← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 804–843 · переход к 809.

стр. 804

أَحْدَثَ، هَذَا قَوْلٌ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢) وَأَحْمَدَ (٣): لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا حتَّى يَكُونَ طَاهِرًا الطَّهَارَةَ التَّامَّةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلَيْهِمَا. وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ يَرُدُّ هَذَا القَوْلَ لِقَوْلِهِ: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)، فَجَعَلَ العِلَّةَ فِي جَوَازِ المَسْحِ وُجُودَ اللُّبْسِ وَالرِّجْلَانِ طَاهِرِتَانِ بِطُهْرِ الوُضُوء. وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: دَلِيلٌ عَلَى خِدْمَةِ العُلَمَاءِ، وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى مَا يَعْرِفُ مِنْ خِدْمَتِهِ دُونَ أَنْ يُؤْمَرَ بِهَا، لِقَوْلِهِ: (أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ). وَفِيهِ إِمْكَانُ الفَهْمِ عَنِ الإِشَارَةِ، وَرَدُّ الجَوابِ عَلَى مَا يُفْهَمُ بِالإِشَارَةِ، لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ أَهْوَى لِيَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَفَهِمَ عَنْهُ ﷺ مَا أَرَادَ، فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ. وَمِنْ بَابٍ: مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٥): ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ قُدَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى [عَدَمِ] (٦) إِيجَابِ الوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ مَا غَيَّرَتِ

стр. 805

النَّارُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ قَوْلٌ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ (١). وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) (٢). وَقَالَ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: سَمِعْتُ خَالِدًا الحَذَّاءَ يَقُولُ (٣): كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ النَّاسِخَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ (٤): إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا

стр. 806

بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عَمِلَا بِأَحَدِ الحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَا الآخَرَ، كَانَ ذَلِكَ دِلَالَةً عَلَى أَنَّ الحَقَّ فِيمَا عَمِلَا بِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (١): كَانَ مَكْحُولٌ يَتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَلَقِيَ عَطَاءَ بِنَ أَبِي رَبَاحٍ؛ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَتَرَكَ مَكْحُولٌ الوُضُوءَ، وَقَالَ: لأَنْ يَقَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ (٢) أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الوُضُوءَ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الإِبِلِ، فَاحْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ جَابِرِ بن سَمُرَةَ (٣)، وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ (٤). وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ [الزُهُومَةِ] (٥) لَحْمِ الإِبِلِ، لَا عَلَى الإِيجَابِ.

стр. 807

وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ: إِنَّ تَنَاوُلَ الأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ مِثْلِ المِيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فَلأَنْ [لَا] (١) تُوجِبَهُ الأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ أَوْلَى. وَمِنْ بَابِ: مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ * حَدِيثُ سُوَيْدِ بن النُّعْمَانِ ﵁ (أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرٍ - صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثَرَّى) (٢). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): ثَرَّيْتُ الأَقِطَ: صَبَبْتُ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ لَتَتُّهُ. يُقَالُ: لَتَّ السَّويقَ بِالسَّمْنِ، يَلُتُّه لَتًّا: إِذَا خَلَطَهُ بِهِ، وَثَرَّيْتُ التُّرْبَةَ إِذَا بَلَلْتُهَا، وَقَدْ بَدَا ثَرَى المَاءِ مِنَ الفَرَسِ، وَذَلِكَ حِينَ يَنْدَى بِعَرَقِهِ، قَالَ طُفَيْلٌ (٤): [مِنَ الطَّوِيلِ] يُذَدْنَ ذِيَادَ الخَامِسَاتِ وَقَدْ بَدَا … قَرَى المَاءِ مِنْ أَعْطَافِهَا الْمُتَحَلِّبِ وَأَرْضٌ ثَرْيَاءُ، أَيْ: ذَاتُ ثَرَى، وَيُقَالُ [الْتَقَى] (٥) الثَّرَيَانِ، وَذَلِكَ أَنْ يَجِيءَ المَطَرُ فَيَرْسَخَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَلْتَقِيَ هُوَ وَنَدَى الأَرْضِ. وَشَهْرٌ تَرَى، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا يَكُونُ [الْمَطَرُ] (٦) فَتَبْتَلُّ مِنْهُ الأَرْضُ.

стр. 808

قَالَ جَرِيرٌ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَلَا تُوبِسُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى … فَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي أَيْ: لَمْ يَبْسِ الثَّرَى بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. وَقَوْلُهُ: (فَمَضْمَضَ): الْمَضْمَضَةُ إِدَارَةُ المَاءِ فِي الفَمِ. لَيْسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٢) ذِكْرُ الْمَضْمَضَةِ، فَمُبَاحٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ. وَمَعْنَى الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ وَإِنْ كَانَ لَا دَسَمَ لَهُ أَنَّهُ تَحْتَبِسُ بَقَايَاهُ بَيْنَ الأَسْنَانِ وَنَوَاحِي الفَمِ، فَيَسْتَغِل بِتَتَبُّعِهِ بِلِسَانِهِ المُصَلَّي عَنْ صَلَاتِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ) دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّدِ فِي السَّفَرِ، وَدَلِيلٌ أَنَّ الإِمَامَ يَنْظُرُ لِأَهْلِ العَسْكَرِ عِنْدَ قِلَّةِ الأَزْوَادِ، فَيَجْمَعُهَا لِيُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا زَادَ مَعَهُ، وَلِيَتَوَاسَوْا إِذَا فَنِيَ أَكْثَرُ زَادِهِمْ فِي زَادِ مَنْ بَقِيَ مِنْ زَادِهِ شَيْءٌ، إِمَّا بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ ثَمَنٌ، [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَمَنٌ] (٣) تَوَاسَوْا إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ سَفَرِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ يَجِدُونَ الزَّادَ فِيهِ. وَفِيهِ دِلَالَةٌ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحْتَكِرِينَ بِإِخْرَاجِ الطَّعَامِ إِلَى الْأَسْوَاقِ عِنْدَ قِلَّتِهِ، فَيَبِيعُونَهُ مِنْ أَهْلِ الحَاجَةِ بِسِعْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

стр. 809

وَفِي قَوْلِهِ: (إِنَّ لَهُ [دَسَمًا] (١) (٢) بَيَانُ العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُمِرَ بِالوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ التَّنَظُّفِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا تَقَرَّرَتِ النَّظَافَةُ وَشَاعَتْ فِي الإِسْلَامِ نُسِخَ الوُضُوءُ. وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ أَنَّ مَضْمَضَةَ الفَمِ عِنْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ مِنْ أَدَبِ الأَكْلِ. وَمِنْ بَابِ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ: (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ) (٣). قِيلَ: هَذَا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، لأَنَّ صَلَاةَ الفَرْضِ لَيْسَتْ فِي نِهَايَةِ الطُّولِ، وَلَا فِي أَوْقَاتِ النَّوْمِ فَيَحْدُثَ فِيهَا مِثْلُ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ ﷺ [العِلَّةَ] (٤) الْمُوجِبَةَ لِقَطْعِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ ﵇ إِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ أَنْ يَخْلِطَ الاسْتِغْفَارَ بِالسَّبِّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ فَسَبَّ نَفْسَه فَقَدْ حَصَلَ مِنْ فُقْدَانِ العَقْلِ فِي مَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ مِنْ سُكْرِ الخَمْرِ. فَدَلَّ الحَدِيثَانِ (٥) أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ مَعَ شَاغِلٍ لَهُ عَنْهَا، أَوْ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، هَذَا إِذَا اسْتَنْقَلَ نَوْمَهُ، فَأَمَّا النَّوْمُ اليَسِيرُ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ. وَجَعَلَ الْمُزَنِيُّ (٦) قَلِيلَ النَّوْمِ وَكَثِيرَهُ حَدَثًا.

стр. 810

وَقَالَ الشَّافِعِيٌّ (١): لَا يَنْقُصُ نَوْمُ القَاعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَنْقُصُ الوُضُوءَ إِلَّا نَوْمُ المُضْطَجِعِ فَقَطْ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): القَائِمُ وَالرَّاكِعُ وَالسَّاجِدُ يُمْكِنُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْهُ لانْفِرَاجِ مَوْضِعِ الحَدَثِ مِنْهُ (٤)، وَلَا يُشْبِهُ القَاعِدَ [الْمُنْضَمَّ] (٥) الأَطْرَافِ إِلَّا أَنْ يَطُولَ نَوْمُهُ جِدًّا فِي حَالِ قُعُودِهِ، فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ عِنْدَ مَالِكٍ (٦) وَأَحْمَدَ (٧). وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيُّ (٨) بَيْنَ نَوْمِ الجَالِسِ فِي القِلَّةِ وَالكَثْرَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا): لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّومِ القَلِيلِ وَالنَّوْمِ الكَثِيرِ. وَالخَفْقَةُ: تَحْرِيكُ الرَّأْسِ عَنْ غَلَبَةِ النَّوْمِ.

стр. 811

ومن باب: الوُضُوءُ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ * حديثُ أَنَسٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قال عَمْرُو بنُ عَامِرٍ: قُلت لأَنَسٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحدِث) (١). بَيَّن أَنَسٌ ﵁ أَنَّ الوُضُوء من غيرِ حدَثٍ ليس بِوَاجِب، وفي الحدِيث الَّذي بَعْدَه دليل أَيْضًا عَلَى هَذَا. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ: نُورٌ عَلَى نُورٍ، فَمَنْ أَرَادَ الاقْتِدَاءَ بِهِ ﷺ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ (٢). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَلْتَزِمُ اتِّبَاعَهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ. وَمِنْ بَابِ: مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ * حَدِيثُ ابن عَبَّاس ﵁ (٣). قَوْلُهُ: (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) أَيْ: فِي كَبِيرٍ عِنْدَكُمْ، أَيْ: هُوَ كَبِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ، ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: بَلَى) أَيْ: بَلَى؛ إِنَّهُ لَكَبِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنَّهَا تَبْلُغُ حَيْثُ بَلَغَتْ، يُكْتَبُ لَهُ بِهَا سَخَطُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) (٤).

стр. 812

وَمِصْدَاقُ هَذَا المَعْنَى فِي كِتَابِ اللهِ : ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ كَبِيرٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ مَا عُصِيَ اللهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرٌ.

стр. 813

وَخَالَفَهُمُ الفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ. وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: الصَّغَائِرُ تُغْفَرُ بِاجْتِنَابِ الكَبَائِرِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ كَبَائِرَ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا وَعِيدٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: (إِنَّ الله يَغْفِرُ الكَبِيرَ فَلَا تَيْأَسُوا، وَيُعَذِّبُ عَلَى الصَّغِيرِ فَلَا تَغْتَرُّوا) (١). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقٌّ يَجِبُّ الإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ. وَمِنْ بَابِ مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ) (٢). أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ البَوْلِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْهُ. وَفِي قَوْلِهِ: (كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) أَيْ كَانَ لَا يَسْتُرُ جَسَدَهُ وَلَا ثِيَابَهُ مِنْ مُمَاسَّةِ البَوْلِ، فَلَمَّا عُذِّبَ عَلَى تَرْكِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَوْ لَمْ يُزِلْهُ أَنَّهُ حَقِيقٌ بِالعَذَابِ. وَرُوِيَ: (لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ) (٣) أَيْ: لَا يَسْتَفْرِغُ البَوْلُ جُهْدَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ

стр. 814

مِنْهُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ [فَيُصَلِّي] (١) غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ. وَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ صَاحِبَ القَبْرِ عُذِّبَ بِسَبَبٍ البَوْلِ، وَذَلِكَ وَعِيدٌ، فَتَبَتَ أَنَّ الإِزَالَةَ فَرْضٌ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ: (وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ): أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلَ) بَوْلُ النَّاسِ، لَا بَوْلُ سَائِرِ الحَيَوَانِ. وَمِنْ بَابِ: تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٢). وَفِي تَرْكِهِ إِيَّاهُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الرِّفْقُ بِهِ لِأَنَّهُ جَهِلَ ذَلِكَ؛ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَتَلَوَّثَ ثِيَابُهُ بِالبَوْلِ. وَالثَّالِثُ: لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ عَلَيْهِ نَالَهُ أَذًى. وَالرَّابِعُ: رُبَّمَا قَطَرَ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ فَيَنْجُسُ المَسْجِدُ. وَفِي الحَدِيثِ تَطْهِيرُ الْمَسْجِدِ مِنَ النَّجَاسَاتِ. وَ (السَّجْلُ): الدَّلْوُ العَظِيمَةُ.

стр. 815

قَالَ أَبُو حَاتِم (١): السَّجْلُ: الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ سَجْلٌ. وَجَمْعُ السَّجْلِ: سِجَالٌ. قَالَ الخَلِيلُ (٢): السَّجْلُ مِلْءُ الدَّلْوِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٣): سَجَلْتُ الْمَاءَ أَيْ: صَبَبْتُهُ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا فَقَدْ طَهَّرَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ مُمَازَجَةُ المَاءِ. وَفَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ وُرُودِ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَبَيْنَ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ، وَرَاعَوْا فِي وُرُودِهَا عَلَيْهِ مِقْدَارَ القُلْتَيْنِ، وَلَمْ يُرَاعُوا فِي وُرُودِهِ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمِقْدَارَ (٤). وَاخْتَلَفُوا فِي تَطْهِيرِ الأَرْضِ مِنَ البَوْلِ وَالنَّجَاسَةِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦): لا يُطَهِّرُهَا إِلَّا المَاءُ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ بِوْلِ الأَعْرَابِي (٧).

стр. 816

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (١): [الشَّمْسُ] (٢) تُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ أَثَرُهَا صَلَّى فِيهَا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٣): إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: بَوْلِ الصِبْيَانِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٤): اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ طَائِفَةٌ: بَوْلُهُ طَاهِرٌ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَهُوَ قَوْلٌ الشَّافِعِيِّ (٥) وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ (٦)، وَالحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ: (فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ) (٧). وَفَرَّقَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، فَقَالُوا: بَوْلُ الصَّبِيَّةِ نَجِسٌ وَإِنْ لَمْ تَأْكُلِ الطَّعَامَ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّضِيعِ: (يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ) (٨).

стр. 817

وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (١): بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ نَجِسُ، سَوَاءٌ أَكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: المُرَادُ بِالنَّضْحِ فِي الحَدِيثِ الغَسْلُ، وَصَبُّ المَاءِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ ذَلِكَ نَضْحًا، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ) (٢). قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): وَإِتْباعُ الْمَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الغَسْلِ.

стр. 818

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): مَعْنَى النَّضْحِ: الغَسْلُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ: (انْضَحْ فَرْجَكَ) (٢)، وَبِدَلِيلِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي غَسْلِ الدَّمِ: (انْضَحِيهِ) (٣)، فَجَعَلَ النَّضْحَ عِبَارَةً عَنِ الغَسْلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّضْحَ يُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الصَّبِّ وَالغَسْلِ قَوْلُ العَرَبِ (٤) لِلْجَمَلِ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ الْمَاءُ: نَاضِحٌ. وَاللَّبَنُ الَّذِي قَدْ رَضَعَهُ الصَّبِيُّ هُوَ طَعَامٌ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لِيَحْكِيَ القِصَّةَ كَمَا وَقَعَتْ، لَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالطَّعَامِ (٥). وَمِنْ بَابِ البَوْلُ قَائِمًا وَقَاعِدًا * فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (٦). مِنْ دَلِيلِ الحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا جَازَ البَوْلُ قَائِمًا فَقَاعِدًا أَجْوَزُ، لأَنَّهُ أَمْكَنُ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا (٧).

стр. 819

وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا (١). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمًا قَطُّ، إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كَثِيبٍ أَعْجَبَه) (٢). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: (مِنَ الجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ) (٣). وَكَانَ سَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا (٤). وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ لَا يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكَانٍ يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، هَذَا قَوْلٌ مَالِكٍ (٥)، وَهُوَ

стр. 820

دَلِيلُ الحَدِيثِ، لأَنَّ البَوْلَ فِي السُّبَاطَةِ لَا يَكادُ يَتَطَايَرُ مِنْهُ كَبِيرُ شَيْءٍ، فَلِذَلِكَ بَالَ ﷺ قَائِمًا. وَمَنْ كَرِهَ البَوْلَ قَائِمًا إِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ مَا يَتَطَائِرُ إِلَيْهِ مِنْ بَوْلِهِ، وَمَنْ أَجَازَهُ قَائِمًا أَجَازَهُ خَشْيَةَ مَا يُحْدِثُهُ البَائِلُ جَالِسًا فِي الأَغْلَبِ مِنَ الصَّوْتِ الخَارِجِ عَنْهُ، إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّبَاعُدُ عَمَّنْ يَسْمَعُهُ. قَالَ عُمَرُ ﵁: (البَوْلُ قَائِمًا أَحْصَنُ لِلدُّبُرِ) (١). وَأَمَّا السُّبَاطَةُ، فَقِيلَ: هِيَ الكُنَاسَةُ، وَقِيلَ: هِيَ الْمَزْبَلَةُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: شَعْرٌ سَبِطٌ: إِذَا اسْتَرْسَلَ مِنْ لَبَدٍ. وَمِنْ بَابِ: البَوْلُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرُ بِالحَائِطِ * حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ) قِيلَ (٣): إِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمِنَ ﷺ مَا خَشِيَهُ حُذَيْفَهُ [إِنْ] (٤) قَامَ بِالتَّقَرُّبِ مِنْهُ.

стр. 821

وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ، لأَنَّهُ قَالَ: (أَشَارَ إِلَيَّ)، أَيْ: بَعُدَ قَلِيلًا بِحَيْثُ تَرَاهُ عَيْنُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسُهُ ﷺ . وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الحَاجَةِ تَوَارَى عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِمَا يَسْتُرُهُ مِنْ حَائِطٍ أَوْ شَجَرٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يَأْمُرُ أُمَّتَهُ ﷺ . وَقِيلَ (١): السُّنَّةُ البُعْدُ عَمَّنْ يَبُولُ فَاعِدًا (٢) لِثَّلَا يَسْمَعَ شَيْئًا، وَأَمَّا القُرْبُ مِنَ البَائِلِ إِذَا كَانَ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى مِنْهُ عَوْرَةٌ فَلَا بَأْسَ. وَقَوْلُهُ: (فَانْتَبَذْتُ) أَيْ: فَتَنَحَّيْتُ. وَمِنْ بَابِ: البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٣): السُّبَاطَةُ نَحْوٌ مِنَ الكُنَاسَةِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ (٤): الكُنَاسَةُ مَا كُنسَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بن العَلَاءِ (٥): شِعْرُ بَشَّارٍ سُبَاطَةُ الْمُلُوكِ؛ فِيهِ قِطْعَةُ ذَهَبٍ وَمَا شِئْتَ مِنْ رَمَادٍ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ رُؤُوسِ الإِبَرِ تَتَطَايَرُ مِنَ البَوْلِ:

стр. 822

فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): يَغْسِلُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ. وَسَهَّلَ الكُوفِيُّونَ فِي ذَلِكَ (٣)، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ حُذَيْفَةَ: (لَيْتَهُ أَمْسَكَ) (٤). قيل (٥): وَالْمَعْهُودُ مِمَّنْ بَالَ قَائِمًا أَنْ يَتَطَايَرَ إِلَيْهِ مِثْلُ رُؤُوسِ الإِبَرِ. وَمِنْ بَابِ: غَسْلٌ الدَّمِ * فِيهِ حَدِيثُ أَسْمَاء (٦)، وَعَائِشَةَ (٧) ﵄. وَحَدِيثُ أَسْماءَ أَصْلٌ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ. وَقَوْلُهُ: (تَحْتُّهُ) أَيْ: تَفْرُكُهُ، قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٨): الحَتُّ: حَتُّكَ الوَرَقَ مِنَ الغُصْنِ، وَتَحَاتَّتِ الشَّجَرَةُ. وَقِيلَ: حَتُّ الشَّيْءِ: قَشْرُهُ وَحَكُّهُ، وَفِي الحَدِيثِ: (حُكِّيهِ وَلَوْ بِضِلْعٍ) (٩).

стр. 823

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ تَقْرُصُهُ)، وَرُوِيَ: (تُقَرِّصُهُ) بِالتَّشْدِيدِ (١)، يَعْنِي: تَقْطَعُهُ بِالْمَاءِ، يُقَالُ: قَرَّصْتُ العَجِينَ إِذَا قَطَّعْتُهُ. وَفِي الحَدِيثِ: (قَرِّصِيهِ بِالْمَاءِ) (٢) أَيْ: قَطِّعِيهِ. وَ (النَّضْحُ) فِي هَذَا الحَدِيثِ يُرادُ بِهِ الغَسْلُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) (٣). قِيلَ: لَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ مِقْدَارَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سَأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَلِيلَهُ كَكَثِيرِهِ.

стр. 824

وَمِنْ بَابِ: [غَسْلٌ المَنِي وَفَرْكُهُ] (١) * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، [فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ] (٢) وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ) (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: (أَثَرَ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ) يُقَعَ المَاءِ (٤). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الْمَنِيِّ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ طَاهِرُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٥)، وَالثَّوْرِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧) إِلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُجْزِئُ فِي رَطْبِهِ وَيَابِسِهِ إِلَّا الغَسْلُ، وَالفَرْكُ عِنْدَهُ بَاطِلٌ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ رَطْبُهُ، وَيُفْرَكُ يَابِسُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٨)، وَأَحْمَدُ (٩)، وَإِسْحَاقُ (١٠): الْمَنِيُّ طَاهِرٌ، وَيَفْرُكُهُ مِنْ

стр. 825

ثَوْبِهِ، [وَإِنْ] (١) لَمْ يَفْرُكْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (امْسَحْهُ بِإِذْخِرٍ أَوْ خِرْقَةٍ، وَلَا تَغْسِلْهُ إِنْ شِئْتَ) (٢). احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ طَاهِرٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ الحَارِثِ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَاحْتَلَمَ، فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ ﵂ وَهُوَ يَغْسِلُ أَثَرَ الجَنَابَةِ مِنْ ثَوْبِهِ، فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَفْرُكَهُ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ (٣). وَاحْتَجَّ آخَرُونَ بِمَا رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (كُنْتُ أَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ) (٤). (البُقَعُ): جَمْعُ بُقْعَةٍ، يُرِيدُ الأَثَرَ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): البُقَعُ: اخْتِلَافٌ اللَّوْنَيْنِ، يُقَالُ: غُرَابٌ أَبْقَعُ.

стр. 826

وَمِنْ بَابِ: إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ * فيهِ أَيْضًا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). وَقَوْلُهَا: (ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ) (٢)، يَعْنِي: أَثَرَ الغَسْلِ بِالمَاءِ. (بُقَعُ المَاءِ): خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَ (بُقَعُ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: (أَثَرُ الغَسْلِ)، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى أَثَرِ الْمَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَثَرُ الغَسْلِ بِالْمَاءِ بُقَعٌ فيه. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَثَرُ الجَنَابَةِ الَّتِي غُسِلَتْ [بِالْمَاءِ فِيهِ بُقَعُ المَاءِ الَّتِي غُسِلَتْ] (٣) بِهِ الجَنَابَةُ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى أَثَرِ الجَنَابَةِ لَا إِلَى أَثَرِ الْمَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ) (٤)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى? أَنَّ تِلْكَ البُقَعَ كَانَتْ بقَعَ الْمَنِيِّ، وَالعَرَبُ تَرُدُّ الضَّمِيرَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَضَمِيرُ الْمَنِيِّ فِي الحَدِيثِ الأَخِيرِ أَقْرَبُ مِنْ ضَمِيرِ الغَسْلِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا فِي غَسْلِ ثِيَابِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. * * *

стр. 827

وَمِنْ بَاب: أَبْوَالُ الإِبل وَالدَّوَابّ وَالغَنَمِ وَمَرَابضُهَا * وَصَلَّى أَبُو مُوسَى ﵁ فِي دَارِ البَرِيدِ، وَالسِّرْقِينُ وَالبَرِيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: (هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ) (١). (دَارُ البَرِيدِ): دَارٌ يَنْزِلُهَا مَنْ يَأْتِي بِرِسَالَةِ السُّلْطَانِ. وَ (السِّرْقِينُ) وَالسِرْجِينُ: رَوْثُ الدَّوَابِّ. وَ (البَرِيَّةُ): الصَّحْرَاءُ. وَ (عُكَلُ) (٢)، وَ (عُرَيْنَةُ) (٣): قَبِيلَتَانِ. وَ (مَرَابِضُ الغَنَمِ): مَوْضِعُهَا الَّذِي تَرْبضُ فِيهِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): يُقَالُ لِمَأْوَى الغَنَمِ: رَبَضُهَا، لِأَنَّهَا تَرْبِضُ فِيهِ. وَقَالَ الرِّيَاشِيُّ: أَرْبَضَتِ الشَّمْسُ: اشْتَدَّ حَرُّهَا حَتَّى تُرْبِض [الشَّاةَ وَالظَّبْيَ] (٥).

стр. 828

وَقَوْلُهُ: (اجْتَوَوْهَا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: اجْتَوَيْتُ البِلَادَ إِذَا كَرِهْتُهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لَكَ فِي بَدَنِكَ. وَاسْتَوْبَلْتَهَا: إِذَا لَمْ تُوَافِقُكَ فِي بَدَنِكَ وَإِنْ أَحْبَبْتَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، يُقَالُ: سَمَلَ عَيْنَهُ وَسَمَرَهَا، وَقِيلَ: سَمَرَ العَيْنَ: فَقَأهَا. قَالَ مَالِكٌ (١): بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): الأَبْوَالُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) أَيْضًا. وَالحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُمْ شُرْبَ البَوْلِ، لأَنَّهُمْ اسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ وَمَرِضُوا، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ([صَلَّى أَبُو مُوسَى] (٤) فِي دَارِ البَرِيدِ) لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى طَهَارَةِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، لأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّي فِي دَارِ البَرِيدِ عَلَى ثَوْبٍ يَبْسُطُهُ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ: مَنْ بَسَطَ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ بِسَاطًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَنَّ

стр. 829

صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢): مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَرَوْثُهُ طَاهِرٌ كَبَوْلِهِ. وَ (الحَرَّةُ): أَرْضٌ فِيهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. وَقِيلَ: السَّمْرُ وَالسَّمْلُ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: السَّمْرُ مِنَ الْمِسْمَارِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ كُحِلُوا بِأَمْيَالٍ قَدْ أُحْمِيَتْ بِالنَّارِ، وَالسَّمْلُ: فَقُءُ العَيْنِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيبٍ (٣): [مِنَ الكَامِلِ] .................. … سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ قِيلَ (٤): سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بِهِمْ مُجَازَاةً عَلَى فِعْلِهِمْ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ (٥). وَ (اللَّقاحُ): ذَوَاتُ الدَّرِّ، وَاحِدَتُهَا: لِقْحَةٌ.

стр. 830

وَمِنْ بَابِ: مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ مَيْمُونَ ﵂ (١)، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ … ) (٢). وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: لَا بَأْسَ بِالمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرُهُ طَعْمُ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ (٣). وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٤) ﵀ أَنَّ قَلِيلَ المَاءِ يَنْجُسُ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرُ فِيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّمْنِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ بِمَوْتِ الفَأْرَةِ فِيهِ فَهُوَ نَجِسٌ. وَفِي حَدِيثِ: (كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ) (٥) دَلِيلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَقَلَ حُكْمُ الدَّمِ بِطِيبِ الرَّائِحَةِ مِنَ النَّجَاسَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ حِينَ حَكَمَ لَهُ فِي الآخِرَةِ بِحُكْمِ

стр. 831

الْمِسْكِ الطَّاهِرِ؛ وَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ المَاءُ الطَّاهِرُ بِخَبِيثِ الرَّائِحَةِ إِذَا حَلَّتْ [فِيهِ نَجَاسَةٌ مِنْ حُكْمِ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ الدَّمِ فِي بَابِ] (١) نَجَاسَةِ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا صَحِيحَ السَّنَدِ فِي المَاءِ، فَاسْتَدَلَّ فِي حُكْمِ المَاءِ المَائِعِ بِحُكْمِ الدَّمِ المَائِعِ، إِذْ (٢) ذَلِكَ الْمَعْنَى الجَامِعُ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلٌ حَمَّادٍ: (لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ) (٣). رِيشُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ عِنْدَ مَالِكٍ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)، وَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٦)، وَكَذَلِكَ عِظَامُ الفِيلِ. وَالعَرْفُ: الرَّائِحَةُ. وَمِنْ بَابِ: الماءُ الدَّائِمُ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٧):

стр. 832

الأَصْلُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَالنَّهْي عَنِ البَوْلِ فِيهِ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ، لِأَنَّ المَاءَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ حَتَّى تَتَغَيَّرَ أَحَدٌ أَوْصَافِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا فَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ لِفَسَادِ المَاءِ بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَيِّرَةِ لَهُ. وَإِدْخَالُ البُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ الحَدِيثِ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ … ) لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَ بِالحَدِيثَيْنِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَحدَّثَ [بِهِمَا] (١) عَلَى نَسَقٍ كَمَا سَمِعَهُمَا (٢) مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الجِهَادِ (٣)، وَكِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ (٤)، وَقَصَصِ الأَنْبِيَاءِ (٥)، وَكِتَابِ الاعْتِصَامِ (٦)، وَسَمِعَ هَمَّامٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَحَادِيثَ، وَفِي أَوَّلِهَا: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ … )، فَرَوَوْا عَنْهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي رَوَى (٧). وَ (الدَّائِمُ): السَّاكِنُ الَّذِي لَا يَجْرِي. * * *

стр. 833

وَمِنْ بَابِ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ * فِيهِ حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ : (كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ … ) (١). قَالَ الخَطَّابِيُّ (٢): قَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَوْثَ مَا يُؤْكَلُ طَاهِرٌ، وَالصَّلاةَ فِيهِ جَائِزَةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٣). وَقَالُوا: اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، وَالسَّلَى عَلَى ظَهْرِهِ، فَلَوْلَا طَهَارَتُهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ تُعُبِّدَ إِذْ ذَاكَ بِتَحْرِيمِهِ. وَقِيلَ: (السَّلَى): هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الوَلَدُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ المَيْتَةِ، وَالَّذِي نَحَرَ الجَزُورَ كَانَ مُشْرِكًا وَثَنِيًّا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُذَكَّيَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا وَضَعُوا فَرْثَ الجَزُورِ وَدَمَهَا مَعَ السَّلَى عَلَى ظَهْرِهِ، يُقَالُ: إِنَّ التَّعَبُّدَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ تَحْرِيمُهُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ أُوذِيَ، فَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ آذَاهُ.

стр. 834

قِيلَ (١): إِنْ كَانَ الْمُؤْذِي مُسْلِمًا فَالأَحْسَنُ أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ دَعَتْ عَلَى السَّارِقِ: (لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعَائِكِ عَلَيْهِ) (٢). قَالَ ابن دُرَيْدٍ (٣): السَّلَى: الْمَشِيمَةُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٤): السَّلَى: الجِلْدَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الوَلَدُ. وَقَوْلُهُ: (لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ) أَيْ: قُوَّةٌ أَمْتَنِعُ بِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٥): فُلَانٌ ذُو مَنَعَةٍ، أَيْ: عَزِيزٌ، مُمْتَنِعُ عَلَى مَنْ يُرِيدُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (٦): يُقَالُ: رَجُلٌ مَنِيعٌ: فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ. وَقَوْلُهُ: (وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) أَيْ: يَنْسُبُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،

стр. 835

مِنْ قَوْلِكَ: أَحَلْتُ الغَرِيمَ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا جَعَل لَهُ أَنْ يَتَقَاضَى مَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَحَالَ أَيْ: وَثَبَ، وَحَالَ فِي مَتْنِ فَرَسِهِ أَيْ: وَثَبَ عَلَيْهِ، وَأَحَالَ إِلَى الحِصْنِ: لَجَأَ إِلَيْهِ. وَ (القَلِيبُ): البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ. وَ (بَدْرٌ): اسْمُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ احْتَفَرَ البِئْرَ، [فَنُسِبَتْ] (١) إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (عَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ) قِيلَ: هُوَ عِمَارَةُ بنُ الوَلِيدِ (٢). وَمِنْ بَابِ: البُزَاقُ وَالْمُخَاطُ وَنَحْوُهُ فِي الثَّوبِ * فِيهِ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): النُّخَامَةُ: النُّخَاعَةُ، يُقَالُ: تَنَخَّمَ إِذَا اسْتَخْرَجَ النُّخَامَةَ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ البُرَاقَ وَالْمُخَاطُ طَاهِرٌ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٥): وَالدَّلِيلُ عَلَى طَهَارَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَبْزُقَ

стр. 836

عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي عَلَى نَجَاسَةٍ. وَمِنْ بَابِ: لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ * حَدِيثُ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) (١). اسْتَدَلَّ البُخَارِيُّ بِهَذَا الحَدِيثِ فِي مَنْعِ جَوَازِ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَمَالِكٌ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤): لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ، نَيَّهِ مَطْبُوخِهِ، مَعَ عَدَمِ المَاءِ وَوُجُودِهِ، تَمْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ مُشْتَدًّا فَهُوَ نَجِسٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا عُدِمَ فَيَجُوزُ بِمَطْبُوخِ التَّمْرِ خَاصَّةً. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ لَيْلَةِ الجِنِّ قَالَ: (ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ) (٦).

стр. 837

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (١): لَوْ صَحَّ خَبَرُهُمْ لَكَانَ مَنْسُوخًا، لأَنَّ لَيْلَةَ الجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ فِي صَدْرِ الإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢) نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيسِيع (٣)، حِينَ فَقَدَتْ عَائِشَةُ ﵂ عِقْدَهَا.

стр. 838

قِيلَ (١): وَجْهُ احْتِجَاجِ البُخَارِيِّ فِي هَذَا البَابِ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) (٢) هُوَ أَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ الشَّرَابُ فَقَدْ وَجَبَ اجْتِنَابُهُ لِنَجَاسَتِهِ، وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَحِلَّ شُرْبُهُ، وَمَا لَمْ يَحِلَّ شُرْبُهُ لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ، وَغَيْرُ الْمُسْكِرِ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْمُسْكِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ. وَمِنْ بَابٍ: غَسْلُ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ * في البَابِ دَلِيلٌ عَلَى غَسْلِ الدَّمِ مِنَ الجَسَدِ، وَدَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ التَّدَاوِي. وَفِي قَوْلِ أَبِي العَالِيَةَ (امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ) (٣) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُدَاوَاةِ الأَمْرَاضِ، وَلَمْ يَخُصَّ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ. وَمِنْ بَابِ: السِّوَاكِ * فِيهِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: (فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: أُعْ أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي يَدِهِ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ) (٤). قِيلَ: اسْتَنَّ: اسْتَاكَ، عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ بِفَتْحِ السِّينِ، يُقَالُ: سَنَنْتُ الحَدِيدَ، أَيْ: حَكَكْتُهُ عَلَى الحَجَرِ حَتَّى يَتَحَدَّدَ.

стр. 839

وَالْمِسَنُّ (١): الحَجَرُ الَّذِي يُمَرُّ عَلَيْهِ السِّكِّينُ لِيُحَدَّدَ. وَقَوْلُهُ: (أُعْ أُعْ) حِكَايَةُ الصَّوْتِ. وَ (يَتَهَوَّعُ): أَيْ: يَتَقَيَّأُ، أَيْ: يَحْكِي حِكَايَةَ صَوْتِ الْمُتَقَيِّء. وَ (يَشُوصُ) أَيْ: يَغْسِلُ وَيُنظِّفُ. قِيلَ (٢): الشَّوْصَةُ: رِيحٌ تَرْفَعُ القَلْبَ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ. وَمِنْ بَابِ: دَفْعُ السِّوَاكِ إِلَى الْأَكْبَرِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ) (٣) أَيْ: أَرَى نَفْسِي أَتَسَوَّكُ، أَيْ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (قِيلَ لِي: كَبِّرْ) أَيْ: ادْفَعْ إِلَى الأَكْبَرِ. فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ حَقِّ الْأَكْبَرِ مِنَ الجَمَاعَةِ الحَاضِرِينَ، وَالبِدَايَةِ بِهِ، وَهُوَ السُّنَّةُ فِي الإِسْلَام، وَالتَّحِيَّةِ، وَالشَّرَابِ، وَالطِّيبِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الأُمُورِ. وَفِيهِ: أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُغْسَلَ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلَ.

стр. 840

وَمِنْ بَابِ: فَضْلُ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ * حَدِيثُ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ (١). فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الوُضُوءَ عِنْدَ النَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ قَدْ تُقْبَضُ فِي النَّوْمِ؛ فَيَكُونُ قَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِالوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالدُّعَاءِ. وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ [رَضِيَ اللهُ] (٢) عَنْهُ يَجْعَلُ آخِرَ عَمَلِهِ الوُضُوءَ وَالدُّعَاءَ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الوُضُوءَ وَالدُّعَاء (٣)، ثُمَّ يَنَامُ عَلَى ذَلِكَ اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: (اجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) (٤). وَفِي قَوْلِهِ: (لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمعَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُ ابن سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ (٥).

стр. 841

قِيلَ: إِنَّمَا [قَالَ] (١): (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: (وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) يَدْخُلُ فِيهِ جِبْرِيلُ عيه السلام، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ] (٢) رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٣). فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَخْلِيصَ الكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، وَالتَّصْدِيقَ بِنُبُوتِهِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِكِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ وَاجِبٌ الإِيمَانُ بِهِمْ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ الإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ الَّتِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ) يَعْنِي فِطْرَةَ الإِيمَانِ. * * *

стр. 842

كِتَابُ الغُسْلِ * وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): الكَلَامُ فِي غَسْلِ الجَنَابَةِ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الأَفْضَلِ (٣) الْمُسْتَحَبِّ، وَفِي الوَاجِبِ (٤). فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِناءَ، ثُمَّ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ إِنْ كَانَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ أَصَابِعَهُ العَشْرَ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلَ بِهَا أُصُولَ الشَّعَرِ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ يُفِيضَ المَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُدَلِّكَ المَوَاضِعَ الَّتِي تَنَالُهَا يَدُهُ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ (٥)، فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا الوَاجِبُ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ، أَوْ أَجْنَبَ وَلَمْ يُحْدِثْ

стр. 843

فَعَلَيْهِ الغُسْلُ فَحَسْبُ، وَإِنْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ فَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّهَارَةِ، أَوْمَأَ إِلَى هَذَا فِي الإِمْلَاءِ (١). وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِعْلًا وَحُكْمًا فَلَمْ تَتَدَاخَلا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الأُمِّ (٢): أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ البَدَنِ فَحَسْبُ، وَتَدْخُلُ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فِيهَا. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ تَرَادَفتَا، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَا، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالحَيْضِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّهَارَةِ الصُّغْرَى عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الطَّهَارَتَيْنِ مَعَا فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلَ بَاقِيَ الجَسَدِ. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّ غَسْلَ الأَعْضَاءِ الأَرْبَعَةِ مُسْتَحَقٌّ فِي الطَّهَارَتَيْنِ، فَتَدَاخَلَتَا فِيهِ، وَلَمْ تَتَدَاخَلَا فِي غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى البَدَنِ: فَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا (٣). وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَاجِبٌ (٤). دَلِيلُنَا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: (إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكَ ثَلَاثَ
следующие страницы →