← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 944–983 · переход к 949.

стр. 944

أَكْثَرَ مِنْهُ تَوْسِعَةً عَلَى العَامَّةِ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ، وَلِذَلِكَ صَلَّى (١) جَابِرٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ. وَ (المِشْجَبُ): الخَشَبَةُ الَّتِي تُلْقَى عَلَيْهَا الثِّيَابُ، وَقِيلَ: المِشْجَبُ: عُودٌ يُنْصَبُ فِي البُيُوتِ تُعَلَّقُ بِهِ الثِّيَابُ. وَ (الحُمْقُ): كِنَايَةٌ عَنِ الجَهْلِ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمَرُ بنُ أَبِي سَلَمَةَ (٢) ﵃. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهُوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ - وَهُوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): التَّوْشِيحُ نَوعٌ مِنَ الاشْتِمَالِ، تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ، لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ طَرَفَي الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقَيْهِ كَمَا قَالَ ﷺ : (مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) (٤)، وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ المَنْهِيُّ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

стр. 945

قَالَ ابْنُ السِّكِيتِ (١): هُوَ أَنْ يَأْخُذَ طَرَفَ الثَّوْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ عَنْ مَنْكِبِهِ الأَيْمَنِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ اليُسْرَى، وَيَأْخُذَ طَرَفَهُ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَعْقِدَ طَرَفَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ. وَمَعْنَى مُخَالَفَتِهِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ لِئَلَّا يَنْظُرَ الْمُصَلِّي إِلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ إِذَا رَكَعَ. وَ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ): هُوَ أَنْ يَتَجَلَّلَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ، وَلَا يَرْفَعَ مِنْهُ جَانِبًا. قَالَ القُتَيْبِيُّ (٢): وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا صَمَّاءُ، لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَمَلَ بِهِ سَدَّ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ المَنَافِذَ كُلَّهَا، كَالصَّخْرَةِ الصَمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرَقٌ وَلَا صَدْعٌ. وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: (اخْتَلَفَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ أَبَيٌّ: لَا بَأْسَ بِهِ، [وَقَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ] (٣)، فَالصَّلَاةُ فِيهِ اليَوْمَ جَائِزَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِذْ كَانَ النَّاسُ لَا يَجِدُونَ ثِيَابًا، فَأَمَّا إِذَا وَجَدُوهَا فَالصَّلَاةُ فِي ثَوْبَيْنِ، فَقَامَ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: الصَّوَابُ مَا قَالَ أَبِيٌّ، وَلَمْ يَأْلُ ابن مَسْعُودٍ) (٤).

стр. 946

قَالَ الطَّحَاوِيُّ (١): فِي قَوْلِهِ: (أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ) أَيْ: لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَكُرِهَتْ لِمَنْ لَا يَجِدُ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، [فَفِي جَوَابِهِ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ] (٢) حُكْمَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ [الوَاحِدِ لِمَنْ يَجِدُ الثَّوْبَيْنِ، كَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ] (٣) لِمَنْ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): قَوْلُهُ (أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟): لَفْظُهُ [لَفْظُ مَسْأَلَةٍ] (٥) وَاسْتِخْبَارٍ، وَمَعْنَاهُ الإِخْبَارُ عَنِ الحَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنْ ضِيقِ الثِّيَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَهَا عِنْدَهُمْ.

стр. 947

وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ضِمْنِهِ الفُتْيَا مِنْ طَرِيقِ الفَحْوَى، كَأَنَّهُ اسْتَزَادَهُمْ فِي هَذَا عِلْمًا وَفَهمًا، يَقُولُ: إِذَا كَانَ سَتْرُ العَوْرَةِ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ لَازِمَةً لَهُ، وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ [ثَوْبَانِ] (١)، فَكَيْفَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ جَائِزَةُ؟. وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْب الوَاحِدِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ) (٢). هَذَا نَهْيُ اسْتِحْبَابٍ لَا إِيجَابٍ، وَبَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى عَاتِقِهِ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (٣). وَمِنْ بَابِ: إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٤). إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيَّقًا فَإِنَّهُ يَتَّزِرُ بِهِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ تَفْسِيرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي البَابِ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ الوَاسِعَ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَمِلَه، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشْتَمِلَهُ،

стр. 948

فَإِنَّهُ يَتَّزِرُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِدُونَ أُزْرَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُهَا، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُمْ غَيْرُهَا لَلَبِسُوهَا فِي الصَّلَاةِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ (١). وَقَوْلُهُ: (مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) فَالسُّرَى: السَّيْرُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ سُرَاهُ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ لَيْلًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ جَابِرٍ: (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي). وَقَوْلُهُ: (مَا هَذَا الاشْتِمَالُ؟) الاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ المَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يُجَلَّلَ نَفْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَلَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ جَوَانِبِهِ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِخْرَاجُ يَدِهِ إِلَّا مِنْ أَسْفَلِهِ، فَيُخَافُ أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ (٢). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الحَوَائِجِ بِاللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ: (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرَّجَالُ جُلُوسًا) (٣) نهِيَ عَنْ رَفْعِهِنَّ رُؤُوسَهُنَّ خَشْيَةَ أَنْ يَرَيْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ مَعَ العَمْدِ، وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ فَجْأَةً. قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): وَالالْتِحَافُ فِي هَذَا بِمَعْنَى الارْتِدَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَتَّزِرَ بِأَحَدِ طَرَفَي الثَّوْبِ، وَيَرْتَدِيَ بِالطَّرَفِ الآخَرِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا يَتَّسِعُ اتَّزَرَ بِهِ،

стр. 949

وَأَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءِ إِذَا وَجَدَهُمَا. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي الجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ * حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ (١). فِيهِ إِبَاحَةُ لُبْسِ ثِيَابِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الشَّامَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ دَارَ كُفْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وَكَانَتْ ثِيَابُ المُشْرِكِينَ ضَيِّقَةَ الأَكْمَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٢): لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيمَا نَسَجُوهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا بَأْسَ بِلِبَاسِهَا وَإِنْ لَمْ تُغْسَلْ حَتَّى تَتَبَيَّنَ فِيهَا النَّجَاسَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): أَمَّا السَّرَاوِيلُ وَالأُزُرُ فَأَكْرَهُ أَنْ يَلْبِسَهَا الْمُسْلِمُ إِلَّا بَعْدَ الغَسْلِ. وَأَمَّا صَلَاةُ الزُّهْرِيُّ فِي ثَوْبٍ صُبِغَ بِالْبَوْلِ (٥)، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ. وَفِي الحَدِيثِ خِدْمَةُ العَالِمِ فِي السَّفَرِ، وَلِبَاسُ الثِّيَابِ الضَيِّقَةِ الأَكْمَامِ.

стр. 950

وَمِنْ بَابِ: كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: (فَمَا رُوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا) (١). قِيلَ: بِنَاءُ الكَعْبَةِ كَانَ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ غُلَامًا قَبْلَ البِعْثَةِ بِمُدَّةٍ، وَقِيلَ: كَانَ حِينَئِذٍ ابْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى خَلْقِهِ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعلَمُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي القُرْآنِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَنَسَخَ بِذَلِكَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ جَاهِلِيَّتِهِمْ. وَكَانَ ﷺ قَدْ جَبَلَهُ اللهُ عَلَى جَمِيلِ الأَخْلَاقِ، وَشَرِيفِ الطِّبَاعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، وَمَا رُؤيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا، وَفِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّعَرِّي لِلْمَرْءِ بِحَيْثُ تَبْدُو عَوْرَتُهُ لِعَيْنِ النَّاظِرِ إِلَيْهَا. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي القَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالقباءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَفِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا) يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الاخْتِيَارِ وَالاسْتِحْسَانِ. وَقَالَ الخَلِيلُ (٣): التُّبَّانُ: شِبْهُ سَرَاوِيلَ صَغِيرٍ. وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: (جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ) لَفْظُهُ لَفْظُ المَاضِي، وَمَعْنَاهُ الأَمْرُ، أَيْ: لِيَجْمَعْ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَلْيُصَلِّ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ.

стр. 951

وَمِنْ بَابِ: مَا يُسْتَرُ مِنَ العَوْرَةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: (نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) (١). أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبِهِ، وَيَدَاهُ جَمِيعًا تَحْتَهُ، لَا يُخْرِجُهُما. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): فَرُبَّمَا اضْطَجَعَ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، فَيُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الاحْتِرَاسَ مِنْهُ، وَالاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى [ذَلِكَ لإِدْ] (٣) خَالِهِمَا فِي ثِيَابِهِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الفُقَهَاءِ: فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِثْلُ الاضْطِبَاع، وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدٍ جَانِبَيْهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَيَبْدُوَ مِنْهُ فَرْجُهُ. إِلَّا أَنَّ الاضْطِبَاعَ: أَنْ يُدْخِلَ الثَّوْبَ تَحْتَ يَدِهِ اليُمْنَى، وَيُبْرِزَ مَنْكِبَهُ الأَيْمَنَ، وَالاحْتِبَاءَ: أَنْ يَحْتَبِي بِثَوْبٍ وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): الاحْتِبَاءُ أَنْ يَجْمَعَ ظَهْرَهُ وَرِجْلَيْهِ بِثَوْبٍ، يُقَالُ: العَمَائِمُ تِيجَانُ العَرَبِ، وَالحُبَا حِيطَانُهَا. يُقَالُ: حِبْوَةٌ وَحُبْوَةٌ، وَالكَسْرُ أَكْثَرُ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٥).

стр. 952

اللَّازِمُ مِنَ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِلْعَوْرَةِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحْبَابٌ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ (١)، وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ (٢) مَنْ قَالَ: إِنَّ الفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَوْرَةً مَا كَشَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَلَا تَرَكَهَا مَكْشُوفَةً بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (٣): الفَخِذُ عَوْرَةٌ، وَلَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ فِي الحَمَّامِ، فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تَقَوَى عِنْدَهُمْ قُوَّةَ العَوْرَةِ، وَإِنْ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِسِتْرِهَا (٤). وَعِنْدَ مَالْكٍ (٥)، وَالشَّافِعِيِّ (٦): مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ.

стр. 953

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٢). وَمِنْ بَابِ: فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (فَشَهِدَ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ) (٣). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي عَدَدِ مَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ: فَقَالَ طَائِفَةٌ: تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَيْمُونَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵁ (٤)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٥)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٦)، وَالشَّافِعِيِّ (٧). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُصَلِّي فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَحِقْوٍ، وَهُوَ الإِزَارُ فِي لُغَةِ الأَنْصَارِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٨)، وَعَطَاءٍ (٩).

стр. 954

وَقَالَ مُجَاهِدٌ (١)، وابنُ سِيرِينَ (٢): تُصَلِّي فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ: وَهُوَ الخِمَارُ وَالدِّرْعُ وَالإِزارُ وَالْمِلْحَفَةُ. وَقَالَ ابن الْمُنْذِرِ (٣): عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ فِي الصَّلَاةِ جَمِيعَ بَدَنِهَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، سَوَاءٌ سَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكثَرَ، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَمْرِ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابِ أَوْ أَرْبَعَةٍ مِنْ طَرِيقِ الاسْتِحْبَابِ. وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ إِلَّا مَا يَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالحَجِّ، وَذَلِكَ وَجْهُهَا وَكَفَّاهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ (٤) أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفْرُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): قَدَمُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ، فَإِنْ صَلَّتْ وَقَدَمُهَا مَكْشُوفَةٌ أَعَادَتْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦): لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، فَإِنْ صَلَّتْ وَقَدَمُهَا مَكْشُوفَةٌ لَمْ تُعِدْ.

стр. 955

وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵁ (١). قِيلَ (٢): النَّظَرُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الشَّيْء لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِيهِ عَنِ الخُشُوعِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ (٣): إِنَّمَا رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمِ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبَبَ غَفْلَتِهِ وَشُغْلِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: (اخْرُجُوا عَنْ هَذَا الوَادِي الَّذِي أَصَابَكُمْ فِيهِ الغَفْلَةُ، فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) (٤)، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَبْعَثَ إِلَى غَيْرِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي الضَّبِّ: (إِنَا لَا نَتَصَدَّقُ بِمَا لَا نَأْكُلُ) (٥). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْوَى خَلْقِ اللهِ عَلَى دَفْعِ الوَسْوَسَةِ، وَلَكِنْ كَرِهَهَا لِدَفْعِ الوَسْوَسَةِ، كَمَا قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: (أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ

стр. 956

في صَلَاتِي) (١). وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَدِّهِ (٢) الخَمِيصَةَ عَلَى أَبِي جَهُمٍ مَنْعَهُ مِنْ تَمَلُّكِهَا وَلِبَاسِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا مَعْنَى الحُلَّةِ الَّتِي أَهْدَاهَا لِعُمَرَ ﵁، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ لِبَاسَهَا، وَأَبَاحَ لَهُ الانْتِفَاعَ بِهَا وَبَيْعَهَا (٣). وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الإِمَامِ وَالعَالِمِ مَنْ دُونَهُ. (الخَمِيصَةُ): كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ أَسْوَدُ لَهُ عَلَمَانِ، وَالمِرْطُ: المَلَاءَةُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ (٤): (أَنْبَجَانِيَّةٌ) بِفَتْح البَاءِ وَكَسْرِهَا، كُلُّ مَا كَثفَ وَالْتَفَّ"، وَقَالُوا: شَاةٌ أَنْبَجَانِيَّةٌ: كَثِيرَةُ الصُّوفِ مُلْتَفَّةٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ، مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبجٍ، وَلَا يُقَالُ: أَنْبَجَانِيٌّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ (٥): فَقُلْتُ لَهُ لِمَ فَتَحْتَ البَاءَ وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى مَنْبِجٍ؟ قَالَ: خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ، وَمَخْبَرَانِيٍّ أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ وَالنَّسَبَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ لَهُ البِنَاءُ. وَفِي الحَدِيثِ: (كَانَ يُصَلِّي فِي مُرُوطِ نِسَائِهِ) (٦) يَعْنِي: فِي أَكْسِيَتِهِنَّ،

стр. 957

الوَاحِدُ: مِرْطٌ. وَمِنْ بَابِ: إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ: (كَانَ قِرَامٌ (١) لِعَائِشَةَ ﵂) (٢). (القِرَامُ): السِّتْرُ الرَّقِيقُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَمَّا نُهِيَ عَنِ القِرَامِ الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِيرُ، عُلِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لِبَاسِهِ أَشَدُّ. قِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِاجْتِنَابِ مِثْلِ هَذِهِ القِطَعِ لِدَوَاعِي شُغْلِ القَلْبِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ صَلَّى فِي فُرُوجِ حَرِيرٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٣): الفُرُوجُ: القِبَاءُ الَّذِي فِيهِ شِقٌّ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ مِنْ لِبَاسِ الأَعَاجِمِ. قِيلَ (٤): هَذَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الحَرِيرِ.

стр. 958

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) فِيمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ يُكْرَهُ، وَلَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةٌ (٢). وَفِيهِ إِبَاحَةُ لِبَاسِ الحُمْرَةِ، وَكَرِهَ قَوْمٌ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي المِنْبَرِ وَالسُّطوح وَالخَشَبِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ (٣). قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِي (٤): سَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بنَ عُيَينْةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا (٥). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الإِمَامِ يُصَلِّي أَرْفَعَ مِنَ المَأْمُومِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَرَادَ الإِمَامُ تَعْلِيمَهُمْ لِيَقْتَدِي بِهِ مَنْ وَرَاءَهُ، وَيَسْجُدَ عَلَى الأَرْض (٦).

стр. 959

وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (١): إِنْ كَانَ مَوْضِعُ الإِمَامِ أَرْفَعَ بِقَدْرِ القَامَةِ فَهُوَ المَكْرُوهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، لِأَنَّ المِنْبَرَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ (٣): لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ إِمَامٌ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شَيْءٍ أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. وَحَدِيثُهُ: (فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ) (٤) وَهِيَ الغُرْفَةُ، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ، لأَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ عَلَيْهَا، وَتَرْجَمَ: بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الخَشَبِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ * حَدِيثُ مَيْمُونَةَ (٥). (الخُمْرَةُ): مُصَلَّى صَغِيرٌ يُنْسَجُ مِنْ سَعَفَ النَّخْلِ، وَيُزَمَّلُ بِالخُيُوطِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ طُولِ الرَّجُلِ فَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ حَصِيرٌ. وَقَالَ ابن دُرَيْدٍ (٦): الخُمْرَةُ السَّجَّادَةُ.

стр. 960

وَقَالَ غَيْرُهُ (١): الخُمْرَةُ: مُصَلًّى صَغِيرٌ بِقَدْرِ مَا يُسْجَدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ بِقَدْرِ طُولِ الرَّجُلِ [فَهُوَ حَصِيرٌ] (٢) وَلَيْسَ بِخُمْرَةٍ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ [عَلَى الحَصِيرِ] (٣) * حَدِيثُ أَنَسٍ (أَنَّ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَعَامٍ) (٤). قَوْلُهُ: (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ مَا يُبْسَطُ فَإِنَّهُ مَلْبُوسٌ، فَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلبسَ ثَوْبًا وَجَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ فَهُوَ حَانِثٌ (٥). وَنَضْحُ أَنَسٍ لِلْحَصِيرِ إِنَّمَا كَانَ لِيَلِينَ، لَا لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ فِيهِ، هَذَا قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الإِمَامَةِ فِي النَّافِلَةِ. وَفِيهِ إِجَابَةُ الطَّعَامِ إِلَى غَيْرِ الوَلِيمَةِ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ عَلَى الفِرَاشِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٦).

стр. 961

قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ طَاهِرٍ فِرَاشًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ المَرْأَةَ لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى إِلَيْهَا، وَلَا مَنْ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّ اعْتِرَاضَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهَا (١). وَقَوْلُهُ (غَمَزَنِي) قِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: (وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حِينَ حَدَّثَتْ بِهَذَا الحَدِيثِ كَانَتِ الْمَصَابِيحُ فِي بُيُوتِهِمْ، لِأَنَّ الله فَتَحَ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا بَعْدَهُ ﷺ . وَمِنْ بَابِ: السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) (٢). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُجْزِئُهُ السُّجُودُ عَلَى الجَبْهَةِ وَدُونَهَا ثَوْبٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 962

جَرِيحًا، وَرَخَّصَ فِي وَضْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَأَهْلُ الكُوفَةِ (٣) وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٤): يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَالبَرْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ العِمَامَةِ، فَرَخَّصَ فِيهَا سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ (٥)، وَالزُّهْرِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧) وَالأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ (٨): أَكْرَهُهُ وَيَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٩): لَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَيْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ (١٠): لَا يُعْجِبُنِي فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ المَسْحُ عَلَى العِمَامَةِ مَقَامَ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ كَذَلِكَ.

стр. 963

وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُجُودَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (١). قَوْلُهُ: (مَا صَلَّيْتَ) يَعْنِي صَلَاةً كَامِلَةً، كَمَا تَقُولُ لِلصَّانِعِ إِذَا لَمْ يُجَوِّدْ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا (٢). وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ. قَالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ تَطْهِيرُ القَذَرِ الرَّطْبِ إِلَّا بِالمَاءِ، وَإِذَا كَانَ يَابِسًا أَجْزَأَ حَكُّهُ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ (٤) وَأَبِي حَنِيفَةَ (٥). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦): لَا يُطَهِّرُ النَّجَاسَاتِ كُلَّهَا إِلَّا المَاءُ، فِي النَّعْلِ وَالخُفِّ وَغَيْرِهِ.

стр. 964

وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ * حَدِيثُ جَرِيرٍ (١) وَالْمُغِيرَةِ (٢). وَهَذَا البَابُ كَالَّذِي قَبْلَهُ إِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، وَالصَّلَاةُ فِيهَا. وَمِنْ بَابِ: يُبْدِي ضَبْعَيْهِ، وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ (٣). فِي رِوَايَةٍ (بَعَّدَ ضَبْعَيْهِ) (٤) أَرَادَ: تَنْحِيَةَ اليَدِ عَنِ الجَنْبِ، وَفِي رِوَايَةٍ: (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) (٥). وَمِنْ بَابٍ: فَضْلِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) (٦). قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الحَدِيثِ: (حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) (٧)، وَكَانَ أَهْلُ الكُفْرِ لَا يُقِرُّونَ (٨) بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ:

стр. 965

لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِقْرَارِ بِالوَحْدَانِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيُنْكِرُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَمَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَقَدْ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَنْقُضَ شَرَائِطَ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَ [لَوْ] (١) أَنكَرَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ كَانَ كَافِرًا. وَمِنْ بَابِ: [قِبْلَةِ] (٢) أَهْلِ المَدِينَةِ * حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ (٣). قِيلَ (٤): مَا قَابَلَ مَشْرِقَ مَكَّةَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ الخَطِّ المَارِّ عَلَيْهَا مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ اسْتِعْمَالُ هَذَا الحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُمْ أَنْ يُشَرِّقُوا وَلَا أَنْ يُغَرِّبُوا، لِأَنَّهُمْ إِذَا شَرَّقُوا اسْتَدْبَرُوا القِبْلَةَ، وَإِذَا غَرَّبُوا اسْتَقْبَلُوهَا. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُوَازِيًا لِمَغْرِبِ مَكَّةَ، إِنْ غَرَّبَ اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ، وَإِنْ شَرَّقَ اسْتَقْبَلَهَا، وَإِنَّمَا يَنْحَرِفُ إِلَى الجَنُوبِ أَوِ الشَّمَالِ، فَهَذَا هُوَ تَغْرِيبُهُ وَتَشْرِيقُهُ. وَاكْتَفَى البُخَارِيُّ بِذِكْرِ المَشْرِقِ عَنِ المَغْرِبِ، لِأَنَّ الْمَشْرِقَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ المَعْمُورَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ عِنْدَ الانْحِرَافِ لِلتَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ لَيْسُوا مُوَاجِهِينَ لِلْقِبْلَةِ

стр. 966

وَلَا مُسْتَدْبِرِينَ لَهَا، وَحَمَلَ أَبُو (١) أَيُّوبَ ﵁ الحَدِيثَ عَلَى العُمُومِ فِي الصَّحَارِي وَغَيْرِهَا، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ. وَمِنْ بَابِ قَوْلِهِ : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ (٣)، وَحَدِيثُ بِلَالٍ (٤). اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥). قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٦): لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الآيَةِ، وَاخْتَلَفَتِ الآثَارُ فِي صَلَاتِهِ ﷺ ، فَرَوَى ابن عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ (٧). وَقَالَ بِلَالٌ (٨): صَلَّى فِي الكَعْبَةِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵁: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: "هَذِهِ القِبْلَةُ" (٩)، أَرَدْنَا أَنْ نَعْلَمَ الصَّحِيحَ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَنْ صَلَّى إِلَى الكَعْبَةِ مِنَ الجِهَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي لَا تُقَابِلِ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ، عَلِمْنَا أَنَّ الفَرْضَ فِي

стр. 967

القِبْلَةِ إِنَّمَا هُوَ البَيْتُ لَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. وَقَوْلُهُ: قَالَ (هَذِهِ القِبْلَةُ) لَمْ يَسْتَقْبِلِ المَقَامَ، وَكَذَلِكَ حِينَ صَلَّى فِي البَيْتِ لَمْ يَسْتَقَبِلِ المَقَامَ [وَإِنَّمَا يَكُونُ المَقَامُ] (١) قِبْلَةً إِذَا جَعَلَهُ المُصَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ. وَأَجمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ الكَعْبَةَ كُلَّهَا قِبْلَةٌ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ اسْتُقْبِلَتْ (٢). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): يَحتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ دَخَلَ البَيْتَ مَرَّتَيْنِ: فَمَرَّةً صَلَّى فِيهِ، وَمَرَّةً دَعَا وَلَمْ يُصَلِّ، فَلَمْ تَتَضَادَّ الأَخْبَارُ. وَمِنْ بَابِ: التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ * فِيهِ حَدِيثُ البَرَاءِ ﵁ (٤)، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (٥). قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ (٦): ([صَلَّى رَسُولُ اللهِ] (٧) ﷺ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَفَ إِلَى بَيْتٍ المَقْدِسِ، وَصَلَّتِ الأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ ثَلَاثَ حِجَجٍ، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَهَهُ اللَّهُ

стр. 968

تَعَالَى إِلَى الكَعْبَةِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَاسٍ ﵁: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَالكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ [بَعْدَ] (١) مَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا) (٢). وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ (٣): "كَانَتْ قِبْلَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَيْنَ الرُّكْنِ اليَمَانِي وَالرُّكْنِ الأَسْوَدِ، وَيَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ". وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ (٤).

стр. 969

فَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: لَمْ يُصَلِّ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ إِلَّا بِالمَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَا فِي خَبَرِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَةُ مُجَاهِدٍ أَوْلَى. وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) أَنَّهُ اسْتِقْبَالُ الكَعْبَةِ، وَأَنَّ عَلَى المُسْلِمِينَ اسْتِقْبَالَهَا فِي صَلَوَاتِهِمْ إِذَا كَانُوا يُعَايِنُونَهَا، وَالتَّوَخِّيَ لاسْتِقْبَالِهَا، وَطَلَبَ الدَّلَائِلِ عَلَيْهَا إِذَا كَانُوا غَائِبِينَ عَنْهَا. وَمِنْ بَابِ: مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ وَلَمْ يَرَ الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ (٢)، وَحَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (٤). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنِ اجْتَهَدَ فِي القِبْلَةِ فَاسْتَدْبَرَهَا، أَوْ شَرَّقَ، أَوْ غَرَّبَ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ (٥): لَا يُعِيدُ. وَقَالَ مَالِكٌ (٦): مَنِ اجْتَهَدَ فِي القِبْلَةِ فَأَخْطَأَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الوَقْتِ اسْتِحْسَانًا (٧).

стр. 970

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْمَغْرِبِ، اسْتَأنَفَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالاجْتِهَادِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يُعِيدُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ لَازِمَةٌ كَأَقْوَالِهِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلُ الخُصَوصِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ فِي الصَّلَاةِ، إِذَا عَدِمَ الْمُصَلِّي اليَقِينَ، لِأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الكَعْبَةِ كَانَ حَاضِرًا. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَالعَمَلُ بِهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃: تَرَكُوا قِبْلَتَهُمْ بِخَيْرِ الوَاحِدِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَمِنْ بَابِ: حَكِّ البُزَاقِ مِنَ الْمَسْجِدِ بِاليَدِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٢). وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِكْرَامِ القِبْلَةِ وَتَنْزِيهِهَا، لِأَنَّ المُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُكْرمَ القِبْلَةَ بِمَا يُكْرِمُ بِهِ المَخْلُوقِينَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ، بَلْ قِبْلَةُ الله أَوْلَى بِالإِكْرَامِ. وَمِنْ أَعْظَمِ الجَفَاءِ، وَسُوءِ الأَدَبِ، أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ، ثُمَّ يَتَنَخَّمَ

стр. 971

وَهُو يُنَاجِيهِ!! وَقَدْ أَعْلَمَ اللهُ بِإِقْبَالِهِ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ. وَفِيهِ فَضْلُ المَيْمَنَةِ عَلَى المَيْسَرَةِ. وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)، وَأَبِي سَعِيدٍ (٢) دَلِيلٌ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ حَتَّهُ بِحَصَاةٍ، أَوْ بِيَدِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَائِدَةَ النَّهْيِ عَنِ البَصْقِ عَنِ اليَمِينِ، قالَ: (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا)، وَالنَّهْيُّ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِكْرَامٌ لِلْمَلِكِ. قَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (٣): حَتَتُّ الشَّيْءَ عَنِ الثَّوْبِ: فَرَكْتُهُ، وَالحُتَاتُ: مَا تَحَاتَّ مِنْهُ، أَيْ: تَسَاقَطَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: (وَكفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) (٤) إِنَّمَا كَانَ البُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةً لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، [فَعَرَّفَ] (٥) أُمَّتَهُ كَفَّارَةَ تِلْكَ الخَطِيئَةِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَأَمَرَ المُصَلِّي أَنْ يَبْزُقَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ لِيَعْرِكَهُ، وَنَدَبَ إِلَى دَفْنِهَا وَحَتِّهَا، وَمَنْ فَعَلَ مَا نُدِبَ إِلَيْهِ مَأْجُورٌ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ أَتَتْهُ النُّخَامَةُ. وَرُوِيَ خَارِجَ الصَّحِيحِ: (إِذَا تَنَّخَمَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ، لَا تُصِيبُ جِلْدَ أَحَدٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهُ) (٦).

стр. 972

وَمِنْ بَابِ: عِظَةُ الإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١). فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا رَأَى أَحَدًا مُقَصِّرًا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ، وَيَحُضَّهُ عَلَى مَا لَهُ فِيهِ جَزِيلُ [الحَضِّ] (٢). وَفِي قَوْلِهِ: (إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ، زِيدَ فِي قُوَّةِ بَصَرِهِ حَتَّى يَرَى مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَرَى بِعَيْنِهِ. وَمِنْ بَابِ: هَلْ يُقَالُ: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) (٣). فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ إِضَافَةِ المَسْجِدِ إِلَى البَانِي لَهُ وَالمُصَلِّي فِيهِ، وَلَيْسَتْ إِضَافَةُ المَسْجِدِ إِلَى بَنِي زُرَيْقٍ إِضَافَةَ مِلْكٍ. وَ (الحَيْفَاءُ): مَوْضِعٌ (٤)، وَأَمَدُهَا، أَيْ: غَايْتُهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٥)،

стр. 973

أَيْ: غَايَةً، وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ (١)، هُوَ نِهَايَةُ البُلُوغِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (٢) أَيْ: غَايَةَ إِقَامَةٍ، وَيُقَالُ: اسْتَولَى عَلَى الأَمَدِ، أَيْ: غَلَبَ سَابِقًا (٣). وَقَوْلُهُ: (الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ) [تَضْمِيرُ] (٤) الخَيْلُ: أَنْ تُشدَّ عَلَيْهَا سُرُوجُهَا، وَتُجَلَّلَ بِالأَجِلَّةِ حَتَّى تَعْرَقَ تَحْتَهَا فَيَذْهَبَ رَهَلُهَا، وَيَشْتَدَّ لَحْمُهَا. وَفِي الحَدِيثِ (لِلْمُضَمِّرِ المُجِيدِ) (٥) صَاحِبُ الفَرَسِ وَالجَوَادِ، وَالرَّهَلُ: اسْتِرْخَاءُ لَحْمِ صَدْرِ الفَرَسِ مِنَ السِّمَنِ. قَالَ (٦): [مِنَ الطَّوِيلِ]

стр. 974

............ … وَلَا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وَبَآدِلُهْ وَالبَادِلَةُ: مَا بَيْنَ العُنُقِ إِلَى التَّرْقُوَةِ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁: (اليَوْمَ المِضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ) (١) أَيْ: اليَوْمَ العَمَلُ لِلاسْتِبَاقِ إِلَى الجَنَّةِ، كَالفَرَس تُضْمَرُ قَبْلَ أَنْ يُسَابَقَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ (٢): الْمِضْمَارُ: مَوْضِعُ تَضْمِيرِ الخَيْلِ، وَقِيلَ: الْمِضْمَارُ: أَيَّامُ تَضْمِيرِ الخَيْلِ. وَمِنْ بَابِ: القِسْمَةِ، وَتَعْلِيقِ القِنْو فِي المَسْجِدِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). فِيهِ وَضْعُ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا فِي المَسْجِدِ، لِأَنَّ النَّاسَ مُشْتَرِكُونَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا البَابِ تَعْلِيقُ القِنْوِ فِي المَسْجِدِ، وَأَغْفَلَهُ البُخَارِيُّ، وَهُوَ فِي حَدِيثٍ مَرْوِيٍّ: (فَرَأَى أَقْنَاءً مُعَلَّقَةً فِي المَسْجِدِ) (٤).

стр. 975

وَفِي حَدِيثِ: ([أَمَرَ] (١) مِنْ كُلِّ حَائِطٍ بِقِنْوٍ لِلْمَسْجِدِ) (٢)، وَذَلِكَ أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقْدُمُون عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا شَيْء لَهُمْ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَعَلْنَا لِهَؤُلَاءِ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ قِنْوًا، قَالَ: (أَجَلْ)، فَهِيَ الأَقْنَاءُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِي المَسْجِدِ فَيُعْطَاهَا [المَسَاكِينُ] (٣)، وَكَانَ عَلَيْهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَقْنَاءٍ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا (٤). وَسُئِلَ عَنِ المَاءِ الَّذِي يُسْقَى فِي المَسْجِدِ أَتَرَى? أَنْ يُشْرَبَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّمَا يُجْعَلُ لِلْعَطْشَانِ، وَلَمْ يُرَدْ [بِهِ] (٥) أَهْلُ المَسْكَنَةِ؛ فَلَا أَرَى أَنْ يُتْرَكَ شُرْبُهُ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، وَقَدْ سَقَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁.

стр. 976

وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ القِسْمَةَ إِلَى الإِمَامِ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ. وَفِيهِ العَطَاءُ لِأَحَدِ الأَصْنَافِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، لأَنَّهُ أَعْطَى العَبَّاسَ لَمَّا شَكَا إِلَيْهِ مِنَ الغُرْمِ الَّذِي فَدَحَهُ، وَلَمْ يُسَوِّهِ فِي القِسْمَةِ مَعَ الثَّمَانِيَةِ الأَصْنَافِ، وَلَوْ قَسَمَ ذَلِكَ عَلَى التَّسَاوِي لَمَا أَعْطَى الْعَبَّاسَ بِغَيْرِ مِكْيَالٍ وَلَا مِيزَانٍ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ بِقَدْرِ اسْتِقْلَالِهِ عَنِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا غَيْرَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِيهِ كَرَمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَزُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا سُئِلَهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ. قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْ بِرَفْعِ المَالِ إِلَى الْعَبَّاسِ لِيَزْجُرَهُ ذَلِكَ عَنِ الاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَأَلَّا يَأْخُذَ مِنْهُ فَوْقَ حَاجَتِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ عَلَى عُنُقِهِ لِئَلَّا يُعِينَهُ عَلَى مَا لَا يَرْضَاهُ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي المَسْجِدِ فِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ البِرِّ. وَفِيهِ دُعَاءُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ إِلَى الطَّعَامِ القَلِيلِ. وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الكَبِيرَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامِ، وَعَلِمَ أَنَّ [صَاحِبَهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَجْلُبَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَأَنَّ الطَّعَامَ يَكْفِيهِمْ لا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمُ الرَّسُولُ إِلَى طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ] (١) قَلِيلٌ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ يَكْفِي جَمِيعَهُمْ

стр. 977

بِبَركَتِهِ، وَبِمَا خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ كَرَامَةِ النُّبُوَّةِ وَفَضْلِهَا، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ [نُبُوَّتِهِ] (١) ﷺ . وَمِنْ بَابِ: القَضاءِ وَاللِّعان في المَسْجِدِ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ (٢). وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ القَضَاءَ جَائِزٌ فِي المَسْجِدِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣): جُلُوسُ القَاضِي فِي المَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ مِنَ الأَمْرِ القَدِيمِ المَعْمُولِ بِهِ، وَكَانَ شُرَيْحٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقضِيَانِ فِي المَسْجِدِ (٤). وَفِيهِ أَنَّ اللِّعَانَ فِي المَسْجِدِ بِحَضْرَةِ القَاضِي، وَأَنَّ أَيْمَانَ اللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ، وَأَنَّ أَيْمَانَ اللِّعَانِ تَكُونُ فِي الجَوَامِعِ لِأَنَّهَا مَقَاطِعُ الحُقُوقِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، أَوْ حَيْثُ أُمِرَ * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ (٥). لَفْظُ الحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ شَاءَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ

стр. 978

أُصَلَّي لَكَ؟) فَكَأَنَّهُ قَال: بَابُ: إِذَا دَخَلَ بَيْتًا هَلْ يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَوْ حَيْثُ أُمِرَ؟ (١). وَمِنْ بَابِ: المَسَاجِدِ * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ أَيْضًا (٢). فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَوْلَا العُذْرُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مَسْجِدِ الجَمَاعَةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الجَمَاعَةِ بِعُذْرٍ فَمَعْذُورٌ. وَفِيهِ التَبَرُّكُ بِمُصَلَّى الصَالِحِينَ وَمَسَاجِدِ الأَخْيَارِ (٣).

стр. 979

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَى شَيْءٍ يُتَبَرَّكُ بِهِ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُجِيبَ إِذَا أَمِنَ العُجب (١). وَفِيهِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي الجَمَاعَةِ. وَفِيهِ إِكْرَامُ العَالِمِ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ. وَفِيهِ أَنَّ السُلْطَانَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَثْبِتَ فِي أَمرِ مَنْ يُذْكَرُ عِنْدَهُ بِشَرٍّ، وَيُوَجِّهَ لَهُ أَجْمَلَ الوُجُوهِ. وَقَوْلُهُ: (ثَابَ رِجَالٌ) الْمَثَابَةُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ، وَمِنْهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢). وَ (الخَزِيرَةُ) لَحْمٌ يُقَطَّعُ صِغَارًا، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ، فَإِذَا نَضَجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ.

стр. 980

وَمِنْ بَابِ: التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ كَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يُصَلِّي فِي الشِّقِ الأَيْمَنِ مِنَ المَسْجِدِ (١). وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى يَمِينِ الإِمَامِ (٢). وَمِنْ بَابِ: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). أَجَازَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ نَبْشَ قُبُورِ الْمُشْرِكِينِ طَلَبًا لِلْمَالِ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ قَالَ: (هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ - وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ - وَكَانَ [مِنْ] (٤) ثَمُودَ، وَكَانَ بِهَذَا الحَرَمِ [يَدْفَعُ عَنْهُ] (٥)، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ بِهَذَا المَكَانِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، وَنَبَشُوهُ، وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ الغُصْنَ) (٦).

стр. 981

وَإِذَا جَازَ نَبْشُهَا لِطَلَبِ الْمَالِ فَنَبْشُهَا لِأَنْ يُتَّخَذَ مَكَانَهَا مَسْجِدٌ أَوْلَى. قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لِعِظَامِهِمْ حُرْمَةٌ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانُوا مَاتُوا قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَكَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَأَمَّا قُبُورُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَلَا يَجُوزُ نَبْشُهَا. قَالَ ابن القَاسِمِ (١): لَوْ أَنَّ مَقْبَرَةً مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ عَفَتْ، فَبَنَى عَلَيْهَا قَوْمٌ مَسْجِدًا لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا. وَفِي قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) فِيهِ نَهْيٌ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، وَعَنْ فِعْلِ التَّصَاوِيرِ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٢). وَمِمَّنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ (٣) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵃ (٤). قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ (٥): "الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي مُرَاحِ الْبَقَرِ أَيْضًا، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ ﷺ : (أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ) (٦) ".

стр. 982

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا. بَابُ: الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ) (٢). وَكَرِهَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) الصَّلَاةَ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَلِكَ [لِأَنَّ] (٥) مِنْ عَادَةِ أَصْحَابِ الْإِبِلِ التَغَوُّطَ بِقُرْبِهَا. وَقِيلَ: العِلَّهُ فِيهِ مَا قِيلَ إِنَّهُ مِنْ وُثُوبِهَا، أَلَا تَرَاهُ [يَقُولُ] (٦): (فَإِنَّهَا جِنٌّ [خُلِقَتْ] (٧) مِنْ جِنٍّ) (٨)، وَهَذَا غَيْرُ مَخُوفٍ مِنَ الغَنَمِ.

стр. 983

وَمِنْ بَابِ: مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (١). قِيلَ: الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذَا قُصِدَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَالسُّجُودُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا. وَمِنْ بَابِ: كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (٢). وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ فِي المَقْبَرَةِ (٣). وَحُجَّةُ الَّذِينَ كَرِهُوا الصَّلَاةَ فِي المَقْبَرَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (٤) فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَقْبَرَةَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِيهَا قَوْلُهُ: (جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) (٥)، فَلَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا دُونَ مَوْضِعٍ، فَهُوَ عَامٌّ فِي الْمَقْبَرَةِ وَغَيْرِهَا.
следующие страницы →