← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1924–1963 · переход к 1929.

стр. 1924

والحَفْلُ: الجَمْعُ، يُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ: مَحْفَلٌ. والتَّصْرِيَةُ عَيْبٌ وَتَدْلِيسٌ، إِذَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ وَقَصَدَهُ تَدْلِيسًا عَلَى الْمُشْتَرَي ثَبَتَ فيهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الحَلْبِ (١). وبهذا قالَ جَماعةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنَ الفُقَهَاءِ: مَالكٌ (٢)، واللَّيثُ (٣)، وأَحْمَدُ (٤)، وَزُفَر (٥)، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ لَا يَجْعَلُ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدَّ بَعْدَ الحَلْبِ، قَالَ: لأَنَّ الْمَبِيعَ نَقَصَ فِي يَدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ أَرْشَ العَيْبِ. وذَهبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ (٦) إلى أنَّ التَّصْرِيَةَ لَيْسَتْ بَعَيْبٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ الرَّدِّ بِحَالٍ. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وفِي النَّهْيِ عَنِ التَّصْرِيَة دَلِيلٌ عَلَى أَنَّها عَيْبٌ. وقدْ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الخِيَارَ بَعْدَ الحَلْبِ بَيْنَ إِمْسَاكِ الشَّاةِ وَبَيْنَ رَدِّهَا، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إِذَا قَصَدَ التَّدْلِيسَ لِمَعْنًى يَختَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلافِهِ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا، وَثَبَتَ فِيهِ

стр. 1925

حَقُّ الرَّدِّ كَمَا [لَو] (١) سَوَّدَ شَعْرَ جَارِيَةٍ، أَوْ جَعَّدَهُ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالكَلَامُ بَعْدَ ذَلكَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي، وقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: (إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) (٢). وفي روايةٍ: (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَرَادَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّها وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ) (٣)، والسَّمْرَاءُ: الْبُرُّ. وَرُوِيَ: (مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَلَهُ رَدُّهَا، وَيَرُدُّهَا مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قمْحًا) (٤). واخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ في تَرْتِيبٍ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق (٥): الأَصْلُ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّمْرُ، لأَنَّ التَّمْرَ هُوَ الْقُوتُ بِالحِجَازِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى

стр. 1926

دَفْعِ الطَّعَامِ، لأَنَّ الطَّعَامَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمْرِ، فَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ قُبِلَ مِنهُ، لأَنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّا لَزِمَهُ، وَعَلَى هَذَا تَرْتِيبُ الْأَخْبَارِ. قَوْلُهُ: (رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ)، أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ. وَقُولُهُ: (لَا سَمْرَاءَ) أَيْ: لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ السَّمْرَاءِ. وَقَوْلُهُ: (مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا) يَعنِي: أَنَّهُ إِنْ تَطَوَّعَ بِدَفْعِ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ (١): وإِنَّما أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ رَدَّ الصَّاعَ مِنَ التَّمْرِ، لأَنَّهُ الْقُوتُ الْغَالِبُ بِالحِجازِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِهِ، قالَ: وَعَلَى هَذَا تَرْتِيبُ الأَخْبَارِ. فالَّذِي نَصَّ عَلَى التَّمْرِ أَرَادَ بِهِ فِي الْبِلادِ الَّتِي يُقْتَاتُ بهَا التَّمْرُ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَى الْبُرِّ أَرَادَ بِهِ البلادَ الَّتِي يُقْتَاتُ فِيهَا الرُّطَبُ والتَّمْرُ فِيهَا غَالِبٌ مِنْ ذَلِكَ الْقُوتِ (٢). فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُنظَرُ في الصَّاعِ؛ فإنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ قِيمَةِ الشَّاةِ، أَوْ مُعْظَمَ قِيمَتِهَا فِيهِ وَجْهَانِ (٣).

стр. 1927

ومن باب: تَلَقِّي الرُكبانِ * حَديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ .. ) (١). قالَ أَهْلُ العِلمِ: تَلقِّي الرُّكْبَانِ للابْتِيَاعِ مِنْهُمْ مُحَرَّمٌ. وَصُورتُه: أَنْ تَجِيءَ قَافِلَةٌ بِمَتَاعٍ تُرِيدُ بلَدًا فَتَلَقَّاهُم رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِرخْصِ الْمَتَاعِ بِالْبَلَدِ، وابْتَاعَ مِنْهُمْ مَتَاعَهُمُ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِلْخَبَرِ، فَإِنْ ابْتَاعَ بِدُونِ الثَّمَنِ الْمِثْل كَانَ لِلْبَائِعِ الخِيَارُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ ابْتَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (٢): أحَدُهُما: لَهُ الخيارُ، لِعُمُومِ الخَبَرِ. والثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ، لأنَّهُ مَا غَرَّهُ. وأَمَّا قوله: (لَا يَبعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أنْ يَقْدَمَ رَجُلٌ مِنَ الْبَادِيَةِ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يُريدُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَرْجِعَ إِلَى مَوْضِعِه، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الحَضَرِ، فَقَالَ: سَلِّمْ إِليَّ هَذَا الْمَتَاعَ لأَبِيعَهُ لَكَ قَلِيلًا قَليلًا (٣)، ويَتَوَفَّرَ عَلَيْكَ ثَمَنُهَا، فَهَذَا مَنهِيٌّ عنهُ لِلخَبَرِ، لأنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى أَهْلِ البَلَدِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلكَ بِوجُودِ أَرْبِعِ شَرائطَ (٤):

стр. 1928

أحدها: أنْ يَقْدَمَ البَدَوِيُّ وَمَعَهُ الْمَتَاعُ، يُريدُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي الحَضَرِ. والثَّانِي أَنْ يَكونَ قَصْدُهُ تَعجِيلَ الثَّمَنِ، والخُرُوجَ إِلَى بَلَدِهِ. والثَّالثُ: أن يَجيءَ إِليهِ الحَضَرِيُّ، ويَقُولَ لَهُ: اِدْفَعْ إِليَّ الْمَتَاعَ حَتَّى أَبِيعَهُ لَكَ. والرَّابعُ: أنْ يَكُونَ الْبَلَدُ صَغِيرًا، بِحَيْثُ إِذَا بِيعَ فِيهِ ذَلكَ اتَّسَعَ عَلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا لم يُبَعْ ضَاقَ عَلَيْهِم. ومَتَى أُخِلَّ بِشَرطٍ مِن هَذِهِ الشَّرائِطِ جَازَ الْبَيْعُ بِلَا خِلافٍ، إِلَّا الشَّرْطَ الأَخِيرَ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ الْبَلَدُ كَبِيرًا لا يَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ تَرْكُ بَيْعِ المَتَاعِ فِيهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ (١): أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. والثَّانِي: يَجُوزُ، لأنَّ المعنَى الَّذِي نُهِيَ لأَجْلِهِ قَدْ زَالَ. وإذا باع الحاضِرُ للبَادِي نَفَدَ الْبَيْعُ، لأنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لَا لِمَعْنًى فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (٢). * * * * وفِي حَديثِ أبي هُرَيْرَةَ: (بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) (٣). (الضَّفِيرُ): الحَبْلُ الْمَفْتُولُ مِنَ الشَّعْرِ.

стр. 1929

قالَ أَهْلُ اللُّغة (١): الضَّفْرُ: نَسْجُ قَوِيِّ الشَّعر، وإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ. وفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: (إِنِّي امرأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي) (٢)، والضَّفِيرَةُ خَصْلَةٌ مِنَ الشَّعَرِ، والضَّفْرَةُ: الرَّملُ الْمُتَعَقِّدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُثَرِّبْ) التَّثْرِيبُ: تَعْدَادُ الذُّنُوبِ، يُقَالُ: ثَرَّبَ عَلَيْهِ: عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، أَيْ: لَا يُوَبِّخْهَا، وَلَا يُبَكِّتْهَا بَعْدَ الضَّرْب. ومن باب: إِذَا اشْتَرَطَ فِي البَيْعِ شُرُوطًا لا تَحِلُّ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقيَّةٌ) (٣). فِي الحَدِيثِ دَليلٌ علَى إِبَاحَةِ شَرْطِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ عِتْقَ الْمَبِيعِ. ودَلِيلٌ عَلَى أَنَّ البَائِعَ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أنْ لَا يَبِيعَ الْمُشْتَرَى وَلَا يَهَبَهُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، لأَنَّ مُشْتَرِطَ الْعِتْقِ قَدْ دَلَّ اشْتِرَاطُهُ الْعِتْقَ أَن لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا تَمْلِيكُهُ غَيْرَهُ. وفيهِ إجَازَةُ الْبَيْعِ يَكُونُ في عَقْدِهِ الشَّرْطُ الفَاسِدُ، لأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (ابْتَاعِيهَا وأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) (٤).

стр. 1930

وَفِيهِ النَّهْيُّ عَن اشْتِرَاطِ البَائِعِ وَلاءَ الرَّقِيقِ الْمَبيعِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُبْتاعُ. وَفِي قَوْلِهِ: (مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ (١) لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ)، أَنَّ البَائِعَ إِذَا اشْتَرطَ عَلَى مُبْتَاعِ الأَمَةِ أنْ لَا يَطَأهَا، أَنَّ الَبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، لأنَّ هَذَا الشَّرطَ خِلافُ الْكِتَابِ، لأَنَّ الله أَبَاحَ مِلْكَ الْيَمِينِ، كَمَا جَعَلَ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، واتِّفَاقِ الأُمَّةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ، لأَنَّ هِبَةَ الْوَلَاءِ وَبَيْعَهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وفِي هذَا الحدِيثِ دَليلٌ أَنَّ مُبْتَاعَ السِّلْعَةِ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ شَرْطًا فَاسِدًا، أَوْ نَقَصَهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ للشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا، وَلَم يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا نَقَصَهُ مِنَ الثَّمَنِ لِفَسَادِ الشَّرْطِ كَمَا قَالَ ابْنُ نَجِيحٍ (٢): إِنَّ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا، وَنَقَصَ عَنْهُ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ مَا نَقَصَ. ومن باب: بَيعِ المزَابَنَة وبَيعِ الثَّمرِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخلِ وباب بَيعِ الثَّمَارِ حَتَّى يَبدُو صَلاحُهَا. وباب: بَيعِ الفِضَّةِ بالفِضَّة قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): إِذَا بَاعَ ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا، [لَا

стр. 1931

يخلُو] (١) إِمَّا أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، أَوْ مُطْلَقًا. فإِنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ القَطْعِ: صَحَّ الْبَيْعُ، لأَنَّهُ إِنْ قَطَعَهَا أَمِنَ مِنَ الْغَرِرِ فِيهَا وَالتَّلَفِ. وإِنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ: بَطْلَ الْعَقْدُ، لأنَّها لَمْ تَسْلَمْ بَعْدُ مِنَ الْعَاهَةِ، فَفِي بَيْعِهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ غَرَرٌ. وأَمَّا إِذَا بَاعَهَا مُطْلَقًا: فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ. وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَصِحُّ، والخلافُ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُما فِي بُطْلَانِ البَيعِ وصِحَّتِه. وَالثَّانِي: فِي العِلَّةِ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ: يَبْطُلُ الْبَيْعُ، لأَنَّ إِطْلَاقَهُ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَة. وعِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ: يَقْتَضِي القَطعَ في الحَالِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ القَطْعِ، والدَّليلُ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ: مَا رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تبيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهُ) (٣).

стр. 1932

وفي رواية نَافِعٍ: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) (١). وفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ) (٢). وفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ) (٣). أمَّا الكَلَامُ فِي بُدُوِّ الصَّلاحِ، فَبُدُوُّ الصَّلَاحِ تَغْيِيرُ صِفَةِ الثَّمْرَةِ، وَهِيَ أَنْ تَصْفَرَّ وَتَحْمَرَّ وَتَسْوَدَّ إِنْ كَانَتْ عِنَبًا أَوْ تَمْرًا، وَبِهِذَا قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلِم. وقالَ بَعضُ النَّاسِ (٤): بُدُوُّ الصَّلَاحِ طُلُوعُ الثُرَيَّا، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ فِي الحُكْمِ، لِأَنَّ وَقْتَ بُدُوِّ الصَّلاحِ وَقْتُ طُلوعِ الثُريَّا، وَإِنَّما الاخْتِلافُ فِي التَّعْلِيلِ وَإِنَّما يَجُوزُ الْبَيْعُ لأَنَّ الصَّلاحَ قَدْ بَدَا، وعندَهُ: يَجُوزُ بِطُلُوع الثُّرَيَّا، وَالحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ مُتَعَلِّقٌ بِبُدُوِّ الصَّلاحِ لِقَوْلِهِ: (حَتَّى تُزْهِي، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قال: تَحْمَارَّ أَوْ تَصْفَارَّ) (٥). وَلأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جَوَازِ البَيْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا أَنَّهُ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يُصِيبَهَا دَاءٌ

стр. 1933

فَتَتْلَفَ، فَإِذَا بَدَا صَلَاحُهَا أُمِنَ مِنْ تَلَفِهَا، لأنَّهُ يَشْتَدُّ النَّوَى فِيهَا، وَيَغْلَظُ، وَيُؤْمَنُ تَلَفُهَا، وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا، وإِنَّما يَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيرِ صِفَةٍ فِي الثَّمْرَة. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي الثَّمَرَة، فَإِنْ كَانَتْ رُطَبًا فَبُدُوُّ الصَّلاحِ فِيهَا أَنْ تَصْفَرَّ أو تَحْمَرَّ، وإنْ كانَتْ عِنَبًا فَحَتَّى يَسْوَدَّ، وإنْ كانَ مِمَّا لَا يَسْوَّدُ ولا يَحْمَرُّ، وكَانَ مَا يَتَلَوَّن كَالعِنَبِ الرَّازِقِي وَمَا أَشْبَهَهُ، فَبَدُرُّ الصَّلَاحِ أَنْ تَدُورَ فِيهِ الحَلَاوَةُ، ويَطِيبَ أَكْلُهُ، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الثِّمَارِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ لِلرَّجُلِ ثِمَارٌ مِنْ أَجْنَاسٍ فِي حَائِطٍ وَاحِدٍ، قُبِلَ الصَّلاحُ فِي جِنْسٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الجِنْسِ فِي ذَلِكَ الحَائِطِ، وَلَا يَكونُ بُدرُّ الصَّلاحِ فِي جِنْسِ آخَرَ مِنْ ثَمَرَةِ ذَلِكَ الحَائِطِ. وقال مالكٌ: إِذَا بَدَا الصَّلَاحُ في جِنْسٍ كَانَ بُدُرُّ الصَّلاحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الجِنْسِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ (١). دَلِيلُنَا: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ) (٢)، وَعِنْدَ مَالِكٍ: يَجُوزُ بَيْعُ الْعِنَبِ فِي حَائِطٍ قَبْلَ أَنْ يَسْوَدَّ إِذا اسْودَّ فِي حَائِطٍ آخَرَ.

стр. 1934

وقوله: (وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ) (١)، أَيْ: لَا تُفَضِّلوا، وَفِي الحَدِيثِ: (نَهَى عَنْ شَفِّ مَا لَم يُضْمَن) (٢)، الشِّفُّ: الرِّبْحُ، ومِنْهُ الحَدِيثُ: (فَمَثَلَهُ كَمَثَلِ مَالٍ لَا شِفَّ لَهُ) (٣)، وَالشِّفُّ: النُّقْصَانُ أَيْضًا، وَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ. وفي حَديثِ الصَّرْفِ: (فَشَفَّ الخَلْخَالَانِ نَحْوًا مِنْ دَانِقٍ، فَقَرَضَهُ) (٤)، أَيْ:

стр. 1935

فَزادَ الخلخَالَانِ. يقالُ: شَفَّ يَشِفُّ: إِذَا زَادَ، هَذَا دِرْهَمٌ يَشِفُّ قَليلًا، أَيْ: يَنْقُصُ. وأَمَّا قَوْلُهُمْ: شَفَّ الثَّوبَ عَن الْمَرْأَةِ يَشِفُّ شُفُوفًا: إِذَا بَدَا مَا وَرَاءَهُ مِن خَلفِهَا، ومِنْهُ حديثُ عُمرَ ﵁: (لا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْقِبَاطِيَّ إِنْ لَا يَشِفُّ، فَإِنَّه يَصِفُ) (١). القِبَاطِي: ثِيابٌ رِقاقٌ ضَعِيفَةُ النَّسْجِ، فإذَا لَبِسَتهَا الْمَرْأَةُ لَصَقَتْ بِأَرْدَافِهَا فَوَصَفَتْهَا، فَنَهَى عُمَرُ ﵁ عَنْ لَبْسِهَا، وَأَحَبَّ أَنْ يُكْسَيْنَ الثِّخَانَ الْغِلَاظٌ. وأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرعٍ: (وإنْ شَرِبَ اشْتَفَّ) (٢)، أَيْ: شَرِبَ مَا فِي الإِنَاءِ كُلِّهِ. وفِي الأمْثَالِ: (لَيْسَ الرَّيُّ عَن التَّشَافِ) (٣)، أَيْ: لَيْسَ مَنْ لَا يَشْرَبُ جَمِيعَ

стр. 1936

مَا فِي الْإِنَاءِ لَا يُرْوَى، يُقَالُ: تَشَافَفْتُ مَا فِي الإِنَاءِ وَاشْتَفَفْتُهُ. والشُّفَافَةُ: الفَضْلَةُ الَّتِي تَبْقَى فِي الإِنَاءِ، وشُفَافَةُ النَّهَارِ: بَقِيَّتُهُ، وفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: (كَادَتِ الشَّمسُ أَنْ تَغْرُبَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا شِفٌّ) (١) أَيْ: إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ. وقَوْلُهُ: (وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنهَا بِنَاجِزٍ) (٢)، النَّاجِزُ: الحَاضِرُ، وفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (إِلَّا نَاجِزًا بِنَاجِزٍ) (٣)، أي: حَاضِرًا بِحَاضِرٍ، يَعْنِي: فِي الصَّرْفِ، يَقُولُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا كَذَلِكَ. يقالُ: نَجَزَ يَنْجُزُ إِذَا حَضَرَ وحَصَلَ، وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ: إِذَا أَحْضَرَهُ. والْمُنَاجَزَةُ في الحَرْبِ: الْمُبَارَزَةُ، قَالَ (٤): [مِنَ الكَامِل] فَلَنَأْكُلَنَّ بِنَاجِرٍ مِنْ مَالَنَا … ولَنَشْرَبَنَّ بدين عَامٍ قَابِل أي: بحَاضِرٍ مِن مَالنَا. قال صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٥): (نَاجِزًا بِنَاجِرٍ) مِثْلَ قَوْلِهِ: (يَدًا بِيَدٍ).

стр. 1937

وَأَمَّا الْمُزَابَنَةُ: فَبَيْعُ الثَّمْرُ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَينِ يَزِبنُ صَاحِبُهُ عَن حَقِّهِ. وَقِيلَ: إِذَا وَقَفَا عَلَى الْعَيْبِ تَدَافِعًا، فَحَرَصَ الْبَائِعُ عَلَى إِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وحَرَصَ الْمُشْتَرِي عَلَى فَسْخِهِ ورَدّهِ، قَالَ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] ............. … إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبونِ يعنِي الدُّفوُعُ. وقِيلَ: سُمِّيَ الزَّبَانِيَّةُ زَبَانِيَّةً لِدَفْعِهِم بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ، يقالُ لِلشُّرَطِ زَبَانِيَّةٌ، وَشَبَّهَ الشَّاعِرُ الْحَرْبَ بِالنَّاقِةِ الزَّبُونِ، وهِيَ الَّتِي تَزْبُنُ حَالِبَهَا، قَالَ: [مِنَ الرَّجَزِ] تَزْبُن بالأَخْفَافِ وَالْمَنَاسِم (٢) … ....................... وَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: (حَتَّى تُشْقِحَ) (٣)، قيلَ: إِذَا تَغَيَّرَتِ البُسْرَةُ إِلَى الحُمْرَةِ، قِيلَ: أَشْقَحَتْ. وقالَ صَاحِبُ الْمجْمَلِ (٤): تَشقِيحُ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يُشْقِحَ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَزْهُو،

стр. 1938

والشُّقَّاحُ: نَبْتٌ أَحْمَرُ. وفِي الحَدِيثِ: (أَتَى يَحْيَى بنُ أَخْطَبَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ شَقحِيَّة) (١). قال ابن قُتَيْبَةَ (٢): يعنِي حَمْرَاء. وأمَّا حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁: (مَنْ بَاعَ نَحْيلًا قَدْ أُبِّرَتْ) (٣). قالَ أَهلُ الفِقهِ (٤): إِذَا باعَ الرَّجُلُ نَخْلًا عَلَيْهَا طَلْعٌ لم يخلُ: إمَّا أنْ يكونَ الطَّلِعُ قدْ أُبِّرَ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّر، والتَّأبِيرُ: أَنْ يُشَقَّ طَلْعُ الإناثِ، ويُؤْخَذَ مِنْ طَلْعِ الفَحْلِ، وَيُتْرَكَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلكَ صَلَاحًا بِإِذْنِ الله. فَإِذَا كَانَ مُؤَبَّرًا يَكونُ الطَّلَعُ لِلبَائعِ، ولا يَتْبَعُ الأَصْلَ فِي الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَكُونَ لَهُ بِالشَّرْطِ، وذلك لأنَّ الطَّلْعَ نَمَاءُ النَّخْلِ، وَالنَّمَاءُ إِذَا ظَهَرَ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا لَم يَكن ظَاهِرًا تَبِعَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الحَمْلَ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ يَتَبَعُ الأَصْلَ فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا انْفَصَلَ وَظَهَرَ لَمْ يَتْبَعُهُ، كَذَلِكَ الطَّلْعُ إِذَا كَانَتِ التَّمْرَةُ قَدْ أُبِّرَتْ. فَإِذَا لَمْ تُؤَبَّرْ فَإِنَّهَا تَتْبَعُ الأَصْلَ فِي الْبَيْعِ، فَتَكُونُ لِلْمُتَاعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ البَائِعُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا تَتْبَعُ الأَصْلَ، وَتَكُونُ لِلْبِائعِ إلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.

стр. 1939

ودَلِيلُ الشَّافِعِيِّ (١): الخبرُ، ولأنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ، فَوجَبَ أَن يَتْبَعَ الأَصْلَ، كالحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرِعِ. ومن باب: المحَاقَلَة المُحَاقَلَةُ: بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَقْلِ، يُقالُ: لَا تُنْبِتُ البَقْلَةَ إلَّا الحَقْلَةُ، أي: الزَّرْعَة. وقيلَ: المحَاقلَة اكْتِراءُ الأَرْضِ بالحِنْطَةِ، رُوِيَ ذَلكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الحدِيثِ (٢). وقالَ قومٌ: هِي الْمُزَارَعَةُ بالثَّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ. وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ الْبُرِّ وَهُوَ فِي سُنْبُلِهِ بِالبُرِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَقْلِ، وهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ: القِراح. وفِي الحدِيثِ: (مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ) (٣)، أَيْ: بِمَزَارِعِكُم، يقالُ: حَقَلَ إِذَا زرَعَ.

стр. 1940

وقيلَ: إِنَّما وَقَعَ الحَظْرُ فِي الْمُحَاقَلَةِ والْمُزَابَنَةِ لأنَّهُمَا مِنَ الْمَكِيلِ، وَلَيْسَ يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونُ إِذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيَدًا بِيَدٍ. * وفِي حَدِيثِ زيدِ بن ثَابِتٍ ﵁: (كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ الْمُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَارَ الدُّمَانُ) (١). قَوْلُهُ: (جَدَّ النَّاسُ) أي: قَطَعُوا ثِمَارَهُمْ، يُقَالُ: جَدَّ التَّمْرَةَ يَجُدُّهَا جَدًّا، وفِي الحدِيثِ: (نَهَى عَنْ جِدادِ اللَّيل) (٢)، الجِدَادُ: الصَّرَامُ. وإِنَّما نَهَى عَن ذَلكَ لِمَكَانِ الْمَسَاكِينِ، لأنَّهم يَحْضُرُونَ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ (٣)، لِقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤).

стр. 1941

وفِي حَديثِ أبي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: (إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَ عِشْرِينَ وسْقًا مِنَ النَّحْلِ، وَبِوُدِّي أَنَّكِ كُنْتِ حُزْتِيهِ، فَأَمَّا اليَوْمَ؛ فَهُوَ مَالُ وَارِثٍ) (١). قيلَ (٢): كَانَ نَحَلَهَا فِي صِحَّتِهِ نَخْلًا، كَانَ يَجُدُّ مِنهُ فِي كُلِّ صرامٍ عِشرونَ وَسَقًا، وَلَم يَكُنْ أَقْبَضَهَا مَا نَحَلَهَا، [حتَّى] (٣) إِذَا مَرِضَ رَأَى النَّخْلَ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُوضٍ غَيْرُ جَائِزٍ، فَأَعْلَمَهَا أَنَّ وَرَثَتَهُ شُرَكَاؤُهَا فِيهِ. وقوله: (حُزْتِيهِ) تَوَلَّدَتِ الْيَاءُ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرِةِ، وَهِي لُغَةٌ قَوْمٍ. وَأَمَّا (الدُّمَان) قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (٤): الدُّمَانُ عَفَنٌ يُصِيبُ النَّخْلَة، والدَّمْن: مَا تَلَبَّدَ مِن السِّرْجِين. وقال الأصمُعِي (٥): إِذَا نَسَغَتِ النَّخْلَة عَن عَفَنٍ وَسَوَادٍ قِيلَ: أَصَابَهَا الدُّمَانُ، وَأَنْسَغَتْ، أي: اسْتَرْخَتْ أُصُولُها، وَأَخْرَجَتْ قَلْبَهَا عَلَى تِلْكَ الحَالِ.

стр. 1942

قالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ (١): النَّسْعُ: مَا يَخْرُجُ مِن الشَّجَرَةِ إِذا قُطَعَتْ. والقَلْبُ: شَحْمَة النَّخْلِ، وهِي شَظِيَّةٌ بَيْضَاءُ فِي وَسَطِهَا. وقالَ صاحِبُ المُجْمَلِ (٢): قُلْبُ النَّخْلَةِ وَقَلْبُها: مَا فِي وَسَطِهَا، والجَمْعُ: قِلَبَةٌ. وقَوْلُهُ: (أصَابَهُ مُرَاضٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ آفَةٌ، وَالْمَرَضُ: مَا يَخْرُجُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّة. وَقَوْلُهُ: (فإمَّا لَا) أَيْ: فإِنْ لَا تَتْرَكُوا هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ، فَلَا تَبْتَاعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُ الثِّمَارِ، وقدْ تُكتَبُ (لَيْ): بِلامٍ وياءٍ، وتَكُونُ (لَا) مُمَالةً. ومِنْهُم مَنْ يَكْتُبُهَا بالألِفِ، ويَجْعَلُ عَلَيْهَا فَتْحَةِ مُحرَّفَةً عَلامَةً لِلإِمَالَةِ، فَمَنْ كَتَبَ بِاليَاءِ اتَّبَعَ لَفْظَ الإِمَالَةِ، وَمَنْ كَتَبَ بِالأَلِفِ اتَّبَعَ أَصْلَ الْكَلِمَة (٣). ومن باب: بَيعُ العَرايَا قالَ أَهلُ اللُّغَة (٤): العَرايَا جمعُ العَريَّة، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَة، مِنْ: عَرَاهُ يَعْرُوهُ.

стр. 1943

وَقِيلَ: هُوَ مِنْ: عَرِيَ يَعْرَى، كَأَنَّها عُرِّيَتْ مِن جُمْلَةِ التَّحْرِيم فَعريَتْ أي: خَلَتْ وخَرجَتْ، فَهِي فَعِيلَةٌ بمعنَى فَاعِلَةٍ. (نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ) (١): وهُو بَيْعُ الثَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ فِي الْعَرَايَا. قيل (٢): وذَلكَ أَنَّ مَن لَا نَخْلَ لَهُ مِنْ ذَوِي الُّلحْمَةِ وَالحَاجَةِ، يَفْضُلُ لَهُ مِن قُوتِهِ التَّمْرُ، فَيُدْرِكُ الرُّطَبَ ولَا نَقْدَ فِي يَدِهِ يَشْتَرِي بِهِ الرُّطَبَ لِعِيالِهِ، وَلَا نَخِيلَ لَهُ، فَيَجِيءُ إِلَى صَاحِبِ النَّخْلِ، فَيَقُولُ لَهُ: بِعْنِي ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخْلَتَيْنِ بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الفَضْلَ مِنَ التَّمْرِ بِثَمَرِ تِلْكَ النَّخْلَاتِ لِيُصِيبَ مِنْ أَرْطَابِهَا مَعَ النَّاسِ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جُمْلَةِ مَا حُرِّمَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. فَأَمَّا ما زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: بَيْعُ الرُّطَبِ علَى رُؤوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى الْأَرْضِ بالخَرْصِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ، فَأَمَّا مَا زادَ علَى خَمسةِ أوسُقٍ فإِنَّهُ لَا يجوزُ (٣). وذَهَبَ مَالكٌ (٤) إلى أنَّ الْمُرَادَ بذَلكَ: أَنَّ الرَّجلَ إِذَا كَانَ لَهُ بُستانٌ فَوهَبَ مِن ذَلكَ نخْلةً لِرجُلٍ فَالهِبَةُ تَلْزَمُ عِنْدَهُ بِنَفْسِ العَقْدِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَى

стр. 1944

الْوَاهِبِ دُخُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلَى الْبُسْتَانِ لالْتِقَاطِ الثَّمَرِ، لَاسِيمَا الْعَرَب؛ فَإِنَّ عَادَتَهُم أَنْ يَنتَقِلُوا بِأَهْلِهِمْ وَعِيَالِهِم فِي وَقْتِ الثَّمَرِ إِلَى الْبَسَاتِينِ، فَيَجُوزُ لِلوَاهِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ الرُّطَبَ الَّذِي عَلَى النَّخْلَةِ الَّتِي وَهَبَهَا مِنْهُ بِالتَّمْرِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَبْتَاعَ ذَلِكَ. فمَالكٌ يُجَوِّزُ [بيعَ] (١) العَرايَا، لَكِن مِنَ الوَاهِبِ دُونَ غيرِهِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): الْمُراد بذلِكَ أَن يَهَبَ رَجُلٌ مِن رَجُلٍ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ مِنْ بُسْتَانِهِ ولَم يَقْبِضْهُ، فَالْهِبَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ في حَقِّ الْوَاهِبِ، فَكَانَ يَشْقُّ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَوهُوبِ لَهُ إِلَى بُسْتَانِهِ لالْتِقَاطِ الثَّمَرةِ، فَكَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِه، فقالَ لَهُ: أَنَا أَدْفَعُ إِلَيْكَ بَدَلَ النَّخْلَةِ تَمْرًا، فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، لَا أَنَّهُ بَيْعٌ فِي الحَقيقَةِ. ودَليلُ الشَّافِعِيِّ: مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بن أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ، إِلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي العَرايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطبًا) (٤)، فَقَدْ أَجَازَ بَيْعَ العَرِيَّة. وَمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَة لَيْسَ بِمَبِيعٍ، وَالاحْتِجَاجُ عَلَى مَالِكٍ أنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ عَلَى العُمُومِ، ومَالكٌ يُجِيزُهُ عَلَى الخصُوصِ فَيَجِيزُهُ مِنَ الْمُغْرِي دُونَ غَيْرِهِ.

стр. 1945

وَيَجُوزُ بَيْعُ العَرايَا مِنَ الغِنَيِّ والْفَقِيرِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا مِن الفَقِير (١). كَيْفِيَّةُ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ: أَنْ يَجِيئَ الخَارِصُ إِلَى النَّخْلَةِ فَيَنْظُرَ كَمْ قَدْرُ مَا فِيهَا مِن الرُّطَبِ؟ وَكَمْ يَجِيئُ مِنْهُ تَمرًا؟ ثُمَّ يَبِيعَهُ مِثْلَ مَا يَجِييُّ مِنْهُ تَمْرًا بِالكَيْلِ عَلَى الأَرْضِ، وَيُحْضِرَ الثَّمَنَ وَيُقْبِضَهُ إِيَّاهُ بالكَيلِ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عَنِ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لأنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بمَطْعُومٍ. ومن باب: إذَا أرَادَ بَيْعَ تَمرٍ بِتَمْرٍ خَيرٍ مِنهُ قَوْلُهُ: (فَجَاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) (٢)، أَيْ: بَتَمْرٍ غَرِيبٍ غَيْرِ التَّمْرِ الَّذِي كَانُوا يَعْهَدُونَهُ وَيَأْكُلُونَهُ (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (٤)، هُوَ الغَرِيبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ (٥) أَيْ: عَنْ بُعْدٍ. ومن باب: بَيعُ المُخَاضَرَة قالَ أَهلُ اللُّغة (٦): الْمُخَاضَرَة بَيْعُ الثِّمارِ وهِي خُضْرٌ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا،

стр. 1946

ويُقَالُ لِلْبُقُول: الخَضْراء. قالَ مُجَاهِدٌ: (لَيْسَ فِي الخَضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ) (١)، يَعْنِي: التُّفَّاحَ وَالْكُمَّثَرَى، وَمَا أَشْبَهَهُمَا. وفي الحدِيثِ (تَجَنَّبُوا مِن خَضْرَائِكُمْ ذَوَاتِ الرِّيحِ) (٢)، يَعْنِي: الثُّومَ والْبَصَلَ والكُرَّاثَ. ومن باب: بَيعُ الجُمَّار * حدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ حَدِيثُ الغَارِ (٣). (فَأَحْلِبُ فَأَجِيئُ بِالحِلَابِ) الْمِحْلَبُ: الإِناءُ الَّذِي تُحْلَبُ فِيهِ ذَوَاتُ الأَلبَانِ. وَقَوْلُهُ: (يَتَضَاغَوْنَ) يتَفَاعَلُونَ مِن الضُّغَاءِ، قالَ أَهلُ اللُّغَة (٤): الضُّغَاءُ: الصَّوْتُ.

стр. 1947

قَالَ صَاحِبُ الْغَريبَيْنِ: " (وَصِبْيَتِي يَتَضَاغَوْنَ حَولِي)، أَيْ: يَصُوتُونَ بَاكِينَ" (١). وقَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا)، أَيْ: حَالِي وَحَالَهُمَا. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (٢): الدَّأْبُ: العَادَةُ وَالشَّأْنُ. وانْتِصَابُ (دَأْبَهُمَا) عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ (لَمْ يَزَل). و (الفَرَقُ) مِكْيَالٌ، وفِيهِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الرَّاءِ، والسُّكونُ، والفَتْحُ أَفْصَحُ. وفي الحدِيثِ: (مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ) (٣)، وهُو سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا. قال خِدَاش (٤): [مِنَ الرَّمل] يَأْخُذُونَ الْأَرْشُ فِي إخْوَتِهِم … فَرَقَ السَّمْنِ وَشَاةً في الغَنَمِ ومن باب: الشِّراءُ والْبَيْعُ مَعَ الْمُشْرِكِين قولهُ: (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ) (٥)، يقالُ: رَجلٌ مُشْعَانُّ الرَّأْسِ

стр. 1948

أَيْ: مُنتَفِشُ الشَّعَرِ، وشَعْرٌ مُشْعَانٌّ، وهُو الثَّائِرُ الْمُتَفَرِّقُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): فُلانٌ مُشْعَانُّ الرَّأْسِ إِذَا كَانَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يَعْنِي: شَعَرهُ. واشْعِينَانُ الشَّعْرِ: تَفَرُّقُه. وقوله: (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: أَتَبِيعُ بَيْعًا؟ أمْ تُعْطِيهِ عَطيَّةً؟ أَوْ تَهَبُ هِبَةً؟ (قَالَ لَا، بَلْ بَيْعٌ) أَيْ: بَلْ هُوَ بَيْعٌ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٌ. ومن باب: شِراءُ الممَالِيكِ مِن الحربِي * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فِي ذِكْرِ سَارَةَ وَهَاجَر (٢). قَوْلُهُ: (فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) يُقَالُ: غَطَّ الْمَخْنُوقُ: إِذَا سُمِعَ غَطِيطُهُ، وَكَذَلِكَ غَطَّ الْمَذْبُوحُ. وقوله: (ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أَيْ: رُدُّوهَا. وهَذهِ الكَلِمَة تَأْتِي مُتَعدِيَّةً، وَتَأْتِي لَازِمَةً، يُقَالُ: رَجَعَ رُجُوعًا، وَرَجَعْتُهُ رُجُوعًا، وَرَجَعْتُهُ أَنَا رَجْعًا، قال (٣): [مِنَ الْهَزج]

стр. 1949

عَسَى الأَيَّامُ أَنْ يَرْجِعُ … ن قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا وَقَوْلُهُ: (وَأَخْدَمَ وَليدَةً) الْوَلِيدَةُ: الجَارِيَةُ، يُرِيدُ الأَمَةَ. وَ (أَخدَمَ) يَعْنِي مَكَّنَ مِنَ الخِدْمَة، أَيْ: أَعْطَاهَا وَلِيدَةً تَخْدُمُهَا. وَ (هَاجَرُ): اسْمُ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ ﵇. وَقَوْلُه: (أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ أَوْ أَتَحَنَّتُ) (١)، المحفُوظُ بِالحَاءِ، ومَعْنَاهُ: أَتَجنَّبُ الإِثْمَ، يُقالُ: تَأَثَّمَ، أَي تَجَنَّبَ الإِثْمَ، وَتَحنَّثَ: تَجَنَّبَ الحِنْثَ. وفِي حَدِيثِ غَارِ حِراءٍ: (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي) (٢)، أَيْ: يَتَعَبَّدُ. قالَ ثَعلبُ (٣): يَتَحنَّثُ أيْ: يَفْعَلُ فِعْلًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الحِنْثِ. قالَ أَهلُ اللُّغة (٤): الحِنْثُ الذَّنْبُ، وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِير: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (٥)، أي: علَى الإِثْمِ الْعَظيمِ (٦). وقيلَ: يَخْرُجُ، وَيُلْقِي الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ.

стр. 1950

وفي الحديث: (مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَم يَبْلُغُوا الحِنْثَ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجنَّةِ شَاءَ) (١)، قالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ (٢): مَعْنَاه: قَبلَ أَنْ يَبْلُغُوا، فَيُكْتَبَ عَلَيْهِمُ الإِثْمُ. ويُقَالُ: حَنَثَ فِي يَمِينِهِ، أَيْ: أَثِمَ، وَقِيلَ: الحِنْثُ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَبِهِ سُمِّيَ الذَّنْبُ حِنْثًا. وَيُقَالُ: بَلَغَ الْغُلامُ الحِنْثَ، أَيْ: الحَدَّ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. ومن باب: قَتلُ الخِنزِيرِ قَوْلُهُ: (لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا) (٣)، أي: حَاكمًا عادِلًا. يُقَالُ: أَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقَسَطَ إِذَا جَارَ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وَالقَسْطُ: الجَوْرُ، يُقَالُ: قَسَطَ إِذَا عَدَلَ عَنِ الحَقِّ قُسُوطًا. وَقَوْلُهُ: (وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ) يَعْنِي: يُحَرِّم أَكْلَ الخِنْزِيرِ، فَيَقْتُلُهُ وَيُفْنِيهِ. وَقَوْلُهُ: (وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ) الْوَضْعُ هَا هُنَا بِمَعْنَى الرَّفْعِ، أَيْ: يَحْمِلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى الإِسْلامِ فَيُسْلِمُونَ، فَيُسْقِطُ عَنْهُمُ الجِزْيَةَ.

стр. 1951

ومن باب: لا يُذَابُ شَحِمُ الميِّتَة قولهُ: (فَجَمَلُوهَا) (١)، يَعْنِي: أَذَابُوهَا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: (أَجْمَلُوهَا)، وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ: جَمَلُوهَا. وقَالَ أهلُ اللُّغة (٢): الجَمِيلُ: مَا أَذْبَتَ مِنَ الشَّحْمِ، وَالْحَمُّ: مَا أَذَبْتَ مِنَ الأَلْيَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٣): الجَمِيلُ: الشَّحْمُ الْمُذَابُ. ومن باب: بَيعُ التَّصَاوِيرِ (فربَا الرَّجُلُ رَبْوَةً) (٤) يقالُ: رَبَا الإِنْسَانُ وَالْفَرَسُ: أَصَابَهُ الرَّبو، قال (٥): [مِنَ الرَّجَز] حَتَّى عَلَا رَأْسَ يَفَاعٍ فَرَبَا … رَفَّهَ عَنْ أَنْفَاسِهَا وَمَا رَبَا يُقَالُ: رَبَا الرَّابِيَّةَ يَرْبُو إِذَا عَلَا. وَقَوْلُهُ: (وَمَا رَبَا) أَيْ: وَمَا أَصَابَهُ. فِي حَدِيثٍ عَائِشَةَ ﵂: (مَالَكِ حَشْيَا رَابِيَةً؟) (٦)، الرَّابِيَةُ: الَّتِي أَخَذَهَا

стр. 1952

الرَّبْوُ، أَيْ: عَلَاهَا النَّفَسُ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وكَذَلِكَ الحَشْيَاءُ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَشْيَانُ، وامْرَأَةٌ حَشْيَا. وَالحَشَا: البُهْر، أي: مَالَكِ قَدْ وَقَعَ الرَّبْوُ عَلَيْكِ. يقالُ: رَجلٌ حَشْيَانُ وَحَشٍ، وَامْرَأَةٌ حَشْيَا وَحَشِيَّةٌ. ومن باب أَمرُ النَّبِيِّ ﷺ اليَهُودَ بِبَيْعِ أَرضِهِم وباب بَيْعِ العَبِيدِ والحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً * حديثُ رَافِع بن خَدِيجٍ: (اشْتَرَى بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ، فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ: آتِيكَ بِالْآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللهُ) (١). أي: مِن غَيْرِ احْتبَاسٍ فِيهِ، وَغَيْرِ تَشَدُّدٍ، يقَالُ: افْعَل ذَلِكَ سَهْوًا رَهْوًا، أَيْ: سَاكِنًا. ومن باب هَلْ يُسَافِرُ بالجَارِيَة قَبلَ أَنْ يَسْتَبرئُهَا؟ إذَا ابْتَاعَ رَجلٌ جَارِيَةً فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَبْرِئَهَا، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ، فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعَلَى الْبَائِعِ مَعًا. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﷺ : (لَا تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ) (٢).

стр. 1953

فَالاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، لأنَّه وَطْءٌ فِي مِلْكٍ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الاِسْتِبْرَاءُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ كَوَطْءِ الزَّوْجِ. وَالدَّلَالَهُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الاسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِمَا هُوَ أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِزِوَالِ الْمِلْكِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبْرَاءً وَاحِدًا قِيَاسًا عَلَى اسْتِبْرَاءِ الزَّوْجَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَستَبْرِئُ بِقَرْءٍ وَاحِدٍ، وَهَلْ ذَلِكَ طُهرٌ أَوْ حَيْضٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (١): أحَدُهُما: أَنَّهُ حَيْضُ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ. والثَّانِي: أَنَّهُ طُهْرٌ كَاسْتِبْرَاءِ الزَّوْجَةِ. فإذَا ثَبَتَ هذَا فَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا فِي مُدَّةِ الاِسْتِبْرَاءِ، وَلَا قُبْلَتُهَا

стр. 1954

وَلَمْسُهَا وَوَطْؤُهَا دُونَ الفَرْجِ؛ لأَنَّها رُبَّما تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِلبَائِعِ، فَيُوَاقِعُ مَحْظُورًا. وتُفَارِقُ الْمَسْبِيَّةَ حَيْثُ أَجَزْنَا لَهُ ذَلكَ؛ لأنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، فَلِهَذَا أُحِلَّ لَهُ قُبْلَتُهَا وَلَمْسُهَا، ولا يَصِحُّ الاِسْتِبْراءُ قَبْلَ القَبْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً)، فَمَنَعُهُ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى تُسْتَبْرَأ، والْمُشْتَرِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الوَطْءِ قَبْلَ القَبْضِ، فَلَا يَصِحُّ نَهْيُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ. وقالَ مالكٌ (١): إِنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ وَخْشَةً ذَمِيمَةً سُلَّمَتْ إِلَى الْمُشْتَرِي، وإِنْ كَانَت جَميلةً دُفِعَتْ إِلَى إِنْسَانٍ ثِقَةٍ حَتَّى تُسْتَبَرَأ. والدَّلَالَةُ علَى مَالِكٍ: أَنَّهُ أَوْجَبَ الاسْتبِرَاءَ عَلَى مَنْ مَنَعَهُ مِنَ الوَطْءِ، وَإِنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ في يَدِهِ، وَلأَنَّهُ اسْتِبْرَاءُ لاسْتِحْدَاثِ مِلْكٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَالِكِ كَمَا لَوْ كَانَتْ وَخْشَةً ذَمِيمَةً. * وفي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَه بِعَبَاءةٍ) (٢). قَوْلُهُ: (يُحَوِّي)، أَيْ: يَجْعَلُ حَوِيَّةً، وَهُوَ أَنْ يُدِيرَ كِسَاءً حَوْلَ السَّنَامِ، ثُمَّ يَرْكَبَ.

стр. 1955

وَ (الْعَبَاءَةُ): الْكِسَاءُ الصَّغِيرُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): الحَوِيَّةُ: كِسَاءُ يُحَوَّى حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ. ومن باب بَيعُ الميتَة والأصْنَامِ قولُهُ: (أَجْمَلُوهُ) (٢)، هِي لُغَةٌ فِي جَمَلُوهَ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ومَعْنَاهُ: أَذَابُوهُ. وَقَوْلُهُ: (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) الاِسْتِصْبَاحُ: اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ السِّرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَصْبَحَ الْقَوْمُ، أَيْ: طَلَبُوا الضِّياءَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٣)، أَيْ: سِرَاجٌ، وَالْمَعْنَى: يَجْعَلُونَها فِي سُرُجِهِمْ يَسْتَضِيؤُونَ بِهَا. ومن باب: ثَمنُ الكَلْبِ * حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) (٤). (حُلْوَانِ الكَاهن): مَا يُعْطَى عَلَى كِهَانَتِه، يُقَالُ: حَلَوْتُهُ أَيْ: أَعْطَيْتُهُ، قَالَ (٥): [مِنَ الطَّوِيل]

стр. 1956

أَلَا رَجُلٌ أَحْلُوهُ رَحْلِي وَنَاقَتِي … [يُبلِّغُ] (١) عَنِّي الشِّعْرَ إِذْ مَاتَ قَائِلُه وقالَ بَعضُهُمْ: الحُلْوَانُ: الرَّشْوَة. وَ (مَهْرُ الْبَغِيِّ): أُجْرَتُهَا عَلَى الْبِغَاءِ. * وفِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ) (٢). قولُهُ: (كَسْبِ الْأَمَةِ) لَفظُهُ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُفَسَّرٍ، وإِنَّمَا نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ إِذَا كَانَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحِلُّ، يَدلُّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَمَلٌ وَاصِبٌ، أَوْ كَسْبٌ يُعْرَفُ)، رَوَاهُ العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة (٣). ورُوِيَ مِن حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ حتَّى يُعْلَمَ مِن أَيْنَ هُو؟) (٤)، فَقَدْ بَانَ بهذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهَا كَسْبٌ يُعْلَمُ فَلَيْسَ ذَلِكَ

стр. 1957

بِدَاخِلٍ فِي هذا. ورُويَ عَن طَاووسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : (كَسْبُ الأَمَةِ سُحْتٌ، إِلا أَن يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ طَيِّبٍ) (١). والدَّلِيلُ علَى مَا قُلْنَاهُ، وَأنَّ النَّهْيَ عَن ذَلِكَ إنَّما هُوَ مَخَافَةَ أَنْ تَكْسِبَ بِبَغَاءِ، مَا رُوِيَ عَن عُثمَانَ ﵁: (لَا تُكَلَّفُ الأمَةُ غَيْرُ ذَاتِ الصَّنْعَةِ بِالْكَسْبِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أنْ تَكْسِبَ بِفَرْجِهَا) (٢). وقَوْلُهُ: (وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) الْوَاشِمَةُ: الَّتِي تَغْرِزُ ظَهْرَ كَفِّهَا (٣)، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: الَّتِي تَسْأَلُ أَنْ يُفعَلَ بِهَا ذَلِكَ. وقوله: (ونَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) كلُّ مَا كَان نَجِسًا فَلَا يَجوزُ بَيْعُهُ، وَلَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ.

стр. 1958

وقالَ أَبُو حَنِيفَة: يَجُوزُ بَيْعُهُ، ويَحِلُّ ثَمَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ) (١). وهذا مُحرَّمٌ، فَكَأَنَّهُ يُحَرِّمُهُ حَرامًا. وبَيعُ الكَلْبِ حَرَامٌ، وَثَمنُهُ حَرَامٌ. ومَذْهَبُ الشَّافِعِي (٢) أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ إِلَّا لصَاحِبِ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ حَرْثٍ. وأمَّا قولُهُ: (فَسَأَلْتُهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) (٣)، كأَنَّهُ يُشيرُ إِلَى أَنَّ كَسبَ الحَجَّامِ خَبيثٌ، رويَ عَن رَافِعِ بن خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (شَرُّ الكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وثَمنُ الكَلْبِ، وكَسْبُ الحجَّامِ) (٤). أبَاحَ جَمَاعَةٌ كَسْبَ الحَجَّامِ اسْتِدلالًا بحدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ خَبِيئًا لَم يُعْطِهِ) (٥).

стр. 1959

وفي رِوايةٍ: (ولَوْ كَانَ حَرامًا لَم يُعْطِهِ) (١). قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِنَّمَا أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ إِنْفَاقَ كَسْبِ الحَجَّامِ عَلَى الرَّقِيقِ بِعِلَّةِ الاحْتِيَاجِ، وقَدْ يُبَاحُ الشَّيْءُ لِلْمُحتاجِ إِلَيْهِ لِعِلَّةِ الحَاجَةِ، وَيُحْظَرُ عَلَى الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ لِعِلَّةِ الاِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، فَلَفْظُ الخَبَرِ مُجْمَلٌ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ، رُوِيَ عَنْ حَرَامِ بن مُحَيْصَةَ عَنْ أَبِيهِ: (أنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَجْرِ الحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَشَكَا مِنْ حَاجَتِهِم، فقالَ: اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقَبَتَكَ) (٢).

стр. 1960

وفي رِوايةٍ: (فَقالَ: إِنَّهُ مُحتاجٌ إليهِ، فَقَالَ: فَأَعْلِفُوهُ نَاضِحَكُم) (١). وفي رواية: (قال: أعلِفْهُ النَّاضِحَ، اجْعَلُوهُ فِي كَرْشِهِ) (٢). قالَ: وقَدْ رُويَ عَن النَّبيِّ ﷺ : (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِن الجمْرِ) (٣). دلَّ أَنَّ التَّكَثُّرَ مِن ذَلِكَ هُوَ الْمَحْظُورُ، لَا مَا يَأْخُذُهُ الْمُعْطَى عَلَى وَجْهِ الاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ: (إِنَّ الرَّجلَ يَأتِينِي فَيَسْأَلْنِي فَأُعْطِيهِ، فَأَجْعَلُ فِي ثَوبِهِ نَارًا، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ بِنَارٍ) (٤). وهذَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُعطِي أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا وَجَائِزٌ لِلْمُعْطَى أَخْذُهُ، وَحَلالٌ لَهُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ وَيَمْلِكَهُ، وهذَا كُلُّه يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ كَسْبِهِ لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ.

стр. 1961

وَفِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ دَليلٌ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ. وَبَيْعُ الْأَصْنَامِ فَاسِدٌ مَا دَامَ صُورًا مُصَوَّرةً، فَإِذَا طُمِسَتْ صُوَرُهَا فَإِنَّ بَيْعَ أُصُولِهَا جَائِزٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي اللَّهْوِ كَالطَّنَابِيرِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطُّبُولِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلَّهْوِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَإِذَا حُلَّتْ عَنْهَا أَوْتَارُهَا وَغُيِّرَتْ عَنْ هَيْئَاتِهَا فَصَلُحَتْ لِلانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْمُبَاحِ جَازَ بَيْعُهَا. وَقَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) ثَمنُ الدَّمِ حَرَامٌ، لأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ مُحَرَّمٌ، فَثَمَنُهُ محرَّمٌ. ومن بَابِ السَّلَمِ الأصْلُ في جَوازِ السَّلَمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). وَالدَّيْنُ إِلَى الْأَجَلِ إِنَّما يَكُونُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّ الأَجَلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْقَرْضِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْبَيْعِ وَفِي السَّلَمِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) (٢). وفي رِوَايَةٍ: (مَنْ أَسْلَفَ [فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ] (٣) فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ

стр. 1962

مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) (١). قالَ أهلُ اللغة (٢): سَلَّفْتُ وأَسْلَفْتُ وأَسْلَمْتُ، وَالسَّلَفُ: السَّلَمُ مِن أَسْلَمتُ. والسَّلَفُ في اللُّغة: مَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ آبَائِكَ وَذَوِي قَرَابَتِكَ، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتَهُ. والسَّلَفُ يَقَعُ عَلَى الْقَرْضِ أَيْضًا. قالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): الْمُسْلَمُ فِيهِ أَحَدٌ عِوَضَيِ الْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمنِ فِي بُيوعِ الأعيانِ. ويجُوزُ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ في السَّلَم، أَمَّا الرَّهْنُ فَالدَّليلُ عَلَيْهِ قِولُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤)، فَأَجَازَ أَخْذَ الرَّهْنِ علَى الْمُدَايَنَة، وعُمُومُهَا قَدْ تَنَاوَلَ السَّلَفَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الضَّمِينِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ جَازَ أَخْذُ الضَّمِينِ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ. ويَجُوزُ السَّلَمُ عِنْدَ الشَّافِعِيُّ ﵀ حَالًّا ومُؤَجَّلًا (٥)؛ فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَجَّلِ: أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ

стр. 1963

الْقَبْضِ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ حَالَ الْعَقْدِ. وَمِنْ شَرْطِ الحَالِّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ. وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يَكُونُ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ العَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ، فَإِنْ عُدِمَ فِي هَذِهِ الحَالَاتِ لَمْ يَصِحَّ. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٢)، وَهُوَ خِطَابٌ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ السَّلَمُ فِي الثِّمارِ الَّتي تَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَة، ثُمَّ أَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَثَبَتَ جَوَازُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ السَّلَم تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ (٣). وقالَ مَالكٌ (٤): إِنْ تَأخَّرَ دَفْعُ الثَّمَنِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي بُيُوعِ الأَعْيَانِ. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: (فَلْيُسْلِفُ) (٥)، فَثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ. وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ) (٦).
следующие страницы →