← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 839–878 · переход к 844.

стр. 839

وَالْمِسَنُّ (١): الحَجَرُ الَّذِي يُمَرُّ عَلَيْهِ السِّكِّينُ لِيُحَدَّدَ. وَقَوْلُهُ: (أُعْ أُعْ) حِكَايَةُ الصَّوْتِ. وَ (يَتَهَوَّعُ): أَيْ: يَتَقَيَّأُ، أَيْ: يَحْكِي حِكَايَةَ صَوْتِ الْمُتَقَيِّء. وَ (يَشُوصُ) أَيْ: يَغْسِلُ وَيُنظِّفُ. قِيلَ (٢): الشَّوْصَةُ: رِيحٌ تَرْفَعُ القَلْبَ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ. وَمِنْ بَابِ: دَفْعُ السِّوَاكِ إِلَى الْأَكْبَرِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ) (٣) أَيْ: أَرَى نَفْسِي أَتَسَوَّكُ، أَيْ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (قِيلَ لِي: كَبِّرْ) أَيْ: ادْفَعْ إِلَى الأَكْبَرِ. فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ حَقِّ الْأَكْبَرِ مِنَ الجَمَاعَةِ الحَاضِرِينَ، وَالبِدَايَةِ بِهِ، وَهُوَ السُّنَّةُ فِي الإِسْلَام، وَالتَّحِيَّةِ، وَالشَّرَابِ، وَالطِّيبِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الأُمُورِ. وَفِيهِ: أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُغْسَلَ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلَ.

стр. 840

وَمِنْ بَابِ: فَضْلُ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ * حَدِيثُ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ (١). فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الوُضُوءَ عِنْدَ النَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ قَدْ تُقْبَضُ فِي النَّوْمِ؛ فَيَكُونُ قَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِالوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالدُّعَاءِ. وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ [رَضِيَ اللهُ] (٢) عَنْهُ يَجْعَلُ آخِرَ عَمَلِهِ الوُضُوءَ وَالدُّعَاءَ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الوُضُوءَ وَالدُّعَاء (٣)، ثُمَّ يَنَامُ عَلَى ذَلِكَ اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: (اجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) (٤). وَفِي قَوْلِهِ: (لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمعَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُ ابن سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ (٥).

стр. 841

قِيلَ: إِنَّمَا [قَالَ] (١): (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: (وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) يَدْخُلُ فِيهِ جِبْرِيلُ عيه السلام، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ] (٢) رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٣). فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَخْلِيصَ الكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، وَالتَّصْدِيقَ بِنُبُوتِهِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِكِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ وَاجِبٌ الإِيمَانُ بِهِمْ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ الإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ الَّتِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ) يَعْنِي فِطْرَةَ الإِيمَانِ. * * *

стр. 842

كِتَابُ الغُسْلِ * وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢): الكَلَامُ فِي غَسْلِ الجَنَابَةِ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الأَفْضَلِ (٣) الْمُسْتَحَبِّ، وَفِي الوَاجِبِ (٤). فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِناءَ، ثُمَّ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ إِنْ كَانَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ أَصَابِعَهُ العَشْرَ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلَ بِهَا أُصُولَ الشَّعَرِ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ يُفِيضَ المَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُدَلِّكَ المَوَاضِعَ الَّتِي تَنَالُهَا يَدُهُ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ (٥)، فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا الوَاجِبُ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ، أَوْ أَجْنَبَ وَلَمْ يُحْدِثْ

стр. 843

فَعَلَيْهِ الغُسْلُ فَحَسْبُ، وَإِنْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ فَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّهَارَةِ، أَوْمَأَ إِلَى هَذَا فِي الإِمْلَاءِ (١). وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِعْلًا وَحُكْمًا فَلَمْ تَتَدَاخَلا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الأُمِّ (٢): أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ البَدَنِ فَحَسْبُ، وَتَدْخُلُ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فِيهَا. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ تَرَادَفتَا، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَا، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالحَيْضِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّهَارَةِ الصُّغْرَى عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الطَّهَارَتَيْنِ مَعَا فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلَ بَاقِيَ الجَسَدِ. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّ غَسْلَ الأَعْضَاءِ الأَرْبَعَةِ مُسْتَحَقٌّ فِي الطَّهَارَتَيْنِ، فَتَدَاخَلَتَا فِيهِ، وَلَمْ تَتَدَاخَلَا فِي غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى البَدَنِ: فَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا (٣). وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَاجِبٌ (٤). دَلِيلُنَا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: (إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكَ ثَلَاثَ

стр. 844

حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ) (١)، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالدَّلْكِ. وَالْمَرْأَةُ فِيمَا عَلَيْهَا مِنَ الغُسْلِ كَالرَّجُلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢) وَلَمْ يُفَرِّقُ. وَإِنْ كَانَ شَعَرُهَا قَدْ تَلَبَّدَ وَالْتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَنْقُضَهُ لِتُوصِلَ الْمَاءَ إِلَى البَشَرَةِ، فَإِنْ كَانَ شَعَرُهَا خَفِيفًا بِحَيْثُ إِذَا أَفَاضَتِ المَاءِ عَلَيْهِ [وَصَلَ] (٣) إِلَى البَشَرَةِ، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى نَقْضِ شَعَرِهَا. وَمِنْ بَابِ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْل وَبَابُ: غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ * قَوْلُهُ (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ) (٤). (الغُرَفُ) جَمْعُ غَرْفَةٍ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يُغْرَفُ مِنَ الْمَاءِ بِالكَفِّ. وَ (الإِفَاضَةُ): الإِسَالَةُ. وَالعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ (٥)، وَأَمَّا الوُضُوءُ بَعْدَ الغُسْلِ فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ.

стр. 845

وَسُئِلَ ابن عُمَرَ ﵁ عَنِ الوُضُوءِ بَعْدَ الغُسْلِ فَقَالَ: (وَأَيُّ وُضُوءٍ أَتَمُّ مِنَ الغُسْلِ) (١). * وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ) (٢). قَالَ ابن دُرَيْدٍ (٣): الفَرَقُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَإِسْكَانِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٤): الفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فَكَانَ لِكُلِّ

стр. 846

وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَمِنْ بَابِ: الغُسْلِ بِالصَّاعِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). ذَهَبَ أَهْلُ الحِجَازِ إِلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَذَهَبَ أَهْلُ العِرَاقِ [إِلَى أَنَّ] (٢) وَزْنَهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي البَابِ الأَوَّلِ (٣). وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ القَاضِي إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ مَالِكٌ صَاعًا، وَقَالَ لَهُ: هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَقَدَّرْتُهُ فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلثًا. قِيلَ (٤): وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ بِمِكْيَالِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ قَدْرُهُ وَيَعْلَمَهُ أَهْلُ العِرَاقِ. وَإِنَّمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِقْدَارَهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، نَقَلَ ذَلِكَ عَالِمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ، إِذْ كَانَتِ الضَّرُورَةُ بِهِمْ إِلَيْهِ فِيمَا خَصَّهُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فِي زَكَوَاتِهِمْ

стр. 847

وَكَفَّارَاتِهِمْ، وَبُيُوعِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مِثْلُ نَقْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ إِلَى رِوَايَةِ وَاحِدٍ تَحْتَمِلُ رِوَايَتُهُ التَّأْوِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: (فَحَزَرْتُهُ فَوَجَدْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ إِلَى عَشْرَةِ أَرْطَالٍ) (١)، لَمْ يَقْطَعْ حَزْرَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي ذَلِكَ. وَالحَزْرُ لَا يَخْلُو مِنَ الغَلَطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَغْتَسِلَ ﷺ بِدُونِ مَلْئِهِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَا كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى نَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَمِنْ بَابٍ: مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ العَدَدَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ. وَمِنْ بَابِ الغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً * قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ) (٢)، وَلَمْ يَذْكُرْ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ، فَحُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى غَسْلًا، وَهُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَالعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الشَّرْطُ فِي الغَسْلِ إِلَّا العُمُومُ وَالإِسْبَاغُ، لَا عَدَدُ الْمَرَّاتِ (٣).

стр. 848

وَمِنْ بَابٍ: مَنْ بَدَأَ بِالحِلَابِ أَو الطِّيبِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ) (١). قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٢): الحِلَابُ وَالْمِحْلَبُ: الإِنَاءُ الَّذِي تُحْلَبُ فِيهِ ذَوَاتُ الأَلْبَانِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٣): الحِلَابُ إِنَاءُ يَسَعُ حَلْبَ نَاقَةٍ، وَهُوَ الْمِحْلَبُ بِكَسْرِ المِيمِ. وَأَمَّا الْمَحْلَبُ بِفَتْحِ المِيمِ فَهُوَ الحَبُّ الطَّيِّبُ الرِّيحِ. قِيلَ: جَعَلَ البُخَارِيُّ الحِلَابَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ضَرْبًا مِنَ الطِّيبِ، فَإِنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ وَهِمَ، ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ طِيبُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ يَسْتَعمِلُهُ عِنْدَ الغُسْلِ. وَمِنْ بَابِ: المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ فِي الجَنَابَةِ * حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ﵂: (صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا) (٤). قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ)، فِي نُسْخَةٍ: (إِلَى الْأَرْضِ) (٥). سَمَّى الفِعْلَ قَوْلًا، كَمَا سَمَّى القَوْلَ فِعْلًا فِي حَدِيثِ: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي

стр. 849

اثْنَتَيْنِ) (١) فِي قَوْلِهِ فِي الَّذِي يَتْلُو القُرْآنَ: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ). والعَرَبُ تُسَمِّي الإِشَارَةَ بِاليَدِ قَوْلًا، تَقُولُ: قُلْ لِي بِرَأْسِكَ، أَيْ: أَمِلْهُ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أُتِي بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) قِيلَ: أَرَادَ إِبْقَاءَ بَرَكَةِ الْمَاءِ، وَالتَّوَاضُعَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُنَشِّفُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ، وَإِنَّمَا رَدَّهُ لأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ وَسِخًا أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِيهَا أَذًى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى لَاكْتَفَى بِصَبَّ الْمَاءِ وَحْدَهُ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَالغُسْلُ بِضَمِّ الغَيْنِ: [المَاءُ] (٢) الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، وَالغَسْلُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: فِعْلُ الْمُغْتَسِل. وَمِنْ بَابِ: هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَها إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ؟ * وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ الله ﵁ (٣)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 850

وَالبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵁ (١) يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَر (٢)، وابنُ عَبَّاسٍ ﵄ (٣) بأسًا مِمَّا يَنتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. قَوْلُ البُخَارِيِّ: (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ) يُرِيدُ: إِذَا كَانَتْ يَدُهُ طَاهِرَةً، وَمِمَّنْ كَانَ يُدْخِلُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فِي الإِنَاءِ وَهُوَ جُنُبٌ: سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ (٤)، وَسَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ (٥). وَكَانَ النِّسَاءُ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ وهُنَّ حُيَّضٌ (٦).

стр. 851

وَقَوْلُهُ: (مِمَّا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ) قَالَ الحَسَنُ: وَمَنْ يَمْلِكُ انْتِشَارَ الْمَاءِ، إِنَّا لَنَرْجُو مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا (١). وَمِنْ بَابِ: تَفْرِيقِ الغُسْلِ وَالوُضُوءِ يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وُضُوؤُهُ (٢). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَفْرِيقِ الوُضُوءِ وَالغُسْلِ، فَمَنْ أَجَازَ تَفْرِيقَهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: (ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) (٣)، وَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٤). وَلَمْ يُجِزْهُ مَالِكٌ (٥)، وَرُوِيَ عَنْهُ: إِنْ فَرَّقَهُ يَسِيرًا جَازَ (٦).

стр. 852

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): إِنَّ الله تَعَالَى أَمَرَ الْمُتَوضِّئَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ، فَمَنْ أَتَى بِغَسْلِ مَا أُمِرَ بِهِ مُتَفرِّقًا فَقَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٢): التَّنَحِّي فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا، وَبِالقُرْبِ أَشْبَهُ، وَفِعْلُ ابن عُمَرَ ﵁ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالبُعْدِ، وَالَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُوَالَاةُ، وَتَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَدَ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كُنْتُ أَطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا) (٣). * وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ) (٤). وفِي رِوَايَةٍ: (تِسْعُ نِسْوَةٍ) (٥). لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ وَطْءِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ (٦)، وَإِنَّمَا

стр. 853

اخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ عِنْدَ كُلِّ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَمْ لَا؟ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ (١)، وَابْنِ عُمَرَ (٢) ﵄ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ. وَكَانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ (٣)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٤). وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٥): إِنْ تَوَضَّأَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. قِيلَ (٦): يَحْتَمِلُ دَوَرَانُهُ ﷺ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَرِهِ (٧)، حَيْثُ لَا تَلْزَمُهُ

стр. 854

القِسْمَةُ لِنِسَائِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا القُرْعَةُ خَرَجَتْ مَعَهُ (١)، فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَأْنَفَ القِسْمَةَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ أَزْوَاجِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُنَّ فِي ذَلِكَ كَنَحْوِ اسْتِئْذَانِهِ إِيَّاهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَقِيلَ (٢): رُوِيَ (يَنْضَحُ طِيبًا): وَالنَّضْحُ كَاللَّطْخِ. وَ (الوَبِيضُ): البَرِيقُ وَاللَّمَعَانُ. وَمِنْ بَابِ تَخْلِيلِ الشَّعَرِ * حَدِيثُ: (ثُمَ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ … ) (٣). تَخْلِيلُ الرَّأْسِ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). وَأَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ: فَمِمَّنْ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ: عُثْمَانُ، وَعَلِيّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵃. وَمِنَ التَّابِعِينَ: أَبُو قِلَابَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ (٥).

стр. 855

وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَخْلِيلَهَا فِي الغُسْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجِبُ فِي الوُضُوءِ (١). قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ (٥) أَنَّ التَّخْلِيلَ مَسْنُونٌ. وَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى البَشَرَةِ فِي الجَنَابَةِ مَفْرُوضٌ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ (٦): تَخْلِيلُهَا وَاجِبٌ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ) دَخَلَ فِيهِ شَعَرُ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ بَابِ: مَنْ تَطيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) (٧).

стр. 856

قِيلَ (١): السُنَّةُ اتِّخَاذُ الطَّيبِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِندَ الجِمَاعِ. وَمِنْ بَابِ: غَسْلِ المَذْيِ، وَالوُضُوءِ مِنْهُ * حَدِيثُ: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً … ) (٢). قِيلَ: إِنَمَّا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ غُسْلُ مَوْضِعِ الأَذَى مِنَ الذَّكَرِ فَقَطْ، لَا غُسْلُ الذَّكَرِ كُلِّهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ أَنَّهُ يَغْسِلُ الذَّكَرَ كُلَّهُ مِنَ الْمَذْيِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ (٣). وَظَاهِرُ الخَبَرِ العُمُومُ، فَيَقْتَضِي هَذَا. وَمِنْ بَابِ: مَنْ تَوَضَأَ فِي الجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ * فِيهِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ (٤). وَالعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ (٥).

стр. 857

قِيلَ (١): لَمَّا اجْتَزَأَ بِغُسْلِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ عَنْ أَنْ تُغْسَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِلْجَنَابَةِ دَلَّ أَنَّ الطَّهَارَةَ إِذَا نَوَى بِهَا رَفْعَ الحَدَثِ أَجْزَأَتْ عَنْ كُلِّ مَعْنَى يُرَادُ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا الحَدِيثِ قَالَ عَطَاءٌ: (إِذَا غَسَلْتُ كَفِّي قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ لَمْ أَغْسِلْهُمَا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ فِي الوُضُوءِ) (٢). وَقَوْلُهُ فِي البَابِ قَبْلَ هَذَا: (ثُمَّ غَسَلَ سَائِرِ جَسَدِهِ) (٣) كَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِيهِ: (ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الغُسْلُ لِمَا بَقِيَ مِنَ الجَسَدِ دُونَ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ) (٤). هَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الجُنُبَ إِذَا نَسِيَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ تيَمَّمَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مُرُورِ الجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَمِمَّنْ أَجَازَهُ: سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ (٥)،

стр. 858

وَهُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ (١). وَقَالَ ابن الْمُنْذِرِ (٢): كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: يَجْلِسُ الجُنُبُ فِي المَسْجِدِ وَيَمُرُّ فِيهِ إِذَا تَوَضَّأَ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣) وَالكُوفِيُّونَ (٤): لَا يَدْخُلُ الجُنُبُ المَسْجِدَ وَلَا عَابِرَ سَبِيلٍ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٥). وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦) أَيْ: مَكَانَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ سُمِّيَ الْمَسْجِدُ بِاسْمِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ (٧). وَاحْتَجَّ الَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالآيَةِ: نَفْسُ الصَّلَاةِ، وَحَمْلُهَا عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ مَجَازٌ.

стр. 859

وَمِنْ بَابِ: نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ * حَدِيثُ مَيْمُونُةَ ﵂: (فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ) (١). قِيلَ: أَرَادَ إِبْقَاءَ بَرَكَةِ بَلَل الْمَاءِ، وَالتَّوَاضُعَ بِذَلِكَ للَّهِ ، وَلَيْسَ فِي رَدِّ الخِرْقَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ التَّمَسُّحُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الوُضُوءِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُمْسَحَ بِالمِنْدِيلِ مِنَ الوُضُوءِ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ فِي الاغْتِسَالِ مِنَ الجَنَابَةِ) (٢). وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ ﵃ (٣)، وَهُوَ قَوْلُ: مَالِكٍ (٤)، وَالثَّوْرِيِّ (٥)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٦)، وَأَحْمَدَ (٧).

стр. 860

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ) (١). وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بن سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: (اغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ فَالْتَحَفَ بِهَا) (٢).

стр. 861

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ). قيل (١): إِنْ كَانَ الإِنَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَاسِعًا، فَإِنَّهُ يَضَعُهُ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ بِيُمْنَاهُ، وَجَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيَّقَ الفَمِ كَالقُمْقُمَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَضَعُهُ عَنْ يَسَارِهِ، وَصَبَّ الْمَاءَ مِنْهُ عَلَى يَمِينِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) (٢)، وَحَدِيثُ أَيُّوبَ ﵇ (٣). فِي الحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُحْدِثُ يَأْمَنُ أَعْيُنَ النَّاسِ فَلَا حَرَجَ فِي الخَلْوَةِ لِلْغُسْلِ. قَالَ البُخَارِيُّ: وَمَنْ تَسَتَّرَ فَهُوَ أَفْضَلُ، رُوِيَ: (اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) (٤).

стр. 862

قِيلَ (١): لَوْ كَلَّفَ اللهُ عِبَادَهُ الاسْتِتَارَ فِي الخَلْوَةِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَى العِبَادِ، إِذْ كَانَ الْمُغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ التَّعَرِّي. وَرُوِيَ عَنِ ابن عَبَاسٍ ﵁ رَوَاهُ خَالِدُ بنُ حُمَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ -: (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ فِي بَحْرٍ وَلَا نَهْرٍ إِلا وَعَلَيْهِ إِزَارٌ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إنَّ لَهُ عَامِرًا) (٢). وَرَوَى بُرْدٌ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنِ اغْتَسَلَ بِلَيْلٍ فِي فَضَاءٍ فَلْيُحَاذِرْ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) (٣). وَفِي مُرْسَلَاتِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَغْتَسِلُوا [فِي الصَّحْرَاءِ] (٤) إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا مُتَوَارًى، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مُتَوَارًى فَلْيَخُطَّ أَحَدُكُمْ كَالدَّائِرَةِ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ وَيَغْتَسِلُ فِيهَا) (٥).

стр. 863

وَأَمَّا اغْتِسَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَدِينَ بِسُنَّةِ مُوسَى ﵇، إِذْ كَانَ هُوَ يَغْتَسِلُ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَيَطْلُبُ الخَلْوَةَ، وَكَانَ الوَاجِبُ عَلَيْهِمُ الاِقْتِدَاءَ بِهِ فِي ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ أَيُّوبَ ﵇ جَوَازُ الحِرْصِ عَلَى الْمَالِ الحَلَالِ، وَفَضْلُ الغِنَى، لِأَنَّهُ سَمَّاهُ بَرَكَةً، عَلَى أَنَّ الله تَعَالَى عَاتَبَهُ فِي جَمْعِ الجَرَادِ. وَقَوْلُهُ: (يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ) أَي: رُدَّ ثَوبِي يَا حَجَرُ. وَ (جَمَحَ) أَيْ: أَسْرَعَ. (وَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا) طَفِقَ بِمَعْنَى: أَقْبَلَ، وَجَعَلَ يَفْعَلُ، وَضَرْبًا: مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: يَضْرِبُ ضَرْبًا. قَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (١): النَّدْبُ: أَثَرُ الجُرْحِ. يَعْنِي: آثَارُ ضَرْبِ مُوسَى بَقِيَتْ فِي الحَجَرِ آيَةً لِمُوسَى ﵇، وَإِنَّمَا ضَرَبَهُ لأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الله جَعَلَ فِيهِ قُوَّةَ العَدْو، عَلِمَ أَنَّ التَأْدِيبَ يُؤَثِّرُ فِيهِ وَيَخْشَى الضَّرْبَ. وَمِنْ بَابِ: التَّسَتُرِ فِي الغُسْلِ عِندَ النَّاسِ * حَدِيثُ أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ (٢).

стр. 864

* وَفِيهِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ (١). وَفِي الحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سِتْرَ العَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ فَرْضٌ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٢). وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الرِّجَالِ التَّسَتُّرَ، وَكَذَلِكَ عَلَى النِّسَاءِ. وَقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٣) يَعْنِي: غَضَّ الْأَبْصَارِ عَنِ العَوْرَاتِ. وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ الحَمَّامَ غَيْرَ مُتَّزِرٍ تَسْقُطُ شَهَادَتْهُ بِذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٦)، وَالثَّوْرِيِّ. وَاخْتَلَفُوا: إِذَا نَزَعَ (٧) مِئْزَرَهُ وَدَخَلَ الحَوْضَ وَبَدَتْ عَوْرَتُهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الحَوْضِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٨) وَالشَّافِعِيُّ (٩): تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ.

стр. 865

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ: لَا تَسْقُطُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ * حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (٢). لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ النِّسَاءَ إِذَا احْتَلَمْنَ وَرَأَيْنَ الْمَاءَ عَلَيْهِنَّ الغُسْلُ، وَحُكْمُهُنَّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرِّجَالِ. وَفِي قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ: (إِنَّ الله لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) دَلِيلٌ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ مَنْ يَعْلَمُهُ، وَأَنَّهُ مَحْمُودٌ بِذَلِكَ، بِدَلِيل قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ مِنْ التَّفَقُهِ فِي الدِّينِ) (٣). وَمِنْ بَابِ: عَرَقِ الجُنُبِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ … ) (٤). الانْبِجَاسُ: الانْفِجَارُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (٥) أَيْ: انْفَجَرَتْ. وَانْخَنَسْتُ (٦)، أَيْ: تَأَخَّرْتُ وَانْقَبَضْتُ، وَخُنُوسُ الكَوَاكِبِ: اخْتِفَاؤُهَا،

стр. 866

وَفِي نُسْخَةٍ (فَانْبَخَسْتُ) (١) فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَكَذَلِكَ: (فَانْتَجَشْتُ). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الأَعْضَاءِ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنْ تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ النَّجَاسَاتِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي طَهَارَةِ عَرَقِ الجُنُبِ (٢)، وَالحَائِضِ (٣)، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) لَيْسَ بِمَعْنَى نَجَاسَةِ الْأَعْضَاءِ، لَكِنْ بِمَعْنَى نَجَاسَةِ الأَفْعَالِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَيْسَ بِنَجِسٍ فِي ذَاتِهِ مَا لَمْ يَحُلُّ بِهِ عَارِضٌ مِنْ نَجَاسَةٍ. وَمِنْ بَابِ: الجُنُبِ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٦). مُرَادُ البُخَارِيِّ مِنْ تَرْجَمَةِ البَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ التَّصَرُّفُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا

стр. 867

قَبْلَ الغُسْلِ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: لَا يَخْرُجُ الجُنُبُ لِحَاجَتِهِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَ [الصَّلَاةِ، وَكَذَا] (١) عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ. وَفِي الحَدِيثِ جَوَازُ أَخْذِ الإِمَامِ وَالعَالِمِ بِيَدِ تِلْمِيذِهِ، وَمَشْيِهِ مَعَهُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ. وَفِيهِ مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ أَنَّ مَنْ مَشَى مَعَ أُسْتَاذِهِ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟). وَمِنْ بَابِ: كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (ثُمَّ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ مَاءً) (٢).

стр. 868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 869

يَعْنِي: الغُسْلَ لَا الوُضُوءَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ (١)، وَعَائِشَةَ (٢) ﵄. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا تَتَضَادُّ الأَخْبَارُ (٣). وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: (إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ كَانَ كَمَنْ اغْتَسَلَ فِي الثَّوَابِ) (٤).

стр. 870

وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (لَا يَنَامُ الجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَ نَفْسَهُ تُصَابُ فِي نَوْمِهِ، فَكَانَ قَدْ أَخَذَ بِأَقَلِّ الطَّهَارَتَيْنِ) (١). وَمِنْ بَابِ: إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ قَوْلُهُ: (جَهَدَهَا) (٢) أَيْ: بَلَغَ مَشَقَّتَهَا، يُقَالُ: جَهَدْتُهُ جَهْدًا، وَجَهِدَتِ الْفَرَسُ وَأَجْهَدْتُهُ: اسْتَخْرَجْتُ جُهْدَهُ. وَقَالَ الحَسَنُ: (إِنَّ الحَقَّ جُهْدُ النَّاسِ، وَلَيْسَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ رَجَا ثَوَابَ الله (٣).

стр. 871

وَمِنْ بَابٍ: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَةِ * حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ (١). وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ (٢). قَالَ البُخَارِيُّ: الغُسْلُ أَحْوَطُ، وَذَلِكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَاهُ لاخْتِلَافِهِمْ. قَالَ الأَثْرَمُ (٣): سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ [خَمْسَةً] (٤) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : عُثْمَانَ، وَعَلِيًا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃، فَقَالُوا: (الْمَاءُ [مِنَ الْمَاءِ] (٥)) فِيهِ عِلَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا يَرْوُونَ مِنْ خِلَافِهِ عَنْهُمْ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ (٦): سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِي وَسُئِلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ شَاةٌ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ قَدْ رَوَى عَنْ عُثمَانَ

стр. 872

[وَعَلِيٍّ] (١) وَأُبَيٍّ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ. قَالَ يَعْقُوبُ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ (٢)، كَانَتْ هَذِهِ الفُتْيَا فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ [الخِتَانَ] (٣) فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ) (٤).

стр. 873

كِتَابُ الحَيْضِ الأَصْلُ فِي الحَيْضِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ أَمَّا الكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (١) الآيَةَ. سُمِّيَ أَذًى، وَأُمِرَ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالحَيْضِ، وَاخْتُلِفَ فِي المَحِيضِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ (٢): هُوَ مَوْضِعُ الحَيْضِ، كَمَا يُقَالُ: مَبِيتٌ: لِمَوْضِعِ البَيْتُوتَةِ، وَمَقِيلٌ: مَوْضِعُ القَيْلُولَةِ، فَنُهِيَ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الفَرْحِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الحَيْضِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ زَمَنُ الحَيْضِ وَوَقْتُهُ، فَنَهَى عَنْ قُرْبَانِ النِّسَاءِ فِي وَقْتِ الحَيْضِ وَزَمَانِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٣) إِلَى أَنَّ الْمَحِيضِ هُوَ الحَيْضُ، وَهُوَ الدَّمُ نَفْسُهُ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالْمَحِيضِ عَنِ الحَيْضِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ المَحِيضِ؟) (٤).

стр. 874

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ هَذَا، شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الله تَعَالَى قَالَ فِي سِيَاقِ الآيَةِ ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (١)، فَسَمَّى ذَلِكَ أَذًى، وَالأَذَى إِنَّمَا يَكُونُ الدَّمُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢)، وَإِنَّمَا تَطْهُرُ الْمَرْأَةُ مِنَ الحَيْضِ، وَأَمَّا الفَرْجُ وَالوَقْتُ فَلَا تُوصَفُ المَرْأَةُ بِأَنَّهَا تَطْهُرُ مِنْهُ. وَأَمَّا الاسْتِحَاضَةُ (٣): فَمَا رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) (٤). وَالأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالحَيْضِ أَحَدَ عَشَرَ حُكْمًا: المَنْعُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ جَوَازِ فِعْلِهَا، وَمِنْ جَوَازِ فِعْلِ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ، وَمِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالاعْتِكَافِ فِيهِ، وَالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَمَسَّ المُصْحَفِ، وَالعِدَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالجِمَاعِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الغُسْلِ، وَيُزِيلُ حُكْمَ الاعْتِدَادِ بِالشُّهُورِ،

стр. 875

وَتَبْلُغُ بِهِ الْمَرْأَةُ. فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الحَائِضِ: هَلْ يَجُوزُ وَطُؤُهَا إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤): لَا تُوطَئُ حَتَّى تَغْتَسِلَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٥): إِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ - الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ الحَيْضِ - جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الغُسْلِ، وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا [لدُونِ أَكْثَرِ الحَيْضِ] (٦) لَمْ يَجُزْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمُرَّ عَلَيْهَا وَقْتُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُّ عِنْدَهُ آخِرَ الوَقْتِ، فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا آخِرُ الوَقْتِ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، عُلِمَ أَنَّ الحَيْضَ قَدْ زَالَ، لأَنَّ الحَائِضَ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةٌ. وَقَالُوا: قَوْلُهُ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٧) أَيْ: حَتَّى يَنقَطِعَ دَمُهُنَّ

стр. 876

قَالُوا: وَلِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ حَلَّ لَهَا بِانْقِطَاعِ دَمِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الغُسْلِ، كَمَا إِذَا كَانَتْ جُنُبًا يَجُوزُ مُجَامَعَتُهَا قَبْلَ الغُسْلِ. وَلِأَنَّهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لَا تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا أَوْ حَائِضًا: فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا: فَالغُسْلُ سَاقِطٌ عَنْهَا، وَفِي اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الغُسْلَ وَاجِبٌ بانْقِطَاعِ الدَّمِ دَلِيلٌ أَنَّهَا قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا، وَالطَّاهِرُ يَجُوزُ وَطُؤهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (١) إِبَاحَةٌ ثَانِيَةٌ، وَابْتِدَاءُ كَلَامٍ غَيْرِ (٢) الأَوَّلِ، لِأَنَّ الطَّهْرَ شَيْءٌ، وَالتَّطْهِيرَ غَيْرُهُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ دَلَالَةٌ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي زَوْجَتَهُ بَعْدَ أَنْ تَتَنَظَّفَ بِالمَاءِ أَحْمَدُ عِنْدَ اللهِ، كَمَنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا كَانَ أَحْمَدَ مِمَّنْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. وَالحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٣)، فَأَضَافَ العَمَلَ وَالفِعْلَ إِلَيْهِنَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ، لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهَا فِي قَطْعِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّطَهُّرَ بِالمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وَالثَّنَاءُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ يَقَعُ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَيَتَطَهَّرْنَ.

стр. 877

وَقَدْ يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِشَيْءٍ، وَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمَبْتُوتَةِ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وَلَيْسَتْ تَحِلُّ لَهُ بِنِكَاحِ الزَّوْجِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَتَعْتَدَّ مِنْهُ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ) (٢).

стр. 878

وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُوطَأُ نُفَسَاءُ وَلَا حَائِضٌ حَتَّى تَطْهُرَ. وَلَمْ تَكُنْ (حَتَّى) هَا هُنَا مُبِيحَةً لِمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى حَظْرِهِ (١). وَمِنْ بَابِ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ (إِنَّ هَذَا أَمْرُ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) (٢) فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِنَّ (٣) الَّذِي فِيهِ صَلَاحُهُنَّ، قَالَ اللهُ : ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (٤). قيل فِي التَّفْسِيرِ: رَدَّ إِلَيْهَا حَيْضَهَا لِتَحْمِلَ، وَهُوَ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِلنَّسْلِ، أَلَا تَرَى إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَمْ تَحْمِلْ، هَذِهِ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ. وَالحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ (٥)، يَعْنِي: حَاضَتْ. وَإِبْرَاهِيمُ ﵇ هُوَ جَدُّ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَدَلَّ أَنَّ الحَيْضَ كَانَ قَبْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمِنْ بَابِ: غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ [زَوْجِهَا] (٦) وَتَرْجِيلِهِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٧):
следующие страницы →