← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 699–738 · переход к 704.

стр. 699

لِأَنَّهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَى الجَنَازَةِ شُفَعَاءُ الْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَقُولُ فِي الدُّعَاءِ: (وَقَدْ جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهُ) (١). وَمِنْ شَأْنِ الشَّفِيعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، وَإِلَى هَذَا صَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢) وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ (٣) وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): الْمَشْيُ وَرَاءَهَا أَفْضَلُ، لَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ.

стр. 700

وَالقِيرَاطُ: هُوَ النَّصِيبُ مِمَّا يَأْخُذُهُ الْمُتَّبِعُ لِلْجَنَازَةِ مِنَ النَّصِيبِ وَالثَّوَابِ: يُقَالُ: لَهُ قِيرَاطٌ وَقِيرَاطَانِ. حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ (١): (السَّبَابُ): الْمُسَابَّةُ، وَهِيَ الْمُشَاتَمَةُ، يُقَالُ: سَابَبْتُهُ وَسَبَبتُهُ إِذَا شَاتَمْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِالشَّتْمِ. وَالسَّبُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الحَبْلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّبِيبَةِ وَهِيَ الرَّقِيقُ مِنَ الثَّوْبِ. فَأَمَّا وَجْهُ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنْ سَبَبِ الحَبْلِ، فَلِأَنَّهُ امْتِدَادٌ فِي الشَّرِّ، كَمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطْن لاِمْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ، وَبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنَ السَّبِيبَةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ تَرْقِيقَ جَاهِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ كَمَا يُقَالُ: [ … ] (٢) لَيْلَتَهُ أَيْ: ضَعَفَهَا وَرَفَّقَهَا، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ بَدِيعٌ. وَقَوْلُهُ: (فُسُوقٌ) أَيْ: خُرُوجٌ عَنِ الطَّاعَةِ، وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ فَاسِقٌ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا قُشِرَتْ عَنْ قِشْرِهَا، قَالَ اللهُ : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ﴾ (٣) أَيْ: خَرَجَ عَنْ أَمرِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ، وَالذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي تُسَمَّى فُسُوقًا.

стр. 701

بِسْمِ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ بَابِ: خَوْفِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَإِلَيْه انْتَهَى [مَا تَوَلَّاهُ] (١) وَلَدِي أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵀، وَنَوَّرَ قَبْرَهُ مِنْ شَرْحِ الكِتَابِ، وَمِنْ هَاهُنَا تَوَلَّيتُ أَنَا شَرْحَهُ، فَأَقُولُ وَأَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَسْأَلُهُ أَنَّ يُجْرِيَ فِي ذَلِكَ الصَّوَابَ عَلَى لِسَانِي، وَأَنْ يُجْزِلَ الثَّوَابَ لابْنِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ لِسَبْقِهِ إِلَى هَذَا الشَّرْحِ، وَشَرْحِ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَحماله عَلَيْهِمَا، وَاخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ إِيَّاهُ دُونَ إِتْمَامِهَا، فَذَهَبَ بِطَرَائِهِ، وَأَوْجَعَ القُلُوبَ، وَأَدْمَعَ العُيُونَ ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَبَلَغَهُ دَرَجَةً عَالِيَةً فِيهِ. فيهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (٢). (تَلَاحَى) أَيْ: تَخَاصَمَ، وَفِي الحَدِيثِ: (وَعَنْ مُلَاحَاةِ الرِّجَالِ) (٣)، قِيلَ:

стр. 702

الْمُلَاحَاةُ: السِّبَابُ. وَقَوْلُهُ: (عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ) أَيْ: إِنَّمَا نُسِّيتُ ذِكْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا لِتَزيدُوا فِي الاجْتِهَادِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَيَكُونَ زِيَادَةً فِي ثَوَابِكُمْ. وَمَعْنَى: (رُفِعَتْ): أَيْ نَسِيتُهَا، وَرُفِعَتْ مِنْ قَلْبِي. وَفِيهِ دِلَالَةٌ أَنَّ الخُصُومَةَ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، وَأَنَّهَا تَشْغَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الخَيْرِ. بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ (١) وَأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ تَرْتِيبٍ وَتَفْصِيلٍ لِمَا يَتَضَمَّتُهُ اسْمُ الإِيمَانِ مِنْ قَوْلٍ

стр. 703

وَفِعْلٍ وَإِخْلَاصٍ، أَلَا تَرَى كَيْفَ فَسَّرَ الإِحْسَانَ بِالإِخْلَاصِ فِي العِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا المَعْنَى خَارِجًا عَنِ الْجَوَابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ [حَدِيثُ] (١) وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: (تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ) (٢)، فَجَعَلَ هَذِهِ الأَعْمَالَ كُلَّهَا إِيمَانًا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ [أَنَّ] (٣) الإِسْلَامَ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ العَمَلَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الاِسْمِ. وَفِي قَوْلِهِ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ) إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) أَيْ: عَلَامَاتِهَا، وَفِي الحَدِيثِ: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا) (٤)، أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِهَا. قَالَ الأَصْمَعِيُّ (٥): وَمِنْهُ الاِشْتِرَاطُ الَّذِي يَشْتَرِطُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، إِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ يَجْعَلُونَهَا بَيْنَهُمْ.

стр. 704

وَقَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) أَيْ: مَوْلَاهَا، وَهِيَ الأَمَةُ تَلِدُ الرَّجُلَ، فَيَكُونُ ابْنُهَا مَوْلًى لَهَا، لِأَنَّهُ فِي الحَسَبِ كَأَبِيهِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ السَّبْيَ يَكْثُرُ، وَالنِّعْمَةَ تَفْشُو وَتَظْهَرُ فِي النَّاسِ. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ (١): مَعْنَاهُ: اتِّسَاعُ الإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ، وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا، كَانَ الوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا، لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْم) أَرَادَ العَرَبَ الَّذِينَ هُمْ أَرْبَابُ الإِبِلِ وَالبُهْمِ. وَالبُهْمُ بِرَفْعِ الْمِيمِ - إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا - جَمْعُ البَهِيمِ؛ وَهُوَ الْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ، يُقَالُ: اسْتَبْهَمَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ، وَالدَّابَّةُ الَّتِي لَا شِيَةَ فِي لَوْنِهَا: بَهِيمٌ. وَإِنْ رُوِيَ (البُهم) بِكَسْرِ الْمِيمِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْإِبِل يَكُونُ جَمْعَ بَهِيمٍ أَيْضًا، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الَّذِي اسْتَبْهَمَ عَنِ الكَلَامِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): البَهِيمَةُ: المُبْهِمَةُ عَنِ التَّمْيِيزِ، وَيُقَالُ لِمَا لَا يَنْطِقُ: بَهِيمَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَبْهَمَتْ عَنِ البَيَانِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً بُهمًا) (٣) يُقَالُ

стр. 705

البُهْمُ: وَاحِدُهَا: بَهِيمٌ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنُهُ لَوْنَ سِوَاهُ، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ الأَعْرَاضِ وَالعَاهَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنَ العَمَى وَالعَرَجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ أَجْسَادٌ مُصَحَحَّةُ لِخُلُودِ الأَبَدِ (١). وَيُقَالُ: لَيْلٌ بَهِيمٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): البَهِيمُ: اللَّوْنُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ سَوادًا كَانَ أَمْ غَيْرَهُ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ: اتِّسَاعُ الإِسْلَامِ حَتَّى يَتَطَاولُوا فِي البُنْيَانِ وَالمَسَاكِنِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَصْحَابَ بَوَادٍ، وَأَصْحَابَ خِيَامٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: قَوْلُهُ: (مَرْحَبًا [بِالقَوْمِ] (٣) أَوِ الوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى) (٤).

стр. 706

قِيلَ (١): الخَزَايَا جَمْعُ الخَزْيَانِ، وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ خِزْيٌ وَعَارٌ وَذُلٌّ فَانْكَسَرَ، يُقَالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ خِزْيًا فَهُوَ خَزْيَانُ، وَجُمِعَ عَلَى خَزَايَا، مِثْلُ: سَكْرَانُ وَسَكَارَى. فَأَمَّا خَزِيَ بِمَعْنَى اسْتَحْيَا فَمَصْدَرُهُ: الخَزَايَةُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ أَوْ سَبْيٍ يُخْزِيهِمْ وَيَفْضَحُهُمْ. وَقَوْلُهُ: (نَدَامَى) مِنَ النَّدَامَةِ، وَالمَشْهُورُ فِي جَمْعِ النَّادِمِ: النَّادِمُونَ، وَفِي جَمْعِ النَّدْمَانِ: النَّدَامَى، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَتْبَعَهُ الكَلَامَ الأَوَّلَ وَهُوَ خَزَايَا؛ أَخْرَجَهُ عَلَى وَزْنِهِ، كَمَا قَالُوا: هُوَ يَأْتِينَا بِالغَدَايَا وَالعَشَايَا، يُرِيدُ جَمْعَ غَدَاةٍ، وَجَمْعُ الغَدَاةِ: الغَدَوَاتُ، إِلَّا أَنَّهُ أَتْبَعَهَا العَشَايَا. وَ (الوَفْدُ) القَوْمُ يَفِدُونَ. وَقَوْلُهُ: (بِأَمْرٍ فَصْلٍ) الفَضْلُ فِي اللُّغَةِ: القَطْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ (٢) يَعْنِي: يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. وَقِيلَ: الفَصْلُ: البَيِّنُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (٣) أَيْ: مُبَيَّنَاتٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) أَيْ: تَبْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الأُمَّةُ.

стр. 707

وَقِيلَ: ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: مُبَيَّنَاتٍ (١)، وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [بَيْنَ] (٢) كُلَّ آيَتَيْنِ فَصْلٌ تَمْضِي هَذِهِ، وَتَأْتِي هَذِهِ. وَفِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ: (فَضْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ). النَّزْرُ: القَلِيلُ، وَالهَذْرُ: الكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ). (الحَنْتَمُ): الجَرَّةُ الخَضْرَاءُ. وَ (المُزَفَّتُ): الْمَطْلِيُّ بِالزَّفْتِ، وَهُوَ القِيرُ، وَكَذَلِكَ الْمُقَيَّرُ. وَ (الدُّبَّاءُ): القَرْعُ. وَ (النَّقِيرُ): أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ، فَيُتَّخَذُ مِنْهُ وِعَاءٌ يُنْبَذُ فِيهِ. وَلَيْسَ النَّهْيُّ عَنْ أَعْيَانِ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ وَلَا تَحِلُّ، وَلَكِنْ هَذِهِ أَوْعِيَةٌ إِذَا انْتَبَذَ صَاحِبُهَا فِيهَا كَانَ عَلَى غَرَرٍ مِنْهَا، لِأَنَّ الشَّرَابَ يَنِشُ فِيهَا، وَيَغْلِي فَيَصِيرُ مُسْكِرًا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرُّبَّ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّنَفُّسِ. حَدِيثُ جَرِيرٍ (٣)، وَتَمِيمٍ (٤)، وَفِيهِ ذِكْرُ النَّصِيحَةِ:

стр. 708

قَالَ أَبُو زَيْدٍ (١): نَصَحْتُهُ: صَدَقْتُهُ، وَتَوْبَةٌ نَصُوحٌ، أَيْ: صَادِقَةٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (٢) أَيْ: بَالِغَةٌ فِي النُّصْحِ. [وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّصْح وَهِيَ الخِيَاطَةُ] (٣) كَأَنَّ العِصْيَانَ يَخْرِقُ، وَالتَّوْبَةَ تُرَقِّعُ. وَقَالَ ابن عَرَفَةَ ﴿نصُوحًا﴾ أَيْ: خَالِصَةً، يُقَالُ: نَصَحَ الشَّيْءُ إِذَا خَلَصَ، وَنَصْحَ لَهُ: أَخْلَصَ لَهُ بِالقَوْلِ (٤)، قَالَ جَرِيرُ بنُ الخَطَفِي (٥): [مِنَ الطَّوِيلِ] تَرَكْتِ بِنَا لَوْحًا وَلَوْ شِئْتِ جَادَنَا … بُعَيْدَ الكَرَى ثَلْجٌ بِكَرْمَانَ نَاصِحُ اللَّوْحُ: العَطَشُ. يُقَالُ: نَصَحْتُ العَسَلَ: إِذَا صَفَّيْتُهُ مِنَ الشَّمْعِ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ القَوْلِ مِنَ الغِشِّ بِتَخْلِيصِ العَسَلِ مِنَ الخَلْطِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٦): النُّصْحُ خِلَافُ الغِشِّ، وَفُلَانٌ نَاصِحُ الجَيْبِ، وَيُقَالُ: أَنْصَحَتُ الإِبِلَ: إِذَا سَقَيْتُهَا فَرَوِيَتْ، وَنَاصِحُ العَسَلِ: مَاذِيُّهُ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٧): النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ،

стр. 709

وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ وَجِيزِ الأَسْمَاءِ، وَمُخْتَصَرِ الكَلَامِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ تُسْتَوْفَى بِهَا الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ، كَمَا قَالُوا فِي الفَلَاحِ: لَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ كَلِمَةٌ أَجْمَعُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْهُ، حَتَّى صَارَ لَيْسَ يَعْدِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الكَلَامِ فِي مَعْنَاهُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: أَفْلَحَ الرَّجُلُ: إِذَا فَازَ بِالخَيْرِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ. قَوْلُهُ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) مَعْنَاهُ: عِمَادُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ النَّصِيحَةُ، كَقَوْلِهِ: (الحَجُّ عَرَفَةُ)، أَيْ: عِمَادُهُ وَمُعْظَمُهُ، كَمَا يُقَالُ: النَّاسُ تَمِيمٌ، وَالمَالُ: الإِبِلُ. وَقَوْلُهُ: (للَّهِ وَلِكِتَابِهِ) فَالنَّصِيحَةُ للهِ مَعْنَاهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَإِخْلَاصِ العَمَلِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ أَوْ نَهَى وَمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ، وَالاعْتِرَافِ بِنِعَمِهِ، وَالشُّكْرِ عَلَيْهَا. وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى العَبْدِ فِي نَصِيحَةِ نَفْسِهِ لِلَّهِ، وَدَعْوَةِ غَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ إِلَى هَذِهِ الخِصَالِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ كُلِّ نَاصِحٍ. وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ: فَمَعْنَاهَا الإِيمَانُ بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، ثُمَّ إِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُحَرَّفِينَ، وَطَعْنِ الطَّاعِنِينَ عَلَيْهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَالاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالعَمَلُ بِفَرائِضِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ، وَالعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِمُتَشَابِهِهِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي عُلُومِهِ. وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ ﷺ : فَإِنَّمَا هِيَ تَصْدِيقُهُ، وَقَبُولُ مَا جَاءَ بِهِ، وَدَعَا إِلَيْهِ،

стр. 710

وَالطَّاعَةُ لَهُ فِيمَا شَرَعَ وَبَيَّنَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَإِعْظَامُ حَقِّهِ، وَتَوْقِيرُهُ، وَإِحْيَاءُ سُنَنِهِ، وَنَفْيُّ التَّهْمَةِ عَنْهُ فِيمَا قَالَهُ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَهُ (١): ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢). وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ المُؤْمِنِينَ: فَهُمُ الخُلُفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَ الأُمَّةِ وَيَقُومُ بِهِ، وَمِنْ نَصِيحَتِهِمْ: بَذْلُ الطَّاعَةِ لَهُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ، وَجِهَادُ الكُفَّارِ مَعَهَمْ، وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ لَهُمْ، وَتَرْكُ الخُرُوجِ بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ سِيرَةٍ، وَتَنْبِيهُهُمْ عِنْدَ الغَفْلَةِ، وَأَنْ يُدْعَى بِالصَّلَاحِ لَهُمْ. وَقِيلَ: أَئِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ فِيهِمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وَمِنْ نَصِيحَتِهِمْ: قَبُولُ مَا رَوَوْهُ إِذَا انْفَرَدُوا، وَتَقْلِيدُهُمْ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ، وَمُتَابَعَتُهُمْ عَلَى مَا رَأَوْهُ إِذَا اجْتَمَعُوا وَاتَّفَقُوا. وَأَمَّا نَصِيحَةُ عَامَّةِ المُسْلِمِينَ: فَجِمَاعُهَا: تَعْلِيمُ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدّينِ، وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَأَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، وَتَوقِيرُ كَبِيرِهِمْ، وَالتَّرَحُّمُ عَلَى صَغِيرِهِمْ، وَتَخَوُّلُهُمْ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، كَنَحْوِ مَا أَرْشَدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣).

стр. 711

* وَفِي حَدِيثِ جَرِيرِ بن عَبْدِ اللهِ ﵁ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَحَدِيثُهُ: (بَايِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) (١). فِي الحَدِيثِ سُنَّةُ البَيْعَةِ لِلْإِمَامِ. وَقَوْلُهُ: (اسْتَعْفُوا لِأَخِيكُمْ) أَيْ: سَلُوا اللَّهَ لَهُ العَفْوَ. وَفِي قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ) دَلِيلٌ أَنَّ التَّقْوَى رَأْسُ الأَمْرِ، وَتَتَضَمَّنُ كُلَّ خَيْرٍ. وَقَوْلُهُ: (وَالوَقَارِ وَالسَّكينة) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الحُكْمِ وَالتَّأَنِّي فِي الأُمُورِ، قَالَ (٢): [مِنَ البَسِيطِ] وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ فَالزَّلَّهُ تَكُونُ مَعَ الاسْتِعْجَالِ دُونَ التَّأَنِّي. وَقَوْلُهُ: (فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ) (٣)، فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ التَّكَلُّفَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى حَسَبِ الإِمْكَانِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمَّتِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى النُّصْحِ وَالنَّصِيحَةِ، وَأَنَّ نَصِيحَةَ اللَّهِ الجِدُّ فِي طَاعَتِهِ،

стр. 712

وَالنَّصِيحَةَ لِرَسُولِهِ: اتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالنَّصِيحَةَ لِلْخُلَفَاءِ: أَنْ يُطَاعُوا إِذَا أَمَرُوا بِالوَاجِبِ، وَالنَّصِيحَةَ لِلْعُلَمَاءِ: أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمُ الحَقُّ، وَالنَّصِيحَةَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنْ يُدْعَوا إِلَى طَاعَةِ اللهِ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّصِيحَةَ القِيَامُ بِتَأْدِيَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، وَقِيلَ: النُّصْحُ لِلمُسْلِمِينَ: أَنْ تُحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ): فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، وَفِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ.

стр. 713

وَمِنْ كِتَابُ فَضْلِ العِلْمِ بَابُ: مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟) (١) قِيلَ: إِنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى الجَوَابِ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ. وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ حَدِيثَهُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَى السَّامِعِينَ. وَقَوْلُهُ: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهِلِهِ) أَيْ: إِذَا وُلِّيَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ الوِلَايَةِ، وَلَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ. وَمِنْ بَابٍ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالعِلْمِ قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا) (٢) أَيْ: أَخَّرْنَاهَا حَتَّى تَكَادُ تَدْنُو مِنَ الأُخْرَى. قَالَ الأَزْهَرِيُّ (٣): الرَّهَقُ: الاِسْمُ مِنَ الإِرْهَاقِ، وَهُوَ أَنْ تَحْمِلَ الإِنْسَانَ عَلَى مَا لَا يُطِيقُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٤) أَيْ: يَلْحَقَ ذَلِكَ بِهِمَا، وَيُقَالُ: أَرْهَقَنِي أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَيْ: أَعْجَلَنِي.

стр. 714

وَقَوْلُهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ (١) أَيْ: سَأَحْمِلُهُ عَلَى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذَابِ. * وَفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا) (٢). فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ وَالعَالِمِ أَنْ يَسْأَلَ جُلَسَاءَهُ عَنْ أَمرِ الدِّينِ، وَمَنْ أَصَابَ فِي الجَوَابِ - صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا - كَانَ لَهُ بِذَلِكَ مَرْتَبَةٌ. وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا عَلِمَ عِلْمًا وَفِي الْمَجْلِسِ ذَوُوا أَسْنَانٍ فَانْتَظَرَهُمْ لِيَتَكَلَّمُوا، كَانَ ذَلِكَ أَزْيَنَ لَهُ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي) مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الكُلَّ أَنْ يَتَعَلَّمُوا. وَمِنْ بَابِ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالمَوْعِظَةِ الْمَحْفُوظُ (يَتَخَوَّلُهُمْ) (٣) بِالخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَاهُ: يَتَعَهَّدُهُمْ. وَقِيلَ: يَتَحَوَّلُهُمْ: بِالحَاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، أَيْ: يَطْلُبُ أَحْوَالَهُمْ الَّتِي يَنْشَطُونَ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ، فَيَعِظُهُمْ فِيهَا، وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِمْ فَيَمَلُّوا (٤). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الخَائِلُ: الْمُتَعَهِّدُ لِلشَّيْءِ الحَافِظُ لَهُ.

стр. 715

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): فُلَانٌ خَائِلُ مَالٍ: إِذَا كَانَ يُصْلِحُ مَالَهُ، وَفِي الحَدِيثِ: (كَانَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالمَوْعِظَةِ)، أَيْ: يَتَعَهَّدُهُمْ بِهَا. وَ (السَّآمَةُ): الْمَلَلُ وَالضَّجَرُ. وَمِنْ بَابٍ: فَهْمِ العِلْمِ قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ) (٢) قِيلَ: جُمَّارُ النَّخْلِ: شَحْمَةُ النَّخْلِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) (٣). قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): مَعْنَى الحَسَدِ هُنَا: شِدَّةُ الحِرْصِ وَالرَّغْبَةُ، كَنَّى بِالحَسَدِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُهُ، وَنَفْسُ الحَسَدِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ. قَالَ ثَعْلَبٌ: الحَسَدُ أَنْ تَتَمَنَّى مَالَ أَخِيكَ، وَتُحِبَّ فَقْرَهُ، وَهُوَ مَحْظُورٌ، وَالْمُنَافَسَةُ: أَنْ تَتَمَنَّى مِثْلَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَقِرَ، وَهُوَ مُبَاحٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٥)، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦). وَمَعْنَى الحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَتَعلُّمِهِ، وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ، وَقَدْ

стр. 716

قِيلَ: إِنَّهُ تَخْصِيصٌ لإِبَاحَةِ نَوْعٍ مِنَ الحَسَدِ، وَإِخْرَاجٌ لَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا حُظِرَ مِنْهُ، كَمَا رُخِّصَ فِي نَوْعٍ مِنَ الكَذِبِ وَإِنْ كَانَتْ جُمْلَتُهُ مَحْظُورَةً، كَقَولِهِ ﷺ : (إِنَّ الكَذِبَ لَا يَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الرَّجُلُ يَكْذِبُ فِي الحَرْب، وَالرَّجُلُ يُصْلحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ فَيَكْذِبُهَا، أَيْ: يَتَرَضَّاهَا) (١). وَالْمَعْنَى: لَا رُحْصَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الحَسَدِ إِلَّا فِيمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ. وَمِنْ بَابِ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٢): وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ مُرُورَ الحِمَارِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ قَارَبَ الاِحْتِلَامَ. وَمَعْنَى (نَاهَزَ) أَيْ: قَارَبَ، وَفِي الحَدِيثِ: (وَكَانَ الْمَالُ (٣) نَهْزَ عَشْرَةِ آلَافٍ) (٤).

стр. 717

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): نَاهَزَ الصَّبِيُّ البُلُوغَ إِذَا دَنَاهُ، وَنَهَزَتِ النَّاقَةُ بِصَدْرِهَا: إِذَا نَهَضَتْ لِلسَّيْرِ. * وَفِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بن الرَّبِيعِ: (عَقَلْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي) (٢). (الْمَجُّ): الصَّبُّ، يُقَالُ: مَجَّ الشَّرَابَ مِنْ فِيهِ: إِذَا صَبَّهُ. فِيهِ: جَوَازُ مُدَاعَبَةِ الصَّبِيِّ، إِذْ دَاعَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخَذَ مَاءً مِنَ الدَّلْوِ بِفَمِهِ، فَمَجَّهُ فِي وَجْهِهِ (٣). وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا كَانَ ابْنَ خَمْسِ سِنِينَ يَصِحُّ سَمَاعُهُ، لِأَنَّ مَحْمُودَ بنَ الرَّبِيعِ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ بِالرِّوَايَةِ، وَثَبَتَتْ رِوَايَتُهُ بِهَذَا السِّنّ (٤).

стр. 718

وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ * فيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵁ (١). قَوْلُهُ: (فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةً) وَرُوِيَ: (ثُغْبَةً) (٢)، قِيلَ: الثُّغْبَةُ: مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ فِي الجِبَالِ وَالصُّخُورِ، وَهُوَ الثُّغْبُ أَيْضًا. وَ (الأَجَادِبُ) قِيلَ: هِيَ الأَرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هِيَ: (إِخَاذَاتٌ) (٣) سَقَطَ مِنْهَا الأَلِفُ، وَالإِخَاذَاتُ: مَسَّاكَاتُ الْمَاءِ، وَاحِدَتُهَا إِخَاذَةٌ، وَهِيَ أَمْثَالٌ ضُرِبَتْ لِمَنْ قَبِلَ الْهُدَى فَتَعَلَّمَ وَعَلَّمَ، وَلِمَنْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَنْتَفِعْ، وَلَمْ يَنْفَعْ. وَقَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٤): الإِخَاذَاتُ: الغُدْرَانُ الَّتِي تَأْخُذُ [مَاءَ] (٥) السَّمَاءِ، فَتَحْبِسُهُ عَلَى الشَّارِبَةِ، وَهِيَ المَسَّاكَاتُ، وَاحِدَتُهَا: إِخَاذَةٌ وَمَسَّاكَةٌ. وَفِي حَدِيثِ مَسْرُوقٍ: (جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُمْ كَالإِخَاذِ) (٦)، يَعْنِي: الغُدْرَانَ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا المَاءُ.

стр. 719

وَ (القِيعَانُ) جَمْعُ قَاعٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): القَاعُ: الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي السَّهْلُ لَا يُنْبِتُ الشَّجَرَ. بَابُ: رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ (٢): [لَا يَنْبَغِي] (٣) لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ [أَنْ] يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ (٤): إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ إِلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ القَضَاءُ، [وَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ] (٥)، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ [غَيْرُهُ، نَظَرْتَ] (٦): فَإِنْ كَانَ خَامِلًا وَإِذَا وُلِّيَ القَضَاءَ انْتَشَرَ عِلْمُهُ: اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ، لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِنَشْرِ العِلْمِ (٧)، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ كِفَايَةٌ؛ كُرِهَ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا

стр. 720

يَرْجُو بِالقَضَاءِ كِفَايَةً مِنْ بَيْتِ المَالِ لَمْ يُكْرَهُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَكْتَسِبُ كِفَايَةً بِسَبَبٍ مُبَاحٍ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) (١). (أَشْرَاطُ السَّاعَةِ): عَلَامَاتُهَا. وَرَفْعُ العِلْمِ، وَثُبُوتُ الجَهْلِ، وَشُرْبُ الخَمْرِ وَظُهُورُ الزِّنَا، وَكَثْرَةُ النِّسَاءِ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَدَلَّ عَلَى اقْتِرَابِ [السَّاعَةِ] (٢). وَ (القَيِّمُ): مَنْ يَقَوُمُ بِأَمْرِ القَوْمِ كَالزَّوِجِ وَالوَكِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُذْكَرُ مِنَ المُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ [بِالعِلْمِ] (٣) إِلَى البُلْدَانِ * أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بنُ مَحْمُودٍ الْمُؤَدِّبُ (٤)، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن شَاذَانَ (٥)، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ القَبَّابُ (٦)،

стр. 721

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ (١)، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمُّويَه (٢)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ وَابْنِ شِهَابٍ: أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ القِرَاءَةَ عَلَى العَالِم وَالسَّمَاعَ مِنْهُ سَوَاءٌ (٣). قَالَ (٤): وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ يَقُولُ: كُنْتُ لَا أَرَى العَرْضَ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ. قَالَ ابن أَبِي عَاصِمٍ (٥): وَحَدَّثَنِي سَمُّويه، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ يَقُولُ: العَرْضُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَقُولُ: حَدَّثَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَقُولُ: حَدَّثَنَا. قَالَ ابن أَبِي عَاصِمٍ: وَالَّذِي أَخْتَارُهُ وَأَذْهَبُ إِلَيْهِ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ عَلَى العَالِمِ أَنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَوْ: عَرَضْتُ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ،

стр. 722

أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ حَاضِرٌ قَالَ: قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ وَأَنَا حَاضِرٌ، أَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ وَأَذِنَ لِي فِيهِ. فَإِنْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ قَالَ: أَجَازَ لَنَا كَذَا، أَوْ أَذِنَ لَنَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ. فَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُعْلِمُنِي فِي كِتَابِهِ أَنَّ فُلانًا حَدَّثَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا فُلَانٌ يُعْلِمُنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ، وَلَا يَقُولُ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا، وَلَا حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا، وَلَا قَالَ لَنَا، وَلَا أَنْبَأَنَا. قَالَ ابن أَبِي عَاصِمٍ: وَاتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قُرِئَ كِتَابٌ فِيهِ ذِكْرُ حَقٍّ، أَوْ بَيْعٍ، أَوِ إِقْرَارٍ، أَوْ بَعْضُ مَا يُكْتَبُ؛ فَقَرَأَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَتِهِ: أَتَشْهَدُ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الكِتَابِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، جَازَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا جَازَ لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ: لِيُشْهِدَنِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ جَازَ لِمَنْ عَرَضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ لَوْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَاضِرٌ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ. وَالإِخْبَارُ بِمَعْنَى الشَّهَادَاتِ؛ فَإِذَا جَازَ لِمَنْ قَرَأَ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدَنِي، وَلِمَنْ حَضَرَ وَسَمِعَ إِقْرَارَهُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدَنِي، جَازَ لِمَنْ حَضَرَ أَوْ عَرَضَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي. وَإِذَا قَالَ بَعْدَ القِرَاءَةِ عَلَيْهِ، أَرْوِي هَذَا عَنْكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ الْمُحَدِّثُ:

стр. 723

ارْوِهِ عَنِّي، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: نَشْهَدُ عَلَيْكَ بِهَذَا الكِتَابِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِيَارَ ابن أَبِي عَاصِمٍ فِي ذَلِكَ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: ذَكَرَ فُلَانٌ، أَوْ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ أَنْبَأَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ رَدَّهُ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، أَوْ بَلَغَ بِهِ فُلَانٌ، أَوْ بَلَغَ بِهِ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ جَازَ. قالَ (١): وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَيُّوبَ وَمَنْصُورًا يُعْرَضُ عَلَيْهِمَا فَيَحْتَرِزَا. قَالَ (٢): وَحَدَّثَنَا الحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى ابْنَ شِهَابٍ يُؤْتَى بِالكِتَابِ مِنْ كُتُبِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ، وَيَتَصَفَّحُهُ وَيَقُولُ: هَذِهِ أَحَادِيثِي، يَعْنِي: فَارْوِهَا عَنِّي. قَالَ القَاضِي ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ (٣): حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن

стр. 724

عُمَرَ قَالَ: مَا أَخَذْنَا نَحْنُ وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا عَرْضًا. قَالَ (١): وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: عِنْدِي كِتَابٌ مِنْ كُتُبِكَ، فَأَرْوِهِ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (٢): حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ مبشر، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ الكِتَابَ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا الكِتَابَ فَحَدَّتْ بِهِ عَنِّي، فَإِنَّهُ جَائِزٌ. وَحَدَّثَنَا ابن مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَغَيْرُهُ قَالَ: إِذَا كَتَبَ إِلَيْكَ العَالِمُ فَقَدْ حَدَّثَكَ (٣). وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا صَفْوانُ بنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ الزُّهْرِيُّ كِتَابًا، فَقَالَ: اِرْوِهِ عَنِّي (٤).

стр. 725

وَمِنْ بَابِ: الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ * فِيهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بن الحَارِثِ: (أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتًا لِأَبِي إِهَابِ بن عَزِيزٍ) (١): بِفَتْحِ العَيْنِ، وَزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ الأَخْذُ بِالوَثِيقَةِ، وَالاحْتِيَاطُ فِي بَابِ الفُرُوجِ، وَلَيْسَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الوَاحِدَةِ شَهَادَةً يَجُوزُ بِهَا الحُكْمُ فِي أَصْلِ مِنَ الأُصُولِ (٢). وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى فِعْل نَفْسِهَا لَا يَصِحُّ الحُكْمُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: (كَيْفَ وَقَدِ قِيلَ): فِيهُ الاحْتِرَازُ مِنَ الشُّبْهَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ (٣): [مِنَ البَسِيطِ] قَدْ قِيلَ ذَلِكَ إِنْ حَقًّا وَإِنْ كَذِبًا … فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ شَيْءٍ إِذَا قِيلَا وَقَوْلُهُ: (فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ) أَيْ: طَلَّقَهَا، وَإِنَّمَا فَارَقَهَا لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ). وَمِنْ بَابٍ: تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَتَرْجِمُ) (٤) أَيْ: أُعَبِّرُ لِلنَّاسِ مَا أَسْمَعُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 726

وَقَوْلُهُ: (قَالُوا رَبِيعَةُ) أَيْ: نَحْنُ رَبِيعَةُ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ (١)، يَنْزِلُونَ البَحْرَيْنِ، وَالْمَنْسُوبُ إِلَى هَذِهِ القَبِيلَةِ رَبَعِيُّ. وَ (الشُّقَّةُ) الْمَسَافَةُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): الشُّقَّةُ مَصِيرٌ إِلَى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، تَقُولُ: شُقَّةٌ شَاقَّةٌ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، لِأَنَّهُ فَسَّرَ الإِيمَانَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَبِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَدَاءِ الخُمُسِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَرَامٍ): كَانَ العَرَبُ يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ، كَانُوا لَا يَرَوْنَ الْقِتَالَ فِيهَا. وَمِنْ بَابِ: مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ فِيهِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٣). وَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى حِرْصِهَا عَلَى العِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ. وَمِنْ بَابِ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْضَدُ بِهَا شَجَرَةٌ) (٤) أَيْ: لَا يُقْطَعُ.

стр. 727

وَإِلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ ذَهَبَ قَوْمٌ؛ فَقَالُوا (١): إِذَا فَرَّ الجَانِي إِلَى الحَرَمِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ مَادَامَ مُقِيمًا فِي الحَرَمِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ. وَقَالَ آخَرُونَ (٢): كُلُّ مَا جَنَاهُ فِي الحَرَمِ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الحَرَمِ، وَمَا جَنَاهُ خَارِجَ الحَرَمِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الحَرَمِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٣): وَقَدْ رَأَى العُلَمَاءُ فِي الشَّجَرَةِ تُقْطَعُ الفِدْيَةَ، جَعَلَ ابن الزُّبَيْرِ فِي الشَّجَرِ الصَّغِيرِ شَاةً، وَفِي الكَبِيرِ بَقَرَةً (٤)، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ (٥)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٦). وَقَوْلُهُ: (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ): قَالَ البُخَارِيُّ: يَعْنِي بِبَلِيَّةٍ. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٧): فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: (وَلَا سَتَرْتَ الخَربَةَ) (٨)، يَعْنِي العَوْرَةَ، يُقَالُ: مَا فِيهِ خَرْبَةٌ، أَيْ: عَيْبٌ.

стр. 728

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): الخَارِبُ: سَارِقُ البَعِيرِ. قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [الرَّجَزُ] وَالخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا … ................. وَقِيلَ: الخِرَابَةُ: سَرِقَةُ الإِبِلِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: الخَرْبَةُ: التُّهْمَةُ. وَمِنْ بَابِ: كِتَابَةِ العِلْمِ (قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ) (٣). (العَقْلُ): الدِّيَةُ، يَعْنِي: فِيهَا أَحْكَامُ الدِّيَاتِ. وَفِي الحَدِيثِ: (قَضَى بِدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ عَلَى العَاقِلَةِ) (٤)، أَيْ: عَلَى العَصَبَة، وَهُمُ القَرَابَة مِنْ قِبَلِ [الأَبِ] (٥). وَفِي الحَدِيثِ: (يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ مَعَاقِلَهُمُ الأُولَى) (٦)، أَيْ: يَكُونُونَ عَلَى مَا

стр. 729

كَانُوا عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فِيمَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الدِّيَاتِ، وَيُعْطُونَ مِنْهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ فِي كِتَابِ البُخَارِيِّ: (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ) (١). قَالَ البُخَارِيُّ: يُقَادُ بِالقَافِ، وَقِيلَ لِلْبُخَارِيِّ: يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: (اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ) أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: (كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ). وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا)، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ: (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) (٢). وَالخَلَا: الحَشِيسُ اليَابِسُ، وَأَمَّا الشَّوْكُ؛ فَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِبَاحَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَوْكًا تَرْعَاهُ الإِبِلُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الحَشِيشِ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) أَيْ: إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، يُقَالُ: نَشَدْتُ الضَّالَّةَ أَيْ: عَرَّفْتُهَا.

стр. 730

وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ لُقَطَةِ الحَرَمِ وَلُقَطَةِ سَائِرِ البَقَاعِ فِي الحُكْمِ: أَنَّهُ يَنْشُدُهَا [إِنْ] (١) أَخَذَهَا سَنَةً عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ [الحِجَازِ] (٢). وَقَوْلُهُ: (مَنْ قُتِلَ): كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، بِإِسْقَاطِ كَلِمَةٍ مِنْهَا، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ: (مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْقِلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) (٣). وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ وَلِيَّ القَتِيلِ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَقَالَ أَهْلُ العِرَاقِ: لَيْسَ لَهُ [إِلَّا] (٤) القِصَاصُ، فَإِنْ تَرَكَ حَقَّهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ (٥). وَفِي قَوْلِهِ (اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ) (٦): دَلِيلٌ أَنَّ كِتَابَةَ الحَدِيثِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ. وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا) (٧). قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ الخَلِيفَةِ بَعْدَهُ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ النَّاسُ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الأَظْهَرُ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ أَحْكَامَ الدِّينِ، لِيَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ : (اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ) (٨).

стр. 731

وَمِنْ بَابِ: مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللهِ قَوْلُهُ: (احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) (١) الْمِكْتَلُ: الزِّنْبِيلُ الصَّغِيرَةُ. وَقَوْلُهُ: (فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ) أَيْ: ذَهَبَ فِي خُفْيَةٍ. وَقَوْلُهُ: (أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ) تَعَجَّبَ مِنْ سَلَامِ مُوسَى ﵇ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَقَالَ: عَهْدِي بِهَذَا الْمَكَانِ، وَلَيْسَ بِهِ أَحَدٌ يَعْرِفُ السَّلَامَ. وَقَوْلُهُ: (فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) أَيْ: بِغَيرِ أُجْرَةٍ، يُقَالُ: نِلْتُهُ مَعْرُوفًا وَنَوَلْتُهُ، وَالنَّوْلُ وَالنَّوَالُ: العَطَاءُ. قِيلَ: " (بِغَيْرِ نَوْلٍ) أَيْ: بِغَيْرِ جُعْلٍ" (٢). وَمِنْ بَابِ: الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ حَدِيثُ زَيْدِ بن خَالِدٍ (اِعْرِفْ وَكَاءَهَا) (٣). (الوِكَاءُ): الخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الكِيسُ.

стр. 732

وَقَوْلُهُ: (مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا) أَيْ: إِنَّهَا قَوِيَّةٌ عَلَى السَّيرِ، تَرِدُ الْمِيَاهَ، وَتَصْبِرُ عَنِ الْمَاءِ أَيَّامًا، وَتَمْتَنِعُ مِنْ سَبْعٍ يَقْصِدُهَا، وَالغَنَمُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ فَسَبِيلُهَا سَبِيل اللُّقَطَةِ. وَإِنَّمَا غَضِبَ ﷺ لِسُوءِ فَهْمِ السَّائِلِينَ، إِذْ لَمْ يُرَاعِ الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ، فَقَاسَ الشَّيْءَ عَلَى [غَيْرِ] (١) نَظِيرِهِ. وَ (اللُّقْطَةُ): مَا سَقَط عَنْ صَاحِبِهِ، فَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهَا. وَ (الضَّالَّة): الَّتِي تَضِلُّ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: (فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ) (٢). وَقَالَ ﷺ : (إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا تَغْضَبُونَ) (٣)، وَكَانَ ﷺ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الغَلَطُ فِي الحُكْمِ قَوْلًا، وَلَا فِعْلًا فِي حَالِ الغَضَبِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ بِعِصْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ.

стр. 733

وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلاثًا لِيُفْهَمَ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (١). قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يُعِيدُ الكَلَامَ ثَلاثًا لِيَفْهَمَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِمَّن عَسَى أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُهُ عَنْ وَعْيِ مَا يَقُولُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالبَيَانِ وَالتَّبْلِيغِ. وَأَمَّا السَّلَامُ ثَلَاثًا فَعِنْدَ الاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْمَعْ تَسْلِيمَتَهُ الأُولَى، سَمِعَ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) (٢) يُقَالُ: تَأَثَّمَ، أَيْ: تَجَنَّبَ الإِثْمَ، أَيْ: خَشِيَ إِنْ لَمْ يُخْبِرِ النَّاسَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَدْرَكَهُ المَوْتُ يَكُونُ مِمَّنْ كَتَمَ العِلْمَ.

стр. 734

كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ البُخَارِيُّ ﵀: بَابٌ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١). "وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ . شَرْحُ أَلْفَاظٍ غَرِيبَةٍ تَعْرِضُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: الوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ: هُوَ مِنَ الوَضَاءَةِ، وَالوَضَاءَةُ: النَّظَافَةُ وَالحُسْنُ، وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ وَضِيءُ الوَجْهٍ، أَيْ: نَظِيفُهُ وَحَسَنُهُ، فَكَأَنَّ الغَاسِلَ لِوَجْهِهِ وَضَّأَهُ أَيْ: نَظَّفَهُ وَحَسَّنَهُ، وَمَنْ غَسَلَ يَدَيْهِ وَأَرْجُلَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ سَكَّنَ مِنْ شَعَثِ رَأْسِهِ بِالمَاءِ فَقَدْ وَضَّأَهُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الوَضُوءُ: الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ بِفَتْحِ الوَاوِ، وَالوُضُوءُ: الفِعْلُ، بِالضَّمِّ. وَقَالَ الخَلِيلُ (٣): الفَتْحُ فِيهِمَا، وَالضَّمُّ لَا أَعْرِفُهُ.

стр. 735

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: تَوَضَّأَ الرَّجُلُ: تَنَظَّفَ، وَوَضِئَ وَجْهُ الرَّجُلُ: حَسُنَ، تَوَضَّأَ وَضَاءَةً، فَهُوَ وَضِيءٌ، وَالجَمْعُ: وِضَاءٌ، قَالَ (١): [مِنَ الوَافِرِ] مَسَامِيحُ الفِعَالِ ذَوُو أَنَاةٍ … مَرَاجِيحٌ وَأَوْجُهُهُمْ وِضَاءُ "وَالوُضُوءُ الَّذِي حَدَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ غَسْلُ الوَجْهٍ، وَالأَيْدِي إِلَى الْمَرَافِقِ، وَالْمَسْحُ بِالرُّؤُوسِ وَغَسْلُ الأَرْجُلِ. وَقَدْ يُسَمَّى الغَسْلُ مَسْحًا، يُقَالُ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ غَسْلٌ: إِذَا تَوَضَّأْتَ لَهَا. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الغَسْلُ مَسْحًا لِأَنَّ الغَسْلَ لِلشَّيْء تَطْهِيرٌ لَهُ بِإِفْرَاغِ الْمَاءِ، وَالْمَسْحُ تَطْهِيرٌ لَهُ بِإِمْرَارِ المَاءِ، فَالمَسْحُ خَفِيفُ الغَسْلِ، وَكَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ، وَلَا يُسْرِفُونَ فِيهِ. وَكَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمُدٍّ مِنْ مَاءٍ، وَالْمُدُّ: رَطْلٌ وَثُلُثٌ. رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لإِبْرَاهِيمَ النَّخَعَيِّ: إِنَّ أُمِّي إِذَا تَوَضَّأَتْ أَخَذَتِ الْمَاءَ بِكَفَّيْهَا، ثُمَّ صَبَّتْهُ، ثُمَّ مَسَحَتْ وَجْهَهَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: (أَيُّ وُضُوءٍ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، مَا كَانُوا يَلْطِمُونَ وُجُوهَهُمْ بِالمَاءِ) (٢). فَهَذَا مَسْحٌ وَغَسْلٌ" (٣).

стр. 736

وَالاِسْتِنْجَاءُ: التَّمَسُّحُ بِالأَشْجَارِ، وَأَصْلُهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الارْتِفَاعُ مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ، فَقَالُوا: ذَهَبَ يَنْجُو، كَمَا قَالُوا: ذَهَبَ يَتَغَوَّطُ إِذَا أَرَادَ الغَائِطَ - وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الأَرْضِ - لِقَضَاءِ حاجَتِهِ، ثُمَّ سُمِّيَ الحَدَثُ نَجْوًا. وَقِيلَ: اسْتَنْجَى أَيْ: مَسَحَ مَوْضِعَهُ، أَوْ غَسَلَهُ. وَالاسْتِجْمَارُ: أَيْضًا هُوَ التَّمَسُّحُ بِالأَحْجَارِ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (إِذَا تَوَضَّأْتَ فَاسْتَنْثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ) (١)، أَيْ: تَمَسَّحْ بِوِتْرٍ مِنَ الحِجَارَةِ. وَالحِجَارَةُ الصِّغَارُ يُقَالُ لَهَا الجِمَارُ؛ وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ. وَالاسْتِنْثَارُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى: جَعْلُ الْمَاءِ فِي أَنْفِكَ. وَالتَّيَمُّمُ: أَصْلُهُ التَّعَمُّدُ، قَالَ اللهُ : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) أَيْ: تَعَمَّدُّوا تُرَابًا لَطِيفًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ هَذِهِ الكَلِمَةَ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الوَجْهِ

стр. 737

وَاليَدَيْنِ بِالتُّرَابِ. وَأَمَّا القُلَّةُ: فَمَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَقَلَّ فُلَانٌ بِحِمْلِهِ، وَأَقلَّهُ: إِذَا أَطَاقَهُ وَحَمَلَهُ. وَالقُلَّةُ تَقَعُ عَلَى الجَرَّةِ اللَّطِيفَةِ وَالعَظِيمَةِ، وَعَلَى الحِبَابِ، قَالَ جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ (١): [مِنَ الخَفِيفِ] فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا … وَشَرِبْنَا الحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ وَالقُلَلُ هُنَا: جِرَارٌ يَكُونُ فِيهَا الشَّرَابُ. * وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدَّ) (٢)، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣): صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: هُوَ مِثْلُ القَفِيزِ الحَجَّاجِيِّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُويَهْ: الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الحِجَازِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُدَّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ. وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَالصَّاعُ ثُلُثُ الفَرَقِ، وَالفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا. وَقِيلَ: القِسْطُ نِصْفُ صَاعٍ، وَالفَرَقُ: سِتَّةُ أَقْسَاطٍ (٤). وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوضَّأَ، فَقِيلَ: مَا

стр. 738

الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) (١). إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الأَحْدَاثِ لِأَنَّهُ أَجَابَ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنِ الْمُصَلِّي يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ، فَخَرَجَ جَوَابُهُ عَلَى مَا سَبَقَ الْمُصَلِّي مِنَ الأَحْدَاثِ فِي صَلَاتِهِ، لِأَنَّ البَوْلَ وَالغَائِطَ وَالْمُلَامَسَةَ غَيْرُ مَعْهُودَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِلْمُصَلِّي حِينَ أَمَرَهُ بِاسْتِصْحَابِ اليَقِينِ مِنْ طَهَارَتِهِ: (لَا تَنْصَرِفُ حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ تَجِدَ رِيحًا) (٢). وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا إِلَّا يَقِينَ الأَحْدَاثِ الَّتِي اجْتَمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ سَوَاءٌ مَا ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: البَوْلُ وَالغَائِطُ وَالْمَذْيُ وَالوَدْيُ وَالْمُبَاشَرَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: فَضْلُ الوُضُوءِ وَالغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ * حَدِيثُ نُعَيْمِ بن المَجَمَّرِ قَالَ: (رَقِيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ) (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): رَقِيتُ فِي السُّلَّمِ بِكَسْرِ القَافِ، أَرْقِى رُقِيًّا، أَيْ: صَعَدْتُ، وَيُقَالُ: ارْقَ عَلَى طَلْعِكَ أَيْ: امْشِ، وَاصْعَدْ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُ. وَ (الغُرُّ): جَمْعُ الأَغَرِّ، وَالغُرَّةُ فِي الوَجْهٍ: البَيَاضُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وَالأَغَرُّ:
следующие страницы →