ويتصف هؤلاء الرسل والأنبياء بكمال العقل، وسلامة الفطرة، والصدق في القول والعمل، والأمانة في تبليغ ما عهد إليهم، والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة الأبدان مما تنبو عنه الأبصار، وتنفر منه الأذواق السليمة (١) وقد زكاهم الله في أنفسهم وأخلاقهم، فهم أكمل الناس خلقا، وأزكاهم أنفسا، وأكرمهم يدا، جمع الله لهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، كما جمع لهم الحلم والعلم، والسماحة والكرم والجود، والشجاعة والعدل حتى تميزوا في هذه الأخلاق بين أقوامهم، فهؤلاء قوم صالح ﵇ يقولون له - كما أخبر الله تعالى عنهم -: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢] (٢) وقال قوم شعيب لشعيب ﵇: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] (٣) واشتهر محمد ﷺ في قومه بلقب " الأمين " قبل أن تتنزل عليه الرسالة، ووصفه ربه - جل وعلا - بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٤) .
فهم خيرة الله من خلقه، اصطفاهم واختارهم لحمل الرسالة
стр. 72
وتبليغ الأمانة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٢) .
وهؤلاء الرسل والأنبياء ﵈ على الرغم مما وصفهم الله به من صفات سامية، وما اشتهروا به من صفات عالية، إلا أنهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر البشر، فهم يجوعون ويمرضون وينامون ويأكلون ويتزوجون ويموتون، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] (٤) بل ربما اضطهدوا أو قتلوا أو أخرجوا من ديارهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (٥) ولكن العاقبة والنصر والتمكين لهم في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] (٦) وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] (٧) .
стр. 73
[آيات النبوة]
آيات النبوة لما كانت النبوة وسيلة إلى معرفة أشرف العلوم، والقيام بأشرف الأعمال وأجلها، كان من رحمته سبحانه أن جعل لهؤلاء الأنبياء علامات تدل عليهم، ويستدل بها الناس عليهم، ويعرفونهم من خلالها - وإن كان كل من ادعى دعوة ظهر عليه من القرائن والأحوال ما يبين صدقه إن كان صادقا، ويفضح كذبه إن كان كاذبا -، وهذه العلامات كثيرة من أهمها:
١ - أن يدعو الرسول إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ إذ هذه هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق.
٢ - أن يدعو الناس إلى الإيمان به وتصديقه والعمل برسالته، فقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) .
٣ - أن يؤيده الله بدلائل متنوعة من دلائل النبوة، ومن هذه الدلائل الآيات التي يأتي بها النبي ولا يستطيع قومه أن يردوها أو يأتوا بمثلها، ومن ذلك آية موسى ﵇ حينما انقلبت عصاه ثعبانا، وآية عيسى ﵇ حينما كان يبرئ الأكمه
стр. 74
والأبرص بإذن الله، وآية محمد ﷺ وهي القرآن العظيم على الرغم من كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب إلى غير ذلك من آيات الأنبياء.
ومن هذه الدلائل: الحق الواضح البين الذي يأتي به الأنبياء والمرسلون ﵈، ولا يستطيع خصومهم دفعه أو إنكاره، بل إن هؤلاء الخصوم يعلمون أنما جاء به الأنبياء هو الحق الذي لا يدفع.
ومن هذه الدلائل ما اختص الله به أنبياءه من كمال الأحوال، وجميل الشمائل، وكريم الخصال والأخلاق.
ومن هذه الدلائل نصر الله لهم على خصومهم وإظهار ما يدعون إليه.
٤ - أن تتفق دعوته في أصولها مع الأصول التي دعا إليها الرسل والأنبياء (١) .
٥ - ألا يدعو إلى عبادة نفسه أو صرف شيء من العبادة إليه، وألا يدعو إلى تعظيم قبيلته أو طائفته، فقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٢) .
стр. 75
٦ - ألا يطلب من الناس عرضا من أعراض الدنيا مقابلا لدعوته، قال تعالى مخبرا عن أنبيائه: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ أنهم قالوا لقومهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] (١) وقال محمد ﷺ لقومه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٢) .
وهؤلاء الرسل والأنبياء - الذين ذكرت لك شيئا من صفاتهم ودلائل نبوتهم - كثيرون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) وقد سعدت بهم البشرية، وحفل التاريخ بتسجيل أخبارهم، وتواتر نقل شرائع دينهم، وأنها هي الحق والعدل، وتواتر - أيضا - نقل ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك أعدائهم كطوفان قوم نوح، وغرق فرعون، وعذاب قوم لوط، وانتصار محمد ﷺ على أعدائه، وانتشار دينه، فمن عرف ذلك علم يقينا أنهم جاءوا بالخير والهدى، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرهم، وأولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ .
стр. 76
[حاجة الناس إلى الرسل]
حاجة الناس إلى الرسل الأنبياء هم رسل الله تعالى إلى عباده يبلغونهم أوامره، ويبشرونهم بما أعد الله لهم من النعيم إن هم أطاعوا أوامره، ويحذرونهم من العذاب المقيم إن هم خالفوا نهيه، ويقصون عليهم أخبار الأمم الماضية، وما حل بها من العذاب والنكال في الدنيا بسبب مخالفتها أمر ربها.
وهذه الأوامر والنواهي الإلهية لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها؛ ولذلك شرع الله الشرائع، وفرض الأوامر والنواهي، تكريما لبني الإنسان وتشريفا لهم وحفظا لمصالحهم، لأن الناس قد ينساقون وراء شهواتهم فينتهكون المحرمات ويتطاولون على الناس فيسلبونهم حقوقهم، فكان من الحكمة البالغة أن يبعث الله فيهم بين آونة وأخرى رسلا يذكرونهم أوامر الله، ويحذرونهم من الوقوع في معصيته، ويتلون عليهم المواعظ، ويذكرون لهم أخبار السابقين، فإن الأخبار العجيبة إذا طرقت الأسماع، والمعاني الغريبة إذا أيقظت الأذهان، استمدتها العقول فزاد علمها، وصح فهمها، وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرا، وأكثرهم تفكرا أكثرهم علما، وأكثرهم علما أكثرهم عملا، فلم يوجد عن بعثة الرسل
стр. 77
معدل ولا منهم في انتظام الحق بدل (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فالإنسان مضطر إلى الشرع لأنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، فهو نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا.
وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات، فإن الحمار والجمل يفرق ويميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والإحسان والأمانة والعفة والشجاعة والعلم والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله، والتوكل عليه، والاستعانة به، والرضا بمواقع أقداره، والتسليم لحكمه، وتصديقه
стр. 78
وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وغير ذلك مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل المنافع والمضار في المعاش، فمن أعظم نعم الله على عباده، وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام وأشر حالا منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوا حالا من الكلب والخنزير، وأحقر من كل حقير، ولا بقاء لأهل الأرض إلا بآثار الرسالة الموجودة فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض، وانمحت معالم هداهم أخرب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة.
وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك، وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال، فالرسل عليهم الصلاة والسلام وسائط بين الله تعالى وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده، وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمدا ﷺ وعليهم أجمعين فبعثه الله رحمة للعالمين، وحجة للسالكين، وحجة على الخلائق أجمعين، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتوقيره
стр. 79
وتعزيره والقيام بأداء حقوقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين، وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتآلفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام به الملة العوجاء، وأوضح به المحجة البيضاء، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، أرسله ﷺ حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حرف الكلم، وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى ظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق وأوضح به الطرائق، وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وميز به بين أهل الفلاح وأهل الفجور، فمن اهتدى بهديه اهتدى، ومن مال عن سبيله فقد ضل واعتدى، فصلى الله وسلم عليه وعلى سائر الرسل والأنبياء (١) .
ونستطيع أن نلخص احتياج الإنسان إلى الرسالة فيما يلي:
стр. 80
١ - أنه إنسان مخلوق مربوب، ولا بد أن يتعرف على خالقه، ويعرف ماذا يريد منه؟ ولماذا خلقه؟ ولا يستقل الإنسان بمعرفة ذلك، ولا سبيل إليه إلا من خلال معرفة الأنبياء والمرسلين، ومعرفة ما جاءوا به من الهدى والنور.
٢ - أن الإنسان مكون من جسد وروح، وغذاء الجسد ما تيسر من مأكل ومشرب، وغذاء الروح قرره لها الذي خلقها، وهو الدين الصحيح والعمل الصالح، والأنبياء والمرسلون جاءوا بالدين الصحيح، وأرشدوا إلى العمل الصالح.
٣ - أن الإنسان متدين بفطرته، ولا بد له من دين يدين به، وهذا الدين لا بد أن يكون صحيحا، ولا سبيل إلى الدين الصحيح إلا من خلال الإيمان بالأنبياء والمرسلين والإيمان بما جاءوا به.
٤ - أنه محتاج إلى معرفة الطريق الذي يوصله إلى رضى الله في الدنيا، وإلى جنته ونعيمه في الدار الآخرة، وهذه طريق لا يرشد إليها ويدلك عليها إلا الأنبياء والمرسلون.
٥ - أن الإنسان ضعيف بنفسه، ومتربص به أعداء كثر، من شيطان يريد إغواءه، ورفقة سوء تزين له القبيح، ونفس أمارة بالسوء، ولذا فهو محتاج إلى ما يحفظ به نفسه من كيد أعدائه، والأنبياء والمرسلون أرشدوا إلى ذلك وبينوه غاية البيان.
стр. 81
٦ - أن الإنسان مدني بطبعه، واجتماعه بالخلق ومعاشرته لهم لا بد لها من شرع ليقوم الناس بالقسط والعدل - وإلا كانت حياتهم أشبه بحياة الغابة - وهذا الشرع لا بد أن يحفظ لكل ذي حق حقه دون تفريط ولا إفراط، ولا يأتي بالشرع الكامل إلا الأنبياء والمرسلون.
٧ - أنه محتاج إلى معرفة ما يحقق له الطمأنينة والأمن النفسي، ويرشده إلى أسباب السعادة الحقيقية، وهذا هو ما يرشد إليه الأنبياء والمرسلون.
وبعد بيان حاجه الخلق إلى الأنبياء والمرسلين يجدر بنا أن نذكر المعاد، ونوضح البراهين والأدلة الدالة عليه.
стр. 82
[المعاد]
المعاد كل إنسان يعلم علم اليقين أنه ميت لا محالة، ولكن ما مصيره بعد الموت؟ وهل هو سعيد أم شقي؟
إن كثيرا من الشعوب والأمم يعتقدون أنهم سيبعثون من بعد الموت، ويحاسبون على أفعالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (١) وهذا الأمر - وهو البعث والحساب - تقربه العقول السليمة، وتؤيده الشرائع الإلهية، ومبناه على ثلاثة أصول:
١ - تقرير كمال علم الرب سبحانه.
٢ - تقرير كمال قدرته سبحانه.
٣ - تقرير كمال حكمته سبحانه (٢) .
وقد تظافرت الأدلة النقلية والعقلية على إثباته، ومن هذه الأدلة ما يلي: ١ - الاستدلال بخلق السماوات والأرض على إحياء الموتى، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣)
стр. 83
وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] (١) .
٢ - الاستدلال بقدرته على خلق الخلق بغير مثال سابق على قدرته على إعادة الخلق كرة أخرى، فالقادر على الإيجاد يكون أقدر على الإعادة من باب أولى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] (٣) .
٣ - خلق الإنسان في أحسن تقويم بهذه الصورة المتكاملة بأعضائها وقواها وصفاتها، وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات فيه أعظم دليل على قدرته سبحانه على إحياء الموتى.
٤ - الاستدلال بإحياء الموتى في الحياة الدنيا على قدرته سبحانه على إحياء الموتى في الدار الآخرة، وقد ورد الخبر بهذا في الكتب الإلهية التي أنزلها الله على رسله، ومن هذه الأخبار إحياء الموتى بإذن الله على يد إبراهيم والمسيح ﵈، وغير ذلك كثير.
стр. 84
٥ - الاستدلال بقدرته على أمور تشبه الحشر والنشر بقدرته على إحياء الموتى ومن ذلك:
أ - خلق الله الإنسان من نطفة من مني كانت متفرقة في أنحاء البدن - ولذا تشترك جميع الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع - فيجمع الله هذه النطفة من أنحاء البدن، ثم تخرج إلى قرار الرحم فيخلق الله منها الإنسان، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى؟ قال عز من قائل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] (١) .
ب - أن بذور النبات على اختلاف أشكالها إذا وقعت في الأرض الندية واستولى عليها الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعا أولى، لكنه لا يفسد بل يبقى محفوظا، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فتخرج منها النبتة، أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة؟ فهذا الإله الحكيم القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء؟ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ - أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]
стр. 85
(١) ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] (٢) .
٦ - أن الخالق القادر العليم الحكيم يتنزه أن يخلق الخلق عبثا، ويتركهم سدى، قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] (٣) بل خلق خلقه لحكمة عظيمة وغاية جليلة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤) فلا يليق بهذا الإله الحكيم أن يستوي لديه من يطيعه ومن يعصيه، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] (٥) لذا كان من كمال حكمته وعظيم قهره أن يبعث الخلق يوم القيامة ليجزي كل إنسان بعمله، فيثيب المحسن ويعذب المسيء، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يونس: ٤] (٦) .
стр. 86
وللإيمان باليوم الآخر - يوم البعث والنشور - آثار كثيرة على الفرد والمجتمع، فمن آثاره: ١ - أن يحرص الإنسان على طاعة الله رغبة في ثواب ذلك اليوم، ويبتعد عن معصيته خوفا من عقاب ذلك اليوم.
٢ - الإيمان باليوم الآخر فيه تسلية للمؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.
٣ - وبالإيمان باليوم الآخر يعلم الإنسان أين مصيره بعد موته، ويعلم أنه ملاق جزاء عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأنه سيوقف للمحاسبة، وسيقتص له ممن ظلمه، وتؤخذ حقوق العباد منه لمن ظلمهم أو اعتدى عليهم.
٤ - أن الإيمان بالله وباليوم الآخر يحقق للبشرية الأمن والسلام - في زمن عز فيه الأمن، ولم تتوقف فيه الحروب - وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم الإنسان أن يكف شره عن غيره في سره وفي علنه، بل ينفذ إلى ما يكنه في صدره فيئد نية السوء - إن وجدت - ويقضي عليها قبل أن تولد.
٥ - الإيمان باليوم الآخر يردع الإنسان عن ظلم الآخرين وانتهاك حقوقهم، فإذا آمن الناس باليوم الآخر سلموا من ظلم بعضهم لبعض وحفظت حقوقهم.
стр. 87
٦ - الإيمان باليوم الآخر يجعل الإنسان ينظر إلى الدار الدنيا على أنها مرحلة من مراحل الحياة، وليست هي كل الحياة.
وفي ختام هذه الفقرة يحسن أن نستشهد بقول " وين بت " النصراني الأمريكي، الذي كان يعمل في إحدى الكنائس ثم أسلم ووجد ثمرة الإيمان باليوم الآخر، حيث يقول: (إنني الآن أعرف إجابات لأسئلة أربعة شغلت حياتي كثيرا، وهي: من أنا؟ وماذا أريد؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين مصيري؟ (١) .
стр. 88
[أصول دعوة الرسل]
أصول دعوة الرسل اتفق جميع الأنبياء والمرسلين على الدعوة إلى الأصول الجامعة (١) كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وكالأمر بعبادته وحده لا شريك له، واتباع صراطه وعدم اتباع السبل المخالفة، وتحريم الأجناس الأربعة وهي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، والإشراك بالله وعبادة الأوثان والأصنام، وتنزيهه عن الصاحبة والولد والشريك والنظير والمثيل، وأن يقال عليه غير الحق، وتحريم قتل الأولاد، وتحريم قتل النفس بغير حق، والنهي عن الربا وعن أكل مال اليتيم، والأمر بالوفاء بالعهود وبالكيل والميزان، وبر الوالدين، والعدل بين الناس، والصدق في القول والعمل، والنهى عن التبذير والكبر، وأكل أموال الناس بالباطل.
قال ابن القيم (٢) ﵀: " الشرائع كلها في أصولها - وإن تباينت - متفقة، مركوز حسنها في العقول، ولو وقعت على غير ما
стр. 89
هي عليه لخرجت عن الحكمة والمصلحة والرحمة، بل من المحال أن تأتي بخلاف ما أتت به: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] (١) وكيف يجوز ذو العقل أن ترد شريعة أحكم الحاكمين بضد ما وردت به " (٢) .
ولهذا كان دين الأنبياء واحدا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢] (٣) وقال عز من قائل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (٤) .
بل المقصود بالدين وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له (٥) فيشرع لهم من الحقوق ما يجب عليهم القيام بها، ويكفل لهم من الواجبات، ويمدهم بالوسائل التي تبلغهم هذه الغاية، ليتحقق لهم رضى الله، وسعادة الدارين وفق منهج إلهي لا يمزق العبد كل ممزق، ولا يصيب شخصيته بداء الفصام النكد الذي ينتهي به إلى التصادم بين فطرته وروحه والكون من حوله.
стр. 90
فجميع الرسل يدعون إلى الدين الإلهي الذي يقدم للبشرية الأساس العقدي الذي تؤمن به، والشريعة التي تسير عليها في حياتها، فلذا كانت التوراة عقيدة وشريعة، وكلف أهلها بالتحاكم إليها، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] (١) ثم جاء المسيح ﵇ ومعه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، قال جل ثناؤه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (٢) ثم جاء محمد ﷺ بالشريعة الخاتمة والملة الكاملة، مهيمنة على ما قبلها من الشرائع وناسخة لها، وآتاه الله القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] (٣) وبين أن محمدا ﷺ والمؤمنين معه آمنوا به كما آمن به من سبقهم من الأنبياء والمرسلين، فقال جل ثناؤه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٤) .
стр. 91
[الرسالة الباقية]
الرسالة الباقية (١) ما سبق من عرض حال الأديان اليهودية والنصرانية والمجوسية والزرادشتية والوثنية المتنوعة يبين حالة البشرية (٢) في القرن السادس الميلادي، وإذا فسد الدين فسدت الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فعمت الحروب الدامية، وظهر الاستبداد، وعاشت البشرية في ظلام دامس مطبق، أظلمت لأجله القلوب بسبب ظلمة الكفر والجهل، وتدنست الأخلاق، وهتكت الأعراض، وانتهكت الحقوق، وظهر الفساد في البر والبحر، حتى لو تأملها عاقل لأدرك أن البشرية - في ذلك الوقت - في حالة احتضار، وأنها آذنت بزوال ما لم يتداركها الله بمصلح عظيم يحمل مشعل النبوة، وقبس الهداية، لينير للبشرية طريقها، ويهديها إلى سواء السبيل.
وفي ذلك الزمان أذن الله بأن يشرق نور النبوة الخالدة من مكة المكرمة التي فيها البيت العظيم، وقد كانت بيئتها مماثلة لسائر البيئات البشرية من حيث الشرك والجهل والظلم والاستبداد، إلا أنها تميزت عن غيرها بميزات كثيرة منها:
стр. 92
١ - أنها بيئة نقية لم تتأثر بشوائب الفلسفات اليونانية أو الرومانية أو الهندية، وتمتع أفرادها بالبيان الرصين، والذهن الوقاد، والقرائح المبدعة.
٢ - أنها تقع في قلب العالم فهي في مكان وسط بين أوربا وآسيا وأفريقيا مما يكون سببا هاما في سرعة انتشار ووصول الرسالة الخالدة إلى هذه الأقطار في زمن يسير.
٣ - أنها بلد آمن، حيث إن الله حماها عندما هم أبرهة بغزوها، ولم تتسلط عليها الإمبراطوريات المجاورة لها فارس والروم، بل أمنت حتى تجارتها في الشمال والجنوب، وكان ذلك إرهاصا لبعثة هذا النبي الكريم، وقد ذكر الله أهلها بهذه النعمة فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] (١) .
٤ - أنها بيئة صحراوية حافظت على كثير من الشمائل المحمودة كالكرم، وحفظ الجوار، والغيرة على الأعراض، إلى غير ذلك من المميزات التي أهلتها لأن تكون المكان الملائم للرسالة الخالدة.
من هذا المكان العظيم، ومن قبيلة قريش التي اشتهرت بالفصاحة والبلاغة، ومكارم الأخلاق، والتي كان لها الشرف والسؤدد اصطفى الله نبيه محمدا ﷺ ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، حيث ولد في القرن السادس الميلادي عام ٥٧٠ م تقريبا، ونشأ يتيما، إذ
стр. 93
مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وجده لأبيه وعمره حينئذ ست سنين، فكفله عمه أبو طالب، فنشأ الغلام يتيما، وظهرت عليه علامات النبوغ، فكانت عاداته وأخلاقه وخصاله مختلفة عن عادات قومه، فكان لا يكذب في حديثه، ولا يؤذي أحدا، واشتهر بالصدق والعفاف والأمانة، حتى كان كثير من أبناء قومه يأمنونه على أموالهم الثمينة ويودعونه إياها، وهو يحافظ عليها كما يحافظ على نفسه وماله، مما جعلهم يلقبونه بالأمين، وكان حييا لم يظهر لأحد بدنه عريانا منذ بلغ، وكان نزيها تقيا يؤلمه ما يراه في قومه من عبادة الأوثان، وشرب الخمور، وسفك الدماء، فكان يعاشر قومه فيما يرتضيه من أعمالهم، ويعتزلهم حال مجونهم وفسقهم، وكان ينصر الأيتام والأيامى، ويطعم الجياع، حتى إذا قارب الأربعين من العمر ضاق ذرعا بما حوله من الفساد، وبدأ ينقطع لعبادة ربه، ويسأله أن يهديه إلى سواء الصراط.
وبينما هو على هذه الحال إذ نزل عليه ملك من الملائكة بالوحي من ربه، وأمره أن يبلغ هذا الدين للناس، وأن يدعوهم إلى عبادة ربهم، وترك عبادة ما سواه، وتواصل نزول الوحي عليه بالشرائع والأحكام يوما بعد يوم وسنة بعد سنة، حتى أكمل الله هذا الدين للبشرية، وأتم عليها النعمة بكماله، فلما كملت مهمته ﷺ توفاه الله، فكان عمره عند موته ثلاثا وستين سنة، منها أربعون سنة قبل النبوة وثلاث وعشرون سنة نبيا رسولا.
ومن تأمل أحوال الأنبياء ودرس تاريخهم علم علما يقينيا أنه ما من طريق ثبتت بها نبوة نبي من الأنبياء إلا وثبتت نبوة محمد ﷺ بهذا
стр. 94
الطريق من باب أولى.
فإذا نظرت كيف نقلت نبوة موسى وعيسى ﵉ علمت أنها نقلت بطريق التواتر، والتواتر الذي نقلت به نبوة محمد ﷺ أعظم وأوثق، وأقرب عهدا.
وكذلك التواتر الذي نقلت به معجزاتهم وآياتهم متماثل، بل هو في حق محمد ﷺ أعظم، لأن آياته كثيرة، بل أعظم آياته هذا القرآن العظيم الذي لا يزال ينقل نقلا متواترا صوتا ورسما (١) .
ومن قارن بين ما جاء به موسى وعيسى ﵉، وبين ما جاء به محمد ﷺ من العقيدة الصحيحة، والشرائع المحكمة، والعلوم النافعة علم أنها جميعا تصدر من مشكاة واحدة، هي مشكاة النبوة.
ومن قارن بين أحوال أتباع الأنبياء وبين أتباع محمد ﷺ علم أنهم كانوا خير الناس للناس، بل هم أعظم أتباع الأنبياء أثرا على من بعدهم، فقد نشروا التوحيد، وأشاعوا العدل، وكانوا رحمة للضعفاء والمساكين (٢) .
стр. 95
وإن أردت مزيد بيان تستدل به على نبوته ﷺ فسأنقل لك الدلائل والعلامات التي وجدها على بن ربن الطبري حينما كان نصرانيا فأسلم بسببها، وهذه الدلائل هي:
١ - أنه دعا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه موافقا في ذلك جميع الأنبياء.
٢ - أنه أظهر آيات بينات لا يأتي بها إلا أنبياء الله.
٣ - أنه أخبر بحوادث مستقبلية، فوقعت كما أخبر عنها.
٤ - أنه أخبر بحوادث جمة من حوادث الدنيا ودولها، فوقعت كما أخبر.
٥ - أن الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ وهو القرآن - آية من آيات النبوة؛ لأنه أبلغ كتاب، وأنزله الله على رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتحدى الفصحاء أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة منه؛ ولأن الله تكفل بحفظه، وحفظ به العقيدة الصحيحة، وضمنه أكمل شريعة، وأقام به أفضل أمة.
٦ - أنه خاتم الأنبياء، ولو لم يبعث لبطلت نبوات الأنبياء التي بشرت بمبعثه.
٧ - أن الأنبياء ﵈ قد تنبأوا به قبل ظهوره بدهر طويل، ووصفوا مبعثه وبلده وخضوع الأمم والملوك له ولأمته، وذكروا انتشار دينه.
стр. 96
٨ - أن انتصاره على الأمم التي حاربته أية من آيات النبوة؛ إذ يستحيل أن يدعي شخص أنه مرسل من الله - وهو كاذب - ثم يمده الله بالنصر والتمكين، وغلبة الأعداء، وانتشار الدعوة، وكثرة الأتباع، فإن هذا لا يتحقق إلا على يد نبي صادق.
٩ - ما كان عليه في نسكه وعفافه وصدقه ومحمود سيرته وسننه وشرائعه؛ فإن هذا لا يجتمع إلا في حق نبي.
وقال هذا المهتدي بعد أن ساق هذه الشواهد: " فهذه خصال نيرة، وشواهد كافية، من أدلى بها وجبت له النبوة، وفاز قدحه، وأفلح حقه، ووجب تصديقه، ومن ردها وجحدها خاب سعيه، وخسر دنياه وآخرته " (١) .
وفي ختام هذه الفقرة سأسوق لك شهادتين: شهادة ملك الروم في الماضي حيث كان معاصرا لمحمد ﷺ ، وشهادة منصر إنجليزي معاصر هو " جون سنت ".
الشهادة الأولى: شهادة هرقل: ذكر البخاري ﵀ خبر أبي سفيان حينما دعاه ملك الروم فقال: (حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره «أن أبا سفيان بن حرب أخبره
стр. 97
أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد (١) فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء (٢) فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم، ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. فقال: ادنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا
стр. 98
تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني
стр. 99
أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسين (١) ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) » (٢) .
الشهادة الثانية: شهادة المنصر الإنجليزي المعاصر جون سنت: حيث يقول: بعد الاطلاع المتواصل على تفاصيل الإسلام ومبادئه في خدمة الفرد والمجموع، وعدالته في إقامة المجتمع على أسس من المساواة والتوحيد، وجدتني أندفع إلى الإسلام بكل عقلي وروحي، وعاهدت الله سبحانه - من يومها - أن أكون داعية للإسلام مبشرا بهديه في كل البقاع.
وقد توصل إلى هذا اليقين بعد دراسته للنصرانية وتعمقه فيها، فوجد أنها لا تجيب على كثير من الأسئلة التي تدور في حياة الناس، فبدأ يداخله الشك، ثم درس الشيوعية والبوذية فلم يجد فيهما ضالته، ثم درس الإسلام وتعمق فيه فآمن به ودعا إليه (٣) .
стр. 100
[ختم النبوة]
ختم النبوة تبين لك فيما سبق حقيقة النبوة، وأعلامها وآياتها، ودلائل نبوة نبينا محمد ﷺ ، وقبل الحديث عن ختم النبوة فلا بد أن تعلم أن الله لا يرسل رسولا إلا لأحد الأسباب التالية:
١ - أن تكون رسالة النبي خاصة بقوم، ولم يؤمر هذا الرسول أن يبلغ رسالته إلى الأمم المجاورة، فيرسل الله رسولا آخر برسالة خاصة إلى أمة أخرى.
٢ - أن تكون رسالة النبي المتقدم قد اندرست، فيبعث الله نبيا يجدد للناس دينهم.
٣ - أن تكون شريعة النبي المتقدم صالحة لزمانها، وغير مناسبة للأزمنة اللاحقة، فيبعث الله رسولا يحمل رسالة وشريعة تناسب الزمان والمكان، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن يبعث محمدا ﷺ برسالة عامة لأهل الأرض، مناسبة لكل زمان ومكان، وحفظها من أيدي التغيير والتبديل، لتبقى رسالته حية يحيا بها الناس، نقية من شوائب التحريف والتبديل، ولأجل ذلك جعلها الله خاتمة الرسالات (١) .
стр. 101
وإن مما خص الله به محمدا ﷺ أنه خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، لأن الله أكمل به الرسالات، وختم به الشرائع، وأتم به البناء، وتحقق بنبوته بشارة المسيح به حيث قال: " أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأسا للزاوية " (١) وقد اعتبر القس إبراهيم خليل - الذي أسلم فيما بعد - هذا النص موافقا لقول محمد ﷺ عن نفسه: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٢) .
ولأجل ذلك جعل سبحانه الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ مهيمنا على الكتب السابقة، وناسخا لها، كما جعل شريعته ناسخة لكل الشرائع المتقدمة، وتكفل الله بحفظ رسالته، فنقلت نقلا متواترا، حيث نقل القرآن الكريم نقلا متواترا صوتا ورسما، كما نقلت سنته القولية والفعلية نقلا متواترا، ونقل التطبيق الفعلي لشرائع هذا الدين وعباداته وسننه وأحكامه نقلا متواترا.
ومن اطلع على دواوين السيرة والسنة علم أن صحابته رضوان
стр. 102
الله عليهم قد حفظوا للبشرية سائر أحواله ﷺ وجميع أقواله وأفعاله، فنقلوا عبادته لربه وجهاده وذكره له سبحانه واستغفاره، وكرمه وشجاعته، ومعاشرته لأصحابه وللوافدين عليه، كما نقلوا فرحه وحزنه، وظعنه وإقامته، وصفة مأكله ومشربه وملبسه، ويقظته ومنامه، فإذا استشعرت ذلك أيقنت أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله له، وعلمت - حينئذ - أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، لأن الله سبحانه أخبرنا أن هذا الرسول هو خاتم الأنبياء، فقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) وقال ﷺ عن نفسه -: «وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (٢) . وهذا أوان التعريف بالإسلام، وبيان حقيقته ومصادره وأركانه ومراتبه.
стр. 103
[معنى كلمة الإسلام]
معنى كلمة الإسلام إذا راجعت معاجم اللغة علمت أن معنى كلمة الإسلام هو " الانقياد والخضوع والإذعان والاستسلام والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض "، وقد سمى الله الدين الحق الإسلام لأنه طاعة لله وانقياد لأمره بلا اعتراض، وإخلاص العبادة له سبحانه وتصديق خبره والإيمان به، وأصبح اسم الإسلام علما على الدين الذي جاء به محمد ﷺ .
التعريف بالإسلام (١)
لماذا سمي الدين بالإسلام؟ إن جميع ما في الأرض من مختلف الديانات قد سميت بأسمائها إما نسبة إلى اسم رجل خاص، أو أمة معينة، فالنصرانية أخذت اسمها من " النصارى "، وتسمت البوذية على اسم بانيها بوذا، واشتهرت الزرادشتية بهذا الاسم لأن مؤسسها وحامل لوائها كان زرادشت، وكذلك ظهرت اليهودية بين ظهراني قبيلة تعرف " بيهوذا "، فسميت باليهودية، وهلم جرا، إلا الإسلام فإنه لا ينتسب إلى رجل خاص، ولا إلى أمة بعينها، وإنما يدل اسمه
стр. 104
على صفة خاصة يتضمنها معنى كلمة الإسلام، ومما يظهر من هذا الاسم أنه ما عني بإيجاد هذا الدين وتأسيسه رجل من البشر، وليس خاصا بأمة معينة دون سائر الأمم، وإنما غايته أن يحلي أهل الأرض جميعا بصفة الإسلام، فكل من اتصف بهذه الصفة من غابر الناس وحاضرهم فهو مسلم، ويكون مسلما كل من سيتحلى بها في المستقبل.
стр. 105
[حقيقة الإسلام]
حقيقة الإسلام من المعلوم أن كل شيء في هذا الكون منقاد لقاعدة معينة، وسنة ثابتة، فالشمس والقمر والنجوم والأرض مسخرات تحت قاعدة مطردة، لا قبل لها بالحراك عنها والخروج عليها ولو قيد شعرة، حتى إن الإنسان نفسه إذا تدبرت شأنه تبين لك أنه مذعن لسنن الله إذعانا تاما، فلا يتنفس ولا يحس حاجته إلى الماء والغذاء والنور والحرارة إلا وفقا للتقدير الإلهي المنظم لحياته، وتنقاد لهذا التقدير جميع أعضائه، فالوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء لا تقوم بها إلا بحسب ما قرر الله لها.
فهذا التقدير الشامل، الذي يستسلم له ولا ينفك عن طاعته شيء في هذا الكون، من أكبر كوكب في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض، هو من تقدير إله ملك جليل مقتدر، فإذا كان كل شيء في السماوات وما بينهما منقادا لهذا التقدير، فإن العالم كله مطيع لذلك الملك المقتدر الذي وضعه، ومتبع لأمره، ويتبين من هذه الوجهة أن الإسلام دين الكون أجمع، لأن الإسلام معناه الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض كما عرفت آنفا، فالشمس والقمر والأرض مستسلمة، والهواء والماء والنور والظلام والحرارة مستسلمة، والشجر والحجر والأنعام مستسلمة، بل إن الإنسان الذي لا يعرف ربه ويجحد
стр. 106
وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره، ويشرك به سواه، هو مستسلم من حيث فطرته التي فطر عليها.
إذا أدركت هذا فتعال ننظر في أمر الإنسان، فستجد أن الإنسان يتنازعه أمران: الأول: الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان من الاستسلام لله، ومحبة التعبد له والتقرب إليه، ومحبة ما يحبه الله من الحق والخير والصدق، وبغض ما يبغضه الله من الباطل والشر والجور والظلم، وما يتبع ذلك من دواعي الفطرة من محبة المال والأهل والولد، والرغبة في الأكل والشرب والنكاح، وما يتطلبه ذلك من قيام أعضاء الجسم بوظائفها اللازمة لها.
الثاني: مشيئة الإنسان واختياره، وقد أرسل الله إليه الرسل، وأنزل الكتب ليميز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، وأمده بالعقل والفهم ليكون على بصيرة في اختياره، فإن شاء سلك طريق الخير فقاده إلى الحق والهدى، وإن شاء سلك سبل الشر فقادته إلى الشر والبوار.
فإذا نظرت إلى الإنسان باعتبار الأمر الأول وجدته مجبولا على الاستسلام، مفطورا على التزامه ولا محيد له عنه شأنه شأن غيره من المخلوقات.
وإذا نظرت إليه باعتبار الأمر الثاني وجدته مختارا يختار ما يشاء
стр. 107
فإما أن يكون مسلما، وإما أن يكون كافرا: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] (١) .
ولذا تجد الناس على نوعين: إنسان يعرف خالقه، ويؤمن به ربا ومالكا وإلها يعبده وحده، ويتبع شريعته في حياته الاختيارية، كما هو مفطور على الاستسلام لربه لا محيد له عنه تابع لتقديره، وهذا هو المسلم الكامل الذي قد استكمل إسلامه، وقد أصبح علمه صحيحا، لأنه عرف الله خالقه وبارئه الذي أرسل إليه الرسل، وأولاه قوة العلم والتعلم، وأصبح عقله صحيحا ورأيه سديدا، لأنه أعمل فكره ثم قضى ألا يعبد إلا الله الذي أكرمه بموهبة الفهم والرأي في الأمور، وأصبح لسانه صحيحا ناطقا بالحق لأنه لا يقر الآن إلا برب واحد هو الله تعالى الذي أنعم عليه بقوة النطق والكلام، فكأن حياته ما بقي فيها الآن إلا الصدق، لأنه منقاد لشرع الله فيما له الخيرة فيه من أمره، وامتدت بينه وبين سائر المخلوقات في الكون آصرة التعارف والتآنس، لأنه لا يعبد إلا الله الحكيم العليم، الذي تعبده وتذعن لأمره وتنقاد لتقديره المخلوقات كلها، وقد سخرها من أجلك أيها الإنسان.
стр. 108
[حقيقة الكفر]
حقيقة الكفر وبإزائه إنسان آخر، ولد مستسلما، وعاش مستسلما طول حياته، من غير أن يشعر باستسلامه أو يفطن له، ولم يعرف ربه، ولم يؤمن بشرعه، ولم يتبع رسله، ولم يستخدم ما منحه الله من العلم والعقل ليعرف من خلقه، وشق سمعه وبصره، فأنكر وجوده، واستكبر عن عبادته، وأبى أن ينقاد لشرع الله فيما أوتي فيه حق التصرف والاختيار من أمور حياته أو أشرك به غيره، وأبى أن يؤمن بآياته الدالة على وحدانيته، وهذا هو الكافر.
ذلك بأن معنى الكفر هو الستر والتغطية والمواراة، يقال: كفر درعه بثوبه إذا غطاها به ولبسه فوقها، فيقال لمثل هذا الرجل: " كافر "، لأنه ستر فطرته وغطاها بغطاء من الجهل والسفاهة.
وقد علمت أنه ما ولد إلا على فطرة الإسلام، ولا تعمل أعضاء جسده إلا طبقا لفطرة الإسلام، ولا تسير الدنيا حوله بأسرها إلا على سنن الاستسلام، ولكنه غطي بحجاب مستور من الجهل والسفاهة، وتوارت عن بصيرته فطرة الدنيا وفطرة نفسه، فتراه لا يستخدم قواه الفكرية والعلمية إلا فيما يخالف فطرته، ولا يرى إلا ما يناقضها، ولا يسعى إلا فيما يبطلها.
ولك أن تقدر الآن بنفسك ما ارتكس فيه الكافر من الضلال
стр. 109
البعيد والغي المبين (١) .
وهذا الإسلام الذي يطلب منك أن تمتثله ليس بالأمر العسير، بل هو يسير على من يسره الله عليه، فالإسلام هو ما سار عليه هذا الكون كله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] (٢) وهو دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٣) وهو إسلام الوجه لله كما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] (٤) وقد بين النبي ﷺ معنى الإسلام فقال: «أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك لله، وتؤتي الزكاة المفروضة» (٥) «وسأل رجل الرسول ﷺ : ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت» (٦) وكما قال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة،
стр. 110
وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١) وقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) .
وهذا الدين - وهو دين الإسلام - الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] (٣) وقال جل ثناؤه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (٤) وقال عز شأنه عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] (٥) وقال تعالى في خبر المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] (٦) .
وهذا الدين - الإسلام - يستمد تشريعاته وعقائده وأحكامه من الوحي الإلهي - القرآن والسنة - وسأذكر لك نبذة مختصرة عنهما.