائِعِ؛ فَفِيهِ قَوْلانِ (١):
أَحَدُهُما: لَهُ الخِيَارُ، لأنَّهُ غَرَّهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ دَلَّسَ.
وَالثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ، لأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا ذَكرنَاهُ.
وقالَ أهلُ اللُّغة (٢): النَّجْشُ تَنْفِيرُ النَّاسِ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ تَنْفِيرُ الوَحْشِ مِنْ مَكَانٍ إِلى مَكَانٍ.
وفِي حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (وَلَا تَنَاجَشُوا) (٣)، التَّنَاجُشُ: التَّفَاعُل مِنَ النَّجْشِ.
ومن بابِ: بَيعُ الغَرَرِ وحَبَلِ الحَبَلَةِ
* فيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٤).
قالَ أَهْلُ الْفِقْهِ: وَمِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ: بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَهُو يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسَامٍ (٥): стр. 1920
أَحَدِهَا: أَنْ يَبيعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَوقُوفًا عَلَى إِجَابَةِ رَبِّهِ، فَيَبْطُلُ الْبَيَعُ عَلَى قَوْلنَا (١)، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَتِهِ (٢).
والثَّاني: أنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُبْتَاعَ، فَهَذَا لَا يجوزُ؛ بدَليلِ حَدِيثِ حَكِيمِ بن حِزامٍ (٣).
والثَّالثُ: أنْ يَبِيعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ غَائبٌ عَنهُ، فَهَذَا بَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
ومِن بَيْعِ الغَررِ: بَيْعُ الحَمْلِ فِي الْبَطْنِ مُنْفَرِدًا عَنِ الأُمِّ.
ومِن ذَلكَ: بَيْعُ الْمَلَاقِيحِ [والْمَضَامِينِ] (٤)، فَالْمُلَاقِيحُ: الحَمْلُ فِي الْبَطْنِ، والْمَضَامِينُ: مَاءُ الفَحْلِ فِي الظَّهْرِ.
ورويَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (نَهَى عَن بَيْعِ الْمَجْرِ) (٥). стр. 1921
قالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١): هو الحَمْلُ: نَهَى عَن بَيْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، لأَنَّهُ لَا يُدْرَى أموجُودٌ هُو أمْ مَعدُومٌ؟ أذَكَرٌ هُو أمْ أنثَى؟ أوَاحدٌ هُو أمْ أكْثَر؟.
فأَمَّا بَيْعُ حَبَلِ الحَبَلَة: فَقَدْ اخَتُلِفَ فِي هَذَا الْبَيْعِ:
فالَّذِي يَذْهَبُ إِليهِ الشَّافِعِي ﵀: أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا، وَيَشْتَرِطَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ إِذَا حَبَلَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ، وَوَلَدَتْ، وَبَلَغَتِ الَّتِي تَلِدُهَا وَحَبَلَتْ، فَيَكُونُ الْبَيْعُ إِلَى وَقْتِ حَبَلِ الحَبَلَة (٢)، وإلى هذَا أَشَارَ البُخَارِيُّ فِي الْبَابِ، واقْتَضَاهُ الحَدِيثُ.
وذهَبَ أبو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ بَيْعَ حَبَلِ الحُبَلَة: أَنْ يَقُولَ: إِذَا وَلَدَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ، وَوَلَدَتِ النَّاقَةُ الَّتِي تَلِدُهَا فَقَدْ بِعْتُكَ الْوَلَدَ، فالنَّهِيُ عَلَى هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَة (٣).
وهَذَا يَقتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَبِيعًا، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ ذَهَبَ إلَى تَفْسِيرِ الرَّاوِي، فإِنَّهُ فَسَّرَ الْخَبَرَ بِما ذَكَرَهُ. стр. 1922
وكِلَا الْبَيْعَيْنِ بَاطِلٌ لجهَالَةِ المَبيعِ، وَجَهالَةِ الْأَجَلِ.
ومن باب: بَيْعِ الْمُلامَسَة والْمُنَابَذَة
قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْمُلَامَسَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهما: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ فَيَبيَعَهُ الثَّوْبَ بِاللَّمْسِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمَسَه لَزِمَ الْبَيْعُ.
والثَّاني: أنْ يَتَبَايَعَا، وَيَقُولَ: إِذَا لَمَسْتَهُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ.
فالأوَّلُ: لَا يَجُوزُ لِمَا فِي البَيْعِ مِنَ الْغَرَرِ.
والثَّانِي: لَا يَجُوزُ لأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
وأمَّا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ؛ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ أَيضًا:
أحدُهما: أنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَبَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى صَاحِبِهِ لَزِمَ الْبَيْعُ.
والثَّانِي: أنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَبَذَ أَحَدُهُما ثَوْبَهُ إِلَى صَاحِبِهِ لَزِمَ البيعُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ في العَقْدِ شَرْطًا يُنَا فِي مُقْتَضَاهُ.
وأَمَّا مَا رُوِيَ خَارِجَ الصَّحِيحِ: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ) (١)، فَقِيلَ فِيهِ ثَلَاثُ تَأويلاتٍ: стр. 1923
أحَدُهَا: أَنْ يُحْضِرَ ثِيَابًا ويَقُولَ: اِرْمِ بِهَذِهِ الحصَاةِ، فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَقَدْ بِعْتُكَ إِيَّاهُ، فَهَذَا بَاطِلٌ لِلْخَبَزِ، وَلِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ.
والثَّاني: أنْ يَبيعَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَمَى بِحَصَاةٍ لَزِمَ البَيْعُ، وَهَذَا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
والثَّالثُ: أنْ يَقُولَ: اِرمِ بِهَذِهِ الْحَصَاةِ، فَعَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ وَفَعَتْ فَقَدْ بِعْتُك إِيَّاهُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لأَنَّ المَبيعَ مَجْهُولُ القَدْرِ.
ومن باب النَّهْي للْبَائِع أن يُحَفِّلَ الْإِبلَ وَالْبَقَرَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ وَالْمُصَرَّاةُ الَّتِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ وجُمِعَ، وَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا
* فيه حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُصَرُّوا الْإِيلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) (١).
قالَ أهلُ اللُّغة (٢): التَّصِرِيَةُ: الجَمْعُ، ومِنْهُ يُقَالُ: صَرّيْتُ الْمَاءَ فِي الحَوْضِ إذَا جَمَعْتُه، والْمُصَرَّاةُ: الشَّاةُ الَّتِي يُجْمَعُ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا، سُمِّيتْ بِهَذَا الاِسْمِ لاجْتِمَاعِ اللَّبَنِ في ضَرْعِهَا.
وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ : (مَنْ ابتاعَ مُحَفَّلَةً) (٣)، والْمُحَفَّلَةُ: الْمُصَرَّاةُ، стр. 1924
والحَفْلُ: الجَمْعُ، يُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ: مَحْفَلٌ.
والتَّصْرِيَةُ عَيْبٌ وَتَدْلِيسٌ، إِذَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ وَقَصَدَهُ تَدْلِيسًا عَلَى الْمُشْتَرَي ثَبَتَ فيهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الحَلْبِ (١).
وبهذا قالَ جَماعةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنَ الفُقَهَاءِ: مَالكٌ (٢)، واللَّيثُ (٣)، وأَحْمَدُ (٤)، وَزُفَر (٥)، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ لَا يَجْعَلُ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدَّ بَعْدَ الحَلْبِ، قَالَ: لأَنَّ الْمَبِيعَ نَقَصَ فِي يَدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ أَرْشَ العَيْبِ.
وذَهبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ (٦) إلى أنَّ التَّصْرِيَةَ لَيْسَتْ بَعَيْبٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ الرَّدِّ بِحَالٍ.
دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وفِي النَّهْيِ عَنِ التَّصْرِيَة دَلِيلٌ عَلَى أَنَّها عَيْبٌ.
وقدْ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الخِيَارَ بَعْدَ الحَلْبِ بَيْنَ إِمْسَاكِ الشَّاةِ وَبَيْنَ رَدِّهَا، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إِذَا قَصَدَ التَّدْلِيسَ لِمَعْنًى يَختَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلافِهِ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا، وَثَبَتَ فِيهِ стр. 1925
حَقُّ الرَّدِّ كَمَا [لَو] (١) سَوَّدَ شَعْرَ جَارِيَةٍ، أَوْ جَعَّدَهُ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالكَلَامُ بَعْدَ ذَلكَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي، وقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: (إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) (٢).
وفي روايةٍ: (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَرَادَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّها وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ) (٣)، والسَّمْرَاءُ: الْبُرُّ.
وَرُوِيَ: (مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَلَهُ رَدُّهَا، وَيَرُدُّهَا مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قمْحًا) (٤).
واخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ في تَرْتِيبٍ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق (٥): الأَصْلُ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّمْرُ، لأَنَّ التَّمْرَ هُوَ الْقُوتُ بِالحِجَازِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى стр. 1926
دَفْعِ الطَّعَامِ، لأَنَّ الطَّعَامَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمْرِ، فَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ قُبِلَ مِنهُ، لأَنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّا لَزِمَهُ، وَعَلَى هَذَا تَرْتِيبُ الْأَخْبَارِ.
قَوْلُهُ: (رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ)، أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ.
وَقُولُهُ: (لَا سَمْرَاءَ) أَيْ: لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ السَّمْرَاءِ.
وَقَوْلُهُ: (مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا) يَعنِي: أَنَّهُ إِنْ تَطَوَّعَ بِدَفْعِ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ (١): وإِنَّما أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ رَدَّ الصَّاعَ مِنَ التَّمْرِ، لأَنَّهُ الْقُوتُ الْغَالِبُ بِالحِجازِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِهِ، قالَ: وَعَلَى هَذَا تَرْتِيبُ الأَخْبَارِ.
فالَّذِي نَصَّ عَلَى التَّمْرِ أَرَادَ بِهِ فِي الْبِلادِ الَّتِي يُقْتَاتُ بهَا التَّمْرُ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَى الْبُرِّ أَرَادَ بِهِ البلادَ الَّتِي يُقْتَاتُ فِيهَا الرُّطَبُ والتَّمْرُ فِيهَا غَالِبٌ مِنْ ذَلِكَ الْقُوتِ (٢).
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُنظَرُ في الصَّاعِ؛ فإنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ قِيمَةِ الشَّاةِ، أَوْ مُعْظَمَ قِيمَتِهَا فِيهِ وَجْهَانِ (٣). стр. 1927
ومن باب: تَلَقِّي الرُكبانِ
* حَديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ .. ) (١).
قالَ أَهْلُ العِلمِ: تَلقِّي الرُّكْبَانِ للابْتِيَاعِ مِنْهُمْ مُحَرَّمٌ.
وَصُورتُه: أَنْ تَجِيءَ قَافِلَةٌ بِمَتَاعٍ تُرِيدُ بلَدًا فَتَلَقَّاهُم رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِرخْصِ الْمَتَاعِ بِالْبَلَدِ، وابْتَاعَ مِنْهُمْ مَتَاعَهُمُ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِلْخَبَرِ، فَإِنْ ابْتَاعَ بِدُونِ الثَّمَنِ الْمِثْل كَانَ لِلْبَائِعِ الخِيَارُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ ابْتَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (٢):
أحَدُهُما: لَهُ الخيارُ، لِعُمُومِ الخَبَرِ.
والثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ، لأنَّهُ مَا غَرَّهُ.
وأَمَّا قوله: (لَا يَبعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أنْ يَقْدَمَ رَجُلٌ مِنَ الْبَادِيَةِ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يُريدُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَرْجِعَ إِلَى مَوْضِعِه، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الحَضَرِ، فَقَالَ: سَلِّمْ إِليَّ هَذَا الْمَتَاعَ لأَبِيعَهُ لَكَ قَلِيلًا قَليلًا (٣)، ويَتَوَفَّرَ عَلَيْكَ ثَمَنُهَا، فَهَذَا مَنهِيٌّ عنهُ لِلخَبَرِ، لأنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى أَهْلِ البَلَدِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلكَ بِوجُودِ أَرْبِعِ شَرائطَ (٤): стр. 1928
أحدها: أنْ يَقْدَمَ البَدَوِيُّ وَمَعَهُ الْمَتَاعُ، يُريدُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي الحَضَرِ.
والثَّانِي أَنْ يَكونَ قَصْدُهُ تَعجِيلَ الثَّمَنِ، والخُرُوجَ إِلَى بَلَدِهِ.
والثَّالثُ: أن يَجيءَ إِليهِ الحَضَرِيُّ، ويَقُولَ لَهُ: اِدْفَعْ إِليَّ الْمَتَاعَ حَتَّى أَبِيعَهُ لَكَ.
والرَّابعُ: أنْ يَكُونَ الْبَلَدُ صَغِيرًا، بِحَيْثُ إِذَا بِيعَ فِيهِ ذَلكَ اتَّسَعَ عَلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا لم يُبَعْ ضَاقَ عَلَيْهِم.
ومَتَى أُخِلَّ بِشَرطٍ مِن هَذِهِ الشَّرائِطِ جَازَ الْبَيْعُ بِلَا خِلافٍ، إِلَّا الشَّرْطَ الأَخِيرَ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ الْبَلَدُ كَبِيرًا لا يَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ تَرْكُ بَيْعِ المَتَاعِ فِيهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ (١):
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
والثَّانِي: يَجُوزُ، لأنَّ المعنَى الَّذِي نُهِيَ لأَجْلِهِ قَدْ زَالَ.
وإذا باع الحاضِرُ للبَادِي نَفَدَ الْبَيْعُ، لأنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لَا لِمَعْنًى فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (٢).
* * *
* وفِي حَديثِ أبي هُرَيْرَةَ: (بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) (٣).
(الضَّفِيرُ): الحَبْلُ الْمَفْتُولُ مِنَ الشَّعْرِ. следующие страницы →