← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 909–948 · переход к 914.

стр. 909

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا تُصَدَّقُ إِذَا ادَّعَتْ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ، إِذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الحَيْضِ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِي العَادَةِ أَنْ تَكُونَ امْرَأَة عَلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَقَلِّ الحَيْضِ، لأَنَّهُ إِذَا كَثُرَ الحَيْضُ قَلَّ الطُّهْرُ، [وَإِذَا] (٢) كَثُرَ [الطُّهْرُ قَلَّ] (٣) الحَيْضُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٤): لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، لأَنَّ أَقَلَّ الحَيْضِ عِنْدَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): تُصَدَّقُ فِي أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَومًا، وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الطُّهْرِ سَاعَةٌ، فَتَحِيضَ يَوْمًا، وَتَطْهُرَ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا، [وَتَطْهُرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا] (٦) فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثَالِثَةِ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَقَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: العِدَّةُ إِنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى المَعْرُوفِ مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ، لَا عَلَى المَرْأَةِ وَالمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ (٧) لَا تَكَادُ تُوجَدُ.

стр. 910

وَلَا يُعْرَفُ عِنْدَ مَالِكٍ حَدٌّ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ إِلَّا مَا تُثْبِتُهُ النِّسَاءُ (١). وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٢): عِنْدَنَا امْرَأَة تَحِيضُ غُدْوَةً، وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً. وَمِنْ بَابِ: الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ ذَهَبَ العُلَمَاءُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَقَالُوا: الصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، وَبَعْدَ أَيَّامِ الحَيْضِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: (إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ) (٣) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ مِنَ الدَّمِ. وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: (لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ) دَلَالَةٌ أَنَّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ عِنْدَ إِدْبَارِ الحَيْضِ مِنْ بَقَايَا الحَيْضِ (٤). وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ مُبَيَّنًا أَنَّهَا قَالَتْ: (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الغُسْل شَيْئًا) (٥).

стр. 911

وَمِنْ بَابِ: عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ * حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ (١): قَوْلُهُ: (هَذَا عِرْقٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُسْتَحَاضَةَ لَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لأَنَّ دَمَ العِرْقِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا. وَقَوْلُهُ: (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) قِيلَ: ذَلِكَ احْتِيَاطٌ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ (٢): لَمْ يَذْكُرِ ابن شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ (٣): الحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ ابن شِهَابٍ لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ، وَإِيجَابُ الغُسْلِ عَلَيْهَا إِيجَابُ فَرْضٍ، وَالفَرْضُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَإِنَّمَا الإِجْمَاعُ فِي إِيجَابِ الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٤): قَدْ قِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثٍ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيشٍ، لأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَفْتُتْ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيشِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَالَفَتْ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ، فَحَدِيثُ فَاطِمَةَ أَوْلَى بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ. وَقِيلَ (٥): كَانَ عِنْدَ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا حَائِضٌ فِي السَّبْعَةِ الأَعْوَامِ، فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ

стр. 912

مِنْ ذَلِكَ الحَيْضِ. وَمِنْ بَابِ: المَرْأَةُ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (١)، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٢). قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ) (٣) يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ يُغْنِي عَنْ كُلِّ طَوَافٍ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ الطَّوَافُ الوَاجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ. يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ) (٤) يَعْنِي: إِذَا طَافَتْ طَوَافَ الإِفَاضَةِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَطُفْهُ فَلَا تَنْفِرُ، وَلَا حَجَّ لَهَا. وَمِنْ بَابِ: إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٥). قَوْلُهُ: (إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ) أَيْ: إِذَا أَقْبَلَ دَمُ الاسْتِحَاضَةِ الَّذِي هُوَ دَمُ عِرْقٍ، الَّذِي يُوجِبُ الغُسْلَ وَالصَّلَاةَ، وَمَيَّزَتْهُ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا، فَهُوَ طُهْرٌ مِنَ الحَيْض. وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ دَمَ الاسْتِحَاضَةِ

стр. 913

لَيْسَ أَذًى الَّذِي يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، فَوَجَبَ أَلَّا يَمْنَعَ الوَطْءَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّا سَمِعْنَا بِالرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ (١). وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (الصَّلَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الجِمَاعِ) (٢). وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتُهَا * فِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵂: (أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ … ) (٣). قِيلَ: وَهِمَ البُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: (مَاتَتْ فِي بَطْنٍ) أَيْ مَاتَتْ مِنَ الوِلَادَةِ، فَوَضَعَ البَابَ (٤) عَلَى بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ. وَمَعْنَى (مَاتَتْ فِي بَطْنٍ): مَاتَتْ مَبْطُونَةً، رُوِيَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مِنْ [غَيْر] (٥) هَذَا الوَجْهِ (٦).

стр. 914

وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنِ البُخَارِيِّ، وَذَكَرَ لِقَوْلِهِ وَجْهًا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ ابْنَ آدَمَ طَاهِرٌ إِذَا مَاتَ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَرَامَةٌ لَهُ. وَفِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: (وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوبِهِ) (١). فِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الحَائِضِ لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَجَسًا لَمَا وَقَعَ ثَوبُهُ عَلَيْهَا، وَلَا قَرُبَتْ مِنْ مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ. وَفِيهِ أَنَّ الحَائِضَ تَقْرَبُ مِنَ الْمُصَلِّي، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ صَلَاتَهُ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَهَارَتِهَا مُبَاشَرَتُهُ ﷺ فِيمَا فَوْقَ الإِزَارِ لِأَزْوَاجِهِ وَهُنَّ حُيَّضٌ.

стр. 915

كتاب التيمم * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (١)، وَجَابِرٍ ﵄ (٢). فِيهِ مِنَ الفِقْهِ السَّفَرُ بِالنِّسَاءِ. وَفِيهِ النَّهْيُّ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ عَلَى تَفْتِيشِ العِقْدِ لَيْلَةً، وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ العِقْدَ كَانَ لِأُخْتِهَا، وَكَانَ ثَمَنْهُ اثْنَي عَشَرَ دِرْهَمًا. وَفِيهِ شَكْوَى المَرْأَةِ إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ. وَفِيهِ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى ابْنَتِهِ وَزَوْجُهَا مَعَهَا، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَعَهَا فِي غَيْرِ خَلْوَةِ مُبَاشَرَةٍ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُعَاتِبَهَا فِي أَمْرِ اللهِ، وَأَنْ يَضْرِبَهَا عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ نُسِبَ إِلَى ذَنْبٍ. وَفِيهِ نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى مَنْ هُوَ سَبَبُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، لِقَوْلِهِمْ: (أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ)، نُسِبَ الفِعْلُ إِلَيْهَا إِذْ كَانَتْ سَبَبَهُ (٣). وَقَوْلُهُمْ: (لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) دَلِيلٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ)، وَهِيَ آيَةُ الوُضُوءِ

стр. 916

الَّتِي فِي المَائِدَةِ (١)، وَالآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (٢)، وَلَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الجَنَابَةِ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ الوُضُوءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَالغُسْلَ مِنَ الجَنَابَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلَ وُضُوئِهِ بِالمَدِينَةِ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الوُضُوءِ لِيَكُونَ فَرْضُهَا المُتَقَدِّمُ مِثْلَهُ فِي التَّنْزِيلِ، فَقَوْلُهُ: (نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) وَلَمْ يَذْكُرِ الوُضُوءَ، يَدُلُّ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِلْمِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لا حُكْمُ الوُضُوءِ، وَذَلِكَ رِفْقٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ بِأَنْ أَبَاحَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ). وَفِي قَوْلِهِ: (جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) خُصُوصِيَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، جُعِلَتْ لَهُ طَهُورًا بِالتَّيَمُّم، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. قِيلَ (٣): كَأَنَّ الْمَعْنَى: جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا، وَلَمْ تُجْعَلْ لَهُ طَهُورًا، فَقَدْ كَانَ عِيسَى ﵇ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرِكَتْهُ الصَّلَاةُ. وَقَوْلُهُ: (فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ) يَعْنِي: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ، وَخَوْفِ فَوْتِ الصَّلَاةِ.

стр. 917

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَلَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ (١) يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا شُفِّعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَشْفَعُ فِي الْمُذْنِبِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْعُقُوبَةِ. وَفِي قَوْلِهِ: (بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) دَلِيلٌ أَنَّ الحُجَّةَ تَلْزَمُ بِالخَبَرِ كَمَا تَلْزَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِبَقَاءِ آيَتِهِ - وَهُوَ القُرْآنُ - لِبَقَاءِ دَعْوَتِهِ، وَوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). وَالَّذِي لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تُرَابًا هُوَ الْمَكْتُوفُ وَالمَحْبُوسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلُّونَ، وَعَلَيْهِمُ الإِعَادَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣) وَالشَّافِعِيِّ (٤). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُصَلُّونَ حَتَّى يَجِدُوا مَاءً أَوْ تُرَابًا، فَإِذَا وَجَدُوا ذَلِكَ صَلَّوْا، وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٥). وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُصَلُّونَ وَعَلَيْهِمْ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ: أَنَّهُمُ احْتَاطُوا لِلصَّلَاةِ فِي الوَقْتِ عَلَى حَسَبِ الاِسْتِطَاعَةِ، لاحْتِمَالِ قَوْلِهِ ﷺ : (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ

стр. 918

طُهُورٍ) (١) لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، فَرَأَوا الإِعَادَةَ وَاجِبَةً مَعَ وُجُودِ الطَّهَارَةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِعَادَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يُصَلُّونَ حَتَّى يَجِدُوا مَاءً أَوْ تُرَابًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ)، وَلَيْسَ فَرْضُ الوَقْتِ بِأَوْكَدَ مِنْ فَرْضِ الطُّهُورِ. وَقَوْلُهُ: (فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا فَوَجَدَهَا) يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ: (فَبَعَثْنَا البَعِيرَ [الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ] (٢) فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ) (٣). وَقَدْ حَمَلَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ عَلَى هِشَامِ بن عُرْوَةَ، وَجَعَلَ حَدِيثَهُ مُنَاقِضًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن القَاسِمِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُنَاقَضَةٌ، لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا) هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَجَدَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ طَلَبِهَا. وَقِيلَ (٤): وَجَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ إِثَارَةِ البَعِيرِ بَعْدَ انْصِرَافِ المَبْعُوثِينَ مِنْ مَوْضِعِ طَلَبهَا. وَمِنْ بَابِ: التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ * حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ (٥). وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الحَضَرِيِّ (٦) يَخَافُ فَوَاتَ الصَّلَاةِ إِذَا عَدِمَ المَاءَ، هَلْ

стр. 919

لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (٣): يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤). احْتَجَّ مَنْ يَقُولُ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ بِقَوْلِهِ: إِنَّا رَأَيْنَا مَنْ يَفْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الإِعَادَةُ كَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ صَوْمَهُ الْمُفْتَرَضَ (٥) عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُضِيِّ فِيهِ، وَ [مَعَ] (٦) هَذَا فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَالمُسَافِرُ وَالمَرِيضُ أُبِيحَ لَهُمَا الفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، فَفَعَلَا المَأْمُورَ بِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمَا القَضَاءُ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ: أَنَّ الفِطْرَ رُخْصَةٌ لَهُمَا، وَلَمْ يَفْعَلَا الصَّوْمَ، وَالْمُتَيَمِّمُ فَعَلَ الوَاجِبَ، وَفَعَلَ الصَّلَاةَ، وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَصَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أُمِرَ بِالْمُضِيِّ فِيهِ عُقُوبَةً لإِفْسَادِهِ لَهُ، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ لِيُؤَدِّيَ الفَرْضَ كَمَا أُمِرَ بِهِ. وَالحَاضِرُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ المَاءُ وَخَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ صَارَ مُطِيعًا بِالتَّيَمُّمِ

стр. 920

وَالصَّلَاةِ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يُفْسِدْ شَيْئًا يَجِبُ مَعَهُ عَلَيْهِ القَضَاءُ. وَمَا ذَكَرَ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ) (١) وَهُوَ فِي طَرَفِ المَدِينَةِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الوَقْتِ، ثُمَّ صَلَّى، فَهُوَ حُجَّةٌ لِلْحَاضِرِ يَخَافُ فَوَاتَ الوَقْتِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ بَقِيَّةٌ، وَلَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ، كَانَ أَحْرَى أَنْ يَجُوزَ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ لِلْحَضَرِيِّ يَخَافُ خُرُوجَ الوَقْتِ كُلِّهِ. قِيلَ (٢): وَأَمَّا حَدِيثُ بِئْرِ جَمَلٍ (٣)، فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّهُ رَفَعَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ الحَدَثَ رَفْعًا اسْتَبَاحَ بِهِ الصَّلَاةَ، إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرُدَّ بِهِ السَّلَامَ، كَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ الله عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَتِ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ رَدِّ السَّلَامِ، قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ لِهَذِهِ الطَّهَارَةِ حُكْمٌ لَوْلَاهُ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَمَنَعَ مَالِكٌ (٤)،

стр. 921

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢) الصَّلَاةَ عَلَى الجِنَازَةِ بِالتَيَمُّمِ. وَمِنْ بَابِ: هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟ * حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (٣). قَالَ مَالِكٌ (٤): يَنْفُضُهُمَا نَفْضًا خَفِيفًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): لَا بَأْسَ أَنْ يَنْفُضَهُمَا إِذَا بَقِيَ فِي يَدِهِ غُبَارٌ يُمَاسُّ الوَجْهَ. وَقَالَ أَحْمَدُ (٦): لَا يَضُرُّ، فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ لَا يَنْفُضُ يَدَيْهِ (٧). وَقَوْلُهُ: (فَتَمَعَّكْتُ): مَعَكَ الأَدِيمَ: دَلَكَهُ.

стр. 922

وَمِنْ بَابِ: التَّيَمُّمِ لِلْوَجهِ وَالكَفَّيْنِ * فِيهِ حَدِيثُ عَمَّارٍ ﵁ (١). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ في حَدِّ مَسْحِ الكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، فَقَالَ قَوْمُ: هُوَ إِلَى الكُوعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ (٣): إِنْ تَيَمَّمَ إِلَى الكُوعَيْنِ أَعَادَ فِي الوَقْتِ. وَقَالَ قَوْمُ: التَّيَمُّمُ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٦)، قَالُوا: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهٍ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُهُ دُونَ الْمِرْفَقَيْنِ، لأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الوُضُوءِ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ الوُضُوءَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ كَذَلِكَ. وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْحِ إِلَى الكُوعَيْنِ قَوْلُهُ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٧) وَاسْمُ اليَدِ يَخْتَصُّ إِلَى الكُوعَيْنِ، لِقَطْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ

стр. 923

بَعْدَهُ مِنَ الكُوعِ، مَعَ إِطْلَاقِ اسْمِ اليَدِ فِي الآيَةِ، وَالحُكْمُ إِذَا تَعَلَّقَ بِمَا هَذِهِ صِفَتُهُ تَعَلَّقَ بِأَخَصِّهِ. وَفِي حَدِيثِ عَمَّارٍ: (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) هَذَا تَوْقِيفٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمَّارٍ عَلَى المُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). وَمِنْ بَابِ: الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ * حَدِيثُ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ﵁ (٢). قَوْلُهُ ﷺ لِلْجُنُبِ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ مِنَ المَاءِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكْفِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً كَمَا يَكْفِيهِ الوُضُوءُ. وَقَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَيَأْنَسَ إِلَى الأَخَفِّ وَيَكُونَ مَعْنَى (يَكْفِيكَ) أَيْ: لِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَحْدَهَا. قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَاللَّيْثُ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)، وَأَحْمَدُ (٦): لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلَّا

стр. 924

صَلَاةً وَاحِدَةً، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالُوا: إِنَّ الله تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ لِلصَّلَاةِ طَلَبَ المَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَحَقِيقَةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ [لَمْ] (١) يَطْلُبِ الشَّيْءَ لَمْ يَجِدْهُ، وَأَوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِهِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مِثْلَ مَا عَلَيْهِ فِي الأُوْلَى. وَلَيْسَتِ الطَّهَارَةُ بِالصَّعِيدِ مِثْلَ الطَّهَارَةِ بِالمَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ لاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، بِدَلِيلِ بُطْلَانِهَا بِوُجُودِ المَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الجُنُبَ يَعُودُ جُنْبًا بَعْدَهَا إِذَا وَجَدَ المَاءَ، وَالوُضُوءُ بِالمَاءِ لَا يَبْطُلُ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ مَنْ صَلَّى بِهِ أَنْ يَطْلُبَ المَاءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى. وَلِأَنَّ الْمُتَوَضِّيءَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَالْمُتَيَمِّمَ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا، وَجَبَ أَلَّا يَكُونَ التَّيمُّمُ لِلْعَصْرِ يُجْزِئُ لِلْمَغْرِبِ؛ إِذْ كَانَ مُتَيَمِّمًا لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، لِأَنَّ العِلَّةَ الْمَانِعَةَ لَهُ مِنَ التَّيَمُّمِ لِلْعَصْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا هِيَ الْمَانِعَةُ لَهُ مِنَ الْمَغْرِبِ (٢). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ كَنَوْمِ الْبَشَرِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ،

стр. 925

إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الأَضْغَاثُ لِقَوْلِهِ: (رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ) (١). وَفِيهِ أَنَّ الأُمُورَ يُحْكَمُ فِيهَا بِالأَعَمَّ، لِقَوْلِهِ: (كُنَّا لَا نُوقِظُ النَّبِيَّ ﷺ ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ فِي نَوْمِهِ) وَقَدْ يَحْدُثُ لَهُ وَحْيٌ، أَوْ لَا يَحْدُثُ، فَحَكَمُوا بالأعَمَّ، كَمَا حُكِمَ عَلَى النَّائِمِ غَيْرُهُ بِحُكْمِ الحَدَثِ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدَثُ أَوْ لَا يَكُونُ. وَفِيهِ [التَّأَدُّبُ فِي] (٢) إِيقَاظِ السَّيِّدِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁، لأَنَّهُ لَمْ يُوقِظِ النَّبِيَّ ﷺ بِالنِّدَاءِ، بَلْ أَيْقَظَهُ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى إِذْ عَلِمَ عُمَرُ ﵁ أَنَّ أَمْرَ اللهِ يَحُثُّهُ عَلَى القِيَام. وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجْلَدُ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، وَأَصْلَبُهُمْ فِي أَمْرِ اللهِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَّتْ بِهِ فِتْنَةٌ فِي بَلَدٍ، فَلْيَخْرُجْ عَنْهُ، وَلْيَهْرَبْ مِنَ الفِتْنَةِ بِدِينِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِارْتِحَالِهِ عَنْ بَطْنِ الوَادِي الَّذِي تَشَاءَمَ بِهِ لَمَّا فَتَنَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا يُصْلِحُهُ لِصَلَاتِهِ مِنْ طُهُورٍ وَوُضُوءٍ، وَانْتِقَاءِ البُقْعَةِ الَّتِي تَطِيبُ عَلَيْهَا نَفْسُهُ لِلصَّلَاةِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الصَّلاةَ الفَائِتَةَ، فَارْتَحَلَ بَعْدَ الذِّكْرِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَتَوَضَّأَ النَّاسُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا فِي مُهْلَةٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَصَلُّوا.

стр. 926

وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ الفَائِتَةِ عَنْ مَوْضِعِ الذِّكْرِ لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ غَفْلَةً عَنْهَا. وَفِيهِ أَنَّ الفَائِتَةَ مِنَ الصَّلَاةِ يُؤَذَّنُ لَهَا كَمَا يُؤَذَّنُ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي تُصَلَّى فِي أَوْقَاتِهَا. وَفِيهِ طَلَبُ المَاءِ لِلشُّرْبِ وَالوُضُوء. وَفِيهِ أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى المَاءِ إِذَا اشْتَدَّتْ أَنْ يُؤْخَذَ حَيْثُ وُجِدَ، وَيُعَوَّضَ صَاحِبُهُ مِنْهُ، كَمَا عُوِّضَتِ المَرْأَةُ. وَفِيهِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: أَنَّهُمْ تَوَضَّؤوا وَشَرِبُوا، وَبَقِيَتِ المَزَادَتَانِ مَمْلُوءَتَينِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهِ مُرَاعَاةُ ذِمَامِ الكَافِرِ. وَكَانَ تَرْكُ الغَارَةِ عَلَى قَوْمِهَا سَبَبًا لإِسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِمْ (١)، فَصَارَ سَبَبًا لِسَعَادَتِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ اسْتِئْلَافٌ لَهُمْ، فَعَلِمَ القَوْمُ غَايَةَ ذَلِكَ الحَقِّ، فَبَادَرُوا إلى الإِسْلَامِ (٢). وَقَوْلُهُ: (نَفَرُنَا خُلُوفٌ) قَالَ الخَطَّابِيُّ (٣): النَّفَرُ هُمُ الرِّجَالُ، قَالَ (٤): [مِنَ المَدِيدِ]

стр. 927

… ...... … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ وَ (الخُلُوفُ): هُمُ الَّذِينَ خَلَّفُوا النِّسَاءَ وَالأَثْقَالَ فِي الحَيِّ، وَخَرَجُوا إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ يَسْتَقُونَ. يُقَالُ: خَلَّفَ الرَّجُلُ، وَأَخْلَفَ، وَاسْتَخْلَفَ: إِذَا اسْتَقَى الْمَاءَ. وَأَنْشَدَ الفَرَّاءُ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] وَبَهْمَاءَ يَسْتَافُ التُّرَابَ دَلِيلُهَا … وَلَيْسَ بِهَا إِلَّا اليَمَانِيُّ مُخْلِفُ يَقُولُ: إِذَا عَطِشُوا بَقَرُوا بِالسُّيُوفِ بُطُونَ الإِبِلِ، فَشَرِبُوا مَا فِي أَكْرَاشِهَا. وَيُقَالُ لِلْقَطَا: الْمُخْلِفَاتُ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقِي لِأَوْلَادِهَا المَاءَ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ (٢): الخَلْفُ: الاسْتِقَاءُ، وَأَنْشَدَ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ] لِزُغْبٍ كَأَوْلَادِ القَطَا رَاث خَلْفُهَا … عَلَى عَاجِزَاتِ النَّهْضِ حُمْرٌ حَوَاصِلُهْ الشِّعْرُ لِلْحُطَيْئَةِ، قَالَهُ فِي قَصِيدَةٍ يَمْدَحُ بِهَا الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَعَنَى بِالزُّغْبِ: أَوْلَادَهُ، وَجَعَلَهُمْ كَفِرَاخِ القَطَا [ … ] (٤)، وَلِيَسْتَعْطِفَهُ عَلَى تَوْفِيرِ عَطَائِهِ. وَالضَّمِيرُ فِي (خَلْفُهَا) يَعُودُ إِلَى القَطَا، يَعْنِي: أَبْطَأَ اسْتِقَاؤُهَا عَلَى عَاجِزَاتِ

стр. 928

النَّهْضِ، وَهِيَ الفِرَاحُ الصَّغَارُ تَعْجِزُ عَنِ الطَّيَرَانِ. (حُمرٌ حَوَاصِلُهُ) أَيْ لَمْ يَنْبُتْ عَلَيْهَا رِيشٌ، فَلَوْنُ جِلْدِهَا ظَاهِرٌ، وَلَوْنُ الجِلْدِ أَحْمَرُ، وَكَانَ يَجِبُّ أَنْ يَكُونَ (حَوَاصِلُهَا)، لأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى العَاجِزَاتِ، وَلَكِنَّهُ ذَكَّرَ الضّمِيرَ مِنْ أَجْلِ القَافِيَةِ، وَجَعَلَهُ كَأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الجَمِيعِ فِي المَعْنَى، وَلَفْظُ الجَمْعِ مُذَكَّرٌ، يَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَبْلَ البَيْتِ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ] وَإِنِّي لأَرْجُوهُ وَإِنْ كَانَ نَائِيًا … رَجَاءَ الرَّبِيعِ أَنْبَتَ البَقْلَ وَابِلُهْ لِزُغْبٍ كَأَوْلَادِ القَطَا .... … ...... ...... ...... أَيْ: أَرْجُوهُ لِرُغْبٍ، وَشَبَّهَ أَوْلَادَهُ بِفِرَاخِ القَطَا فِي أَشدَّ مَا تَكُونُ الفِرَاخُ حَاجَةً إِلَى أُمَّهَاتِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): الحَيُّ خُلُوفٌ: غَيَّبٌ وَحُضُورٌ، وَأَنْشَدَ فِي الغُيَّبِ (٣): [مِنَ الخَفِيفِ]

стр. 929

أَصْبَحَ البَيْتُ بَيْتُ آلِ بَيَانٍ … مُقْشَعِرًّا وَالحَيُّ حَيٌّ خُلُوفُ أَيْ: لَمْ يَبْقَ مِنْهُم أَحَدٌ. وَقَوْلُهَا: (الصَّابِئَ) تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ صَابِيءٌ. وَ (العَزَالِي) جَمْعُ: العَزْلَاءِ، وَالعَزْلَاءُ: فَمُ المَزَادَةِ الأَسْفَلُ يَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ خُرُوجًا وَاسِعًا. وَقَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (١): العَزْلَاءُ: مَصَبُّ المَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ. وَقَوْلُهُ: (مَا رَزَئْنَاكِ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أَيْ: مَا أَخَذْنَا مِنْ مَائِكِ، وَلَا نَقَصْنَاكِ شَيْئًا مِنْهُ. وَ (الصَّرْمُ) (٢): النَّفَرُ يَنْزِلُونَ مَعَ أَهْلِيهِمْ عَلَى المَاءِ، وَالجَمْعُ: أَصْرَامٌ، وَأَمَّا الصَّرْمَةُ بِالهَاءِ: فَالقِطْعَةُ مِنَ الإِبِلِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَو المَوْتَ أَوْ خَافَ العَطَشَ تَيَمَّمَ قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: كُلُّ مَنْ خَافَ التَّلَفَ مِن اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَأَمَّا إِنْ خَافَ الزِّيَادَةَ فِي المَرَضِ وَلَمْ يَخَفِ التَّلَفَ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ (٣). وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ وَإِنْ لَمْ يَخَفِ التَّلَفَ: مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو مُوسَى عَلَى

стр. 930

ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، وَلَمْ يُفرِّقُ بَيْنَ مَرَضٍ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، وَبَيْنَ مَرَضٍ يُخَافُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ، فَهُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَرَضٍ. وَأَمَّا قِصَّةُ عَمْرِو بن العَاصِ ﵁ فِي غَزْوةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ (٢)، فَفِيهِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ (٣). وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَطَهِّرِينِ. وَأَجْمَعَ الفُقَهَاءُ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَخَافَ العَطَشَ أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ (٤)، وَكَانَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ لَا يُجِيزَانِ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ (٥) وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٦).

стр. 931

وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ (١). وَكَانَ ابْنُ [مَسْعُودٍ] (٢) وَعُمَرُ ﵄ مِنْ رَأيهِمَا أَنَّ الْمُلَامَسَةَ فِي الآيَةِ هِيَ مَا دُونَ الجِمَاعِ، وَكَانَ التَّيَمُّمُ فِي الآيَةِ بِعَقِيبِ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنَعَا مِنْ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، وَرَأَيَا أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا جُعِلَ بَدَلًا مِنَ الوُضُوءِ، وَلَمْ يُجْعَلْ بَدَلًا مِنَ الغُسْلِ. وَقِيلِ: إِنَّمَا لَمْ يَقْنَعْ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِ عَمَّارٍ لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ القِصَّةَ وَأُنْسِيَهَا، فَارْتَابَ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مُحَاجَّةُ أَبِي مُوسَى ابْنَ مَسْعُودٍ ﵄ بِالآيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعَهُ ابن مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا قَدَرَ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَنَحَا إِلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ رَخَّصَ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ تَيَمَّمَ. قَالَ بَعْضُهُمْ (٣): صَارَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ إِلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، وَفِي قَوْلِ أَبِي مُوسَى لابنِ مَسْعُودٍ ﵄: (فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟) انْتِقَالٌ فِي الحِجَاجِ مِمَّا فِيهِ الخِلَافُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْاتِّفَاقُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمُنَاظَرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ ﵇ لَمَّا قَالَ لَهُ نَمْرُودٌ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُوقِفَهُ عَلَى كَيْفِيَّةِ إِحْيَائِهِ وَإِمَاتَتِهِ، بَلْ انْتَقَلَ إِلَى مَا قَطَع بِهِ مِنَ

стр. 932

الحِجَاجِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ (١). وَمِنْ بَابِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵁ (٢). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ: فَقَالَ طَائِفَةٌ: هُوَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهٍ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣) وَالشَّافِعِيِّ (٤). وَقِيلَ: إِنَّ الفَرْضَ عِنْدَ مَالِكٍ (٥): الْمَسْحُ إِلَى الكُوعَيْنِ. وَقِيلَ: ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ إِلَى الكُوعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ (٦)، وَأَحْمَدَ (٧)، وَإِسْحَاقَ (٨).

стр. 933

كتاب الصلاة مِنْ بَابِ: كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ؟ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (١). أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ فِي الإِسْرَاءِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي تاريخ الإِسْرَاءِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ (٣): أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَفُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. فَعَلَى قَوْلِ مِنْ قَالَ: كَانَ الإِسْرَاءُ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ؛ هُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِتِسْعِ سِنِينَ، أَوْ بِاثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَةً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُقَامِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ. قَالَ ابن إِسْحَاقَ (٤): ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلِ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الإِسْرَاءِ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الوَادِي، فَانْفَجَرَتْ عَيْنُ مَاءِ مُزْنٍ،

стр. 934

فتَوَضَّأ جِبْرِيلُ ﵇، وَمُحَمَّدٌ ﷺ يَنْظُرُ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَقَرَّ اللهُ عَيْنَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ خَدِيجَةَ، ثُمَّ أَتَى بِهَا العَيْنَ، فَتَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأَ جِبْرِيلُ، ثُمَّ صَلَّى هُوَ وَخَدِيجَةُ رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّى جِبْرِيلُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِأَعْوَامٍ. وَقَوْلُ ابْنُ إِسْحَاقَ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ، فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ الوُضُوءَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الوُضُوءِ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ فَرْجَهُ) (١). وَقَالَ نَافِعُ بنُ جُبَيْرٍ: (أَصْبَحَ النَّبِيُّ الله ﷺ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ وَصَلَّى بِهِ)، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الأُولَى. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ الإِسْرَاءِ، إِلَّا مَا كَانَ أُمِرَ بِهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدِ رَكَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، وَلَا وَقْتٍ مَحْصُورٍ، فَكَانَ يَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْهِ وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ، وَقَامَهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ نَحْوًا

стр. 935

مِنْ حَوْلٍ، حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ وَنَسَخَهُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا حَوْلٌ" (٢). وَفِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ إِعْلَامُ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَيْفَ كَانَ. وَقَدْ تَقَرَّرَ إِجْمَاعُ (٣) الأُمَّةِ عَلَى عَدَدِ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ، وَعَلَى عَدَدِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ فِي هَذَا الْبَابِ (٤) أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ رَكْعَتَيْنِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ: فَرُوِيَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٥)، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الحَضَرَ أَرْبَعًا أَرْبعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَزَلَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ فَأَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ أَرْبَعًا، وَالعِشَاءَ أَرْبَعًا.

стр. 936

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂[أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِخِلَافِ] (١) هَذَا الحَدِيثِ، فَكَانَتْ تُتِمُّ في السَّفَرِ (٢). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ مُعَارَضٌ بِكِتَابِ اللهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٤) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ كَانَتْ كَامِلَةً، لأَنَّهُ [لَا] (٥) يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالقَصْرِ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ تامٍّ قَبْلَ القَصْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْضُ الصَّلَاةِ كَانَ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَلَمَّا زِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ قِيلَ لَهُمْ: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الفَريضَةِ الأُولَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ صَلَّى إِلَى كُلَّ صَلَاةٍ مِثْلَهَا غَيْرَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهَا وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ لِطُولِ قِرَاءَتِهَا وَكَانَ إِذَا سَافَرَ عَادَ إِلَى صَلَاتِهِ الأُولَى) (٦).

стр. 937

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَّلِ) (١). قَالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ (٢): حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ اليَشْكُرِيِّ ضَعِيفٌ،

стр. 938

لأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِي: مَاتَ سُلَيْمَانُ اليَشْكُرِيُّ قَبْلَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁. وَرَوَى عَنْ جَابِرٍ ﵁ (١). رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ: (صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَكَعَ بِالصَّفِّ الْمُقَدَّمِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَتَقَدَّمَ الْآخَرُونَ … ) (٢)، وَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَهَذَا مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ اليَشْكُرِيِّ. وَفِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ: (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ): أَمْرُ الإِسْرَاءِ بِخِلَافِ أَمْرِ الدُّنْيَا الَّتِي نُهِيَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِيهَا. وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَ تَحْلِيَةَ (٣) الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ. وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ إِذَا رَأَى المُصْحَفَ قَدْ فُضِّضَ أَوْ أُذْهِبَ قَالَ: تَغْرُونَ بِهِ السَّارِقَ وَزِينَتُهُ فِي جَوْفِهِ) (٤). وَكَانَ ابن مَسْعُودٍ ﵁ إِذَا مُرَّ عَلَيْهِ بِمُصْحَفٍ قَدْ زُيِّنَ بِذَهَبٍ قَالَ: (إِنَّ أَحْسَنَ

стр. 939

مَا زُيِّنَ بِهِ المُصْحَفُ تِلَاوَتُهُ) (١). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: (عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) الأَسْوِدَةُ: جَمْعُ السَّوَادِ، وَالسَّوَادُ: الشَّخْصُ، قَالَ: (٢): [مِنَ الكَامِلِ] ...... ...... ...... … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ التَّرْحِيبَ بِقَدْرِ المَنْزِلَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ)، وَقَالَ لِمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذُرِيَّتِهِ: (مَرْحبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ)، وَعَمَّ كُلَّهُمْ بِكَلِمَةِ الصَّلَاحِ، لِشُمُولِ الصَّلَاحِ عَلَى سَائِرِ الخِصَالِ المَحْمُودَةِ مِنَ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالعَفَافِ وَالفَضْلِ، وَلَمْ يَقُلْ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّادِقِ، أَوِ الْأَمِينِ، أَوِ الأَخِ الصَّادِقِ، أَوِ الأَمِيِن، لِعُمُومِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ أَوَامِرَ اللهِ تَعَالَى تُكْتَبُ بِأَقْلَامٍ شَتَّى، لِقَوْلِهِ: (أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلَامِ). وَفِيهِ أَنَّ العِلْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِأَقْلَامٍ كَثِيرَةٍ، تِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي سَمَاوَاتِهِ.

стр. 940

وَقَوْلُهُ: (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ): يَعْنِي: مَا قَضَاهُ، وَأَحْكَمَهُ مِنْ آثَارٍ مَعْلُومَةٍ، وَآجَالٍ مَكْتُوبَةٍ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ، وَأَمَّا مَا نَسَخَهُ تَعَالَى رِفْقًا بِعِبَادِهِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١). وَفِيهِ جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ، نَسَخَ الخَمْسِينَ إِلَى الْخَمْسِ تَخْفِيفًا عَنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَ ثَوَابَ الخَمْسِ كَثَوَابِ خَمْسِينَ. وَفِيهِ جَوَازُ الاسْتِشْفَاعِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الشَّفَاعَةِ مَرَّةً بَعدَ أُخْرَى. وَفِيهِ الاسْتِحْيَاءُ مِنَ التَّكْثِيرِ فِي الحَوَائِجِ خَشْيَةَ الضَّعْفِ عَنِ القِيَامِ بِشُكْرِهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا فِيهَا حَبَائِلُ الذَّهَبِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّوَابُ: (جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ)، وَقَدْ ذَكَرَهَا البُخَارِيُّ عَلَى الصَّوَابِ فِي كِتَابِ الأَنْبِيَاءِ (٢). قِيلَ (٣): جَاءَ الغَلَطُ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، رَوَاهُ غَيْرُ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ

стр. 941

فَقَالَ: (فَرَأَيْتُ فِيهَا جَنَابِذَ اللُّؤْلُؤِ). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الجُنْبُذَةُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ البِنَاءِ، وَرُوِيَ فِي وَصْفِ الجَنَّةِ: (تُرَابُهَا مِسْكٌ، وَبُنيَانُهَا لُؤْلُؤٌ). قَالَ الخَطَّابِيُّ (١): قَوْلُهُ (أَأُرْسِلَ إِلَيهِ) يَعْنِي: لِلْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ، إِذْ كَانَ الأَمْرُ فِي بَعْثِهِ رَسُولًا شَائِعًا مُسْتَفِيضًا قَبْلَ ذَلِكَ. وَسَوَادٌ وَ (أَسْوِدَةٌ) كَقِرَاحٍ وَأَقْرِحَةٍ. وَ (النَّسَمُ) جَمْعُ النَّسَمَةِ، وَهِيَ نَفْسُ الإِنْسَانِ، يُرِيدُ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ. وَ (ظَهَرَتْ) أَيْ: صَعَدَتْ. وَ (المُسْتَوى): المصعد، يُقَالُ، اسْتَوَى، أَيْ: صَعَدَ. وَ (جَنَابِذُ اللُّؤْلُوِ) قِبَابُ اللُّؤْلُو. وَ (صَرِيفُ الأَقْلَامِ) مَا تَكْتُبُهُ المَلَائِكَةُ مِنْ أَقْضِيَةِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ، وَمَا يَسْتَنْسِخُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): الصَّرِيفُ: صَوْتُ نَابِ البَعِيرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّرِيفُ: الصَّوْتُ.

стр. 942

وَمِنْ بَابٍ: وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ * حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّة (١). الوَاجِبُ مِنَ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ فَالتَّجَمُّلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ حَسَنٌ، وَاللهُ أَحَقُّ مَنْ تُجُمِّلَ لَهُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: سَتْرُ العَوْرَةِ فَرْضٌ فِي الجُمْلَةِ، عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُنِ المَخْلُوقِينَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَالصَّلَاةُ أَوْكَدُ مِنْ غَيْرِهَا. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : (أَنْ لَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) (٢)، وَقَوْلِهِ (يَزِرُهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) (٣)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: …

стр. 943

﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، وَإِذَا زَرَّهُ أَمِنَ عِنْدَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): إِنَّهَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ. وَ (الجِلْبَابُ): الإِزارُ، قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٣)، أَيْ: يَتَغَطَّيْنَ بِثِيَابِهِنَّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ. وَالجَلَابِيبُ: جَمْعُ الجِلْبَابِ، وَهِيَ الْمَلَاءَةُ الَّتِي تَشْتَمِلُ بِهَا، وَقِيلَ: هُوَ الثَّوْبُ العَرِيضُ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ النَّائِمُ بِاللَّيْلِ. وَمِنْ بَابِ: عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: (عَاقِدِي أَزْرِهِمْ) (٤) جَمْعُ عَاقِدٍ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ. وَعَقْدُ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الإِزَارِ سَرَاوِيلُ، وَهَذَا لِتَأْكِيدِ سَتْرِ العَوْرَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا عَقَدَ إِزَارَهُ فِي قَفَاهُ وَرَكَعَ لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ. وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ العَالِمَ قَدْ يَأْخُذُ بِأَيْسَرِ الشَّيْءِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى

стр. 944

أَكْثَرَ مِنْهُ تَوْسِعَةً عَلَى العَامَّةِ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ، وَلِذَلِكَ صَلَّى (١) جَابِرٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ. وَ (المِشْجَبُ): الخَشَبَةُ الَّتِي تُلْقَى عَلَيْهَا الثِّيَابُ، وَقِيلَ: المِشْجَبُ: عُودٌ يُنْصَبُ فِي البُيُوتِ تُعَلَّقُ بِهِ الثِّيَابُ. وَ (الحُمْقُ): كِنَايَةٌ عَنِ الجَهْلِ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمَرُ بنُ أَبِي سَلَمَةَ (٢) ﵃. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهُوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ - وَهُوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): التَّوْشِيحُ نَوعٌ مِنَ الاشْتِمَالِ، تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ، لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ طَرَفَي الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقَيْهِ كَمَا قَالَ ﷺ : (مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) (٤)، وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ المَنْهِيُّ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

стр. 945

قَالَ ابْنُ السِّكِيتِ (١): هُوَ أَنْ يَأْخُذَ طَرَفَ الثَّوْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ عَنْ مَنْكِبِهِ الأَيْمَنِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ اليُسْرَى، وَيَأْخُذَ طَرَفَهُ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَعْقِدَ طَرَفَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ. وَمَعْنَى مُخَالَفَتِهِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ لِئَلَّا يَنْظُرَ الْمُصَلِّي إِلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ إِذَا رَكَعَ. وَ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ): هُوَ أَنْ يَتَجَلَّلَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ، وَلَا يَرْفَعَ مِنْهُ جَانِبًا. قَالَ القُتَيْبِيُّ (٢): وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا صَمَّاءُ، لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَمَلَ بِهِ سَدَّ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ المَنَافِذَ كُلَّهَا، كَالصَّخْرَةِ الصَمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرَقٌ وَلَا صَدْعٌ. وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: (اخْتَلَفَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ أَبَيٌّ: لَا بَأْسَ بِهِ، [وَقَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ] (٣)، فَالصَّلَاةُ فِيهِ اليَوْمَ جَائِزَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِذْ كَانَ النَّاسُ لَا يَجِدُونَ ثِيَابًا، فَأَمَّا إِذَا وَجَدُوهَا فَالصَّلَاةُ فِي ثَوْبَيْنِ، فَقَامَ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: الصَّوَابُ مَا قَالَ أَبِيٌّ، وَلَمْ يَأْلُ ابن مَسْعُودٍ) (٤).

стр. 946

قَالَ الطَّحَاوِيُّ (١): فِي قَوْلِهِ: (أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ) أَيْ: لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَكُرِهَتْ لِمَنْ لَا يَجِدُ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، [فَفِي جَوَابِهِ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ] (٢) حُكْمَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ [الوَاحِدِ لِمَنْ يَجِدُ الثَّوْبَيْنِ، كَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ] (٣) لِمَنْ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): قَوْلُهُ (أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟): لَفْظُهُ [لَفْظُ مَسْأَلَةٍ] (٥) وَاسْتِخْبَارٍ، وَمَعْنَاهُ الإِخْبَارُ عَنِ الحَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنْ ضِيقِ الثِّيَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَهَا عِنْدَهُمْ.

стр. 947

وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ضِمْنِهِ الفُتْيَا مِنْ طَرِيقِ الفَحْوَى، كَأَنَّهُ اسْتَزَادَهُمْ فِي هَذَا عِلْمًا وَفَهمًا، يَقُولُ: إِذَا كَانَ سَتْرُ العَوْرَةِ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ لَازِمَةً لَهُ، وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ [ثَوْبَانِ] (١)، فَكَيْفَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ جَائِزَةُ؟. وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْب الوَاحِدِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ) (٢). هَذَا نَهْيُ اسْتِحْبَابٍ لَا إِيجَابٍ، وَبَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى عَاتِقِهِ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (٣). وَمِنْ بَابِ: إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٤). إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيَّقًا فَإِنَّهُ يَتَّزِرُ بِهِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ تَفْسِيرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي البَابِ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ الوَاسِعَ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَمِلَه، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشْتَمِلَهُ،

стр. 948

فَإِنَّهُ يَتَّزِرُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِدُونَ أُزْرَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُهَا، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُمْ غَيْرُهَا لَلَبِسُوهَا فِي الصَّلَاةِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ (١). وَقَوْلُهُ: (مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) فَالسُّرَى: السَّيْرُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ سُرَاهُ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ لَيْلًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ جَابِرٍ: (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي). وَقَوْلُهُ: (مَا هَذَا الاشْتِمَالُ؟) الاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ المَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يُجَلَّلَ نَفْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَلَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ جَوَانِبِهِ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِخْرَاجُ يَدِهِ إِلَّا مِنْ أَسْفَلِهِ، فَيُخَافُ أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ (٢). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الحَوَائِجِ بِاللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ: (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرَّجَالُ جُلُوسًا) (٣) نهِيَ عَنْ رَفْعِهِنَّ رُؤُوسَهُنَّ خَشْيَةَ أَنْ يَرَيْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ مَعَ العَمْدِ، وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ فَجْأَةً. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): وَالالْتِحَافُ فِي هَذَا بِمَعْنَى الارْتِدَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَتَّزِرَ بِأَحَدِ طَرَفَي الثَّوْبِ، وَيَرْتَدِيَ بِالطَّرَفِ الآخَرِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا يَتَّسِعُ اتَّزَرَ بِهِ،
следующие страницы →