← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 734–773 · переход к 739.

стр. 734

كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ البُخَارِيُّ ﵀: بَابٌ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١). "وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ . شَرْحُ أَلْفَاظٍ غَرِيبَةٍ تَعْرِضُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: الوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ: هُوَ مِنَ الوَضَاءَةِ، وَالوَضَاءَةُ: النَّظَافَةُ وَالحُسْنُ، وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ وَضِيءُ الوَجْهٍ، أَيْ: نَظِيفُهُ وَحَسَنُهُ، فَكَأَنَّ الغَاسِلَ لِوَجْهِهِ وَضَّأَهُ أَيْ: نَظَّفَهُ وَحَسَّنَهُ، وَمَنْ غَسَلَ يَدَيْهِ وَأَرْجُلَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ سَكَّنَ مِنْ شَعَثِ رَأْسِهِ بِالمَاءِ فَقَدْ وَضَّأَهُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الوَضُوءُ: الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ بِفَتْحِ الوَاوِ، وَالوُضُوءُ: الفِعْلُ، بِالضَّمِّ. وَقَالَ الخَلِيلُ (٣): الفَتْحُ فِيهِمَا، وَالضَّمُّ لَا أَعْرِفُهُ.

стр. 735

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: تَوَضَّأَ الرَّجُلُ: تَنَظَّفَ، وَوَضِئَ وَجْهُ الرَّجُلُ: حَسُنَ، تَوَضَّأَ وَضَاءَةً، فَهُوَ وَضِيءٌ، وَالجَمْعُ: وِضَاءٌ، قَالَ (١): [مِنَ الوَافِرِ] مَسَامِيحُ الفِعَالِ ذَوُو أَنَاةٍ … مَرَاجِيحٌ وَأَوْجُهُهُمْ وِضَاءُ "وَالوُضُوءُ الَّذِي حَدَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ غَسْلُ الوَجْهٍ، وَالأَيْدِي إِلَى الْمَرَافِقِ، وَالْمَسْحُ بِالرُّؤُوسِ وَغَسْلُ الأَرْجُلِ. وَقَدْ يُسَمَّى الغَسْلُ مَسْحًا، يُقَالُ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ غَسْلٌ: إِذَا تَوَضَّأْتَ لَهَا. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الغَسْلُ مَسْحًا لِأَنَّ الغَسْلَ لِلشَّيْء تَطْهِيرٌ لَهُ بِإِفْرَاغِ الْمَاءِ، وَالْمَسْحُ تَطْهِيرٌ لَهُ بِإِمْرَارِ المَاءِ، فَالمَسْحُ خَفِيفُ الغَسْلِ، وَكَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ، وَلَا يُسْرِفُونَ فِيهِ. وَكَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمُدٍّ مِنْ مَاءٍ، وَالْمُدُّ: رَطْلٌ وَثُلُثٌ. رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لإِبْرَاهِيمَ النَّخَعَيِّ: إِنَّ أُمِّي إِذَا تَوَضَّأَتْ أَخَذَتِ الْمَاءَ بِكَفَّيْهَا، ثُمَّ صَبَّتْهُ، ثُمَّ مَسَحَتْ وَجْهَهَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: (أَيُّ وُضُوءٍ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، مَا كَانُوا يَلْطِمُونَ وُجُوهَهُمْ بِالمَاءِ) (٢). فَهَذَا مَسْحٌ وَغَسْلٌ" (٣).

стр. 736

وَالاِسْتِنْجَاءُ: التَّمَسُّحُ بِالأَشْجَارِ، وَأَصْلُهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الارْتِفَاعُ مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ، فَقَالُوا: ذَهَبَ يَنْجُو، كَمَا قَالُوا: ذَهَبَ يَتَغَوَّطُ إِذَا أَرَادَ الغَائِطَ - وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الأَرْضِ - لِقَضَاءِ حاجَتِهِ، ثُمَّ سُمِّيَ الحَدَثُ نَجْوًا. وَقِيلَ: اسْتَنْجَى أَيْ: مَسَحَ مَوْضِعَهُ، أَوْ غَسَلَهُ. وَالاسْتِجْمَارُ: أَيْضًا هُوَ التَّمَسُّحُ بِالأَحْجَارِ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (إِذَا تَوَضَّأْتَ فَاسْتَنْثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ) (١)، أَيْ: تَمَسَّحْ بِوِتْرٍ مِنَ الحِجَارَةِ. وَالحِجَارَةُ الصِّغَارُ يُقَالُ لَهَا الجِمَارُ؛ وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ. وَالاسْتِنْثَارُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى: جَعْلُ الْمَاءِ فِي أَنْفِكَ. وَالتَّيَمُّمُ: أَصْلُهُ التَّعَمُّدُ، قَالَ اللهُ : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) أَيْ: تَعَمَّدُّوا تُرَابًا لَطِيفًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ هَذِهِ الكَلِمَةَ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الوَجْهِ

стр. 737

وَاليَدَيْنِ بِالتُّرَابِ. وَأَمَّا القُلَّةُ: فَمَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَقَلَّ فُلَانٌ بِحِمْلِهِ، وَأَقلَّهُ: إِذَا أَطَاقَهُ وَحَمَلَهُ. وَالقُلَّةُ تَقَعُ عَلَى الجَرَّةِ اللَّطِيفَةِ وَالعَظِيمَةِ، وَعَلَى الحِبَابِ، قَالَ جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ (١): [مِنَ الخَفِيفِ] فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا … وَشَرِبْنَا الحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ وَالقُلَلُ هُنَا: جِرَارٌ يَكُونُ فِيهَا الشَّرَابُ. * وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدَّ) (٢)، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣): صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: هُوَ مِثْلُ القَفِيزِ الحَجَّاجِيِّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُويَهْ: الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الحِجَازِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُدَّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ. وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَالصَّاعُ ثُلُثُ الفَرَقِ، وَالفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا. وَقِيلَ: القِسْطُ نِصْفُ صَاعٍ، وَالفَرَقُ: سِتَّةُ أَقْسَاطٍ (٤). وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوضَّأَ، فَقِيلَ: مَا

стр. 738

الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) (١). إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الأَحْدَاثِ لِأَنَّهُ أَجَابَ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنِ الْمُصَلِّي يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ، فَخَرَجَ جَوَابُهُ عَلَى مَا سَبَقَ الْمُصَلِّي مِنَ الأَحْدَاثِ فِي صَلَاتِهِ، لِأَنَّ البَوْلَ وَالغَائِطَ وَالْمُلَامَسَةَ غَيْرُ مَعْهُودَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِلْمُصَلِّي حِينَ أَمَرَهُ بِاسْتِصْحَابِ اليَقِينِ مِنْ طَهَارَتِهِ: (لَا تَنْصَرِفُ حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ تَجِدَ رِيحًا) (٢). وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا إِلَّا يَقِينَ الأَحْدَاثِ الَّتِي اجْتَمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ سَوَاءٌ مَا ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: البَوْلُ وَالغَائِطُ وَالْمَذْيُ وَالوَدْيُ وَالْمُبَاشَرَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: فَضْلُ الوُضُوءِ وَالغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ * حَدِيثُ نُعَيْمِ بن المَجَمَّرِ قَالَ: (رَقِيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ) (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): رَقِيتُ فِي السُّلَّمِ بِكَسْرِ القَافِ، أَرْقِى رُقِيًّا، أَيْ: صَعَدْتُ، وَيُقَالُ: ارْقَ عَلَى طَلْعِكَ أَيْ: امْشِ، وَاصْعَدْ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُ. وَ (الغُرُّ): جَمْعُ الأَغَرِّ، وَالغُرَّةُ فِي الوَجْهٍ: البَيَاضُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وَالأَغَرُّ:

стр. 739

الأَبْيَضُ، وَالغُرَرُ: ثَلَاثُ لَيَالٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ. وَ (المُحَجَّلُ): مِنْ تَحْجِيلِ الفَرَسِ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ البَيَاضُ بِقَوَائِمِهِ الأَرْسَاغَ الأَرْبَعةَ. قِيلَ: هَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِالوُضُوءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَتَوَضَّأُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَيَقُولُ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُطِيلَ غُرَّتِي) (١). وَقَوْلُهُ ﷺ : (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ تَطُولُ غُرَّتُهُ، أَيْ: يَقْوَى نُورُهُ، وَيَتَضَاعَفُ بَهَاؤُهُ، فَكَنَّى بِالغُرَّةِ عَنْ نُورِ الوَجْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الوُضُوءِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ. وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ (٢)، وَمَالِكٌ (٣). وَقَالَ ابن الْمُنْذِرِ (٤): إِذَا تَوَضَّأَ فِي مَكَانٍ مِنَ الْمَسْجِدِ يَبُلُّهُ وَيَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ

стр. 740

فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، وَإِنْ فَحَصَ عَنِ الحَصَى وَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَإِنِّي لَا أَكْرَهُهُ. وَمِنْ بَابِ: لا يُتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ حَدِيثُ: (لَا يَنْفَتِلُ) (١) أَيْ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ (٢): الشَّكُّ لَا يُزِيلُ اليَقِينَ، وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَأَنَّهُ مُلْغًى مَعَ اليَقِينِ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَى ابن القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ. وَحُجَّتُهُ أَنَّا قَدْ تُعُبِّدْنَا بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا طَرَأَ الشَّكُّ عَلَيْهَا فَقَدْ [أَبْطَلَهَا] (٤) كَالْمُتَطَهِّرِ إِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِالإِجْمَاعِ (٥). وَلَيْسَ النَّوْمُ فِي نَفْسِهِ حَدَثًا؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الحَدَثِ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ، فَكَذِلِكَ إِذَا شَكَّ فِي الحَدَثِ فَقَدْ زَالَ عَنْهُ اليَقِينُ لِلطَّهَارَةِ.

стр. 741

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بن سَلَمَةَ: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) (١). وَهَذَا إِذَا شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيَّ: (فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ دُبُرِهِ) (٢). وَفِي قَوْلِهِ: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، وَالتَّخَيُّلُ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ: (شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (٣) وَالشَّكْوَى لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ. وَمِنْ بَابِ: التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ ﵁: (بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ … ) (٤).

стр. 742

قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرُو وَيُقَلِّلُهُ -) يُرِيدُ تَخْفِيفًا مَعَ تَمَامِ غَسْلِ الأَعْضَاءِ دُونَ التَّكْثِيرِ مِنْ إِمْرَارِ اليَدِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَدْنَى مَا جَازَتِ الصَّلَاةُ بِهِ، وَالمَرَّةُ الوَاحِدَةُ بِالإِضَافَةِ إِلَى الثَّلَاثِ تَخْفِيفٌ. وَقَدْ كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا لِلْفَضْل. وَرُوِيَ: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ، لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ) (١). وَرُوِيَ: (فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) (٢)، هَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي الكِتَابِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) يَعْنِي: وُضُوءًا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى) هَذِهِ خُصُوصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. وَفِي الحَدِيثِ جَوَازُ العَمَلِ الخَفِيفِ. وَدَلِيلٌ أَنَّ الوَاحِدَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَقُومُ عَنْ خَلْفِهِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ (تَوَضَّأَ بَعْدَ نَوْمٍ نَامَهُ) (٣) فَذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ فِي النَّوْمِ، فَمَرَّةً كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ اسْتَثْقَلَ يَوْمًا فَاحْتَاجَ مَعَهُ إِلَى الوُضُوءِ. وَمِنْ بَابِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ * حَدِيثُ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ ﵁: (ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ، فَقُلْتُ:

стр. 743

(الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ) (١). (الصَّلَاةَ): نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: صَلِّ الصَّلَاةَ. وَ (الشَّعْبُ): الطَّرِيقُ. وَفِي رِوَايَةٍ: (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالبَالِغ) (٢)، يُرِيدُ مَرَّةً سَابِغَةً، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْجَلَتْهُ دَفْعَةُ الحَاجِّ إِلَى مِنًى، فَأَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءا يَرْفَعُ بِهِ الحَدَثَ، لأنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَبْقَى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) يَعْنِي وُضُوءَ الصَّلَاةِ، لَا وُضُوءَ الاسْتِنْجَاءِ، لأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي تِلْكَ الحَالَةِ. وَفِي قَوْلِ أَسَامَةَ: (الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ) دَلِيلٌ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ لَهُ: (الصَّلَاةَ) وَلَمْ يَتَوضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) أَيْ: سُنَّةُ الصَّلَاةِ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) يَعْنِي: أَخَذَ بِالأَفْضَلِ عَلَى عَادَتِهِ فِي سَائِرِ الأَيَّامِ. وَفَصَّلَ فِي قَوْلِهِ (تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ) أَيْ: تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا لِيَذْكُرَ الله، لأَنَّهُمْ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللهِ عِنْدَ الدَّفْع مِنْ عَرَفَةَ.

стр. 744

وَقَوْلُ أُسَامَةَ: (الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَذْكِيرِ الصَّغِيرِ الكَبِيرَ. وَإِنَّمَا خَشِيَ أُسَامَةُ أَنْ يَنْسَى الصَّلَاةَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ وَدَفْعَةِ الحَاجِّ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ لِلصَّلَاةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَوْضِعًا لَا يُتَعَدَّى. وَلَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمَنْ دَفَعَ مَعَ الإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى اشْتِرَاكِ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَأَنَّ وَقْتُهُمَا وَاحِدٌ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: قَوْلُهُ: (لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى تَرْكِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ هُنَالِكَ، لأَنَّ الوَقْتَ بَيْنَهُمَا لَا يَتَّسِعُ، وَقَدْ تَنَفَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ (١) وَمِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ) (٢). فِي هَذَا الحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتِ: عَلَى حَالِ الطَّهَارَةِ، وَغَيْرِهَا. وَالوِقاعُ: الجِمَاعُ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: [يُكْرَهُ] (٣) أَنْ يُذْكَرَ اللهُ عَلَى حَالَيْنِ

стр. 745

عَلَى الخَلَاءِ، وَالرَّجُلِ الْمُوَاقِعِ أَهْلَهُ، فَالأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ عَمَلٍ مُسْتَحَبَّةٌ تَبرُّكًا بها. وَمِنْ بَابٍ: غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الوُضُوءَ مَرَّةً،. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الوُضُوءِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، لأَنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا إِذَا غُسِلَتْ مَرَّةً، فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا لَاقَى أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ العُضْوِ فَقَدْ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، ثُمَّ يُمِرُّهُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ بَعْدَهُ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ، فَلَوْ كَانَ الوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَجُوزُ، لَمْ يَجُزِ الوُضُوءُ مَرَّةً. وَمِنْ بَابِ: مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: (إِذَا أَتَى الخَلَاءَ) (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ). قَالَ عِكْرِمَةُ: (لَا يَذْكُرِ الله فِي الخَلَاءِ بِلِسَانِهِ، وَلَكِنْ بِقَلْبِهِ) (٣). وَأَجَازَ ذَلِكَ النَّخَعِيُّ (٤)،

стр. 746

وَمَالِكُ (١). وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: قَوْلُهُ: (إِذَا دَخَلَ) يُرِيدُ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢) أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْرَأَ. وَقَوْلُهُ: (مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ) قِيلَ (٣): الخُبْثُ يَعُمُ الشَّرَّ، وَالخَبَائِتُ الشَّيْطَانُ. وَقِيلَ: الخُبْثُ: الشَّيَاطِينُ، أَصْلُهُ الحَرَكَةُ، فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا، وَهُوَ جَمْعُ خَبِيثٍ. وَالخَبَائِثُ: الأَفْعَالُ الْمَذْمُومَةُ، وَاحِدَتُهَا خَبِيثَةٌ. وَقِيلَ (٤): الخَبَائِثُ: إِنَاثُ الجِنِّ، وَالخُبْتُ: ذُكُورُهُمْ. وَأَصْحَابُ الحَدِيثِ يَرْوُونَ الخُبْثَ بِسُكُونِ البَاءِ (٥). قَالَ ابن الأَعْرَابِي (٦): أَصْلُ الحُبْثِ فِي كَلَامِ العَرَبِ: الْمَكْرُوهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ [الْمِلَلِ] (٧) فَهُوَ الْكُفْرُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الطَّعَامِ فَهُوَ

стр. 747

الحَرَامُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ. وَمِنْ بَابِ: وَضْعُ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵄: (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءا) (١). فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ خِدْمَةِ العَالِمِ. وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى سُرُورِهِ بِوَضْعِ المَاءِ لَهُ. وَدَلِيلٌ عَلَى الْمُكَافَاةِ بِالدُّعَاءِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُ [إِحْسَانٌ، أَوْ عَوْنٌ، أَوْ مَعْرُوفٌ] (٢). قِيلَ (٣): إِنَّمَا نُهِيَ عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِالغَائِطِ وَالبَوْلِ فِي الصَّحَارَى مِنْ أَجْلِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ [فَيُؤْذِيهِمْ] (٤) بِظُهُورٍ عَوْرَتِهِ مُسْتَقْبِلًا أَوْ مُسْتَدْبِرًا. وَقِيلَ: نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ إِكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ، وَتَنْزِيهًا لَهَا. وَمِنْ بَابٍ: مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا) (٥) فِي جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 748

وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ نَاسِخٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ بِالغَائِطِ وَالبَوْلِ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الصَّحَارَى لَا فِي البُيُوتِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا رَوَى مَرْوَانُ الأَصْفَرُ عَنِ ابن عُمَرَ الله ﵁: (أَنَّهُ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ [قَالَ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا] (١) فِي الفَضَاءِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ) (٢). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ مُخَصَّصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ لا مَنْسُوخٌ بِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ كَذَا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي مَعَانِي السُّنَنِ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْتَعْمِلُ مَا سَمِعَ عَلَى عُمُومِهِ، فَمِنْ هَا هُنَا وَقَعَ الاخْتِلَافُ.

стр. 749

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لابنِ عُمَرَ ﵁ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَقْعَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قِيلَ: رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي كَنِيفٍ (١) مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) (٢)، يَعْنِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِذَلِكَ. وَقِيلَ: رَأَى رَأْسَهُ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ تَأَمَّلَ قُعُودَهُ، فَعَرَفَ كَيْفَ هو (٣). وَمِنْ بَابِ: خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ) (٤)، تَعْنِي: خُرُوجَهُنَّ إِلَى القَضَاءِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: (البَرَانُ) بِفَتْحِ البَاءِ الْمَكَانُ الوَاسِعُ الظُّلْمَةِ (٥)، يُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ إِلَى ذَلِكَ المَوْضِع لِقَضَاءِ الحَاجَةِ: تَبَرَّزَ، كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ إِلَى الغَائِطِ لِمَنْ

стр. 750

أَتَى مَكَانًا مُتَغَوِّطًا. فِي الحَدِيثِ فَضْلُ الْمُرَاجَعَةِ إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التَّعنُّتُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَبَيَّنُ فِيهَا مِنَ العِلْمِ مَا يَخْفَى، لأَنَّ نُزُولَ الآيَةِ كَانَ سَبَبُهُ الْمُرَاجَعَةَ. وَفِيهِ فَضْلُ عُمَرَ ﵁، وَهَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثِ الَّتِي وَافَقَ فِيهَا رَبَّهُ. وَفِيهِ جَوَازُ وَعْظِ الرَّجُلِ أُمَّهُ فِي البِرِّ، لِأَنَّ سَوْدَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ النِّسَاءِ فِيمَا بِهِ (١) إِلَيْهِنَّ الحَاجَةُ؛ لأَنَّ الله أَذِنَ لَهُنَّ فِي الخُرُوجِ إِلَى البَرَازِ بَعْدَ نُزُولِ الحِجَابِ. وَالحِجَابُ هَا هُنَا: اسْتِتَارُهُنَّ بِاللَّبَاسِ حَتَّى لَا يُرَى مِنْهُنَّ شَيْءٍ عِنْدَ خُرُوجِهِنَّ. وَالحِجَابُ الثَّانِي: إِرْخاءُ الحِجَابِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَفِي قَوْلِهِ: (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الإِغْلَاطِ فِي القَوْلِ إذَا كَانَ القَصْدُ مِنْ ذَلِكَ الخَيْرَ. وَفِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁: (احْجُبْ نِسَاءَكَ) النَّصِيحَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمِنْ بَابِ: الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (مَعِي إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ - يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ) (٢). قِيلَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَسْتَنْجُونَ بِالأَحْجَارِ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ.

стр. 751

وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ (١): قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢)، قَالَ: [مِنَ الْمُتَشَابِهِ] (٣)، فَطَلَبْنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا السَّلَفَ قَدْ تَأَوَّلُوا [مَعْنَى الآيَةِ] (٤) عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَ عَطَاءٌ (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَة (٦): ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قَالَ: مِنَ الذُّنُوبِ. وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي التَّأْوِيلِ طَلَبْنَا الوَجْهَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٧). وَقَالَ الشَّعْبِي (٨): لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (يَا أَهْلَ قُبَاءَ، مَا هَذَا

стр. 752

الثَّنَاءُ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ). وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئهِ عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ المَاءِ تَحْتَ إِزَارِهِ) (١). قَالَ مَالِكٌ (٢): يُرِيدُ الاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ حَمَلَ العَنَزَةَ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ قيل (٣): مَعْنى حَمَلَ العَنَزَةَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَنْجَى تَوَضَّأَ وَصَلَّى، فَكَانَتِ العَنَزَةُ لِسُتْرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ (٤). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ الْمُتَعَلِّمِ لِلْأُسْتَاذِ شَرَفٌ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، فَقَالَ: (أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطُّهُورِ وَالوِسَادَةِ؟) (٥). وَمِنْ بَابِ: النَّهْي عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِاليُمْنَى * حَدِيثُ: (وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) (٦).

стр. 753

وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: (فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِناء) نَهَى عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الإِنَاءِ كَمَا نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِيهِ، وَالسُّنَّةُ: إِرَاقَةُ القَذَى مِنْهُ [ … ] (١) لِئَلَّا يَتَقَذَّرَهُ جُلَسَاؤُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) أَيْ: لَا يَسْتَنْجِ، وَقِيلَ يَعْنِي: لَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، يَعْنِي: الاِسْتِنْجَاءَ أَيْضًا، لأَنَّ القُبُلَ وَالدُّبُرَ عَوْرَةٌ، وَمَوْضِعُ الأَذَى. وَفِي الحَدِيثِ: فَضْلُ اليَمِينِ، رُوِيَ عَنِ [الحَسَنِ بن] (٢) عَلِيٍّ ﵁: (يَمِينِي لِوَجْهِي - يَعْنِي لِلْأَكْلِ وَغَيْرِهِ - وَشِمَالِي لِحَاجَتِي) (٣). وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: النَّهيُّ عَنِ الاِسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ نَهْي أَدبٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: نَهْي تَحْرِيمٍ. وَمِنْ بَابِ: الاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَبْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِصُ بِهَا) (٤). قِيلَ: الاسْتِنْفَاضُ: الاِسْتِفْعَالُ مِنَ النَّفْضِ، وَهُوَ أَنْ يَهُزَّ الشَّيْءَ لِيَطِيرَ

стр. 754

غُبَارُهُ، أَوْ يَزُولَ مَا عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ هَا هُنَا: أَسْتَنْظِفُ بِهَا، أَيْ: أُنَظِّفُ نَفْسِي بِهَا مِنَ الحَدَثِ. وَالاسْتِنْجَاءُ: إِزَالَةُ النَّجْوِ مِنَ الْمَخْرَجَ بِالأَحْجَارِ، أَوْ بِالمَاءِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِي (١)، وَأَحْمَدَ (٢): أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ فَرْضَ، وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اسْتِنْجَاء بِالأَحْجَارِ أَوْ بِالْمَاءِ. وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (أَمَرَ بِالاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) (٣)، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ قُرِنَتْ فِي الشَّرْعِ بِعَدَدٍ، فَإِنَّ إِزَالَتَهَا وَاجِبَةٌ كَوُلُوغَ الكَلْبِ.

стр. 755

وَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَالكُوفِيُّونَ (٢) إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالُوا: لِأَنَّ الحَجَرَ لَا يُنْقِي إِنْقَاءَ المَاءِ، فَلَمَّا وَجَبَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الحَجَرِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِ الغَائِطِ عُلِمَ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ [سُنَّةٌ] (٣). وَمِنْ بَابِ: لا يَسْتَنْجِي بِرَوْثٍ * حَدِيثُ: (فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): لَا يَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. وَقَالَ مَالِكٌ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧): إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ مَعَ الإِنْقَاءِ جَازَ. وَقَوْلُهُ: (هَذَا رِكْسٌ) مَعْنَاهُ: رِجْسٌ، وَهُوَ شَبِيهُ الْمَعْنَى بِالرَّجِيعِ، يُقَالُ: رَكَسْتُ الشَّيْءَ وَأَرْكَسْتُهُ: إِذَا رَدَدْتُهُ. قِيلَ: الرَّوْثَةُ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْخَيْلِ وَالبِغَالِ وَالحَمِيرِ (٨).

стр. 756

وَتَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ: (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ). وَقَالَ آخَرُونَ (١) أَرَادَ بِذِكْرِ الثَّلَاثَة أَنَّ الغَالِبَ وُجُودُ الإِنْقَاءِ بِهَا، كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُسْتَيْقِطِ مِنَ النَّوْمِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّرْطِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٢): [وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الأَحْجَارِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵇] (٣) قَعَدَ لِلْغَائِطِ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ أَحْجَارٌ، لِقَوْلِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ: (نَاوِلْنِي أَحْجَارًا). وَلَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمَا احْتَاجَ مَنْ يُنَاوِلُهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ المَكَانِ، فَلَمَّا أَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الاِسْتِنْجَاءَ بِهِمَا يُجْزِئُ مِمَّا تُجْزِئُ مِنْهُ الثَّلَاثَةُ، لأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُجْزِئُ إِلَّا الثَّلَاثَةُ لَمَا اكْتَفَى بِالحَجَرَيْنِ، وَلأَمَرَ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَبْغِيَهِ ثَالِثًا. وَمِنْ بَابِ: الوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلاثًا ثَلاثًا (٤) * فِيهِ حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ (٥).

стр. 757

قَالَ الطَّحَاوِيُّ (١): فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَرَّةً مَرَّةً هُوَ الفَرْضُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِلْإِبَاحَةِ. وَفي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ [عَلَى] (٢) العَالِمِ أَنْ يَبثَّ عِلْمَهُ فِي النَّاسِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى تَوَعَّدَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنَ البَيِّنَاتِ بِالعِقَابِ. وَهَذِهِ الآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهَا كُلُّ [مَنْ] (٣) عَلِمَ عِلْمًا تَعَبَّدَ اللهُ العِبَادَ بِمَعْرِفَتِهِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِخْلَاصَ فِي العِبَادَة يُوجِبُ الغُفْرَانَ، وَقَدْ ذَمَّ الله قَوْمًا شَغَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِحَدِيثِ النَّفْسِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٤). وَرُوِيَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ الدُّعَاءَ مِنْ قَلْبٍ لَاهٍ) (٥).

стр. 758

وَمِنْ بَابِ: الاسْتِنْثَارُ فِي الوُضُوءِ قيل: الاسْتِنْثَارُ: أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي نَثْرَتِهِ، وَهِيَ الخَيْشُومُ وَمَا حَوْلَهُ. وَقِيلَ: اسْتَنْثَرَ: إِذَا اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ بِنَفَسِهِ، ثُمَّ نَثَرَهُ، فَلَا يَكُونُ الاسْتِنْثَارُ إِلَّا بَعْدَ الاسْتِنْشَاقِ، فَالاسْتِنْشَاقُ أَخْذُ المَاءِ وَجَذْبُهُ بِنَفَسٍ الأَنْفِ، وَالاسْتِنْثَارُ: دَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (١). وَمِنْ بَابِ: الاسْتِجْمَارُ وتْرًا * حَدِيثُ: (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثِرُ) (٢). يَعْنِي: فَلْيَجْعَل فِي أَنْفِهِ مَاءً، وَهُوَ الاِسْتِنْشَاقُ. (ثُمَّ لِيَنْثِرُهُ) أَيْ: لِيُخْرِجْهُ. (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرُ) الاِسْتِجْمَارُ: إِزَالَةُ النَّجْوِ مِنَ الْمَخْرَجِ بِالحِمَارِ، والحِمَارُ: الحِجَارَةُ الصَّغَارُ. وَغَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا إِنَاءَ الوُضُوءِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)،

стр. 759

وَالكُوفِيِّينَ (١)، وَالشَّافِعِي (٢). وَقَالَ أَحْمَدُ (٣): مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا. وَمِنْ بَابِ الْمُضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ * فِيهِ حَدِيثُ عُثْمَانَ (٤) ﵁. قَالَ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦): الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ فِي الوُضُوءِ، وَفِي غُسْلِ الجَنَابَةِ جَمِيعًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِي (٧)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٨): هُمَا وَاجِبَتَانِ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ، غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ فِي الوُضُوء. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٩): الاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ فِيهِمَا، وَالمَضْمَضَةُ غَيْرُ

стр. 760

وَاجِبَةٍ فِيهِمَا. وَقَالَ ابن أَبِي لَيْلَى (١): هُمَا وَاجِبَتَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَحُجَّةُ القَوْلِ الأَوَّلِ قَوْلُهُ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٢)، وَالوَجْهُ: مَا ظَهَرَ لَا مَا بَطَنَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ بَاطِنِ عَيْنِهِ. وَحُجَّةٌ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَفَعَلَ الاسْتِنْشَاقَ، وَأَمَرَ بِهِ، وَأَمْرُهُ أَقْوَى مِنْ فِعْلِهِ. وَحُجَّةً مَنْ أَوْجَبَهُمَا فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣)، كَمَا قَالَ فِي الوُضُوءِ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤). فَمَا وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا مِنَ الغَسْلِ وَجَبَ فِي الْآخَرِ، وَلَمْ يَحْفَظْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ وَلَا غُسْلِهِ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللهِ مُرَادَهُ. وَمِنْ بَابٍ: غَسْلِ الرَّجْلَيْنِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: (تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفَرٍ، فَأَدْرَكَنَا) (٥). النُّونُ وَالأَلِفُ ضَمِيرٌ مَنْصُوبٌ.

стр. 761

(وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ): النُّونُ وَالأَلِفُ ضَمِيرُ اسْمِ الفَاعِلِ، وَالعَصْرَ: نَصْبُ مَفْعُولٍ. وَمَعْنَى: (أَرْهَقْنَا) أَخَّرْنَا، أَيْ: أَخَّرْنَاهَا حَتَّى كَادَ يَدْنُو مِنَّا، يُقَالُ: رَهَقَتِ الكِلابُ الصَّيْدَ إِذَا لَحِقَتْهَا أَوْ كَادَتْ، فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَرْهَقْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فَمَعْنَاهُ: أَعْجَلْتُهُ عَنْهَا. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) غَسْلُ الْأَرْجُلِ لَا مَسْحُهَا. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَمَّا تَوَعَّدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَسْحِ أَرْجُلِهِمْ، عُلِمَ أَنَّ الوَعِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ صِفَةَ الوُضُوءِ رَوَى أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، لَا أَنَّهُ مَسَحَهُمَا. وَمِنْ بَابٍ: غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵁، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ: (رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ)، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَقَالَ فِي الحَدِيثِ: (فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) (٢). مُرَادُ البُخَارِيِّ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الحَدِيثِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ

стр. 762

مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ فَقَدْ وَهِمَ، وَأَنَّ ذَلِكَ غَسْلٌ. وَحَدِيثُ أَوْسٍ (١) لَا يُقَاوِمٌ حَدِيثَ عُبَيْدِ بن جُرَيْجٍ.

стр. 763

وَحَدِيثُ يَحْيَى بن أَبِي حَيَّةَ ضَعِيفٌ (١). وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ غَسْلًا، وَكُنْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ المَاءَ سَكْبًا) (٢). وَقَالَ عَطَاءٌ (٣): لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ

стр. 764

عَلَى نَعْلَيْهِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): النَّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لَا شَعَرَ فِيهَا. وَقَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (٢): سَبَتَ رَأْسَهُ، أَيْ: حَلَقَهُ. وَقَوْلُهُ: (يَصْبَغُ بِهَا) يَعْنِي الثِّيَابَ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ) بِتَخْفِيفِ اليَاءِ قَبْلَ الْأَلِفِ، بَدَلٌ مِنْ يَاءِ النَّسَبِ، يُقَالُ: رَجُلٌ يَمَنِيٌّ وَيَمَانٍ، قَالَ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ] هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدٌ … جَنِيبٌ وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ وَمِنْ بَابِ: التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ * حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا) (٤). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي التَّنَعُّل وَالتَّرَجُّل (٥).

стр. 765

في الحَدِيثِ فَضْلُ اليَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (١). وَقَالَ ﷺ : (لَا يَبْصُقُ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ يَمِينِهِ) (٢). وَمِنْ بَابِ: الْتِمَاسُ الوُضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). قيل (٤): في الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ لَازِمَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْلٌ عَنْ وُضُوئهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِدُخُولِ الوَقْتِ، وَعِنْدَ وُجُوبِهَا يَجِبُ الْتِمَاسُ المَاءِ لِلْوُضُوءِ لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَالوُضُوءُ قَبْلَ الوَقْتِ حَسَنٌ، لأَنَّهُ مِنَ التَّأهب لِلصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّأَهُبَ لِلْعَدُوِّ قَبْلَ لِقَائِهِ (٥) حَسَنٌ؟! وَلَيْسَ التَّيَمُّمُ هَكَذَا، لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحِجَازِ (٦).

стр. 766

قَالَ الْمُزَنِيُّ (١): نَبْعُ المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَعْظَمُ مِمَّا أُوتِيَهُ مُوسَى ﵇ حِينَ ضَرَبَ بِعَصَاهُ الحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، لأَنَّ الْمَاءَ مَعْهُودٌ أَنْ يَنْفَجِرَ مِنَ الحِجَارَةِ، وَلَيْسَ بِمَعْهُودٍ أَنْ يَنْفَجِرَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِع أَحَدٍ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ . وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَوَضَّؤوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) أَيْ: كُلُّهُمْ، حَتَّى وَصَلَتِ النَّوْبَةُ إِلَى الآخِرِ. وَمِنْ بَابِ: الماءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالحِبَالُ (٢)، وَسُؤْرُ الكِلَابِ، وَمَمَرُّهَا فِي المَسْجِدِ. قِيلَ (٣): أَرَادَ البُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ شَعَرَ الإِنْسَانِ إِذَا فَارَقَ الجَسَدَ نَجِسٌ، وَإِذَا وَقَعَ فِي المَاءِ نَجَّسَهُ (٤). وَفِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ فِي الكَلْبِ:

стр. 767

* أَوَّلُهَا: حَدِيثُ: (إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) (١). *وَحَدِيثُ: (أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا [يَأْكُلُ] (٢) الثَّرَى مِنَ العَطَشِ) (٣). *وَحَدِيثُ: (كَانَتِ الكِلَابُ تُقبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ) (٤). * وَحَدِيثُ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ (٥). وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ مُتَعلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ: وَسُؤْرُ الكِلابِ وَمَمَرُّهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرٌ الإِنْسَانِ، وَبَابُ: سُؤْرِ الكِلابِ. وَغَرَضُهُ فِي ذَلِكَ: حُكْمُ وُلُوعَ الكَلْبِ فِي الإِنَاءِ، وَحُكْمُ سُورِه. قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٦): سُؤْرُ الكَلْبِ فِي الإِنَاءِ نَجِسٌ، وَفِي الْمَاءِ المُسْتَنْقَعِ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٧): كُلُّ مَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ نَجِسٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ (٨): يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَيَغْتَسِلُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ.

стр. 768

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (١): أَرَادَ البُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ الَّذِي سَقَى الكَلْبَ فَغُفِرَ لَهُ طَهَارَةَ سُؤْرِ الكَلْبِ، لأَنَّ الرَّجُلَ مَلأَ خُفَّهُ وَسَقَاهُ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ سُؤْرَهُ بَقِيَ فِيهِ، وَاسْتَبَاحَ لِبَاسَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا دُونَ غَسْلِهِ، إِذْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ غَسَلَهُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ [أَجْرًا] (٢)، كَانَ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ أَوْ غَيْرَ مَأْمُورٍ، وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي أَسْرَى الكُفَّارِ، لِأَنَّ التَّعْطِيسَ وَالتَّجْوِيعَ تَعْذِيبٌ، وَاللهُ مُحْسِنٌ إِلَى خَلْقِهِ مَعَ عِصْيَانِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ بن عَبْدِ اللهِ: (كَانَتِ الكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ) (٣) دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ [إِذَا] (٤) كَانَتْ يَابِسَةً لَا تُنَجِّسُ الْمَكَانَ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ لَا يَرَى الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ وَقَالَ الحَسَنُ (٥): إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ، وَأَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.

стр. 769

وَقَالَ طَاوُوسٌ (١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (٢)، وَعَطَاءُ (٣)، وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَقَالَ ابن عُمَرَ (٤)، وَالحَسَنُ (٥) فِيمَن احْتَجَمَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلٌ مَحَاجِمِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلٌ مَحَاجِمِهِ) (٦)، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (إِلَّا)، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَةِ مَا فِيهِ ذِكْرُ (إلّا). رُوِيَ أَنْ عَلِيًّا له غَسَلَ مَحَاجِمَهُ (٧). * * *

стр. 770

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ) (١)، يَعْنِي: الضَّرْطَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): كُلُّ مَا يَخْرِجُ مِنَ الْمَخْرَجَينِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ نَادِرًا كَانَ أَوْ معتادًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣). وَقَالَ مَالِكٌ (٤) مَا خَرَجَ نَادِرًا كَالاسْتِحَاضَةِ، وَسَلَسِ البَوْلِ، وَالْمَذْي، وَالحَجَرِ، وَالدُّودِ، وَالدَّمِ لَا يَنْقُصُ الوُضُوءَ. وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ كَالقَيْءِ، وَالرُّعَافِ، وَدَمِ الفَصْدِ، وَالدُّمَل فَلَا وُضُوءَ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِي (٥)، وَمَالِكٍ (٦). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٧): إِنْ سَالَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فَفِيهِ الوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ القَيْءُ إِنْ مَلأَ الفَمَ فَفِيهِ الوُضُوءُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَلَا وُضُوءَ فيه.

стр. 771

وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الوُضُوءَ فِي الرُّعَافِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١). وَذَكَرَ ابن الْمُنْذِرِ (٢) عَنِ ابن عُمَرَ، وَالحَسَنِ، وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنَ الحِجَامَةِ الوُضُوءَ، وَغَسْلَ أَثَرِ الْمَحَاجِمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٣)، وَأَحْمَدَ (٤). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِي الحِجَامَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ غَسْلٌ مَوَاضِعَهَا فَقَطْ (٥)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٦)، وَالشَّافِعِيِّ (٧). وَعَلَى هَذَا بَوَّبَ البُخَارِيُّ هَذَا البَابَ، وَذَكَرَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنَ الدَّمِ وَلَا مِنَ الحِجَامَة، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٨)، وَبِحَدِيثِ الَّذِي رُمِيَ بِسَهُم فَنَزَفَهُ الدَّمُ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ (٩)، وَفِي

стр. 772

ذَلِكَ حُجَّةٌ أَنَّ الدَّمَ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وَفِي سَائِرِ أَحَادِيثِ البَابِ حُجَّةٌ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِ المَخْرَجَين. وَقَوْلُ جَابِرٍ (١): إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ، إِلَى

стр. 773

هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (١) وَمَالِكُ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَوْلُ الحَسَنِ (٤) إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. أَهْلُ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، إِلَّا مَا حُكِي عَنِ الحَكَمِ (٥)، وَمُجَاهِدٍ (٦)، وَحَمَّادٍ (٧) مِنْ إِيجَابِ الوُضُوءِ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ المَسْحِ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ (٨)، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٩): يَسْتَأْنِفُ الوُضُوءَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الجَدِيدِ (١٠): يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة (١١).
следующие страницы →