← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1959–1998 · переход к 1964.

стр. 1959

وفي رِوايةٍ: (ولَوْ كَانَ حَرامًا لَم يُعْطِهِ) (١). قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِنَّمَا أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ إِنْفَاقَ كَسْبِ الحَجَّامِ عَلَى الرَّقِيقِ بِعِلَّةِ الاحْتِيَاجِ، وقَدْ يُبَاحُ الشَّيْءُ لِلْمُحتاجِ إِلَيْهِ لِعِلَّةِ الحَاجَةِ، وَيُحْظَرُ عَلَى الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ لِعِلَّةِ الاِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، فَلَفْظُ الخَبَرِ مُجْمَلٌ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ، رُوِيَ عَنْ حَرَامِ بن مُحَيْصَةَ عَنْ أَبِيهِ: (أنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَجْرِ الحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَشَكَا مِنْ حَاجَتِهِم، فقالَ: اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقَبَتَكَ) (٢).

стр. 1960

وفي رِوايةٍ: (فَقالَ: إِنَّهُ مُحتاجٌ إليهِ، فَقَالَ: فَأَعْلِفُوهُ نَاضِحَكُم) (١). وفي رواية: (قال: أعلِفْهُ النَّاضِحَ، اجْعَلُوهُ فِي كَرْشِهِ) (٢). قالَ: وقَدْ رُويَ عَن النَّبيِّ ﷺ : (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِن الجمْرِ) (٣). دلَّ أَنَّ التَّكَثُّرَ مِن ذَلِكَ هُوَ الْمَحْظُورُ، لَا مَا يَأْخُذُهُ الْمُعْطَى عَلَى وَجْهِ الاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ: (إِنَّ الرَّجلَ يَأتِينِي فَيَسْأَلْنِي فَأُعْطِيهِ، فَأَجْعَلُ فِي ثَوبِهِ نَارًا، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ بِنَارٍ) (٤). وهذَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُعطِي أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا وَجَائِزٌ لِلْمُعْطَى أَخْذُهُ، وَحَلالٌ لَهُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ وَيَمْلِكَهُ، وهذَا كُلُّه يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ كَسْبِهِ لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ.

стр. 1961

وَفِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ دَليلٌ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ. وَبَيْعُ الْأَصْنَامِ فَاسِدٌ مَا دَامَ صُورًا مُصَوَّرةً، فَإِذَا طُمِسَتْ صُوَرُهَا فَإِنَّ بَيْعَ أُصُولِهَا جَائِزٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي اللَّهْوِ كَالطَّنَابِيرِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطُّبُولِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلَّهْوِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَإِذَا حُلَّتْ عَنْهَا أَوْتَارُهَا وَغُيِّرَتْ عَنْ هَيْئَاتِهَا فَصَلُحَتْ لِلانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْمُبَاحِ جَازَ بَيْعُهَا. وَقَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) ثَمنُ الدَّمِ حَرَامٌ، لأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ مُحَرَّمٌ، فَثَمَنُهُ محرَّمٌ. ومن بَابِ السَّلَمِ الأصْلُ في جَوازِ السَّلَمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). وَالدَّيْنُ إِلَى الْأَجَلِ إِنَّما يَكُونُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّ الأَجَلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْقَرْضِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْبَيْعِ وَفِي السَّلَمِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) (٢). وفي رِوَايَةٍ: (مَنْ أَسْلَفَ [فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ] (٣) فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ

стр. 1962

مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) (١). قالَ أهلُ اللغة (٢): سَلَّفْتُ وأَسْلَفْتُ وأَسْلَمْتُ، وَالسَّلَفُ: السَّلَمُ مِن أَسْلَمتُ. والسَّلَفُ في اللُّغة: مَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ آبَائِكَ وَذَوِي قَرَابَتِكَ، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتَهُ. والسَّلَفُ يَقَعُ عَلَى الْقَرْضِ أَيْضًا. قالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): الْمُسْلَمُ فِيهِ أَحَدٌ عِوَضَيِ الْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمنِ فِي بُيوعِ الأعيانِ. ويجُوزُ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ في السَّلَم، أَمَّا الرَّهْنُ فَالدَّليلُ عَلَيْهِ قِولُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤)، فَأَجَازَ أَخْذَ الرَّهْنِ علَى الْمُدَايَنَة، وعُمُومُهَا قَدْ تَنَاوَلَ السَّلَفَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الضَّمِينِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ جَازَ أَخْذُ الضَّمِينِ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ. ويَجُوزُ السَّلَمُ عِنْدَ الشَّافِعِيُّ ﵀ حَالًّا ومُؤَجَّلًا (٥)؛ فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَجَّلِ: أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ

стр. 1963

الْقَبْضِ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ حَالَ الْعَقْدِ. وَمِنْ شَرْطِ الحَالِّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ. وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يَكُونُ مَوْجُودًا مِنْ حِينِ العَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ، فَإِنْ عُدِمَ فِي هَذِهِ الحَالَاتِ لَمْ يَصِحَّ. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٢)، وَهُوَ خِطَابٌ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ السَّلَمُ فِي الثِّمارِ الَّتي تَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَة، ثُمَّ أَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَثَبَتَ جَوَازُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ السَّلَم تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ (٣). وقالَ مَالكٌ (٤): إِنْ تَأخَّرَ دَفْعُ الثَّمَنِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي بُيُوعِ الأَعْيَانِ. دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: (فَلْيُسْلِفُ) (٥)، فَثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ. وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ) (٦).

стр. 1964

(الْحِرْزُ): الْخَرْصُ، وإِنَّما جُعِلَ الخَرْصُ وَزْنًا لأَنَّ الخَرْصَ يُخْبِرُ عَنْ مِقْدَارِ مَا يُخْرَصُ، ولَا يُخْرَصُ حَتَّى يَصْلُحَ لِلْأَكْلِ. وَفَائِدَةُ الخَرْصِ: أَنْ تُعْلَمَ كِمِيَّةُ حُقُوقِ الفُقَرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَبْسُطُ رَبُّ الْمَالِ يَدَهُ فِي الثَّمْرِ. ومن باب: الرَّهْنُ وَالكَفِيلُ في السَّلَمِ الأَصْلُ فِي الرَّهْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). وَهُوَ جَائِزٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (٢)، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي السَّفَرِ (٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ (٤). دَلِيلُ الجَمَاعَةِ أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ جَازَتْ فِي السَّفَرِ جَارَتْ فِي الحَضَرِ كَالضَّمِينِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ لَازمٌ، فَجَازَ أَخذُ الوَثِيقَةِ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٥): كُلُّ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ،

стр. 1965

مِثْل الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْمُثْمَنِ فِي السَّلَمِ، وَالْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَالأُجْرَةِ في الإِجَارَةِ، وَالقُرُوضِ، وَأُرُوشِ الجِنَايَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الله تَعَالَى نَصَّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ فِي ثَمَنِ الْبَيْعِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ فِي الدَّيْنِ، فَكُلُّ حَقٍّ لَازمٍ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ كَالدَّيْنِ. وَلِأَنَّ الرَّهْنَ إِنَّمَا يُرَادُ لِلتَّوَثُّقِ حَتَّى إِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الحَقَّ أُخِذَ الرَّهْنُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ الحَقُّ غَيْرَ لَازِمٍ، فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الرَّهْنِ بِهِ. وأَمَّا الكَفِيلُ في السَّلَم: فَالكَفِيلُ الزَّعِيمُ، والزَّعِيمُ الضَّمِينُ، والأَصْلُ فِي بَابِ الضَّمَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١)، أيْ: ضَامِنٌ، فَلَمَّا ذَكَرَ الضَّمَانَ، ولَم يُنْكِرْهُ [كَانَ دَلِيلًا] (٢) فِي جَوَازِهِ. وأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ: فَمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: (خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ) (٣).

стр. 1966

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: ضَامِنٍ، وَمَضمُونٍ لَهُ، وَمَضْمُونٍ عَنهُ. فالظَّامِنُ: الَّذِي يَلْتَزِمُ فَيَضْمَنُ. والْمَضْمُونُ عَنْهُ: هُو الَّذِي عَلَيهِ الحَقُّ فَيَضْمَنُ عنهُ، ولَا خِلافَ فِي الْمَذْهَبِ (١) أَنَّ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ والْمَضْمُون عَنْهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الضَّمَانِ، فإِذَا ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ حَقًّا بِغَيْرِ إِذْنِهِ صَحَّ ذَلِكَ، وتَعَلَّقَ الحَقُّ بِذِمَّةِ الضَّامِنِ. وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَصِحُّ أنْ يُضْمَنَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ حَكَاهَا الطَّحَاوِيُّ (٣)، وَهُوَ إِذَا حَضَرَتهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ لِوَرَثَتِهِ: عَلَيَّ دَيْنٌ فَاضْمَنُوهُ لِي، فَضَمِنُوهُ صَحَّ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ اسْتِحْسَانًا. ودَليلُ الشَّافِعِيِّ هُو أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ فَصَحَّ ضَمَانُهُ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتي ذَكَرْنَاهَا. والدَّلالة على أنَّ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ هُوَ أَنَّهُ إِنْ قُضِيَ عَنْهُ الدَّيْنُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ جَازَ، فَكَذَلِكَ إِذَا ضَمِنهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

стр. 1967

قالَ أَهلُ اللُّغة (١): الكَفِيلُ الضَّامِنُ، مِنْ كَفَلَ يَكْفُلُ كَفَالَةً، وَالكَافِلُ: الَّذِي يَكْفُلُ إِنْسَانًا يَعُولُهُ، وَأَكْفَلْتُهُ الْمَالَ: ضَمَّنْتُهُ إِيَّاهُ. قالَ صَاحِبُ المجمَل (٢): ضَمِنْتُ [الشَّيْءَ] (٣) ضَمَانًا: تَكَلَّفْتُ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ وِعَاءَ شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْتَهُ إِيَّاهُ. قالَ صَاحِبُ الْغَرِيبَيْنِ: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤)، أَيْ: كفيلٌ وضَامِنٌ، وفي الحديث: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ) (٥)، أي: الكَفِيلُ ضَامِنٌ، وقد زَعَمْت بهِ أَزْعُم" (٦)، قالَ الشَّاعرُ (٧): [مِنَ الطَّوِيل] تقُولُ هَلَكنَا إِنْ هَلَكْتَ وَإِنَّمَا … عَلَى اللهِ أَرْزَاقُ العِبَادِ كَمَا زَعَمَ ومن باب الشُّفَعَة * الأصْلُ فِي الشُّفْعَة قَوْلُهُ ﷺ : (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَة) (٨).

стр. 1968

إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالكَلَامُ فِي الشُّفْعَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ: فَضَرْبٌ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفَعَةُ مَتبوعًا مَقْصُودًا؛ وضَربٌ لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِ لَا مَتْبُوعًا وَلَا تَابِعًا؛ وضَرْبٌ تَثْبُتُ فِيهِ تَابِعًا، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ مَتْبُوعًا. فَأَمَّا الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَة متبوعًا: فَمِثْلُ الأَرَاضِي، وَالعَقَارِ، والدُّورِ، فإِذَا بَاعَ شِقْصًا (١) مِن ذَلِكَ ثَبَتَ لِشَرِيكِهِ فِيهِ الشُّفْعَةُ مَثْبُوعًا (٢) بَلَا خِلَافٍ. والدَّلِيلُ عَلَيهِ مَا ذَكرنَاهُ مِن الخَبَرِ، ولأنَّ الضَّرَرَ يَعظُمُ بِدُخُولِ الشَّركَةِ فِي العَقارِ، لأنَّ ذَلِكَ يُرادُ للتَّأبِيدِ وَالْبَقَاءِ، فَاسْتَحَقَّ أَخذه بِالشُّفَعَة لَيَزَالُ بِذَلكَ الضَّرَر. والضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا تَثبتُ فِيهِ الشُّفْعَة لَا مَتبوعًا ولَا تَابعًا، وهُو مِثْلُ الثِّيابِ وسَائِرِ الأَمْتِعَة، فَإِذَا كَانَ بَينَ شَرِيكينِ شَيءٌ مِن ذَلكَ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، لَم يَكُنْ لِلْآخَرِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ لَا تَابِعًا ولَا مَتْبُوعًا. وقال مالكٌ (٣): إِذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ طَعَامٌ أَوْ تَمَرَةٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ثَبَتَ

стр. 1969

لِلآخَرِ فِيهِ الشُّفْعَة. دَلِيلُ الشَّافِعِيُّ: مَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ رِبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ) (١). فَأثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الرَّبْع وَالحَائِطِ، فَلَمْ تَبْقَ شُفْعَةٌ تَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ، وَلأنَّ الضَّرَرَ لَا يَتأَبَّدُ بِحُصُولِ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالثِّمَارِ؛ فَلَم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا. والضَّرْبُ الثَّالثُ: مَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَلَا تَثْبُتُ مَتبوعًا، وَهُوَ الْبِنَاء وَالْعِراسُ والنَّخْلُ، فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَثْبُتْ لِشَرِيكِهِ فِيهَا الشُّفْعَة، وَإِذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْهَا مَعَ الأَرْضِ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ مَعَ الأَرْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (الشُّفْعَة فِي كُلِّ رِبْعٍ أَوْ حَائِطٍ) (٢). والرَّبْعُ: اسْمٌ لِلدَّارِ مَعَ بِنَائِها، وَالحَائِطُ: اسْمٌ لِلبُسْتَانِ مَعَ غِرَاسِهِ، فَأَثْبَتَ فِي الجَمِيعِ الشُّفْعَةَ، ولأَنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ يَتَأَبَّدُ، وَيَبْقَى عَلَى الدَّوامِ. وحَدِيثُ الْمِسْورِ بن مَخْرَمَةَ مَعَ أَبِي رَافِعٍ، وَقَوْلُهُ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) (٣). (السَّقَب): القُرْبُ، وهُوَ بالصَّادِ أَيْضًا، قَالَ (٤): [مِنَ الْمُنْسَرح]

стр. 1970

كُوفِيَّةٌ نَازِحٌ مَحِلَّتُهَا … لَا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): الشُّفْعَةُ إِنَّما تُسْتَحَقُّ عِنْدَنَا بِالْخُلْطَةِ وَالشَّرِكَةِ دُونَ الجوار. وَعَلَى مَذْهَبِ أبي حَنِيفَة (٢): الشُّفْعَةُ تُسْتَحَقُّ بِالجِوَارِ. وَفِيمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: (الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ) (٣)، الاحْتِجَاجُ بِهَذَا الحَدِيثِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِن البدايَة، وهُو أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَم)، دَلَّ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَة فِي الْمَقْسُومِ والثَّانِي: مِن انتهَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ)، فَأَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بِوُقُوعِ الحُدُودِ، وعِندهُم لَا تَسْقُطُ. وَقَوْلُهُ: (مُنَجَّمَةٌ) أَيْ مُوَظَّفَةٌ، أُؤَدَّيهَا إِلَيْكَ نَجْمًا نَجْمًا، يُقَالُ لِكُلِّ وَظِيفَةٍ: نَجْمٌ، وَنُجُومُ القُرْآنِ نُزُولُهُ نَجْمًا نَجْمًا، يُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَ وَظَهَرَ: قَدْ نَجَمَ. واسْتَدلَّ مَنْ أَجَازَ الشُّفْعَة لِلْجَارِ بِقَوْلِهِ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) (٤)، وَأَجَابَ

стр. 1971

عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَرَ الشُّفْعَة لِلْجَارِ وَقَالَ: لَمْ يَفْعَل لِحَقِّ شُفْعَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِأَنْ يُتَعَهَّدَ وَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وتُحْفَظَ فِيهِ وَصِيَّةُ جِبْرِيلَ ﵇ لِلنَّبي ﷺ . قالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (١): قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: أَرادَ بِالصَّقَبِ الْمَلَاصَقَة، كأَنَّهُ أَرَادَ بِمَا يَلِيهِ، وَبِمَا يَقَرُبُ مِنْهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالجَارِ هَا هُنَا: الشَّرِيكُ، وَسُمِّيَ جَارًا لأَنَّهُ أَقْرَبُ الجِيرَانِ بِالْمُشَارَكَةِ. وفيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﷺ : (إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَينِ حُمِلَ عَلَى أَصْقَبِ القَرْيَتَيْنِ إِلَيْهِ) (٢)، أَيْ: عَلَى أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إِلَيْهِ. ومن باب: بَيعُ المدَبَّرِ، وقيل: بَابُ السَّلَم قالَ أَصحَابُ الشَّافِعِي (٣): التَّدْبِيرُ قُرْبَةٌ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْعِتْقُ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ فِي الصِّحَّةِ والْمَرَضِ، والتَّدْبِيرُ هُوَ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَيَجُوزُ مُطلَقًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَيَجُوزُ مُقَيَّدًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ، أَوْ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَأَنْتَ حُرٌّ، لأنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى صِفَةٍ، فَجَازَ مُطلَقًا وَمُقَيَّدًا كالعِتْقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ.

стр. 1972

وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي التَّدْبِيرِ بِمَا يَدْخُلِ الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ وَالهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَن دُبُرِ، ولَم يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبيعَ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ تِسْعِمِائَة) (١). وفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: (بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُدَبَّرَ) (٢) دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وفَسَادِ تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ أَرَادَ بَاعَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ نَفْسِهِ، إِذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أَنَّ بَيْعَ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ بَاطِلٌ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لأنَّ البَيْعَ إِذَا عُقِدَ عَلَى مَجْهُولٍ لَمْ يَجُزْ، وَخِدْمَةُ الْمُدَبَّرِ حَيَاةَ الْمُدَبَّرِ مَجْهُولَةٌ، لَا يُعْلَمُ كَمْ يَعِيشُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ. وفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى خَطَأَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمُدَبَّرُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُدَبِّرِ، إِذْ الأحَاديثُ تَدُلُّ عَلَى بَيْعِهِ فِي حَيَاتِهِ (٣). قالَ صَاحِبُ الغَرِيبينِ (٤): فِي الحَدِيثِ: (لَا يَأْتِي الصَّلاةَ إِلَّا دَبَرِيًّا) (٥)، أَيْ:

стр. 1973

إِذَا أَدْبَرَ وَفَاتَ، وَمِنْهُ قَوْلهُم: شَرُّ الرَّأْي الدَّبَرِيُّ. في الحديث: (ثَلاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ: رَجُلٌ أَتَى الصَّلَاة دِبَارًا) (١)، أَيْ: بَعْدَمَا يَفُوتُ الْوَقْتُ. قال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ (٢): دِبَارٌ جَمْعُ دَبْرٍ ودُبُرٍ، وَهُوَ آخِرُ أَوْقَاتِ الشَّيْءِ.

стр. 1974

وقوله فِي بَابِ الشُّفعة (إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ البَيْعِ فَلَا شُفْعَة له) (١)، وقالَ الشَّعْبِيُّ: (مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفَعَة لَهُ) (٢). قالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): إِذَا بَاعَ شِقْصًا وَثَبَتَ لِلشَّفِيعِ فِيهِ الشُّفْعَة فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ، أَوْ لَا يَعْلَمُ، فإِنْ لَمْ يَعْلَم بِالْبَيْعِ لَم يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَة إِلَى أَنْ يَعْلَمَ وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ؛ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ يَجِبُ لإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَلَمْ يَبْطُل عِنْدَ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ كَالرَّدِ بِالْعَيْبِ. فإِنْ عَلمَ بِذَلِكَ وَلَم يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَسْنَا نُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِحَالٍ، وَلَكِنَّهُ يُطَالَبُ عَلَى حَسْبِ الْعَادَةِ، فَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْأَكْلِ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي حَتَّى يَفْرَغَ مِن الصَّلاةِ، وإن كانَ لَيْلًا حَتَّى يُصْبِحَ، لأنَّ حَقَّ الشَّفْعَةِ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ عَلَى حَسْبِ الْعَادَةِ.

стр. 1975

ومِنْ كِتَابِ الإِجَارَةِ الإِجَارَةُ جَائِزةٌ في قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ العِلمِ (١)، والأَصْلُ فِي جَوازِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ﴾ (٢). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): فَأَجَازَ الاسْتِئْجَارَ لِلرَّضَاعِ، وَاللَّبَنُ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ، وَشُرْبُ الْمُرْضَع يَقِلُّ ويكثرُ، فَلَمَّا أَجَازَ الاِسْتِئْجَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهِ، كَانَ جَوَازُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى. فإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهَا فَإِنَّما تَصِحُّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ (٤): إِمَّا أَنْ تُعْقَدَ عَلَى مُدَّةٍ معلومةٍ؛ أَوْ عَلَى عَمَل مَعْلُومٌ. فالْمُدَّةُ الْمَعْلُومَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ. والعَمَلُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا، أَوْ يَبْنِي لَهُ دَارًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَلَا يجوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْعَمَلَ وَالْمُدَّةَ مَعًا، فَيَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي ثَوْبًا فِي يَوْمٍ، لأَنَّ ذَلِكَ يُؤدِّي إِلى الاِخْتِلافِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَفْرُغُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الْيَوْمِ، فَلَا

стр. 1976

يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ؛ لأنَّهُ قَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ، ولَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالعَمَلِ، لأَنَّهُ قَد تَمَّمَ الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَمْضِي الْيَومُ وَلَا يَكُونُ قَدْ فَرَغَ مِنَ الْعَمَلِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ بَعْضُ العَمَلِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يُطالبه بالعَمَلِ، لأنَّ الْمُدَّةَ قَدِ انْقَضَتْ، فَيُؤَدِّي إِلَى التَّضَادّ (١) والاخْتِلَافِ فَلَمْ يَصِحَّ. ومن باب: اسْتِئجارُ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَة قَوْلُهُ: (رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ) (٢)، بِكَسْرِ الدَّالِ، هُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ بن عَدِي بَطْنٌ مِنْهُمْ أَيْضًا (٣). و (الخِرِّيتُ): الْمَاهِرُ بِالهِدَايَة، فَعِيلٌ مِنَ الخَرْتِ، وَالخَرْتُ: الثَّقْبُ. قالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): الخَرْتُ: ثَقْبُ الإِبْرَةِ، والخِرِّيتُ: الدَّليلُ الْمَاهِرُ، سُمِّي بِذَلِكَ لِشَقِّهُ الْمَفَازَةَ. وقيلَ: الخِرِّيتُ: الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الطُّرقُ. وقولهُ: (فَأَمِنَاهُ)، يُقَالُ: أَمِنْتُ فُلانًا فَأَنَا آمِنٌ، وَذَلِكَ مَأْمُونٌ، وَقَالَ بَعْضُهُم: أَمِنْتُ فُلانًا عَلَى كَذَا إِذَا لَم تَخَفْ مِنْهُ غَائِلَةً.

стр. 1977

و (غَارِ ثَوْرٍ) غَارٌ أُحْسِرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ فَرًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَقَوْلُهُ: (فَأَخَذَ بِهِمْ طَريقَ السَّاحِلِ) يَعْنِي: سَاحِلَ الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ: (صُبْحَ ثَلاثٍ) نُصِبَ عَلَى الظَّرفِ، والعَامِلُ فِيهِ: (وَاعَدَاهُ)، وَكَذَلِكَ العَامِلُ فِي قَوْلِهِ: (غَارُ ثَوْرٍ). ومن باب الأجِيرُ في الغَزوِ قَوْلُهُ: (فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ) (١)، أَيْ: أَسْقَطَهَا، نَدَرَ الشَّيْءَ إِذَا سَقَطَ، وَأَنْدَرْتُهُ أَنَا. وَقَوْلُهُ: (كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ)، القَضْمُ: العَضُّ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): القَضْمُ: قَضْمُ الدَّابَةِ شَعِيرَهَا، يُقَالُ: قَضَمْتُهُ، وَيُقَالُ (٣): مَا أَكَلْتُ قَضْمًا، أَيْ: شَيئًا يُقضَمُ. ومن باب: مَن استأجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ فَعَمِلَ فِيهِ المُستَأجِرُ فَزَادَ قولهُ: (لَمَّتْ بها سَنَةٌ مِنَ السِّنِين) (٤)، أَيْ: نَزَلَتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ سِنِيِّ القَحْطِ، يُقَالُ أَلْمَمْتُ بالرَّجُلِ إِلْمَامًا إِذَا نَزَلْتَ بهِ، وَالإِلْمَامُ: الزِّيَارَةُ. وقوله: (فَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا)، الغَبُوقُ: شُرْبُ العَشِيِّ،

стр. 1978

يُقَالُ: غَبَقْتُ القَوْمَ غَبْقًا. وقوله: (حَتَّى بَرِقَ الفَجْرُ)، أَيْ: أَضَاءَ. وقوله: (فَنَاءَ بِي) أَيْ: بَعُدَ. (فَلَمْ أُرِحْ) مِنَ الرَّواحِ. و (الغَبُوقُ): مَا يُشْرَبُ بالعَشِيِّ. و (تَحَرَّجَتُ) أَيْ: تَحرَّزَتُ مِنَ الحَرَجِ. وَقَوْلُهُ: (فَثَمَّرَتُ أَجْرَهُ) أي: كَثَّرَتْهُ. وقَوْلُهُ: (كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ) (كُلُّ) رُفِعَ بِالابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَجْرِكَ) فِي مَوْضِعِ خَبَرِ الابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُ: (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) نَصْبُ مَصْدَرٍ لِعِلَّة، وَيُقَالُ: مَفْعُولٌ لهُ. (فَأَفْرِجْ عَنَّا)، يُقَالُ: فَرَّجْتُهُ فَانْفَرَجَ، أَيْ: كَشَفْتُهُ فَانْكَشَفَ، قَالَ: فَيُفَرِّجَهُ عنَّا الحفاظُ، وَالْفَرِجُ الَّذِي لا يزالُ يَنكشِفُ فَرْجُهُ، وَقَوْسٌ فُرُجٌ: إِذَا انْفَرَجَتْ سِيَتَاهَا، والْفُرْجَةُ فِي الحَائِطِ كَالشَقِّ، والفَرْجَةُ بالفَتحِ: انفراجُ الهمِّ والكَرْبِ، قال (١): [مِنَ الخَفِيف] رُبَّمَا تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِن الأَمْ … رِ لَهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ في الحدِيثِ دَليلٌ علَى أَنَّ رِبْحَ الْمَالِ إِذَا اتُّجِرَ فِيهِ بِغَيْرِ أَمْرِ مَالِكِهِ لَا يُتَصَدَّقُ

стр. 1979

بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ عَلَى مَا زَعَمَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ. وَفِيهِ دَليلٌ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اتَّجَرَ فِي أُجْرَةِ الْأَجِيرِ إِنَّما اتَّجرَ لِلْأَجِيرِ لَا لِنَفْسِهِ. وَفِيهِ دَليلٌ أنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى مَا اتَّجَرَ فِيهِ بَعَيْنِ أُجْرَةِ الأَجِيرِ. وَفِيهِ دَليلٌ أَنَّ الْأَجِيرَ كَانَ قَبَضَ أُجْرَتَهُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَيْنًا وَلم يَقْبِضْهَا الْمُسْتَأْجِرُ (١). وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: (فَغَمَصَهُ) (٢)، أيْ: فَاحْتَقَرَهُ، ورَوَاهُ بَعْضهُمْ: (فَقَمَّطَهُ)، وَلَيْسَ بمَحْفُوظٍ. والحدِيثُ دَليلٌ علَى أنَّ رِبْحَ الْمَالِ لِلْمَالِكِ إِذَا اتَّجَرَ فِيهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (فَعَاسَرنِي وَتَرَكَ أَجْرَهُ) (٣)، (عَاسَرَ) فَاعَلَ مِنَ العُسْرِ، وَهُو الشِّدَّةُ. وقوله: (فَأَفْرِجْ عَنَّا فَتَدَحْرَجَتِ الصَّخْرَةُ)، فِي غَيْرِ رِوَايَةِ البُخَارِيِّ: (فَافْرُجْ) (٤)، بِوَصْلِ الأَلِفِ مِنْ قَوْلِهِم: فَرَجَهُ يَفْرِجُهُ، قَالَ: [مِنَ الطَّوِيل] … .... فَرِجَتْ لَنَا … بِأَيمَانِنَا بيض جَلَتْها الصَّيَاقلُ (٥)

стр. 1980

و (تَدَحْرَجَت) أَيْ: تَدَوَّرت. و (فُضَّ الخَاتَمَ) عِبارَةٌ عَنِ الافْتِراعِ، وَفِي رِوايةٍ: (حَتَّى طُبَقَتْ بَابُ الغَارِ) (١)، أي: سُدَّتْ. وفي رِوايةٍ: (فَرَأَيْتُ عَلَيَّ فِي الذِّمَامِ أَنْ لَا أَنقُصَهُ مِمَّا اسْتَأْجَرْتُ بِهِ أَصْحَابَهُ) (٢)، الذِّمَامُ: الحَقُّ وَالحُرْمَةُ. وفِي روايةٍ: (قَدْ عَفَا الْأَثَرُ وَوَقَعَ الحَجَرُ) (٣)، أَيْ: دَرَسَ أَثَرُ الطَّرِيقِ. وفِي رِوَايةٍ: (حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوالُ) (٤)، قالَ ابن خُزَيْمَة: يُرِيدُ نَمَتْ. ذَكرَ ابن خُزَيْمَة لِهذَا الخَبَرِ طُرُقًا كَثِيرَةً بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ (٥). وقالَ الشَّافعِي (٦): ولو أعْطَى رَجُلٌ رَجُلًا شَيْئًا يَشْتَرِي لَهُ شَيْئًا بِعَيْنِه، فَاشْتَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ وَغَيْرَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَصَاحِبُ الْمَالِ بِالخِيَارِ فِي أَخْذِ مَا أَمَرَهُ بِهِ

стр. 1981

وَمَا زِيدَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ أَخْذِ مَا أَمَرَهُ بِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا يَبْقَى مِنَ الثَّمَنِ، وتَكُونُ الزِّيَادَةُ الَّتِي اشْتَرَى لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إِن اشْتَرَى بذَلِكَ الشَّيْءِ وَبَاعَ، فَالخِيَارُ في ذَلِكَ إِلَى رَبِّ الْمَالِ، لأَنَّهُ بِمَالِهِ مَلَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَفِي مَالِهِ كَانَ الفَضْلُ. وفيهِ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِي (١)، قَالَ: إِنْ رَضِيَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِدِينَارٍ فَاشْتَرَاهُ، وازْدَادَ لَهُ مَعَهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسْكَهُ، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهُ، لأنَّ مَنْ رَضِيَ شَيْئًا بِدِينَارٍ لَمْ يَتَعَدَّ مَنْ زَادَ مَعَهُ غَيْرَهُ. فَمَنْ قَالَ [لهُ] (٢) جَمِيعُ مَا اشْتَرَى بِهِ قَالَهُ لأَنَّهُ بِمَالهِ اشْتَرَى، فَهو ازْدِيَادُ مِلْكٍ لهُ. (أَعطَى رَسُولُ الله ﷺ عُرْوَةَ بنَ أَبِي الجَعْدِ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ وَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ ودِينَارٍ) (٣)، وَكَانَ مَا فَعَلَ مِن ذَلِكَ نَظَرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَظَرهِ، وَاخْتَارَ أنْ لَا يُضَمِّنَهُ، وأَنْ يَمْلِكَ مَا مَلَكَ لَهُ عُرْوَةُ بِمَالهِ، ودَعَا لهُ فِي بَيْعِهِ، ورَأَى عُروَةَ بِذَلِكَ مُحْسِنًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): ومَن يَرْضَ أَنْ يَمْلِكَ شَاةً بِدِينَارٍ، فَمَلكَ بِالدِّينَارِ شَاتَيْنِ كَانَ بِهَا أَرْضَى، وَأَمَّا معنَى مَا تَضَمَّنَهُ إِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْمَالِ، فَلأنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ

стр. 1982

وَاحِدَةً، ومَلَّكَهُ الْمُشْتَرِي الثَّانِيَةَ بِلَا أَمرِهِ. قَالَ: (وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بن أَسْلَمَ أنَّ عَبْدَالله وعُبَيْدَ الله ابْنَيْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ خَرَجَا فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى عَامِلٍ لِعُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁، فَرَحَّبَ بِهَمَا وسَهَلَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَة، وَقَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، هَهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ، فَأُسْلِفُكُمَاهُ، فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ [لكُمَا] (١) الرِّبْحُ، فَقَالَا: وَدِدْنَا، فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ بَاعَا وَرَبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا إِلَى عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁، قالَ لَهُمَا: أَكُلُّ الجَيْشِ أَسْلَفَهُ كَمَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالَا: لَا، قَالَ عُمَرُ ﵁: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عَبْدُ الله فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللهِ فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ لَضَمِنَّاهُ، قَالَ: أَدِّيَاهُ، فَسَكَتَ عَبْدُ الله، وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ الله، [فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ] (٢) وَنِصْفَ رِبْحِ ذَلِكَ الْمَالِ) (٣). * * *

стр. 1983

ومن باب: مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمَلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ مِنهُ قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ) (١)، أَيْ: يَحْمِلُ الْمَتَاعَ وَالشَّيْءَ بِالأُجْرَةِ، فَيَأْخُذُ الأُجْرَةَ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، فَيَتَصَدَّقُ بهِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ)، قَالَ شَقِيقٌ: (أَرَادَ أَبُو مَسْعُودٍ بِذَلِكَ نَفْسَهُ) (٢). وأنَّهُ هُوَ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، يَكُونُ السَّقْيُ والزَّرْعُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْأُجْرَةُ مِنَ الآخَرِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ﵁. قَوْلُهُ: (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) (٣)، أَيْ: عَالَجُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَطَلَبُوا لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاءُ، وَفِي نُسْخَةٍ (فَشَفَوْا لَهُ) (٤) وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. وَقَوْلُهُ: (كَأَنَّمَا نَشِطَ) بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى: حَلَّ. وَفِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ (٥)، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ

стр. 1984

تُنَشَّطُ أَرْوَاحَ الْمُسْلِمِينَ، تَحْلُّهَا حَلًّا رَفيقًا (١). وَرُوِيَ: (كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ)، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): أَنْشَطْتَ العُقْدَةُ إِذَا حَلَلْتَهَا، وَنَشَطْتَهَا عَقَدْتَهَا بِأُنْشُوطَةٍ. وَأَصْلُ النَّشَطِ: النَّزْعُ، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: (كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ) أَيْ: نُزِعَ مِنْ عِقَالٍ. وَنَشَّطَ - بِالتَّشْدِيدِ - يُنَشَّطُ نَشْطًا فَهُوَ نَاشِطٌ أَيْ نَازِعٌ، وَالأُنْشُوطَةُ: العُقْدَةُ تَنْحَلُّ إِذَا مُدَّ طَرَفُهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الإِنْشَاطُ الحَلُّ، وَالتَّنْشِيطُ العَقْدُ، وَنَشَطْتُ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ، أَي اسْتَخْرَجْتُهَا وَفَرَّغْتُهَا، وَبِئْرٌ أَنْشَاطٌ أَيْ: قَرِيبَةُ القَعْرِ، تَخْرُجُ دَلْوُهَا بِجَذْبَةٍ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ)، أَيْ: لَيْسَتْ بِهِ عِلَّةٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (٣): (مَا بِهِ قَلَبَةٌ)، أَيْ: عِلَّةٌ يُقْلَبُ لَهَا، فَيُنْظَرُ إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ (٤): [مِنَ البَسِيط] ..................... … وَقَدْ بَرِئْتُ فَمَا بِالصَّدْرِ مِنْ قَلَبَهْ

стр. 1985

وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ جَائِزٌ. وَمِنْ بَابِ: عَسْبِ الفَحْلِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ) (١). العَسْبُ: الضِّرابُ، وَالْمَعْنَى: عَنْ كِرَاءِ عَسْبِ الفَحْلِ، حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، وَقِيلَ: العَسْبُ هُوَ الكِرَاءُ، وَلَمْ يَرِدِ النَّهْيُ عَنِ الإِعَارَةِ لِأَنَّ فِيهِ قَطعَ النَّسْلِ. وَقَدْ رُوِيَ: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ عَسْبِ الفَحْلِ) (٢)، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: (نَهَى عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ)، حُذِفَتْ لَفَظَهُ: كِرَاءِ وَأُقِيمَ العَسْبُ مُقَامَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣). قِيلَ: إِنَّمَا حُرِّمَ كِرَاءُ العَسْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الغَرَرِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَلَا يُدْرَى هَلْ يُلَقِّحُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُعْلِقُ النَّاقَةَ أَمْ لَا؟ وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا (٤). وَمِنْ بَابِ الحَوَالَةِ الحَوَالَةُ نَقْلُ الحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ التَّحْوِيلِ، يُقَالُ: حَوَّلْتُ

стр. 1986

الشَّيْءَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ إِذَا نَفَلْتُهُ إِلَيْهِ. وَالأَصْلُ فِي جَوَازِهَا مَا رَوَى البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَضْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) (١). ثُمَّ إِنَّ الحَوَالَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى ثَلَاثَةٍ (٢): مُحِيلٍ، [ومُحْتَالٍ] (٣)، وَمُحْتَالٍ عَلَيْهِ. فَالْمُحِيلُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ الحَقُّ، فَيُحِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَالْمُحْتالُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الحَقُّ فَيُحَالُ لَهُ الحَقُّ فَيُحَالُ عَلَيْهِ. وَالْمُحْتَالُ عَلَيْهِ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَيُحَالُ عَلَيْهِ بِهِ. وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الحَوَالَةِ مِنْ رِضَا الْمُحِيلِ، وَأَمَّا الْمُحْتَالُ فَرِضَاهُ إِنَّمَا شُرِطَ (٤)، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِالحَوَالَةِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا. وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ (٥) أَنَّ رِضَاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ الحَوَالَة. وفي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرِ الإِمَامِ الرَّعِيَّةَ بِتَحْصِينِ أَمْوَالِهِمْ بِاتِّبَاعِ الْمَلِيِّ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَلْيَتْبَعْ) مَعْنَى فَلْيَحْتَلْ، لأَنَّ مُطَالَبَةَ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ الَّذِي عَلَيْهِ

стр. 1987

الْمَالُ فِي الأَصْلِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالحَوَالَةِ أَوِ الضَّمَانِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ إِذَا أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحِيلِ غُرْمُ مَا أَحَالَ بِهِ (١)، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ مُعْدِمًا أَوْ أَفْلَسَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أُحِيلَ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ (٢). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): يُقَالُ: رَجُلٌ مَلِيٌّ بَيِّنُ الْمَلَاءِ بِفَتْحِ المِيمِ، وَأَمَّا الْمُلَآءُ بِالضَّمِّ جَمْعُ الْمُلِيءِ، كَبَرِيِئٍ وَبُرَآءُ. وَقِيلَ: بَرِيءٌ وَبُرَآءٌ، فَعَلَى هَذَا مَلِيءٌ وَمُلَآءٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): الْمَلَاءَةُ: مَصْدَرُ الْمَلِيءِ. وَالْمَلْءُ: مَصْدَرُ مَلأْتُ الشَّيْءَ، وَالْمِلءُ: الاِسْمُ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الإِنَاءُ الْمُمْتَلِيءُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ) دِلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ مَنْ أُحِيلَ وَاحْتَالَ بَرَّأَ الْمُحِيلَ مِمَّا أَحَالَ بِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَلِيءَ لِيَتَحَوَّلَ حَقُّهُ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْهُ، لَا عَلَى مُعْدِمٍ يُذْهِبُ

стр. 1988

حَقَّهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُحِيلُ لَا يَبْرَأُ مِمَّا أَحَالَ بِهِ كَانَتْ حَوَالَتُهُ عَلَى الْمُعْدِمِ لَا تَضُرُّهُ شَيْئًا، لأَنَّ حَقَّهُ إِذَا كَانَ ثَابِتًا عَلَى صَاحِبِهِ بِحَالِهِ فَالْمُعْدِمُ زِيَادَةُ خَيْرٍ؛ إِنْ وَجَدَ عِنْدَهُ شَيْئًا أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَحَقُّهُ ثَابِتٌ بِحَالِهِ. وَمِنْ بَابِ إِنْ أَحَالَ دَيْنَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ * فِيهِ حَدِيثُ سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ (١). وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ ضَمَانَ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا يُبَرِّيهِ سُوَاءٌ خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَوْ لَمْ يُخَلِّفْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لارْتِهَانِ ذِمَّتِهِ بِالدَّيْنِ، [فَلَوْ] (٢) لَمْ يَبْرَأُ بِضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْهُ لَمْ يُكُنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَنِ الْمَدْيُونِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً قَبْلَ أَنْ يَفْتَحِ اللَّهُ الفُتُوحَ، وَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْتُ مَالٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) (٣)، يَعْنِي: مَنْ تَرَكَ دَيْنًا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ فَعَلَيَّ قَضَاءُ دَيْنِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة (٤): ذِكْرُ الأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 1989

إِنَّمَا كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ دُونَ مَنْ يَتْرُكُ وَفَاءً لِدَيْنِهِ. رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تُوفِيَ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا، [قَالَ] (١): (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَالَ: (أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوفِيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ [مَالًا] (٢) فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ (٣). وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: (تُوفِيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قَالَ فَخَطَا مَعَنَا خُطىً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، قَالَ: فَنَكَصَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُكَنَّى أَبَا قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ، وَفِي مَالِي، وَالْمَيِّتُ مِنْهَا بَرِئَ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَثَّقُ مِنْهُ وَيَقُولُ: هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ، وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِئَ؟ قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَكَانَ كُلَّمَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، قَالَ الآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ (٤) جِلْدَهُ) (٥).

стр. 1990

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (حَقُّ الغَرِيمِ وَبَرِئَ مِنْهُ الْمَيِّتُ؟ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ غَدَا أَبُو قَتَادَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا، قَالَ الآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ) (١). قَالَ ابن خُزَيْمَةَ: قَوْلُهُ: (وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِئَ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ: فَعِلَ فِي مَوْضِعِ يَفْعَلُ، أَيْ يَبْرَأُ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ بِأَدَائِكَ الدِّينَارَيْنِ عَنْهُ، كَخَبَرِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوهِبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ قَالَ بِالوَفَاءِ (٢). وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ غَيْرُ هَذَا، لِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا يَبْرَأُ مِنَ الدَّيْنِ بِإِبْرَاءِ الَّذِي لَهُ الْمَالُ، لَا بِإِبْرَاءِ الضَّامِنِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ حِينَ أَدَّى الدِّينَارَيْنِ: (الآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ)، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ بَرِئَ مِنَ الدِّينَارَيْنِ بِضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ وَإِبْرَائِهِ إِيَّاهُ مِنْهُمَا كَانَ جِلْدُهُ قَدْ بَرَدَ قَبْلَ الأَدَاءِ (٣). وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَا يَبْرَأُ مِنَ الدَّيْنِ، إِذْ لَوْ بَرِئَ لَمْ يَكُنْ

стр. 1991

لِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ بِمَا ضَمِنَ بَعْدَ الأَدَاءِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا كَانَ لَهُ قَبْضُ الْمَالِ مِنَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَأَدَاؤُهُ إِلَى صَاحِبِ المَالِ. رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَقْضِيكَهُ اليَوْمَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنْي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ يَتَحَمَّلُ عَنْكَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا عِنْدِي قَضَاءٌ، وَمَا أَجِدُ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَنِّي، قَالَ: فَجَرَّهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا لَزِمَنِي، وَاسْتَنْظَرْتُهُ شَهْرًا، فَأَبَى حَتَّى أَقْضِيَهُ أَوْ آتِيهِ بِحَمِيلٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا أَجِدُ حَمِيلًا وَلَا عِنْدِي قَضَاءٌ اليَوْمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تَسْتَنْظِرُهُ شَهْرًا وَاحِدًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنَا أَحْمِلُ بِهَا، قَالَ: فَتَحَمَّلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟ قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: فَاذْهَبْ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ، فَقَضَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١). قَالَ ابن خُزَيْمَةَ: فِي تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولَ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيَّ دُونَكَ، إِذْ قَدْ ضَمِنْتُهُ عَنْكَ، دِلَالَةٌ أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَمْ يَبْرَأُ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي ضَمِنَهُ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ بَرَأَ لَمْ يَكُنْ لِمَجِيئِهِ بِالذَّهَبِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُؤَدِّيَ عَنْهُ مَا

стр. 1992

ضَمِنَ عَنْهُ مَعْنًى، إِذِ الدَّيْنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَهُ. وَأَمَّا كَرَاهِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أَخْذَ الذَّهَبِ الَّذِي أَصَابَهُ مِنَ الْمَعْدِنِ كَكَرَاهِيَّتِهِ أَخْذَهَا مِنَ الرَّجُلِ الآخَرِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِمِثْل البَيْضَةِ أَصَابَهَا مِنْ بَعْضِ المَعَادِنِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ صَدَقَةً، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَحَذَفَهُ بِهَا حَذْفَةً لَوْ أَصَابَهُ لَعَقَرَهُ) (١). وَإِنَّمَا رَدَّ الذَّهَبَ عَلَى الرَّجُلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَعْدِنِ كَيْلَا يَفْتَاتَ النَّاسُ الْمَعَادِنَ، لَا أَنَّ مَا يُضَافُ مِنَ الْمَعَادِنِ حَرَامٌ. قَالَ أَهْلُ العِلْم: الكَفِيلُ، وَالضَّمِينُ، وَالزَّعِيمُ، وَالحَمِيلُ، بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَمَعْنَى جَمِيعِ هَذِهِ الأَسَامِي فِي الحُكْمِ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ تَكَفَّلَ بِهِ أَبُو قَتَادَةَ كَانَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا (٢).

стр. 1993

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا ضَامِنٌ لِفُلَانٍ، وَأَنَا بِهِ كَفِيلٌ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، وَأَنَا بِهِ حَمِيلٌ، وَأَنَّ مَا عَلَى فُلَانٍ فَعَلَيَّ، وَالمَالُ مَعْلُومٌ مَبْلَغُهُ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَمِنْ بَابِ: الكَفَالَةِ فِي القَرْضِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ) (١). قَوْلُهُ: (حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ) أَيْ: دَخَلَتْ فِي البَحْرِ. وَقَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَشَرَهَا)، يُقَالُ: نَشَرْتُ الخَشَبَةَ بِالمِنْشَارِ نَشْرًا أَيْ: قَطَعْتُهَا. وَقَوْلُهُ: (زَجَّجَ مَوْضِعَهَا)، أَيْ: جَعَلَ لَهُ زَجًا لِيُمْسِكَهُ وَيَحْفَظَ مَا فِي بَطْنِهِ، كَأَنَّهُ جَعَلَ النَّقْرَ فِي طَرَفِ الخَشَبَةِ وَشَدَّ عَلَيْهِ زُجًّا، وَقِيلَ: زَجَّهُ أَيْ: سَوَّى مَوْضِعَ النَّقْرِ وَأَصْلَحَهُ، مَأْخُوذٌ مِنْ تَزْجِيحِ الحَاجِبِ، جَعَلَ تَسْوِيَتَهُ لِذَلِكَ كَالتَّزْجِيجِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الآجَالِ فِي القُرُوضِ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ الوَفَاءُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَجِبُ الوَفَاءُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُوجَدُ فِي البَحْرِ فَإِنَّهُ لِوَاجِدِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُلْكًا لِأَحَدٍ. وَحُكْمُ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ يَخْتَلِفُ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْ ذَلِكَ:

стр. 1994

أَنَّ مَيْتَةَ البَحْرِ حَلَالٌ بِخِلَافِ مَيْتَةِ البَرِّ، وَأَنَّ صَيْدَ البَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، وَصَيْدُ البَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ - * فِيهِ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدّينَ) (١)، أَيْ: عَهْدِتُهُمَا كُنْتُ وَهُمَا عَلَى دِينِ الإِسْلَامِ. وَ (بَرْكُ الغِمَادِ) مَوْضِعٌ بِالحَبَشَةِ (٢). وَ (ابْنُ الدَّغِنَةِ) رَجُلٌ مِنْ قَبِيلَةِ القَارَةِ (٣)، وَهُمْ قَوْمٌ يُوصَفُونَ بِجَوْدَةِ الرَّمْيِ. وَ (السِّيَاحَةُ): السَيْرُ فِي الأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: (تَكْسِبُ المَعْدُومَ): الْمَعْدُومُ: الفَقِيرُ الَّذِي بِفَقْرِهِ كَأَنَّهُ هَالِكٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، أَيْ: تَكْسِبُ مُعَاوَنَةَ الْمَعْدُومِ، أَيْ: عَادَتُكَ أَنْ تُنْعِشَ السَّاقِطَ الهَالِكَ. وَ (تَحْمِلُ الكَلَّ): الثَّقِيلَ، قَالَ اللهُ : ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (٤)، أَيْ: تَحْمِلُ ثِقْلَ العَجَزَةِ. وَ (تُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ): النَّوَائِبُ جَمْعُ نَائِبَةٍ، يُقَالُ: نَابَ هَذَا الأَمْرُ وَانْتَابَ

стр. 1995

إِذَا جَاءَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَالنَّائِبَةُ: الشَّدَّةُ تَأْتِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَالجَمْعُ: النَّوَائِبُ. وَقَوْلُهُ: (فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ)، أَيْ: رَضُوا بِجَوَارِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِنَقْضِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ [وَلَا يُجَارُ] (١) عَلَيْهِ﴾ (٢)، أَيْ: يُؤَمَّنُ مَنْ أَخَافَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُؤَمَّنُ مَنْ أَخَافُ هُوَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (٣)، أَيْ: مُجِيرٌ لَكُمْ. وَقَوْلُهُ: (فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ) أَيْ: يَزْدَحِمُ، يُقَالُ: سَمِعْتُ قَصَفَةَ القَوْمِ، أَيْ دَفْعَتَعَهُمْ بِتَزَاحُمِهِمْ. وَفِي الحَدِيثِ: (لِمَا يَهُمُّنِي مِنِ انْقِصَافِهِمْ عَلَى بَابِ الجَنَّة) (٤)، أَيْ: مِنْ زَحْمَتِهِمْ وَدَفْعَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ: (يَهُمُّنِي) أَيْ: يُعَذِّبُنِي.

стр. 1996

وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نَخْفِرَكَ)، أَيْ: أَنْ نَنْقُضَ عَهْدَكَ، وَيُقَالُ خَفَرْتُهُ أَيْ: أَجَرْتُهُ، وَأَخْفَرْتُهُ: نَقَضْتُ عَهْدَهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي خُفْرَةِ اللهِ) (١)، أَيْ: فِي ذِمَّتِهِ وَجِوَارِهِ، وَالخُفْرَةُ وَالخَفَارَةُ سَوَاءٌ. وَفِي الحَدِيثِ: (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا تَخْفِرُوا ذِمَّتَهُ) (٢)، أَيْ: لَا تُقْدِمُوا عَلَى نَقْضِ ذِمَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ لَابَتَيْنِ)، (اللَّابَةُ): أَرْضٌ كَأَنَّهَا مُطِرَتْ حِجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ (الحَرَّةُ) كَذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: الوَكَالَةِ الأَصْلُ فِي الوَكَالَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣).

стр. 1997

أَجَازَ اللهُ تَصَرُّفَ الوَكِيلِ فِي مَالِ اليَتِيمِ، وَالوَصِيُّ يَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ الْمُوصِي، فَبَانَ أَنَّ تَصُرُّفَ الوَكِيلِ بِإِذْنِ المُوَكِّلِ جَائِزٌ. وَرَوَى جَابِرٌ قَالَ: (أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أُرِيدُ الخُرَوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَحْبَبْتُ السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي بِخَيْبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسَقًا، فَإِنْ خَالَفَكَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تُرْقُوَتِكَ) (١). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): الوَكَالَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ، وَمُوَكِّلٍ فِيهِ، وَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَوَكُّلُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ. كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يَدْخُلُهُ النَّيَابَةُ يَصِحُّ أَنْ يُوَكَّلَ فِيهِ كَالحُرِّ الرَّشِيدِ، وَالحُرَّةِ الرَّشِيدَةِ، وَالحُرِّ الفَاسِقِ، وَالحُرَّةِ الفَاسِقَةِ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ التَوْكِيلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ بِأَنْفُسِهِمَا: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الوُكَلَاءِ، وَلَا عَلَى الْأَوْصِيَاءِ. وَالأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: يَدُ أَمَانَةٍ، وَيَدٌ ضَامِنَةٌ، وَيَدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.

стр. 1998

فَيَدُ الأَمَانَةِ: كُلُّ يَدٍ يُقِيمُهَا الإِنْسَانُ مُقَامَ يَدِهِ فِي الحِفْظِ كَيَدِ المُودَعِ وَالوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ، وَالعَامِلِ، وَالمُسْتَأْجِرِ، وَالمُرْتَهِنِ، وَالوَصِيِّ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَتَفَرَّدُ مَالِكُهَا بِالمَنْفَعَةِ كَالوَدِيعَةِ، وَالوَكِيلِ بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَمِنْهُ: مَا يَشْتَرِكَانِ فِي الاِنْتِفَاعِ كَيَدِ المُرْتَهِنِ وَالمُسْتَأْجِرِ وَالعَامِلِ وَالشَّرِيكِ. وَأَمَّا اليَدُ الضَّامِنَةُ: فَمَا يُقْبَضُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِيُتَفَرَّدَ بِمَنْفَعَتِهِ كَالمَقْبُوضِ بِالغَصْبِ، وَالعَارِيَةِ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، وَالمَقْبُوضِ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ. وَأَمَّا اليَدُ المُخْتَلَفُ فِيهَا: فَهِيَ يَدُ الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ كَالصَّائِغِ وَالخَيَّاطِ وَالقَصَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ (١): أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَبْضَهُمْ قَبْضَ أَمَانَةٍ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَبْضَ ضَمَانٍ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢): بَابَ التَّوْكِيلِ فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالشِّرَاءِ وَالبَيْعِ يَكُونُ وَكِيلًا لِلْآمِرِ وَإِنْ لَمْ (٣). (٤) وَلَهُ قَدْ وَكَّلْتُكَ بِكَذَا، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (ثُمَّ بِعْ سِلْعَتكَ بِأَيِّ تَمْرٍ شِئْتَ) (٥)، وَبِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (تَجَاوَزُوا
следующие страницы →