← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 769–808 · переход к 774.

стр. 769

وَقَالَ طَاوُوسٌ (١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (٢)، وَعَطَاءُ (٣)، وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَقَالَ ابن عُمَرَ (٤)، وَالحَسَنُ (٥) فِيمَن احْتَجَمَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلٌ مَحَاجِمِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلٌ مَحَاجِمِهِ) (٦)، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (إِلَّا)، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَةِ مَا فِيهِ ذِكْرُ (إلّا). رُوِيَ أَنْ عَلِيًّا له غَسَلَ مَحَاجِمَهُ (٧). * * *

стр. 770

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ) (١)، يَعْنِي: الضَّرْطَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): كُلُّ مَا يَخْرِجُ مِنَ الْمَخْرَجَينِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ نَادِرًا كَانَ أَوْ معتادًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣). وَقَالَ مَالِكٌ (٤) مَا خَرَجَ نَادِرًا كَالاسْتِحَاضَةِ، وَسَلَسِ البَوْلِ، وَالْمَذْي، وَالحَجَرِ، وَالدُّودِ، وَالدَّمِ لَا يَنْقُصُ الوُضُوءَ. وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ كَالقَيْءِ، وَالرُّعَافِ، وَدَمِ الفَصْدِ، وَالدُّمَل فَلَا وُضُوءَ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِي (٥)، وَمَالِكٍ (٦). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٧): إِنْ سَالَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فَفِيهِ الوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ القَيْءُ إِنْ مَلأَ الفَمَ فَفِيهِ الوُضُوءُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَلَا وُضُوءَ فيه.

стр. 771

وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الوُضُوءَ فِي الرُّعَافِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١). وَذَكَرَ ابن الْمُنْذِرِ (٢) عَنِ ابن عُمَرَ، وَالحَسَنِ، وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنَ الحِجَامَةِ الوُضُوءَ، وَغَسْلَ أَثَرِ الْمَحَاجِمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٣)، وَأَحْمَدَ (٤). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِي الحِجَامَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ غَسْلٌ مَوَاضِعَهَا فَقَطْ (٥)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٦)، وَالشَّافِعِيِّ (٧). وَعَلَى هَذَا بَوَّبَ البُخَارِيُّ هَذَا البَابَ، وَذَكَرَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنَ الدَّمِ وَلَا مِنَ الحِجَامَة، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٨)، وَبِحَدِيثِ الَّذِي رُمِيَ بِسَهُم فَنَزَفَهُ الدَّمُ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ (٩)، وَفِي

стр. 772

ذَلِكَ حُجَّةٌ أَنَّ الدَّمَ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وَفِي سَائِرِ أَحَادِيثِ البَابِ حُجَّةٌ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِ المَخْرَجَين. وَقَوْلُ جَابِرٍ (١): إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ، إِلَى

стр. 773

هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (١) وَمَالِكُ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَوْلُ الحَسَنِ (٤) إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. أَهْلُ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، إِلَّا مَا حُكِي عَنِ الحَكَمِ (٥)، وَمُجَاهِدٍ (٦)، وَحَمَّادٍ (٧) مِنْ إِيجَابِ الوُضُوءِ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ المَسْحِ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ (٨)، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٩): يَسْتَأْنِفُ الوُضُوءَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الجَدِيدِ (١٠): يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة (١١).

стр. 774

وَقَالَ مَالِكٌ (١): يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ اسْتَأْنَفَ الوُضُوءَ. وَأَمَّا الحِجَامَةُ: فَفِيهَا الوُضُوءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٣). وَقَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ (٤): لَا وُضُوءَ فِي الحِجَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٥). وَمَا أَوْرَدَهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ: (فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟) (٦)، وَحَدِيثُ: (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا) (٧) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ (٨) فِي الْمَذْي حُجَّةٌ أَنَّ فِيهِ الوُضُوءَ (٩). * * * * وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ (١٠) فَهُوَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ الْمِقْدَادِ مِنْ وَجْهٍ، إِلَّا أَنَّ

стр. 775

العُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى الغُسْل مِن الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ (١). وَقَوْلُهُ: (إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ) كَذَا وَقَعَ فِي الكِتَابِ، وَالْمَشْهُورُ: (أُقْحِطْتَ) بِأَلِف، يُقَالُ: أَقْحَطَ الرَّجُلُ إِذَا أَكْسَلَ فِي الجِمَاعِ عَنِ الْإِنْزَالِ. قِيلَ: يُقَالُ لِلَّذِي أُعْجِلَ عَنِ الإِنْزَالِ فِي الجِمَاعِ، فَفَارَقَ وَلَم يُنْزِلِ المَاءَ، أَوْ جَامَعَ فَلَمْ يَأْتِهِ الْمَاءُ: أَقْحِطَ الرَّجُلُ (٢)، شُبِّهَ هَذَا بِمَنْعِ القَطْرِ. وَالحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ (٣). وَمِنْ بَابِ الرَّجُلِ يُوَضِئُ صَاحِبَهُ * حَدِيثُ أُسَامَةَ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشَّعْبِ) (٤). * وَفِيهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ: (جَعَلَ يَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) (٥).

стр. 776

تَرْجَمَ البُخَارِيُّ البَابَ بَهِذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (١): صَحَ أَنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵁ صَبَّ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ ﵁ الوَضُوءَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ عَلَى ابن عُمَرَ ﵁ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ (٣)، وَهَذَا أَصَحُ مِمَّا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أُبَالِي أَعَانَنِي رَجُلٌ عَلَى طُهُورِي، أَوْ عَلَى رُكُوعِي وَسُجُودِي) (٤)، لأَنَّ رَاوِيَهُ أَيْفَعُ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ (٥). وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُمَا نَهَيَا أَنْ يُسْتَقَى لَهُمَا المَاءُ لِوُضُوئِهِمَا فَرَاوِيهِ أَبو الجنوب غَيْرُ حُجَّةٍ (٦).

стр. 777

وَاسْتَدَلَّ البُخَارِيُّ بِصَبِّ أُسَامَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ القُرُبَاتِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهَا الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ: (أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةٌ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ … ) (١). فِي هَذَا الحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ قَبْلَ وُضُوئِه. وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ لِأَبِي مَرْيَمَ الحَنَفِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ: (أَتَقْرَأُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا؟ أَمُسَيْلِمَةُ!؟) (٢).

стр. 778

وَكَرِهَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ مَسَّ الْمُصْحَفِ، وَاخْتَلَفُوا فِي القِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ: فَأَجَازَهُ النَّخَعِيُّ (١) وَمَالِكٌ (٢). (٣) وَكَرِهَهُ أَبُو وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالحَسَنُ (٣). وَ (الشَّنُّ): القِرْبَةُ الخَلَقُ، وَالجَمْعُ: شِنَانٌ، وَقِيلَ: يَشْتَنُّ المَاءُ مِنْ قِرْبَةٍ: إِذَا قَطَرَ مِنْهَا. وَمِنْ بَابٍ: مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأُ إِلَّا مِنَ الغَشْيِ التَّقِيلِ * فِيهِ حَدِيثُ أَسْمَاءَ ﵂: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُّ) (٤). وَفِي رِوَايَةٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ: (حَتَّى عَلَانِي الغَشْيُ) (٥).

стр. 779

قِيلَ: (تَجَلانِي): تَجَلَّلَنِي. وَ (الغَشْيُّ): مَرَضٌ يَعْرِضُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَالوُقُوفِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الإِغْمَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ أَخَفْ مِنْهُ، يُقَالُ: غُشِيَ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ الغَشْيُّ خَفِيفًا، وَذَلِكَ دُونَ الإِغْمَاءِ، وَلَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ وَلَا الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا صَبَتِ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا مُدَافَعَةٌ لِلْغَشْيِ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا لَقَطَعَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ إِذَا كَثرَ صَارَ كَالإِغْمَاءِ، وَنَقَضَ الوُضُوءَ. قَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (١): غُشِيَ عَلَيْهِ: ذَهَبَ عَقْلُهُ. وَفِي القُرْآنِ: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٢). وَمِنْ بَابٍ: مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَسُئِلَ مَالِكٌ (٣): أَيُجزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْض رَأْسِهِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ (٤): اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٥)، فَقَالَ قَوْمُ: الْمُرَادُ

стр. 780

منه مَسْحُ جميع الرَّأْسِ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، كَعُمُومِ مَا سِوَاهُ مِنَ الأَعْضَاءِ بِالغَسْلِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ (١). وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْمَمْسُوحِ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): إِنْ مَسَحَ رُبعَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ، وَيَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْسَحَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٤): لَمَّا احْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَمَسْحَ بَعْضِهِ، وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ بَعْضَهُ يُجِزِئُ؛ دَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الفَرْضُ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: (مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ) (٥). وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ) (٦)، وَلَيْسَ فِي

стр. 781

ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الفَرْضُ، لأَنَّا رَأَيْنَاهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، لا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الفَرْضُ، وَلَكِنْ [مِنْهُ] (١) فَرْضٌ، وَمِنْهُ فَضْلٌ. وَلَمَّا اكْتَفَى ﷺ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ عَنْ مَسْحٍ بَقِيَّةِ الرَّأْسِ دَلَّ أَنَّ الفَرْضَ فِي مَسْحِهِ هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَأَنَّ مَا فَعَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا جَاوَزَ بِهِ النَّاصِيَةَ كَانَ عَلَى الفَضْلِ لَا عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى لَا تَتَضَادَّ الأَحَادِيثُ. قِيلَ (٢) إِنَّ الأُمَّةَ (٣) مُجِمَعَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ كُلِّهِ فَهُوَ مُؤَدٍّ لِفَرْضِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَسَحَ بَعْضَهُ، فَالوَاجِبُ أَنْ لَا يُؤَدَّى فَرْضُ الوُضُوءِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ. وَاحْتَجَّ الَّذِينَ قَالُوا: الوَاجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ بِأَنَّ البَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) لِلْإِلْصَاقِ، لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥)، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ بِبَعْضِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْحُ الرَّأْسِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٦): الصَّحَابَةُ ﵃ نَقَلَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَشَذَّتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَتِلْكَ فِعْلَةٌ وَقَعَتْ فِي

стр. 782

بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَكَانَ حَمْلُهَا (١) عَلَى العُذْرِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ الوَاجِبَ لَبَيَّنَ (٢) ذَلِكَ، كَمَا قَالَ لَمَّا تَوَضَّأَ مَرَّةً [مَرَّةً] (٣): (هَذَا صِفَةُ الوُضُوءِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ) (٤). وَكَلِمَةُ: (ثُمَّ) فِي هَذَا الْبَابِ بِمَعْنَى الوَاوِ، أُرِيدَ بِهَا الإِخْبَارُ عَنْ صِفَةِ الغَسْلِ، وَلَمْ يُرَدْ بِهَا الْمُهْلَةَ. وَفِي الحَدِيثِ جَوَازُ غَسْلِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ، وَبَعْضِهَا ثَلَاثًا. * * *

стр. 783

وَمِنْ بَابٍ: غَسْلٌ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الكَعْبَيْنِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ (١). ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٢) إِلَى أَنَّ [الْمِرْفَقَيْنِ يَدْخُلَانِ] (٣) فِي غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ فِي الوُضُوءِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ زُفَرَ (٤) أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ غَسْلٌ المَرَافِقِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الله تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِهِمَا إِلَى الْمَرَافِقِ، وَجَعَلَ المَرَافِقَ حَدًّا، وَالحَدُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥)، فَجَعَلَ اللَّيْلَ حَدًّا لِلصَّوْمِ، وَلَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ فِيهِ، وَكَمَا [تَقُولُ] (٦): دَارُ فُلَانٍ تَنْتَهِي إِلَى دَارِ فُلَانٍ، فَتَكُونُ دَارُ فُلَانٍ حَدًّا لَهَا، وَلَا تَدْخُلُ فِي دَارِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَقَالَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ (٧): كُلُّ غَايَةٍ حُدَّتْ بِـ (إِلَى) فَقَدْ تَحْتَمِلُ فِي كَلَامِ العَرَبِ دُخُولَ الغَايَةِ فِيهِ، وَخُرَوجَهَا مِنْهُ، وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ القَضَاءُ بِأَنَّهَا

стр. 784

دَاخِلَةٌ فِيهِ، أَوْ خَارِجَةٌ مِنْهُ، إِلَّا لِمَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَلَا حُكْمَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مِمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِحُكْمِهِ". وَحُجَّةُ الجَمَاعَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) بِمَعْنَى: مَعَ الْمَرَافِقِ، وَبِمَعْنَى الوَاوِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَأَيْدِيَكُمْ وَالْمَرَافِقَ، أَوْ مَعَ الْمَرَافِقِ، قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) أَيْ: مَعَ اللهِ، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣). وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَى) بِمَعْنَى الغَايَةِ، وَتَدْخُلُ الْمَرَافِقُ فِي الغَسْلِ، لِأَنَّ الثَّانِي إِذَا كَانَ مِنَ الأَوَّلِ كَانَ مَا بَعْدَ (إِلَى) دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ، وَدَخَلَتِ الْمَرَافِقُ فِي الغَسْلِ لأَنَّهَا مِنَ اليَدَيْنِ، فَمَنْ أَوْجَبَ غَسْلَ الْمَرْفِقَيْنِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ بِيَقِينِ، وَاليَقِينُ فِي أَدَاءِ الفَرَائِضِ وَاجِبٌ. وَالخِلَافُ فِي غَسْلِ الكَعْبَيْنِ كَالخِلَافِ فِي غَسْلِ المَرْفِقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ. قَالَ مَالِكٌ (٤): الكَعْبُ هُوَ الْمُلْتَصِقُ بِالسَّاقِ، وَالْمُحَاذِي لِلْعَقِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي (٥)،

стр. 785

وَأَحْمَدَ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): هُوَ الشَّاخِصُ فِي ظَهْرِ القَدَمِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ (٣): الكَعْبَانِ العَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيْ القَدَمِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ (٤): فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ، وَهُمَا عَظْمَا طَرَفَي السَّاقِ مُلْتَقَى القَدَمَيْنِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) (٥)، قَالَ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبٍ صَاحِبِهِ) (٦)، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ القَوْلِ بِأَنَّهُمَا النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ السَّاقَيْنِ.

стр. 786

وَمِنْ بَابِ: اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ * حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَة (١)، وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى (٢)، وَحَدِيثُ الْمِسْوَرِ (٣). هَذَا البَابُ كُلُّهُ يَقْتَضِي طَهَارَةَ فَضْلِ الوَضُوءِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا بَأْسَ بِالوُضُوءِ مِنْ فَضْلٍ مُشْرِكٍ، وَبِفَضْلِ وَضُوئِهِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٥): أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ وَثِيَابُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ تُحقِّقَ طَهَارَتُهُ: فَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا يُكْرَهُ. وَضَرْبٌ تُحقِّقَ نَجَاسَتُهُ: فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ. وَضَرْبٌ شُكَّ فِي حَالِهِ: فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الغَسْلِ، وَلَا يَحْرُمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاجِبٌ أَنْ لَا تُسْتَعْمَلَ أَوَانِيهِمْ إِلَّا بَعْدَ الغَسْلِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ (٦): "إِذَا كَانَ القَوْمُ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ ثِيَابِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ". وَقَالَ أَحْمَدُ (٧): لَا تَجُوزُ ثِيَابُ أَهْلِ الكُفْرِ وَأَوَانِيهِمْ إِلَّا بَعْدَ الغَسْلِ.

стр. 787

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: ﵀ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ) (١)، وَقَالُوا: الأَصْلُ فِي الثِّيَابِ وَالأَوَانِي يَقِينُ الطَّهَارَةِ، فَلَا يُزَالُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: "فَضْلُ الوَضُوءِ هُوَ المَاءُ الَّذِي يَتَطَايَرُ عَنِ الْمُتَوَضِّئِ، وَيُجْمَعُ بَعَدَمَا غَسَلَ بِهِ أَعْضَاءَ الوُضُوءِ. وَفَضْلُ السِّوَاكِ: هُوَ المَاءُ الَّذِي يُنْقَعُ فِيهِ السِّوَاكُ لِيَبْقَى رَطْبًا، وَسِوَاكُهُمُ (٢) الأَرَاكُ، وَهُوَ لَا يُغَيِّرُ المَاءَ) (٣). قِيلَ (٤): أَرَادَ البُخَارِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَتَغيَّرُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ غَيْرُ مُتَغيِّرٍ. قَالَ الحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالمَاءِ الَّذِي قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٥). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦): هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ.

стр. 788

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ (١): هُوَ نَجِسٌ. وَفِي الحَدِيثِ: جَوَازُ مُمَازَحَةِ الطِّفْلِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَجَّ فِي وَجْهِ مَحْمُودٍ، وَمَجُّ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ يَصْعُبُ عَلَى مَنْ يُصَبُّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، فَقَدْ يَسْتَلِذُهُ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (٢): دَلِيلٌ عَلَى التَّبَرُّكِ بِالْمَاءِ الَّذِي لَاقَاهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى الشِّفَاءِ [به] (٣). * وَفِي حَدِيثِ السَّائِبِ: (إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقَعَ) (٤) بِفَتْحِ القَافِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا (وَقِعٌ) بِكَسْرِ القَافِ، وَضَمِّ العَيْنِ وَالتَّنْوِينِ، وَفِي بَعْضِهَا (وُجِعَ) بِالحِيمِ الْمَكْسُورَةِ (٥). فَمَعْنَى (وَقَعَ) أَيْ: وَقَعَ فِي الْمَرَضِ، وَمَعْنَى: وَقِعٌ، أَيْ: يَشْتَكِي قَدَمَهُ، قَالَ

стр. 789

الرَّاجِزُ (١): [مِنَ الرَّجز] كُلَّ الحِذَاءِ يَحْتَذِي الحَافِي الوَقِع … .................... قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): الوَقِعُ: الَّذِي يَشْتَكِي رِجْلَهُ مِنْ حِجَارَةٍ. وَقَوْلُهُ: (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ): يُرِيدُ الأَزْرَارَ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى مَا يَكُونُ فِي حِجَالِ العَرَائِسِ مِنَ الكِلَلِ (٣) وَالسُّتُورِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ زِرُّ الحَجَلَةِ بِفَتْحِ الجِيمِ، يَعْنِي: بَيْضَةً، وَالحَجَلَةُ: بِالفَتْحِ (٤). وَمِنْ بَابٍ: مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الْمُسْتَحَبِّ وَالمَسْنُونِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ (٥). ذَكَرَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ: بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحَةً

стр. 790

وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ) (١). وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٣) فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ لِيُرِيَ أُمَّتَهُ التَّيْسِيرَ (٤) فِيهِ. المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ: إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الأَنْفِ وَالفَم، فَإِنْ أَوْصَلَهُ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِغَرْفَتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ أَتَى بِالْمَشْرُوعِ، وَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَغْرِفَ غَرْفَةً لِفَمِهِ وَغَرْفَةً لِأَنْفِهِ؟ أَوْ يَغْرِفَ غَرْفَةً وَاحِدَةً لِفَمِهِ وَأَنْفِهِ؟ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الأُمِّ (٥): السُّنَّةُ غَرْفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَوَجْهُهُ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (فَغَرَفَ غَرْفَةً وَاحِدَةً لِفَمِهِ وَأَنْفِهِ) (٦).

стр. 791

وَقَالَ فِي البُوَيْطِي (١): يَغْرِفُ غَرْفَةً لِأَنْفِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃، قَالَ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ [وَالاسْتِنْشَاقِ] (٢)) (٣). وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِي الطَّهَارَةِ، فَيُفْصَلُ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ الأَعْضَاءِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ كفَّةٍ وَاحِدَةٍ) أَرَادَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ حَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَاشْتَقَّ

стр. 792

لِذَلِكَ [مِن] (١) اسْمٍ الكَفِّ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ المَعْنَى، كَمَنْ يُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ. وَمِنْ بَابِ: وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلِ وُضُوءِ المَرْأَةِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ: (كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ الله ﷺ جَميعًا) (٢). قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَا بَأْسَ بِالوُضُوءِ مِنْ فَضْلِ الحَائِضِ وَالجُنُبِ، مِثْلَ أَنْ يَفْضُلَ فِي إِنَائِهِمَا مَاءٌ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ غُسْلِهِمَا، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِفَضْلِ وُضُوءِ المَرْأَةِ وَغَسْلِهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٣): لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِ مَا تَوَضَّأَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَوِ اغْتَسَلَتْ. وَوَافَقَ الجَمَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِ الرَّجُلِ (٤)، وَالرَّجُلُ مِنْ فَضْلِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ فَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَعْمَلَاهُ جَمِيعًا جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ مِنْهُ.

стр. 793

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): حَدِيثُ الإِبَاحَةِ أَصَحُّ. وَسُئِلَ ابن عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ فَضْلِ وُضُوءِ المَرْأَةِ، فَقَالَ: (هُنَّ أَنْظَفُ ثِيَابًا، وَأَطْيَبُ رِيحًا) (٢). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ فِيهِ أَيْدِينَا مِنَ الجَنَابَةِ) (٣). وَقَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ عُمَرُ ﵁ بِالحَمِيمِ) (٤) أَيْ: بِالمَاءِ الْمُسَخَّنِ. وَسُمِّيَ الحَمَّامُ حَمَّامًا لإِسْخَانِهِ مَنْ دَخَلَهُ، وَقِيلَ لِلْمَحْمُومِ مَحْمُومٌ: لِسُخُونَةِ

стр. 794

جَسَدِهِ بِالحَرَارَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (١) أَيْ: قَدْ سُخِّنَ، فَأَنَّ حَرَّه وَاشْتَدَّ. قَالَ ابن الْمُنْذِرِ (٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الحِجَازِ وَأَهْلُ العِرَاقِ عَلَى جَوَازِ الوُضُوءِ بِالمَاءِ الْمُسَخَّنِ، غَيْرَ مُجَاهِدٍ، فَإِنَّهُ كَرِهَهُ. وَأَمَّا وُضُوءُ عُمَرَ ﵁ مِنْ بَيْتِ نَصْرانِيَّةٍ (٣)، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى سُؤْرَهَا طَاهِرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ (٤): وَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا كَرِهَ ذَلِكَ إِلَّا أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ (٥)،

стр. 795

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ (١) أَنَّهُ أَجَازَهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ: كَرَاهَتُهُ. وَالسُّؤْرُ فِي اللُّغَةِ: بَقِيَّةُ الْمَاءِ فِي الإِناء. وَمِنْ بَابِ: صَبَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ قِيلَ: فِي الحَدِيثِ (٢) دَلِيلٌ أَنَّ المَاءَ المُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَيْضًا مَنْ يَرَى الوُضُوءَ بِهِ جَائِزًا. وَالكَلَالَةُ: الأَطْرَافُ، وَهَذَا الاسْمُ يَقَعُ عَلَى الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ، وَهُوَ فِي هَذَا الحَدِيثِ اسْمُ الوَارِثِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣) هُوَ له اسْمُ الْمَوْرُوثِ دُونَ الوَارِثِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الوَرَثَةُ كَلَالَةً لِتَكَلُّلِهِمْ النَّسَبَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَهُمْ مَنْ دُونَ الوَلَدِ وَالوَالِدِ مِنَ الوَرَثَة. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَرَكَةَ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تُزِيلُ كُلَّ عِلَّةٍ. وَفِيهِ جَوَازُ رُقْيَةِ الصَّالِحِينَ وَالدُّعَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُرْجَى بَرَكتُهُ، وَأَنَّ مَا يُقْرَأُ عَلَى المَاءِ لِلْمَرِيضِ مِمَّا يَنْفَعُ. * * *

стр. 796

وَمِنْ بَابِ: الغُسْلِ وَالوُضُوءِ فِي الْمِخْضَبِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (فَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ) (١). المِخْضَبُ: المركن، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ حِجَارَةٍ، وَيَكُونُ مِنْ صُفْرٍ. وَفِي الحَدِيثِ: دَلِيلٌ أَنَّ جَوَاهِرَ الْأَرْضِ طَاهِرَةٌ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ) أَيْ: جَعَلْنَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، يُقَالُ: طَفِقَ فُلَانٌ يَفْعَلُ كَذَا: إِذَا وَاصَلَ الفِعْلَ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): الْمِخْضَبُ شِبْهُ الإِجَانَةِ تُغْسَلُ فِيهِ الثِّيَابُ. وَ (الأَوْكِيَةُ): جَمْعُ الوِكَاءِ، وَهُوَ الخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ رَأْسُ السِّقَاءِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ لِثُبُوتِ قُوَّتِهِ إِلَيْهِ بِصَبِّ المَاءِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مِنَ القِرَبِ الَّتِي تَكُونُ مَسْدُودَةً غَيْرَ مَحْلُولَةِ الأَوْكِيَةِ؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ طَهَارَةَ المَاءِ، لِأَنَّ المَاءَ الَّذِي لَمْ يُسْتَعْمَلْ أَفْضَلُ مِنَ المَاءِ الَّذِي قَدِ اسْتُعْمِلَ، وَالْمَاءَ الَّذِي لَمْ تُخَالِطْهُ الْأَيْدِي أَطْهَرُ مِنَ المَاءِ الَّذِي (٣) خَالَطَتْهُ الأَيْدِي. وَاخْتِصَاصُ السَّبْعِ مِنَ العَدَدِ بِجِهَةِ التَّبَرُّكِ بِهَذَا العَدَدِ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا فِي أَمْرِ الشَّرِيعَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ القِرَبَ تُوكَى [وَتُحَلُّ] (٤) عَلَى اسْمٍ اللَّهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ

стр. 797

صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنَ الأَسْقِيَةِ الَّتِي لَمْ تُحَلَّ، لِيَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَرَكَةَ الذِّكْرِ فِي شَدِّهَا وَحَلِّهَا. وَقَوْلُهُ: (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ) (١): هُوَ القَصِيرُ الجِدَارِ، القَرِيبُ القَعْرِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (٢): رَحْرَحٌ وَرَحْرَاحٌ إِذَا كَانَ وَاسِعًا. وَقَالَ الحَرْبِيُّ (٣): الرَّحَحُ فِي حَافِرِ الفَرَسِ هُوَ أَنْ يَتَّسِعَ الحَافِرُ. وَأَمَّا التَّوْرُ، قِيلَ: هُوَ مِثْلَ الطَّسْتِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): هُوَ عَرَبِيٌّ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهْرَاقَ عَلَيْهِ مِنْ سَبْعٍ قِرَبٍ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَكَمَا أَمَرَ العَائِنَ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْمَعِينِ (٦).

стр. 798

وَفِي قَوْلِهِ: (بَدَأَ بِمُقَدَّمِهِ) رَفْعُ الإِشْكَالِ، وَإِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِهِ، لأَنَّ قَوْلَهُ: (فَأَدْبَرَ بِيَدِهِ وَأَقْبَلَ) يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ كَانَتْ نَادِرَةٌ مِنْهُ، وَفَعَلَهَا لِيُرِيَ أُمَّتَهُ السَّعَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ يَفْعَلُ طَوَالَ دَهْرِهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ فَبَدَأَ بِمُقَدَّمِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ) (١). وَمِنْ بَابِ: الوُضُوءِ بِالمدِّ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ - أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ - بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ) (٢). فِي الخَبَرِ دَلِيلٌ وَإِخْبَارٌ عَنِ القَدْرِ الَّذِي كَانَ يَكْفِيهِ ﷺ لَا أَنَّهُ حَدٌّ لَا يُجْزِئُ دُونَهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى فَضِيلَةِ الاقْتِصَادِ، وَتَرْكِ السَّرَفِ. وَالمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الإِسْبَاغِ بِالقَلِيلِ [أَنْ يُقَلِّلُ] (٣) وَلَا يَزِيدُ عَلَى

стр. 799

ذَلِكَ، لأَنَّ السَّرَفَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ) (١). وَقَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ: (إِنَّ لِي رِكْوَةً - أَوْ قَدَحًا - يَسَعُ نِصْفَ مُدٍّ أَوْ نَحْوَهُ، وَأَنَا أَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَرُبَّمَا فَضَلَ فَضْلٌ) (٢). وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٣): إِنَّ النَّاسَ فِي الأَسْفَارِ رُبَّمَا ضَاقَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ، أَفَيُجْزِئُ الرَّجُلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَقَلَّ مِنَ الْمُدِّ؟ فَقَالَ: إِذَا أَحْسَنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَغَسَلَ وَلَمْ يَمْسَحْ يُجْزِؤُهُ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (٤): فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى

стр. 800

الإِبَاضِيَّةِ (١)، وَمَنْ رَأَى أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ لَا يُجْزِئُ، وَالسُّنَّةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا. وَمِنْ بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ * فِيهِ: حَدِيثُ سَعْدٍ بن أَبِي وَقَّاصٍ (٢)، وَحَدِيثُ المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ (٣)، وَعَمْرِو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِي (٤). اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ (٥). وَقَالَتِ الخَوَارِجُ (٦): لَا يَجُوزُ أَصْلًا، لأَنَّ القُرْآنَ لَمْ يَرِدْ بِهِ.

стр. 801

وَقَالَتِ الشِّيعَةُ (١): لَا يَجُوزُ، لأَنَّ عَليًّا ﵁ امْتَنَعَ مِنْهُ (٢). وَحُجَّةُ الجَمَاعَةِ: مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ بِالرِّوَايَاتِ المَشْهُورَةِ، وَصَحَّ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُفَارِقُونَهُ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، حَتَّى قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: (حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ) (٣)، فَجَرَى مَجْرَى التَّوَاتُرِ. وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، وَغَزْوَةُ تَبُوكٍ آخِرُ غَزَاةٍ كَانَتْ بِالمَدِينَةِ،

стр. 802

فَسَقَطَ بِهَذَا قَوْلٌ مَنْ يَقُولُ: آيَةُ الوُضُوءِ مَدَنِيَّةٌ، وَالمَسْحُ مَنْسُوخٌ بِهَا لأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَرِيرٍ ﵁: أَنَّهُ: (رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ) (١)، وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ، لأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَرَوَى الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فِي المَسْحِ كَانَ فِي السَّفَرِ، وَاسْتِعْمَالُ جَرِيرٍ لَهُ فِي الحَضَرِ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ: مَا تَقُولُ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ ﵄ فِي إِنْكَارِ المَسْحِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ: (حُبِّبَ إِلَيَّ الغَسْلُ) (٢)، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى مِثْلِ هَذَا القَوْلِ وَلَمْ يُنْكِرِ الْمَسْحَ صَلَّيْنَا خَلْفَهُ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ (٣)، فَإِنْ تَرَكَ رَجُلٌ الْمَسْحَ، وَلَمْ يَرَهُ كَمَا

стр. 803

صَنَعَ أَهْلُ البِدَعِ فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ. وَذَكَرَ ابن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بن أُمَيَّةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ مُرْسَلٌ (١). وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ذِكْرُ العِمَامَةِ (٢). وَمِنْ بَابِ: إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ * حَدِيثُ الْمُغِيرَة (٣). قَوْلُهُ: (فَأَهْوَيتُ) أَيْ: قَصَدْتُ. وفي الحَدِيثِ تَعْلِيمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السَّبَبَ الَّذِي يُبيحُ الْمَسْحَ عَلَى الخُفَّيْنِ [وَهُوَ إِدْخَالُهُ لِرِجلَيْهِ] (٤) وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الوُضُوءِ. فَإِنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا إِنْ

стр. 804

أَحْدَثَ، هَذَا قَوْلٌ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢) وَأَحْمَدَ (٣): لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا حتَّى يَكُونَ طَاهِرًا الطَّهَارَةَ التَّامَّةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلَيْهِمَا. وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ يَرُدُّ هَذَا القَوْلَ لِقَوْلِهِ: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)، فَجَعَلَ العِلَّةَ فِي جَوَازِ المَسْحِ وُجُودَ اللُّبْسِ وَالرِّجْلَانِ طَاهِرِتَانِ بِطُهْرِ الوُضُوء. وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: دَلِيلٌ عَلَى خِدْمَةِ العُلَمَاءِ، وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى مَا يَعْرِفُ مِنْ خِدْمَتِهِ دُونَ أَنْ يُؤْمَرَ بِهَا، لِقَوْلِهِ: (أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ). وَفِيهِ إِمْكَانُ الفَهْمِ عَنِ الإِشَارَةِ، وَرَدُّ الجَوابِ عَلَى مَا يُفْهَمُ بِالإِشَارَةِ، لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ أَهْوَى لِيَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَفَهِمَ عَنْهُ ﷺ مَا أَرَادَ، فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ. وَمِنْ بَابٍ: مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٥): ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ قُدَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى [عَدَمِ] (٦) إِيجَابِ الوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ مَا غَيَّرَتِ

стр. 805

النَّارُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ قَوْلٌ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ (١). وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) (٢). وَقَالَ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: سَمِعْتُ خَالِدًا الحَذَّاءَ يَقُولُ (٣): كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ النَّاسِخَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ (٤): إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا

стр. 806

بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عَمِلَا بِأَحَدِ الحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَا الآخَرَ، كَانَ ذَلِكَ دِلَالَةً عَلَى أَنَّ الحَقَّ فِيمَا عَمِلَا بِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (١): كَانَ مَكْحُولٌ يَتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَلَقِيَ عَطَاءَ بِنَ أَبِي رَبَاحٍ؛ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَتَرَكَ مَكْحُولٌ الوُضُوءَ، وَقَالَ: لأَنْ يَقَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ (٢) أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الوُضُوءَ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الإِبِلِ، فَاحْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ جَابِرِ بن سَمُرَةَ (٣)، وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ (٤). وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ [الزُهُومَةِ] (٥) لَحْمِ الإِبِلِ، لَا عَلَى الإِيجَابِ.

стр. 807

وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ: إِنَّ تَنَاوُلَ الأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ مِثْلِ المِيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فَلأَنْ [لَا] (١) تُوجِبَهُ الأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ أَوْلَى. وَمِنْ بَابِ: مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ * حَدِيثُ سُوَيْدِ بن النُّعْمَانِ ﵁ (أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرٍ - صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثَرَّى) (٢). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): ثَرَّيْتُ الأَقِطَ: صَبَبْتُ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ لَتَتُّهُ. يُقَالُ: لَتَّ السَّويقَ بِالسَّمْنِ، يَلُتُّه لَتًّا: إِذَا خَلَطَهُ بِهِ، وَثَرَّيْتُ التُّرْبَةَ إِذَا بَلَلْتُهَا، وَقَدْ بَدَا ثَرَى المَاءِ مِنَ الفَرَسِ، وَذَلِكَ حِينَ يَنْدَى بِعَرَقِهِ، قَالَ طُفَيْلٌ (٤): [مِنَ الطَّوِيلِ] يُذَدْنَ ذِيَادَ الخَامِسَاتِ وَقَدْ بَدَا … قَرَى المَاءِ مِنْ أَعْطَافِهَا الْمُتَحَلِّبِ وَأَرْضٌ ثَرْيَاءُ، أَيْ: ذَاتُ ثَرَى، وَيُقَالُ [الْتَقَى] (٥) الثَّرَيَانِ، وَذَلِكَ أَنْ يَجِيءَ المَطَرُ فَيَرْسَخَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَلْتَقِيَ هُوَ وَنَدَى الأَرْضِ. وَشَهْرٌ تَرَى، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا يَكُونُ [الْمَطَرُ] (٦) فَتَبْتَلُّ مِنْهُ الأَرْضُ.

стр. 808

قَالَ جَرِيرٌ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَلَا تُوبِسُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى … فَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي أَيْ: لَمْ يَبْسِ الثَّرَى بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. وَقَوْلُهُ: (فَمَضْمَضَ): الْمَضْمَضَةُ إِدَارَةُ المَاءِ فِي الفَمِ. لَيْسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٢) ذِكْرُ الْمَضْمَضَةِ، فَمُبَاحٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ. وَمَعْنَى الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ وَإِنْ كَانَ لَا دَسَمَ لَهُ أَنَّهُ تَحْتَبِسُ بَقَايَاهُ بَيْنَ الأَسْنَانِ وَنَوَاحِي الفَمِ، فَيَسْتَغِل بِتَتَبُّعِهِ بِلِسَانِهِ المُصَلَّي عَنْ صَلَاتِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ) دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّدِ فِي السَّفَرِ، وَدَلِيلٌ أَنَّ الإِمَامَ يَنْظُرُ لِأَهْلِ العَسْكَرِ عِنْدَ قِلَّةِ الأَزْوَادِ، فَيَجْمَعُهَا لِيُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا زَادَ مَعَهُ، وَلِيَتَوَاسَوْا إِذَا فَنِيَ أَكْثَرُ زَادِهِمْ فِي زَادِ مَنْ بَقِيَ مِنْ زَادِهِ شَيْءٌ، إِمَّا بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ ثَمَنٌ، [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَمَنٌ] (٣) تَوَاسَوْا إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ سَفَرِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ يَجِدُونَ الزَّادَ فِيهِ. وَفِيهِ دِلَالَةٌ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحْتَكِرِينَ بِإِخْرَاجِ الطَّعَامِ إِلَى الْأَسْوَاقِ عِنْدَ قِلَّتِهِ، فَيَبِيعُونَهُ مِنْ أَهْلِ الحَاجَةِ بِسِعْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
следующие страницы →