Полный текст (2 249 стр.). Показаны 2029–2068 · переход к 2034.
стр. 2029
وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَأَحْرَزَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ.
وَأَنَّ أَهْلَ الشُّرْبِ الأَعْلَى مُقَدَّمُونَ عَلَى أَهْلِ الشُّرْبِ الأَسْفَلِ.
وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَعْلَى أَنْ يَحْبِسَهُ عَنِ الأَسْفَلِ إِذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ حَاجَتَهُ مِنْهُ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ لِأَيِّهِمَا شَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الأَسْهَلَ أَخْذًا بِالْمُسَامَحَةِ، وَإِيثَارًا لِحُسْنِ الجِوَارِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَنْصَارِيَّ يَجْهَلُ مَوْضِعَ حَقِّهِ، أَخَذَهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ لَهُ فِي الزَّجْرِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُو عَنِ التَّعْزِيرِ، كَمَا لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ) أَيْ: اسْتَوْفَى.
وَ (الجَدْرُ): الجِدَارُ، وَقِيلَ: هُوَ جَزْمُ الجِدَارِ الَّذِي هُوَ الحَائِلُ بَيْنَ المَسَارَاتِ.
وَحُكْمُهُ ﷺ فِي حَالِ غَضَبِهِ مَعَ نَهْيِهِ أَنْ يَحْكُمَ الحَاكِمُ وَهُوَ غَضْبَانُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ، إِذْ قَدْ عَصَمَهُ اللهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا.
وَفِي رِوَايَةٍ: (فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ النَّبِي ﷺ ) (١)، أَيْ: أَغْضَبَهُ، وَالحَفِيظَةُ وَالحَفَظَةُ: الغَضَبُ.
قَالَ (٢): [من البسيط] стр. 2030
إِذَنْ لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ … عِنْدَ الْحَفِيظَةِ .... .....
وَقَالَ العَجَّاجُ (١): [من الرَّجز]
وَحِفْظَةٍ أَكَنَّهَا ضميري .... .... ....
قِيلَ (٢): قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَحْفَظَ) مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَصِلَ بَعْضَ كَلَامِهِ بِالحَدِيثِ إِذَا رَوَاهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي شَيْءٍ كَانَ يَرْوِيهِ: مَيِّزْ قَوْلَكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَمِنْ بَاب: لَا حِمَى إِلَّا للهِ
قَالَ: (بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرِفَ وَالرَّبَذَةَ) (٣).
(النَّقِيعُ) بِالنُّونِ: مَوْضعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ (٤)، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اللهُ ﵁: (رَأَى فِي стр. 2031
عَامِ المَجَاعَةِ رَوْثًا فِيهِ شَعِيرٌ فَقَالَ: لَئِنْ عِشْتُ، لأَجْعَلَنَّ لَهُ مِنْ غَرَزِ النَّقِيعِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ قُوتِ الْمُسْلِمِينَ) (١).
قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٢): الغَرَزُ: نَبْتٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٣): الغَرَزُ: شَجَرٌ.
وَفِي الحَدِيثِ: (حَمَى غَرَزَ النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ) (٤).
قِيلَ: الغَرَزُ: ضَرْبٌ مِنَ الثُّمَامِ.
وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ (٥): الغَرَزُ: نَبْتٌ رَأَيْتُهُ بِالبَادِيَةِ يَنْبُتُ فِي سُهُولَةِ الأَرْضِ. стр. 2032
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: النَّقِيعُ بِالنُّونِ: مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ حماه عمر ﵁ لِلنَّعَمِ الفيء.
وَفِي الحَدِيثِ: (نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ البِشْرِ) (١)، يَعْنِي: فَضْلَ مَائِهَا الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَقِيلَ: النَّقْعُ: المَاءُ النَّاقِعُ، وَهُوَ كُلُّ مَاءٍ مُسْتَنْقَعٍ، وَيُقَالُ: شَرِبَ حَتَّى نَقَعَ، أَيْ: رَوِيَ، وَمَاءٌ نَفْعٌ، أَيْ: ذُو نَقْعٍ، أَيْ: مُرْوٍ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): النَّقِيعُ: البئْرُ الكَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَالنَّقِيعُ: الْمَاءُ، وَالنَّقِيعُ: الْمَاءُ النَّاقِعُ، وَالنَّقِيعُ: مَاءٌ يُنْقَعُ فِيهِ التَّمْرُ، وَالنَّقِيعُ: الزَّبِيبُ الْمَنْقُوعُ، وَالنَّقُوعُ: مَا يَقَعُ فِي الْمَاءِ لِدَوَاءٍ، وَالْمِنْقَعُ: إِنَاؤُهُ، وَالنَّقُوعُ أَيْضًا: الْمَاءُ النَّاقِعُ.
وَ (السَّرِفُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ: مَوْضِعٌ مِنْ مَكَّةَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ (٣)، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِكُمْ فَسَرِفْتُكُمْ.
قَالَ: [من الكَامِل]
إِنَّ امْرَءًا سَرْفَ الفُؤَادِ يَرَى … عَسَلًا بِمَاءِ سَحَابَةٍ شَتْمِي (٤)
وَقَالَ: [من البسيط]
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ … مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ (٥) стр. 2033
وَ (الرَّبْذَةُ): مَوْضِعٌ بِالبَادِيَةِ فِيهَا قَبْرُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (١).
وَمِنْ بَابِ: الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أَوْ شِرْبٌ فِي حَائِطِ أَوْ نَخْلٍ
* قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ بَاعَ [نَخْلًا بَعْدَ] (٢) أَنْ تُؤَبَّرٍ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِع) (٣).
وَفِي حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: (وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) (٤).
في الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى إِجَازَةِ اشْتِرَاطِ الْمُبْتَاعَ مَالَ العَبْدِ الْمُشْتَرَى فِي عَقْدِ الشَّرَاءِ.
وَفِيهِ اسْتِحْقَاقُ البَائِعِ مَالَ العَبْدِ بِتَرْكِ اشْتِرَاطِ الْمُبْتَاعِ مَالَهُ.
وَقَوْلُهُ: (فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ): إِضَافَةُ الْمَالِ إِلَى العَبْدِ كَإِضَافَةِ التَّمْرَةِ إِلَى النَّخْلِ، وَالنَّخْلُ لَا يَمْلِكُ الثَّمْرَةَ، وَلَكِنْ يَحْوِيهَا، وَالعَبْدُ يَحْوِي مَا فِي يَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ مِلْكًا [لَهُ] (٥).
وَالعَرَبُ تُضِيفُ الشَّيْءَ إِلَى مَنْ يَحْوِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، كَمَا تُضِيفُ إِلَيْهِ مَالَهُ الَّذِي هُوَ مَالِكُهُ. стр. 2034
قَالَ أَهْلُ النَّحْوِ (١): الإِضَافَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِضَافَةُ الغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ بِمَعْنَى اللَّامِ، كَقَوْلِكَ: دَارُ زَيْدٍ، أَيْ: دَارٌ لِزَيْدٍ، وَتُسَمَّى إِضَافَةَ الْمِلْكِ، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى مَحَلَّهِ كَمَاءِ البِئْرِ، وَمَاءِ الكُوزِ.
وَقَدْ يُضَافُ البَعْضُ إِلَى الكُلِّ كَقَوْلِهِمْ: ثَوْبُ خَزٍّ، وَخَاتَمُ حَدِيدٍ، لأَنَّ الثَّوْبَ بَعْضُ الخَزِّ، وَالخَاتَمَ بَعْضُ الحَدِيدِ.
وَمِنْ ذَلِكَ [اسْتِحْقَاقُ البَائِعِ] (٢) ثَمَرَةَ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرَةِ بِتَرْكِ اشْتِرَاطِ الْمُبْتَاعِ ثَمَرَتَهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّخْلَ إِذَا بِيعَ قَبْلَ الإِبَارِ كَانَتِ الثَّمْرَةُ الَّتِي فِي الطَّلْعِ مُسْتَكِنَةً لِلْمُبْتَاعِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُهُ فِي عَقْدِ البَيْعِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّخْلَ الْمَبِيعَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَى الْمُبْتَاعِ دُونَ الثَّمْرَةِ، وَتَكُونُ الثَّمْرَةُ لِلْبَائِعِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَهُ مَالٌ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الجَارِيَةَ إِذَا بِيعَتْ وَعَلَيْهَا حُلِيٌّ وَثِيَابُ زِينَةٍ، أَنَّ تِلْكَ الحُلِيَّ وَالثِّيَابَ لِبَائِعِهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مُبْتَاعُهَا.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَكَذَا رَوَاهُ - يَعْنِي البُخَارِيُّ - (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ стр. 2035
المُبْتَاعُ) (١)، بِغَيْرِ هَاءٍ، وَالَّذِي يَرْوِيهِ هَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَهُ اشْتِرَاطُ بَعْضِ الثَّمْرَةِ، وَمَنْ رَوَى (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) بِالهَاءِ، لَا يَرَى إِلَّا اشْتِرَاطَ الكُلِّ، (وَكَذَلِكَ رَبُّ العَرِيَّةِ) (٢).
وَقَوْلُ زَيْدِ بن ثَابت: (أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا) (٣)، العَرَايَا: جَمْعُ عَرِيَّةٍ، وَهِيَ النَّخْلَةُ يُعْطِيهَا الرَّجُلُ [وَيَسْتَثْنِي النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ] (٤) يَأْكُلُ ثَمْرَتَهَا، يُقَالُ: أَعْرَى يُعْرِي إعْرَاءً، فَهُوَ مُعْرٍ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَالنَّخْلَةُ عَرِيَّةٌ، قَالَ: [من الطويل]
لَيسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَبِيَّةٍ … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينِ الجَوَائِح (٥)
وَ (رَخَصَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ) (٦)، أَيْ: بِمِقْدَارِ مَا فِيهَا مِنَ التَّمْرِ.
يُقَالُ: خَرَصَ النَّخْلَةَ يَخْرِصُهَا خَرْصًا إِذَا حَزَرَهَا فَقَدَّرَ مَا فِيهَا. стр. 2036
وَمِنْ بَابِ: كِتَابَةِ القَطَائِعِ
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): أَقْطَعْتُ الرَّجُلَ أَرْضًا إِقْطَاعًا، وَفِي الحَدِيثِ: (فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ) (٢).
وَفِي الحَدِيثِ: (اسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبٍ) (٣). стр. 2037
يُقَالُ: اسْتَقْطَعَ فُلَانٌ الإِمَامَ قَطِيعَةً مِنْ أَرْضِ كَذَا إِذَا سَأَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا لَهُ وَيُبَيِّنَهَا مِلْكًا لَهُ، أَيْ: يُفْرِدُهَا.
وَالإِقْطَاعُ يَكُونُ تَمْلِيكًا وَيَكُونُ غَيْرَ تَمْلِيكٍ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْطَعَ النَّاسَ الدُّورَ) (١)، أَيْ: أَنْزَلَهُمْ فِي دُورِ الأَنْصَارِ، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ مِنَ القَطْعِ. стр. 2038
وَمِنْ بَابِ بَيْعِ الحَطَّبِ وَالكَلأ
* حَدِيثُ: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا) (١)، (الأَحْبُلُ) جَمْعُ الحَبْلِ.
وَفِيهِ فَضْلُ الكَسْبِ وَالاِحْتِطَابِ وَالحَمْلِ عَلَى الظَّهْرِ لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ.
وَفِيهِ كَرَاهَةُ السُّؤَالِ.
* وَفِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁: (أَصَبْتُ شَارِفًا) (٢)، (الشَّارِفُ): الْمُسِنَّةُ مِنَ النُّوقِ.
وَقَوْلُهُ: (يَا حَمْزَ لِلشَّرُفِ النَّوَاءُ)، (النِّوَاءُ): جُمْعُ نَاوِيَةٌ، يُقَالُ: نَاقَةٌ نَاوِيَةٌ، وَنُوقٌ نِوَاءٌ، أَيْ: سِمَانٌ، وَنَوَتِ النَّاقَةُ تَنْوِي، إِذَا سَمُنَتْ.
وَ (الشُّرُفُ): جَمْعُ الشَّارِفِ.
وَقَوْلُهُ: (يُقَهْقِرُ) أَيْ: يَمْشِي وَرَاءَهُ، يُقَالُ رَجَعَ القَهْقَرَى: إِذَا رَجَعَ وَوَجْهُهُ إِلَيْكَ يَمْشِي إِلَى خَلْفِهِ.
وَ (جَبَّ) أَيْ: قَطَعَ.
وَ (بَقَرَ): أَيْ: شَقَّ.
وَ (الخَوَاصِرُ) جَمْعُ الخَاصِرَةِ، وَهِيَ الجَنْبُ (٣)، وَهَذِهِ القِصَّةُ كَانَتْ قَبْلَ стр. 2039
تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَلِذَلِكَ عَذَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَمْزَةَ فِي قَوْلِهِ: (هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي)، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِهِ، وَكَانَ ثَمِلًا.
وَمِنْ بَابِ القَطَائِعِ
قَوْلُهُ (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) (١) يَعْنِي: سَتَرَوْنَ بَعْدِي مِنَ التَّفْضِيلِ فِي العَطَاءٍ، وَمَا يُؤْثَرُ بِهَا الرَّجُلُ.
قِيلَ (الأَثَرَةُ): ما يُؤْثَرُ بِهِ الرَّجُلُ، أَيْ: مَا يُفَضَّلُ بِهِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: أَثَرٌ، وَجَمْعُهَا أُثْرٌ، وَقِيلَ: أَثَرَةٌ وَأُثْرٌ.
قَالَ الحُطَيْئَةُ فِي عُمَرَ ﵁ (٢): [من البسيط]
مَا أَثَرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا … وَلَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الأَثَرُ
وَقِيلَ: الْأَثْرُ: جَمْعُ أَثْرَةٍ، كَبَدْرَةٍ وَبَدْرٌ.
وَالْمَحْفُوظُ فِي الحَدِيثِ: (أَثَرَةٌ) بِفَتْحِ الثَّاءِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ آثَرَ يُؤْثِرُ إِيثَارًا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى عَرَبِيَّةٌ وَهِيَ: الأَثْرَى.
قَالَ الشَّاعِرُ: [من الطَّوِيل]
فَقُلْتُ لَهُ يَا ذِئْبُ هَلْ لَكَ فِي أَخٍ … يُوَاسِي بِلَا أُثْرَى عَلَيْكَ وَلَا بُخْلِ (٣) стр. 2040
وَمِنْ بَابِ: هُلْ يُعْطِي أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ
وَبَاب: حُسْن القَضَاءِ
فِيهِ مِنَ الفِقْهِ جَوَازُ اسْتِقْرَاضِ الحَيَوَانِ، وَجَوَازُ السَّلَفِ فِي الحَيَوَانِ، وَفِي كُلِّ مَا يُضْبَطُ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ يُوجَدُ غَالِبًا عِنْدَ حُلُولِ الحَقِّ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَقْرَضَ دَرَاهِمَ فَأُعْطِيَ خَيْرًا مِمَّا دَفَعَ طَابَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ربًا، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي أَصْلِ القَرْضِ.
وَمِنْ بَابِ: إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ
* فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١).
قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): هَذِهِ سُنَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَنَّهَا فِي اسْتِدْرَاكِ حَقِّ مَنْ بَاعَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالوَفَاءِ، فَأَخْلَفَ مَوْضِعَ ظَنِّهِ، وَظَهَرَ عَلَى إِفْلَاسِ غَرِيمِهِ.
وَالأَصْلُ أَنَّ الْأَعْيَانَ وَالذِّمَمَ إِذَا تَقَابَلَتْ كَانَتِ الْأَعْيَانُ مُقَدَّمَةً عَلَى الذِّمَمِ.
وَأَجْرَى الشَّافِعِيُّ (٣) ﵀ الحُكْمَ فِي الحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، فَجَعَلَهُ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَتَاعِهِ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ اقْتَضَى شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ لَمْ يَكُنِ اقتضاءٌ. стр. 2041
وَقَالَ مَالِكٌ (١): إِذَا اقْتَضَى مِنَ الثَّمَنِ شَيْئًا صَارَ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ فِي البَاقِي.
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: الْمُبْتَاعُ إِذَا اشْتَرَى الشَّيْءَ وَقَبَضَهُ فَقَدْ صَارَ مِنْ ضَمَانِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصْ عَلَيْهِ مِلْكَهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى مُخَالَفَةِ الأُصُولِ في مثله.
وَالحَدِيثُ إِذَا صَحَّ وثَبَتَ، صَارَ أَصْلًا يَجِبُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَأَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى أَصْلِ آخَرَ. وَقَدْ وَجَدْنَا الرَّجُلَ يَبْتَاعُ الشَّيْء وَيَقْبِضُهُ فَيَصِيرُ مِنْ ضَمَانِهِ، ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ حَقُّ الشَّفِيعِ فَيْنَقُصُّ عَلَيْهِ مِلْكَهُ، وَقَدْ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى مَهْرٍ مَعْلُومٍ فَتَقْبِضُهُ وَتَتَصَّرَفُ فِيهِ بِالعِتْقِ [إِنْ كَانَ رَقِيقًا فَيَنْفَذُ] (٢)، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَنْتَقِصُ عَلَيْهَا المِلْكُ فِي النَّصْفِ مِنَ المَهْرِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا مُخَالَفَةُ الأُصُولِ.
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ العِرَاقِ (٣): لَوْ وُهِبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ هِبَةً فَلَمْ يُعَوِّضُهُ مِنْهَا، كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْتَجِعَهَا، فَلَمْ يَعْبَأُ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ سَائِرَ الْأُصُولِ، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : (العَائِدُ فِي هِبَتِهِ [كَالعَائِدِ] (٤) فِي قَيْئِهِ) (٥). стр. 2042
وَمِنْ بَابِ [لصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالٌ] (١)
* قَالَ البُخَارِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) (٢).
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): (اللَّيُّ): الْمَطْلُ، يُقَالُ: لَوَانِي حَقِّي لَيًا وَلَيَانًا إِذَا مَطَلَكَ حقَّك.
وَ (الوَاجِدُ): الغَنِيُّ مِنَ الوُجْدِ، وَهُوَ السَّعَةُ وَالقُدْرَةُ عَلَى المِلْكِ.
قَوْلُهُ: (يُحِلُّ عِرْضَهُ) يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ [ظَالِمٌ] (٤)، وَ (عُقُوبَتَهُ): بِالحَبْسِ وَالْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ.
وَمِنْ بَابِ: الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعَ الدَّيْنِ
* فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ (٥). стр. 2043
قَوْلُهُ: (فَصَنَّفْ ثَمْرَكَ) أَيْ: مَيَّزْ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُ مِنَ الْآخَرِ.
(عَلَى حِدَتِهِ) أَيْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، (عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ): نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، مَنْسُوبٌ إِلَى ابْنِ زَيْدٍ.
(وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ) أَلْوَانٌ التَّمْرِ مَا خَلَا البُرَنِيَّ وَالعَجْوَةَ، وَالبُرَنِيُّ وَالعَجْوَةُ مِنْ أَجْوَدِ تُمُورِ الْمَدِينَةِ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (١)، اللِّينَةُ لَيْسَ مِنْ جَيِّدِ التَّمْرِ، وَجَمْعُهَا: لِينٌ، وَوَزْنُهُ (فِعْلَةٌ).
وَ (العَذْقُ): النَّخْلَةُ بِفَتْحِ العَيْنِ، وَالعِذْقُ بِالكَسْرِ: الكِبَاسَةُ، وَالكِبَاسَةُ مِنَ التَّمْرِ بِمَنْزِلَةِ العُنْقُودِ مِنَ العِنَبِ، وَقَدْ يُقَالُ: العَذْقُ.
وَقَوْلُهُ: (عَلَى نَاضِحٍ) النَّاضِحُ (٢) البَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَزْحَفَ الجَمَلُ) يُقَالُ: أَزْحَفَهُ السَّيْرُ فَزَحَفَ أَيْ: أَعْيَى وَكَلَّ.
وَقَوْلُهُ: (فَوَكَزَهُ) أَيْ: ضَرَبَهُ، أَيْ: ضَرَبَهُ بِالعَصَا، وَالوَكْزُ قَدْ يَكُونُ بِجَمْعِ الكَفِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ)، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا.
وَقَوْلُهُ: (وَسَهْمِي مَعَ القَومِ)، أَيْ: أَعْطَانِي السَّهْمَ. стр. 2044
وَمِنْ بَاب: مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ
* فِيهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ (١).
(عُقُوقُ الأُمَّهَاتِ): مُخَالَفَتُهُنَّ فِيمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاحِ، وَأَصْلُ العُقُوقِ: القَطْعُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَقَّ الشَّيْء، أَيْ: قَطَعَهُ، فَكَأَنَّ العَاقَّ لِأُمِّهِ قَدْ قَطَعَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): عَقَّ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ يَعُقُّهُ، أَيْ: شَقَّهُ.
(وَأْدُ البَنَاتِ): هُوَ مَا كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ، إِذَا وُلِدَ لَهُمْ أُنْثَى دَفَنَتْهَا حَيَّةً.
يُقَالُ: وَأَدْتُ الْمَوْلُودَةَ أَيْدُهَا وَأدًا، إِذَا فَعَلْتُ بِهَا ذَلِكَ، وَأَنْتَ وَائِدٌ، وَهِيَ مَوْءُودَةٌ، مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٣).
وَمِنْ بَاب: مَا يُذْكَرُ مِنَ الإِشْخَاص
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): شَخَصَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَأَشْخَصَ الرَّامِي إِذَا جَازَ سَهْمُهُ الغَرَضَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَهُوَ سَهْمٌ شَاخِصٌ.
* فِيهِ حَدِيثُ: (لَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا) (٥)، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي стр. 2045
هُرَيْرَ ﵁: (اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) (١).
قَوْلُهُ: (يُصْعَقُونَ) أَيْ: يَخِرُّونَ صَرْعَى بِصَوْتٍ يَسْمَعُونَهُ، يُوجِبُ فِيهِمْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (فَلَا أَدْرِي، كَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُوْلَى) أَيْ: الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ (٣).
وَقَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى الله)، يُرِيدُ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤)، أَيْ: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ لَا يُصْعَقَ، يُقَالُ: صَعِقَ الرَّجُلُ يُصْعَقُ إِذَا أَصَابَهُ فَزَعٌ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ)، أَيْ: قَابِضٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: (بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ) الْمَعْنَى: يَتَعَلَّقُ بِهِ بِقُوَّةٍ، وَفِي القُرْآنِ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (٥)، أَيْ: أَخَذْتُمْ أَخْذَ الجَبَابِرَةِ، وَفِيهِ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٦).
وَقِيلَ: عُوفِيَ مِنَ الصَّعْقِ لَمَّا كَانَ مَنْ صَعِقَهُ بِالطُّورِ. стр. 2046
وَمِنْ بَابِ: مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيف
* فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) (١).
(الخِلَابَةُ): الخِدَاعُ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الخِلَابَةُ أَنْ تَخْلِبَ الْمَرْأَةُ قَلْبَ الرَّجُلِ بِاللُّطْفِ.
وَرَجُلٌ خَلَبُوتٌ، أَيْ: ذُو خَدِيعَةٍ، يُقَالُ: خَلَبْتُهُ بِمَنْطِقِي، أَيْ: خَدَعْتُهُ.
وَمِنْ بَابِ: كَلامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ
* فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ (٣).
قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): تَكَلَّمَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، وَذَهَبُوا فِي تَأْوِيلِهِ إِلَى وُجُوهِ مُخْتَلِفَةٍ، أَبْيَنُهَا فِي النَّظَرِ: أُنزِلَ القُرْآنُ مُرَخَّصًا لِلْقَارِئِ وَمُوَسَّعًا لَهُ أَنْ يَقْرَأَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، يَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْهَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى هَذَا مِنَ الشُّرُوطِ، أَوْ أُنْزِلَ مَأْذُونًا لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ (٥) عَلَى أَيِّ هَذِهِ الوُجُوهِ شَاءَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ التَّوْسِعَةُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ أَي القُرْآنِ وَأَلْفَاظِهِ стр. 2047
وَحُرُوفِهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ مَا اتَّفَقَ فِيهِ [الْمَعْنَى] (١) أَوْ تَقَارَبَ، دُونَ مَا تَبَايَنَ مِنْهَا وَاخْتَلَفَ.
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ هَذِهِ السُّهُولَةُ فِي القِرَاءَاتِ إِذْ ذَاكَ لِعَجْزِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَنْ أَخْذِ القُرْآنِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَكَانُوا قَوْمًا أُمِّيِينَ، وَلَوْ كُلِّفُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَأُخِذُوا بِأَنْ يَقْرَؤُوهُ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلأَدَّى ذَلِكَ إِلَى النُّفْرَةِ، فَلَمَّا زَالَتِ الأُمِّيَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ، وَصَارُوا يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ وَقَدَرُوا عَلَى حِفْظِ القُرْآنِ، لَمْ يَسَعُهُمْ أَنْ يَقْرَؤُوهُ عَلَى خِلَافِ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَكَذَّبُوهُ فِي المُصْحَفِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الحَرْفِ وَمَعْنَاهُ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الحَرْفِ: الجِهَةُ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٢)، أَيْ: عَلَى جهَةٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي مَالٍ، وَالطَّمَعِ فِي نَفْعٍ، بَيَّنَ هَذَا مَا بَعْدَهُ: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٣).
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الحَرْفِ هَا هُنَا: اللُّغَاتُ، يُرِيدُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ مِنْ لُغَاتِ العَرَبِ، وَهِيَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَأَعْلَاهَا فِي كَلَامِهِمْ، قَالُوا: وَهَذِهِ اللُّغَاتُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي القُرْآنِ غَيْرُ مُجْتَمِعَةٍ فِي الكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الحَرْفِ هَا هُنَا: الإِعْرَابُ، وَأَصْلُ الحَرْفِ الطَّرَفُ، يُقَالُ: هَذَا حَرْفُ الشَّيْء، أَيْ: طَرَفُهُ وَحَاشِيَتُهُ، وَالإِعْرَابُ إِنَّمَا يَلْزَمُ آخِرَ الأَسْمَاءِ، стр. 2048
فَسُمِّيَ [٢٦٢] الإِعْرَابُ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُهُ وَمَحَلُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: فُلَانٌ يَقْرَأُ بِحَرْفِ عَاصِمٍ، وَحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو، أَيْ بِالوَجْهِ الَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الإِعْرَابِ وَالْمَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَهُ فِيهِ.
قِيلَ: رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُدَارِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (١)، وَيُعَارِضُهُ إِيَّاهُ، فَيَنْزِلُ فِي كُلِّ عَرْضَةٍ بِحَرْفٍ إِلَى أَنِ اسْتَوْفَى العدد.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) (٢).
وَقَوْلُهُ: (فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): لَبَّبْتُهُ: أَيْ: أَخَذْتُ بِتَلْبِيبِهِ، وَذَلِكَ إِذَا جَمَعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ يَجُرُّهُ.
وَلَبَّبْتُهُ: ضَرَبْتُ لُبَّتَهُ، كَمَا يُقَالُ: رَأَسْتُهُ: ضَرَبْتُ رَأْسَهُ، وَاللَّبَّةُ: مَوْضِعُ القِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وَتَلَبَّبَ الرَّجُلُ: إِذَا تَحَزَّمَ.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَلَبِّبًا بِهِ) (٤). стр. 2049
قَالَ أَبُو عُبَيْدِ (١): هُوَ الَّذِي تَحَزَّمَ بِهِ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ جَمَعَ ثَوْبَهُ مُتَحَزِّمًا بِهِ فَقَدْ تَلَبَّبَ.
وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ: (حَتَّى كَشَفَ سَجَفَ حُجْرَتِهِ) (٢)، (السَّجَفُ): السِّتْرُ، وَأَسْجَفْتُ السِّتْرَ: أَرْسَلْتُه.
وَمِنْ بَابِ: اللُّقَطَةِ
فِيهِ حَدِيثُ أُبَيِّ [بْنِ] (٣) كَعْبٍ ﵁، فَقَوْلُهُ: (احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا) (٤)
فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ أَخْذَ اللُّقَطَةِ جَائِزٌ.
وَفِيهِ أَنَّ اللُّقَطَةَ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يَبْقَى مُدَّةَ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ يَلْحَقُهَا بِطُولِ اللُّبْثِ، فَإِنَّهَا تُعَرَّفُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُلْتَقِطِ يَسْتَمْتِعُ [بِهَا] (٥)، وَالغَنِيُّ وَالفَقِيرُ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ (٦): وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ مَيَاسِيرِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا لِأَحَدٍ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا لِيَكُونَ إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَاعْتَرَفَهَا بِصِفَتِهَا، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ بِإِصَابَةِ стр. 2050
النَّعْتِ وَالصِّفَةِ لَهَا رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا.
وَإِمَّا لِيَكُونَ مُمَيِّزًا لَهَا بِتِلْكَ العَلَامَاتِ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ، فَلَا تَخْتَلِطُ بِهِ، فَيَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِيهَا.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): (الوِكَاءُ): الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ القِرْبَةِ.
و (العِفَاصُ): صَمَّامُ القَارُورَةِ.
وَقَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا) فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ: حَوْلٌ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ العُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا شَكّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): العِفَاصُ: الوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ، إِنْ جِلْدًا كَانَ أَوْ خِرْقَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الجِلْدُ الَّذِي يُلَبَّسُ رَأْسَ القَارُورَةِ العِفَاصَ، لِأَنَّهُ كَالوِعَاءِ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: (فَتَمَعَرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ (٣).
وَمِنْ بَابِ: لا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ
* فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (٤). стр. 2051
قَوْلُهُ: (أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُه) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): الْمَشْرَبَةُ: الغُرْفَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَالْمَشْرَبَةُ بِالفَتْح: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ.
وَقِيلَ: الْمَشْرُبَةُ وَالْمَشْرَبَةُ: مَوْضِعُ مُرْتَفِعٌ يُخَزِّنُ الرَّجُلُ فِيهَا مَتَاعَهُ.
شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي حِفْظِهَا الْأَلْبَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا بِالْمَشْرَبَةِ الَّتِي تَحْفَظُ مَا أُودِعَتْ مِنْ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ.
وَفِي الحَدِيثِ رَدُّ الشَّيْءٍ إِلَى نَظِيرِهِ لِلشَّبَهِ الْمَوْجُودِ بَيْنَهُمَا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁: (فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ) (٢).
أَصْلُ العَقْلِ: الحَبْسُ، يُقَالُ: عُقِلَتِ الْمَرْأَةُ فِي خِدْرِهَا، أَيْ: حُبِسَتْ، وَالعَقِيلَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي قَدْ عَقَلَتْ صَوَاحِبَهَا مِنْ أَنْ يَبْلُغْنَهَا.
قَالَ امْرُؤُ القَيْس (٣): [من الطويل]
عَقِيلَةُ أَخْدَانٍ لَهَا لَا دَمِيمَةٌ … وَلَا ذَاتُ خُلُقٍ إِنْ تَأَمَّلْتَ جَأْنَبِ
وَفِي الحَدِيثِ: (مَنِ اعْتَقَلَ الشَّاةَ فَأَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ) (٤)، стр. 2052
اعْتِقَالُ الشَّاةِ: أَنْ يَضَعَ رِجْلَهَا بَيْنَ سَاقِهِ وَفَخِذِهِ، ثُمَّ يَحْلُبَهَا.
قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): اعْتَقَلَ فُلَانٌ رُمْحَهُ: إِذَا وَضَعَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَسَاقِهِ، وَاعْتُقِلَ لِسَانُ فُلَانٍ: إِذَا ارْتُجَّ عَلَيْهِ.
وَالعِقَالُ: الحَبْلُ الَّذِي تُعْقَلُ بِهِ الفَرِيضَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ، يُقَالُ: عَقَلْتُ البَعِيرَ إِذَا حَبَسْتُهُ بِالعِقَالِ، وَعَقَلَ الطَّعَامَ بَطْنُهُ، أَيْ: أَمْسَكَهُ.
وَقَوْلُهُ: (فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ)، قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (٢): الكُثْبةُ: القِطْعَةُ مِنَ اللَّبَنِ وَمِنَ التَّمْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاجْتِمَاعِهَا.
وَفِي الحَدِيثِ: (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمُغَيَّبَةِ - يَعْنِي الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا - يَخْدَعُهَا بِالكُثْبَةِ مِنَ اللَّبَنِ) (٣)، قِيلَ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا جَمَعْتَهُ (٤) مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا فَهُوَ كُثْبةٌ، وَقَدْ كَثَبْتُهُ أَكْتُبُهُ إِذَا جَمَعْتُهُ (٥). стр. 2053
وَمِنْ بَاب: قَضَاءِ المَظَالِمِ
قَوْلُهُ: (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) (١).
أَيْ: نَجُوا مِنْهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٢) أَيْ: تَمَيَّزُوا وَيَعُدُوا عَن النَّاسِ يَتَنَاجَوْنَ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): خَلَصْتُهُ مِنْ كَذَا فَخَلَصَ، وَخَلَصَ الشَّيْءُ: صَارَ خَالِيًّا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ (٤) أَيْ: أَجْعَلُهُ خَالِصًا لِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ (٥) أَيْ: أَصْفَيْنَاهُمْ، وَالخِلَاصُ: مَا أَخْلَصَتْهُ النَّارُ مِنَ الذَّهَبِ.
وَقَوْلُهُ: (فَيَتَقَاصُّونَ) يَتَفَاعَلُونُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَصَصْتُ الأَثَرَ إِذَا تَبِعْتُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ: القِصَاصُ فِي الجِرَاحِ، وَهُوَ: أَنْ يَجْرَحَهُ مِثْلَ جُرْحِهِ أَوْ يَقْتُلَهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا نُقُّوا)، نُقُّوا: فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِنَ التَّنْقِيَةِ، يُقَالُ: نَقَّيْتُ الشَّيْءَ: خَلَّصْتُهُ وَمَيَّزْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالنُّقَاوَةُ: أَفْضَلُ مَا انْتَقَيْتُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالنَّقَاءُ: النَّظَافَةُ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: نُظِّفُوا. стр. 2054
وَقَوْلُهُ: (هُذِّبُوا) يُقَالُ: رَجُلٌ مُهَذَّبٌ أَي مُنَقَّى مِنَ العُيُوبِ. قَالَ: [من الطَّوِيل]
...... ...... ...... … وَأَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ (١)
وَقَوْلُهُ: (أَدُلُّ) مِنْ دِلَالَةِ الطَّرِيقِ.
وَقَوْلُهُ: (فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) (٢) أَيْ سِتْرَهُ، وَاكْتَنَفْتُهُ (٣) أَيْضًا، وَكَنَفَا الطَّائِرِ جَنَاحَاهُ.
وَمِنْ بَابِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ
* حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: (فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ) (٤).
(التَّلُّ): الدَّفْعُ، وَقَوْلُهُ ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٥)، أَيْ: صَرَعَهُ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: (وَتَرَكُوكَ لِمَتَلِّكَ) (٦) أَيْ: لِمَصْرَعِكَ. стр. 2055
وَفِي الحَدِيثِ: (أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَتُلَّتْ فِي يَدِي) (١)، أَيْ: فَأُلْقِيَتْ فِي يَدِي، يَعْنِي مَا فُتِحَ لِأُمَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ خَزَائِنِ مُلُوكِ الْأَرْضِ، فَحَقَّقَ اللهُ رُؤْيَاهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ .
وَمِنْ بَابِ: إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لِآخَرَ
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) (٢).
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْء أَيْ: جَعَلْتُهُ قَرِينَهُ، وَالقِرَانُ وَالقَرَنُ: الحَبْلُ يُقْرَنُ بِهِ شَيْءٌ، وَالْقِرَانُ: أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كَالتَّمْرَتَيْنِ عِنْدَ الْأَكْلِ.
وَفِي كِتَابِ البُخَارِيُّ: الإِقْرَانُ، وَقِرَانُ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَرِينَةُ الرَّجُلِ: امْرَأَتُهُ.
وَمِنْ بَابِ: إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
أَيْ: عَدَلَ عَنِ الحَقِّ، وَ (غَدَرَ) (٤) أَيْ: نَقَضَ العَهْدَ. стр. 2056
وَمِنْ بَابِ: مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ
السَّقِيفَةُ: الصِّفَةُ، وَبَيْتٌ مُسَقَّفٌ: لَهُ سَقْفٌ، وَسَقِيفَةُ بَنِي سَاعِدَةَ: نُسِبَتْ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا بِنَاءَهَا.
وَقَوْلُهُ: (لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ) (١).
قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): "قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى الوُجُوبِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ حَمَلْتُهُ عَلَى رِقَابِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ حَقِّ الجَارِ، وَعِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمَعْرُوفِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ غَرْزَ خَشَبَةٍ فِي جِدَارِهِ إِنَّمَا هُوَ دُخُولٌ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفٌ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةٍ نَفْسِهِ) (٣) فَدَلَّ стр. 2057
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ [الْمَعُونَةِ] (١) وَالاِسْتِحْبَابِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِحْقَاقِ، لأَنَّ حُسْنَ الجِوَارِ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ مِنَ الجَانِبَيْنِ".
وَمِنْ بَابِ: الآبَارِ عَلَى الطَّرِيقِ
قَوْلُهُ: (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثْ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ) (٢).
(اللَّهَثُ): أَنْ يَدْلَعَ الكَلْبُ لِسَانَهُ مِنَ العَطَشِ.
وَ (الثَّرَى): التُّرَابُ النَّدِيُّ.
وَقَوْلُهُ: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ)، نَصْبُ مَفْعُولِ بَلَغَ، (مِثْلُ الَّذِي) رَفْعُ فَاعِل بَلَغَ. стр. 2058
(فَشَكَرَ اللهُ لَهُ): قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَكُورٌ﴾ (١)، أَيْ: يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ، وَيَشْكُرُ الحَسَنَاتِ (٢).
وَقِيلَ (٣): شَكُورٌ: يَزْكُو عِنْدَهُ القَلِيلُ مِنْ أَعْمَالِ العِبَادِ فَيُضَاعِفُ لَهُمْ الجَزَاءَ.
وَقَوْلُهُ: (فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)، أَيْ: فِي إِرْوَاءِ كُلَّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ، وَفِي تَسْكِينِ عِلَّتِهِ وَحَرَارَةِ كَبِدِهِ بِمَا يَسْقِيهَا إِيَّاهُ أَجْرٌ.
وَ (رَطْبَةٍ) صِفَةٌ لِكَبِد.
وَمِنْ بَاب: الغُرْفَةِ وَالعُلِّيَّةِ
(العُليَّةُ): الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ.
وَ (الأُطُمُ): الحِصْنُ.
وَ (خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أَيْ: وَسَطَ بُيُوتِكُمْ.
وَقَبْلَ هَذَا:
بَابُ: التَوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتَهُ
الْمَعَرَّةُ: الفَسَادُ. стр. 2059
وَبَابُ: فَلْيَأْتِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ
وَبَابُ: لَوْ حَلَّلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ
حَدِيثُ جَابِرٍ: (وَيُحَلِّلُوا أَبِي) (١) أَيْ: يَجْعَلُوهُ فِي حِلٍّ.
وَقَوْلُهُ: (فِي حِلٍّ) (٢).
وَقَوْلُهُ: (فَلْيَتَحَلَّلْهُ) (٣)، أَيْ: لِيَسْأَلْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ، يُقَالُ: تَحَلَّلَهُ وَاسْتَحَلَّهُ، إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُحِلَّ لَهُ الشَّيْءَ.
وَمِنْ بَاب: بَيْعِ الحَطَبِ وَالْكَلأ
* حَدِيثُ الشَّارِفَيْنِ (٤):
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الأَسْوَارِيُّ (٥)، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرٍ الفَقِيهُ فِي كِتَابِهِ (٦) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بن الحَسَنِ الْأَرْدِسْتَانِيُّ (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ стр. 2060
ابن إِسْمَاعِيلَ (١) الفَقِيهُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي دَاوُدَ (٢) قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ: فِي هَذَا الحَدِيثِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سُنةً.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِي بن إِسْمَاعِيلَ: لَمَّا قَرَأَ عَلَيْنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا الحَدِيثَ خَتَمَ بِهِ الْمَجْلِسَ، وَقَالَ: هَذَا غَايَةُ حَدِيثٍ.
وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ [أَنَّ] (٣) الغَانِمَ قَدْ يُعْطَى مِنْ جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنَ الخُمُسِ.
وَالثَّانِي: مِنَ الْأَرْبَعَةِ الأَخْمَاسِ، لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ يَوْمَئِذٍ، فَدَلَّ أَنَّ مَنْ حَضَرَ الوَقْعَةَ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي الخُمُسِ لَا يَمْنَعُهُ حَقهُ مِنَ الخُمُسِ حَقَّهُ مِنَ المَغْنَمِ، وَلَا حَقُّه مِنَ المَغْنَمِ حَقَّهُ مِنَ الخُمُسِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الكَلأ مُبَاحٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، لأَنَّ الإِذْخِرَ كَلأٌ مُبَاحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالمِلْحُ، وَنَحْوُهَا مِنَ الأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ، إِذَا مُلِكَ شَيْءٌ مِنْهَا بِالقَبْضِ عَلَيْهِ стр. 2061
وَالحَيَاةِ لَهُ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ المَاءِ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ الْمَاءِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِمَالِكِ النَّاقَةِ الاِنْتِفَاعَ بِهَا بِغَيْرِ الرُّكُوبِ؛ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الشَّارِفَيْنِ الإِذْخِرَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاِكْتِسَابِ، لأَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَرَادَ أَنْ يَحْتَشَّ الْإِذْخِرَ فَيَبِيعَهُ.
وَفِيهِ سُنَّةُ الوَلِيمَةِ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ أَرَادَ عَلِيّ ﵁ أَنْ يَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ ﵂.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ مُبَاحًا لِلْمَرْءِ إِنَاخَةُ نَاقَتِهِ أَوْ فَرَسِهِ بِجَنْبِ دَارِ إِنْسَانٍ وَعَلَى بَابِ دَارِهِ، إِذَا كَانَ لَا يَعُودُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ بِضُرٍّ، لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَنَاخَ الشَّارِفَيْنِ بِجَنْبِ دَارِ الأَنْصَارِيِّ، مُبَيَّنٌ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (١).
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْمَرْءِ التَبَسُّطَ فِي مَالِ قَرِيبِهِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَحَلَّلَهُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ حَمْزَةُ ﵁ نَحْرَ الشَّارِفَيْنِ (٢).
وَقَوْلُهُ: (جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا)، أَيْ: стр. 2062
نَحَرَهُمَا وَأَخَذَ أَطَايبَهُمَا، لأَنَّ الكَبِدَ وَالسَّنَامَ مِنْ أَطَايِبِ الإِبِلِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قَدْ صَبَّحَتْ صَبَّحَهَا السَّلَامُ … بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سِنَامُ (١)
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ البُكَاءَ الَّذِي مَجْلَبُهُ الحُزْنُ غَيْرُ مَذْمُومٍ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: (فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ)، فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (٢).
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرِ أَفْظَعَنِي).
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ إِخْبَارَ الرَّجُلِ الْمَظْلُومِ [عَمَّنْ] (٣) ظَلَمَهُ خَارِجٌ عَنِ النَّمِيمَةِ.
وَدَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الخَبَر، لأَنَّ عَلِيًّا ﵁ عَمِلَ عَلَى قَبُولِ [قَوْلِ] (٤) مَنْ أَخْبَرَ بِمَا فَعَلَهُ حَمْزَةُ ﵁، حَتَّى اسْتَعْدَى النَّبِيَّ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى شُرْبِ الشَّرَابِ الْمُبَاحِ، لأَنَّ حَمْزَةَ ﵁ كَانَ فِي البَيْتِ مَعَ شِرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ.
وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ إِذَا قُدِّمَ إِلَى الجَمَاعَةِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْهُ بِقَدْرِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، لِأَنَّهُ إِبَاحَةٌ، لَا تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ حَمْزَةَ ﵁ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْفَرَدَ بِقَدْرٍ مِنَ стр. 2063
الشَّرَابِ، بَلْ جَرَوْا عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي تَنَاوُلِ قَدْرَ الحَاجَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الغِنَاءِ بِالْمُبَاحِ مِنَ القَوْلِ، وَجَوَازِ إِنْشَادِ الشِّعْرِ.
وَدَلِيلٌ أَنَّ السَّمَاعَ مِنَ الأَمَةِ مُبَاحٌ، وَأَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ كَصَوْتِ الحُرَّةِ الَّتِي أُمِرَتْ بِالتَّصْفِيحِ إِذَا نَابَهَا شَيْءٌ فِي صَلَاتِهَا، وَنُهِيَتْ عَنِ التَّسْبِيحِ، وَالْأَغْلَبُ أَنَّ القَيْنَةَ تَكُونُ أَمَةً.
وَفِيهِ أَنَّ النَّحْرَ بِالسَّيْفِ جَائِزُ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْحُورُ بَارِكًا غَيْرَ قَائِمٍ وَلَا مَعْقُولٍ، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ أَقَامَهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَخَيَّرُ فِيمَا يَأْكُلُهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الإِسْرَافِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الكَبِدِ وَإِنْ كَانَتْ دَمًا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دَلَّ إِنْسَانًا عَلَى مَالٍ لِقَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ الَّذِي يَتَبَسَّطُ فِي مَالِهِ لَيْسَ ظَالِمًا وَلَا مَأْلُومًا، لأَنَّ القَيْنَةَ دَلَّتْ حَمْزَةَ بِمَا قَالَتْ مِنَ الشِّعْرِ عَلَى شَارِفَيْ عَلِيٍّ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَبَحَ نَاقَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ لَمْ تَحْرُمْ ذَبِيحَتُهُ.
وَفِي الشِّعْرِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ الاِثْنَيْنِ بِاسْمِ الجَمَاعَةِ، وَالإِخْبَارِ عَنْهُمَا بِمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجَمَاعَةِ، لِأَنَّ (الشُّرُفَ) جَمْعُ شَارِفٍ، وَإِنَّمَا كَانَتَا شَارِفَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: (وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ) (١)، وَلَمْ يَقُلْ مُعَقَّلَتَانِ. стр. 2064
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاسْتِعْدَاءِ لِلسُّلْطَانِ عَلَى الخَصْمِ، وَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الإِعْدَاءِ لِلْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ.
وَدَلِيلٌ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُغَيَّرَ بِنَفْسِهِ مَا يُنْكِرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَجِّهَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ غَيْرَهُ فِي أُمُورِهِ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ دَاخِلًا فِي أَهْلِ التَّجَبُّرِ، لأَنَّهُ دَعَا زَيْدًا وَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلْ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى حَيْثُ حَمْزَةُ بِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُنَّةِ الاِسْتِنْدَانِ فِي الدُّخُولِ.
وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِئْذَانَ الوَاحِدِ كَانَ عَنْهُ وَعَنِ الجَمَاعَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَتِيقَ الرَّجُلِ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أَبِيهِ دُونَ مَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ جَائِزُ لِلْإِمَامِ إِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ رَعِيَّتِهِ فِي هَيْئَةِ مَظْلُومٍ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْمَسْأَلَةِ، لِقَوْلِهِ لِعَلِيٍّ ﵁ حِينَ رَآهُ مُتَغَيِّرًا: (مَا لَكَ؟).
وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِتَحَسُّسٍ.
وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّكْرَانَ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ اللَّوْمَ، لأَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ جَائِزًا فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ شُرْبُ الخَمْرِ مُبَاحًا، فَلأَنْ يَجُوزَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا أَوْلَى.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ السَّكْرَانِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَهُ بَعْضُ العَقْلِ، وَقَالَ أَبُو
стр. 2065
حَنِيفَةَ (١): هُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ الإِمَامِ أَنْ يَلْقَ رَعِيَّتَهُ وَالخُصُومَ خُصُوصًا فِي كَمَالِ الهَيْئَةِ، أَلَا تَرَاهُ أَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رِدَاءَهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الكَلَامِ عَلَى التَّشْبِيهِ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: (هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبْيدُ أَبِي) أَيْ: كَعَبِيدِهِ.
وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الإِشَارَةُ إِلَى شَرَفِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَحَلِّهِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا طَالِبٍ إِذْ كَانَا وَلَدَيْهِ كَانَا كَأَنَّهُمَا عَبْدَانِ لَهُ فِي الخُضُوعِ لِحُرْمَتِهِ، وَزَوَالِ الحِشْمَةِ عَنْهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَمْوَالِهِمَا، وَأَنَّ عَلِيا ﵁ إِذْ كَانَ ابنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدًا إِذْ كَانَ مَوْلًى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهُمَا لِحَمْزَةَ بِهَذَا الْمَحَلِّ، لَا يَحْتَشِمُ مِنْ تَنَاوُلِ [ … ] (٢) مِنْ أَمْوَالِهِمَا.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ: (مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمَ)، أَرَادَ مَا جَرَى عَلَى مَالِهِ مِنْ حَمْزَةَ ﵁، وَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ حَمْزَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الكَلَامَ فِيمَا يُخَاطَبُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ يَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبٍ اخْتِلَافِ الْمُخَاطِبِ بِصَدْرِ الكَلِمَةِ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا فِي الاِسْتِحْقَاقِ مِنْ عِنْدِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهَا اسْتِخْفَافًا، فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ يَسْتَخِفُّ بِصَدْرِ مِثْلِهَا مِنْ عِنْدِ مَنْ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَيَكُونُ اسْتِخْفَافًا فَيَكْفُرُ. стр. 2066
وَمِثْلُهُ قَوْلُهَا: (بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِكَ) (١)، لَمْ يَحْمِلْ مِنْهَا هَذَا الكَلَامَ عَلَى الاِسْتِخْفَافِ.
[الفَدْعُ: زَيْغُ] (٢) بَيْنَ القَدَمِ وَبَيْنَ عَظْمِ السَّاقِ، وَرَجُلٌ أَفْدَعُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي ذِي السُّوَيقَتَيْنِ الَّذِي يَهْدِمُ الكَعْبَةَ: (كَأَنِّي بِهِ أُفَيْدِعٌ أُصَيْلعٌ) (٣).
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَفْدَعُ إِذَا الْتَوَتْ رِجْلُهُ، وَأَكْوَعُ إِذَا اعْوَجَّتْ يَدُهُ مِنْ رَأْسِ الزَّنَدِ.
* * *
* وفي حَدِيثِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَّةِ: (وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ يَأْخُذُ بلحْيَتِهِ) (٤). стр. 2067
قِيلَ: ذَلِكَ عَادَةٌ مِنْ عَادَاتِ العَرَبِ يَسْتَعْمِلُونَهَا كَثِيرًا، وَأَكْثَرُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَهْلُ اليَمَنِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الْمُلَاطَفَةِ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ ذَلِكَ بِنَظِيرِهِ وَبِمَنْ هُوَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَأَلُّفًا لَهُ وَاسْتِمَالَةً لِقَلْبِهِ.
وَفِي إِجَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهُمْ إِلَى مَا الْتَمَسُوهُ مِنْ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، جَوَازُ الْمُسَامَحَةِ فِي بَعْضِ أُمُورِ الدِّينِ [وَاحْتِمَالِ اليَسِيرِ] (١) مِنَ الضَّيْمِ فِيهِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا بِأُصُولِهِ إِذَا رَجِيَ بِذَلِكَ سَلَامَةً فِي الحَالِ لِأَهْلِهِ وَصَلَاحًا فِي عَوَاقِبِهِ، وَعَلَى هَذَا مَا كَانَ مِنْ مَحْوِهِ مَوْضِعَ ذِكْرِ النُّبُوَّةِ، وَاقْتِصَارِهِ عَلَى اسْمِهِ، وَعَلَى هَذَا [الْمَعْنَى مَا كَانَ] (٢) مِنْ مُصَالَحَتِهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ: (كَانَ اللهُ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا)، الْمَحْفُوظُ: (قَطَعَ عُنُقًا) أَيْ: جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ (٣).
وَقَوْلُهُ: (وَيْلَ أُمِّهِ مُسَعِّرُ حَرْبٍ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، يَصِفُهُ بِالإِقْدَامِ فِي الحَرْبِ.
وَ (الأَحَابِيشُ): أَحْيَاءٌ مِنَ الْقَارَةِ انْضَمُّوا إِلَى بَنِي لَيْثٍ (٤). стр. 2068
وَقَوْلُهُ: (لَقَدْ انْخَنَثَ فِي صَدْرِي) (١)، أَيْ: انْثَنَى وَمَالَ.
* * *
* فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ) (٢).
أَيْ: لَوْ نَقَصُوا فِي الوَصِيَّةِ شَيْئًا مِنَ الثُّلُثِ.
* * *
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) (٣).
(المِخْرَافُ): البُسْتَانُ الَّذِي يُجْتَنَى مِنْهُ الثَّمَرَةُ.
وَمِنْ بَابِ: الشُّرُوطِ فِي الوَلَاءِ
* فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَة (٤).
وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ إِجَازَةُ البَيْعِ يَكُونُ فِي عَقْدِ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا عَتَقَ الْمَبِيعُ دَلَّ اشْتِرَاطُهُ العِتْقَ أَنْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتْهُ، وَلَا تَمْلِيكُهُ غَيْرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ شَرَطَ العِتْقَ فِي البَيْعِ، وَلَا يَبْطُلُ البَيْعُ؛ لأَنَّ فِي قَوْلِهِ: (وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، إِبَاحَةُ شَرْطِ البَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ عِتْقَ الْمَبِيعِ.
وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ اشْتِرَاطِ البَائِعِ وَلَاءَ الرَّقِيقِ الْمَبِيعِ إِذَا أَعْتَقَهُمْ الْمُبْتَاعُ.
وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُبْتَاعَ الأَمَةِ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ البَائِعُ أَنْ لَا يَطَأُ الأَمَةَ الْمُشْتَرَاةَ следующие страницы →