← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(وَإِنْ) صلَّى قاعدًا، ثمَّ (قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ) صلَّى على جَنْبٍ، ثمَّ قدر على (الْقُعُودِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ انْتَقَلَ إِلَيْهِمَا (١) وَأَتَمَّهَا)؛ لأنَّ المبيحَ العجزُ، وقد زال، ولأنَّ ما صلَّى كان العُذْرُ موجودًا، وما (٢) بقي قد أتى بالواجب فيه. ولا يقرأ حال نهوضه إلى القيام، لكن إن قدر على القيام قبل القراءة؛ لزِمه أن يأتيَ بها بعد قيامه، وإن كان بعد القراءة؛ قام فركع من غير قراءةٍ، وعكسه لو مرِض في أثنائها جلَسَ. وله القراءة في هُوِيِّه، ويأتي بها على حسَب حاله. (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ)؛ لزِمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، ولخبر عِمرانَ، ولأنَّه رُكنٌ قدَر عليه، فلم يَسقُط بالعجز عن غيره كالقراءة. (وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا)؛ لأنَّ الرَّاكع كالقائم في نَصْب رجلَيه، فوجب أن يومئ به في قيامه، (وَ) أَوْمأَ (بِالسُّجُودِ قَاعِدًا)؛ لأنَّ السَّاجد كالجالس في جمع رجلَيه، فوجب أن يُومِئ في جلوسه ليحصل الفرق بين الإيماءين. مسائل: منها: إذا كان في بَيتٍ سقفُه قصيرٌ يَتعذَّر خروجُه منه، أو في سَفينةٍ يَعجِز

стр. 1087

عن القيام فيها والخروجِ منها؛ صلَّى جالسًا، نَصَّ عليه (١). وقيل: بل يقوم ما أمكنه كالأحدب. ومنها: إذا قدَر قائِمًا مُنفرِدًا، وجالسًا جماعةً؛ خُيِّر بينَهما، قال في «الشَّرح»: لأنَّه يَفعَل في كلٍّ منهما واجبًا، ويترك واجبًا. وقيل: جماعةً أَوْلى. وقيل: يَلزَمه قائمًا مُنفرِدًا؛ لأنَّه رُكنٌ بخلاف الجماعة. ومنها: لو تقوَّس ظَهرُه فصار كالرَّاكع، فمتى ركع زاد في انحنائه قليلاً؛ ليَقَع الفرق، وإن لم يمكنه أن يَحنِيَ ظَهرَه؛ حَنَى (٢) رَقَبتَه، وإذا سجد قرَّب وجهه من الأرض ما أمكنه، وإن قدَر أن يَسجُد على صُدْغَيه (٣)؛ لم يَلْزَمه؛ لأنَّه ليس من أعضاء السُّجود. (وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ)، ومعناه في «المحرَّر»، (لِلْمَرِيضِ) أو لمن به رَمَدٌ ونحوه: (إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ؛ فَلَهُ ذَلِكَ (٤)؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى جالسًا حين جُحِش شِقُّهُ» (٥)، والظَّاهِر أنَّه لم يَكن لعجزه عن القيام، بل فعله إمَّا للمشقَّة، أو خَوفِ الضَّرَر، وكلاهما (٦) حجَّةٌ، «وأمُّ سلمة تركت السُّجود لرَمَدٍ بها» (٧)، ولأنَّه يُخاف منه الضرر (٨) أشبَه المرض، وذلك وسيلةٌ إلى عافيته، وهي مطلوبةٌ شرعًا. ويُشترَط: إسلامُهم وثقتهم (٩)؛ لأنَّه أمْرٌ دِينيٌّ، فاشترط له ذلك كغيره.

стр. 1088

وظاهره: أنَّه لا يُقبَل فيه أقلُّ من ثلاثةٍ؛ لأنَّه جَمْعٌ، قال ابن المُنَجَّى: وليس بمرادٍ؛ لأنَّ قولَ الاِثنَينِ كافٍ، صرَّح (١) به المؤلِّف وغيره (٢)، وحكاه في «الفروع» قولاً. وقيل: عن يَقِينٍ. والمذهبُ: أنَّه يُقبَل قولُ مسلمٍ ثقةٍ، ونصَّ أحمد أنَّه يُفطر بقولِ واحدٍ: إنَّ الصَّوم ممَّا (٣) يمكِّن العلَّة (٤). (وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ)؛ لأنَّه قادِرٌ على رُكن الصَّلاة، فلم يَجُزْ تركُه، كما لو لم يكُن فيها، وظاهِرُه: الجوازُ إذا عجَز، وقد سبَق، فلو قدَر فيها على انتصابٍ يَخرُج به عن حدِّ الرَّاكع؛ فظاهِرُه اللُّزومُ. وإن كان لا يَقدِر على الخروج (٥) منها؛ صلَّى (٦) على حسَب حاله فيها، وأتى بما يَقدِر عليه من التَّيامُن (٧) وغيره. وكلَّما (٨) دارت؛ انحرف إلى القِبلة في الفرض. وقيل: لا يَجِب؛ كالنَّفل في الأصحِّ فيه. فإن كانت ضيِّقةً لا يُمكن كلَّ من فيها الصَّلاةُ قائمًا في حالة؛ صَلَّوا

стр. 1089

فُرادَى، ما لم يَضِقِ الوقتُ. وإن أمكن الإتيانُ فيها بجميع واجبات الصَّلاة؛ لم يلزمه الخروجُ، حاضِرًا كان أو مسافرًا، واقفةً كانت أو سائرة (١)، فرضًا كانت الصَّلاةُ أو نفلاً، قدَّمه جماعةٌ، وصحَّحه في «الشَّرح»، كالصَّلاة على الأرض. وعنه: يلزمه؛ لأنَّها ليست حالَ استقرار. قال جماعةٌ: متى كان فيه مشقَّةٌ على أصحابه، لم يَجِب، نَصَّ عليه (٢). وظاهره: أن النَّفل فيها يصح مطلقًا. مسألة: تقام الجماعة في السفينة. وعنه: لا إذا صلَّوا جلوسًا، نص عليه (٣) (٤)، «وصلَّى جماعةٌ فيها قيامًا جماعةً، وهم يَقدِرون على الخروج، منهم أبو هُريرةَ وأبو سعيدٍ» رواه سعيدٌ والبَيهَقيُّ (٥). (وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ)، واقِفةً وسائِرةً، وعليه الاِستقبالُ وما يَقدِر عليه، (خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحَلِ)، نصره المؤلِّف، وقدَّمه جماعةٌ، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لما رَوى يعلى (٦) بنُ مُرَّةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ انتهى إلى مَضيقٍ هو وأصحابُه وهو على راحلته، والسَّماءُ من فوقهم،

стр. 1090

والبلَّةُ من أسفلَ منهم، فحضرت الصَّلاةُ، فأمَر (١) المؤذِّنَ فأذَّن وأقام، ثمَّ تقدَّم النَّبيُّ ﷺ فصلَّى بهم، يُومِئُ إيماءً، يَجعل السُّجودَ أخفضَ من الرُّكوع» رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ، وقال: (العملُ عليه عند أهل العلم) (٢)، وفَعَله أنسٌ (٣)، ذَكَره أحمدُ، ولم يُنقَل عن غيره خلافُه. فإن قدَر على النُّزول من غير مَضرَّة؛ لزِمه ذلك، والقيامُ والرُّكوعُ كغير حالةِ المطر، ويُومِئُ بالسُّجود؛ لما فيه من الضَّرر. وعنه: لا يجوز ذلك؛ لقول أبي سعيد: «أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ انصرفَ وعلى جبهتِهِ وأنفِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ» متَّفقٌ عليه (٤)، ولأنَّ القيامَ والسُّجودَ من أركان الصَّلاة، فلم يَسقط بالمطر؛ كبقيَّة الأركان. وأُجِيب: بأنَّه عُذرٌ يُبيح الجمعَ، فأثَّر في أفعال الصَّلاة؛ كالسَّفر والمرض، والحديثُ محمولٌ على اليسير عملاً بالظَّاهِرِ؛ لأنَّه كان في مسجده في المدينة فلم يُؤثِّر، بخلاف الكثير الذي يُلوِّث الثِّيابَ والبَدنَ. (وَهَلْ يَجُوزُ ذِلِكَ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يجوز، قدَّمها في «المحرَّر»، واختارها أبو بكر، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّ مشقَّةَ النُّزول في المرض أكثر من مشقَّة النُّزول بالمطر، لكنْ قيَّدها في رواية إسحاقَ (٥): إذا لم يستطع النُّزول، ولم يصرِّح أحمدُ بخلافه.

стр. 1091

والثَّانية: المَنْعُ، قال في «الفروع»: نقله واختاره الأكثرُ؛ «لأنَّ ابن عمر كان يُنزِل مرضاه»، واحتجَّ به أحمد (١)؛ لأنَّ الصَّلاة (٢) على الأرض أسْكنُ له وأمكنُ، بخلاف صاحب الطِّين. وظاهر المذهب: أنَّه لا يلزمه النُّزول مع مشقَّةٍ شديدةٍ أو زيادةِ ضرَرٍ، وصرَّح به في «الشَّرح»، وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّ فيه الرِّوايتيْنِ. أمَّا إذا خاف انقطاعًا عن الرُّفقة، أو العجز عن الرُّكوب؛ فيصلِّي كخائفٍ على نفسه من عدُوٍّ. فرعٌ: من أتى بكلِّ فرضٍ أو شرطٍ للصَّلاة، وصلَّى عليها بلا عُذرٍ، أو في سفينةٍ ونحوِها مَنْ أمكنَه الخروجُ واقِفةً أو سائِرةً؛ صحَّتْ. ومَن كان في ماءٍ وطينٍ؛ أَوْمأَ كمصلوبٍ ومربوطٍ، والغريقُ يَسجُد على مَتْن الماء.

стр. 1092

(فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ) أجمَعوا على قصرها بشرطه، وسنَدُه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠١]، علَّق القصرَ بالخوف؛ لأنَّ الآية نزلت على غالب أسفاره ﵇، وأكثرُها لم تَخلُ من عدوٍّ. وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين أنَّ القَصْرَ قِسمان (١): مُطْلَق: وهو ما اجتمع فيه قصر الأفعال والعَدَد؛ كصلاة الخوف حيث كان مسافرًا، فإنَّه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن، والآية وردت على هذا. ومُقيَّد: وهو ما اجتمع فيه قصر العدد فقط؛ كالمسافِر، أو قصر العمل فقط؛ كالخائف. وهو حسَنٌ، لكنْ يَرِد عليه (٢) قَولُ يَعْلَى لِعُمرَ بن الخطَّاب: ما لنا نَقْصُر وقد أمِنَّا؟ فقال: سألتُ رسولَ الله ﷺ (٣) فقال: «صدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبَلوا صدقتَهُ» رواه مسلمٌ (٤)، فظاهِرُ ما فَهِماه (٥): تقييدُ قصرِ العدد بالخوف، والنَّبيُّ ﷺ أقرَّهما على ذلك. وقيل: قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠١]؛ كلامٌ مبتدَأٌ معناه: وإن خفتم. وقال ابنُ عمرَ: «صحبتُ النَّبيَّ ﷺ فكان لا يزيد في السَّفر على ركعتَين، وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ كذلك» متَّفقٌ عليه (٦).

стр. 1093

(وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا)، ذَكَره أكثرُ (١) الأصحاب، وحكاه ابن هُبَيرةَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه ﵇ كان يترخَّص (٢) في العود من (٣) السَّفر، وهو مُباحٌ، وكالغزو، وفي «الوجيز»: سفرًا جائزًا، وهو أعمُّ. والمرادُ: من ابتدأ سفرًا مُباحًا، وصرَّح به في «الفروع»، والأصحُّ: أو هو أكثرُ قصده. وعنه: لا يَترخَّص في سفر النُّزهة والتَّفرُّج، اختاره (٤) أبو المعالي؛ لأنَّه إنَّما شُرع إعانةً على تحصيل المصلحة، ولا مصلحة في هذا. وظاهِرُ (٥) كلامِ ابنِ حامِدٍ: اختصاصُه بسفر الطَّاعة. وقال في «المبهج»: إذا سافر لتجارةٍ مُكاثِرًا في الدُّنيا؛ فهو سفرُ معصيةٍ. والأَوَّل أَوْلى، وهو شامِلٌ إذا غُرِّبت المرأةُ ومعها مَحرَمٌ، فله التَّرخُّصُ، وكذا الزَّاني، وقاطِع الطَّريق (٦)، وفيهما وجْهٌ (٧). ودَلَّ على جوازه في سفرٍ واجبٍ من باب التَّنبيه. ولا قصر في سفر المعصية، نَصَّ عليه (٨)؛ لما فيه من الإعانة على المعصية.

стр. 1094

وأباح في «التَّلخيص» تناول الميتة للضَّرورة. ولو عصى في سفره المباحِ لم يَمنَع التَّرخُّصَ؛ كارتكابها في الحضر (١) لا يمنعه. ومن (٢) نقل سفرَه المباحَ إلى معصيةٍ؛ لم يترخَّص في الأصحِّ؛ لزوال سببه. وإن نقل سفرَ المعصية إلى مباح، وقد بقِي مسافة قَصْرٍ؛ قَصَرَ في الأصحِّ؛ لأنَّ وجودَ ما مضى من (٣) سفره كعدَمه. مسألة: إذا سافَر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عَقِيلٍ وصاحبُ «التَّلخيص»: لا يُباح له التَّرخُّصُ (٤)؛ لقوله: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ لثلاثةِ مساجدَ» متَّفقٌ عليه (٥). وقال المؤلِّف: الصَّحيح جوازُه، والحديثُ محمولٌ على نفي الفضيلة. وقال ابن المنَجَّى: السَّفرُ المكروهُ؛ كزيارة القبور والمشاهد؛ ملحَق بالسَّفر المحرَّم، وفيه نَظرٌ. واختَلف كلامُ الحُلْوانيِّ؛ هل السَّفرُ لزيارة النَّبيِّ ﷺ أو الوالدين واجِبٌ، أو طاعةٌ كزيارته ﵇؟ لكنْ قال أبو محمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ: يَحرُم الشَّدُّ إلى غَير المساجد الثَّلاثة، نقله النَّوويُّ (٦)، وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَجِب (٧) السَّفرُ المنذورُ إلى المشاهِدِ.

стр. 1095

(يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا)، الفَرْسَخُ: واحد الفَراسِخ، وهو ثلاثةُ أمْيالٍ هاشِميَّةٍ، وبأمْيال بني أُمَيَّة: مِيلانِ ونِصفٌ، والمِيلُ (١): اثنا عشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، ستَّةُ آلاف ذراع، والذِّراعُ: أربعةٌ وعشرون أصبعًا مُعتَرِضةً مُعتدِلةً، كلُّ أصبُع: ستُّ حبَّاتِ شَعِيرٍ، بُطونُ بعضِها إلى بعضٍ، عَرْض كلِّ شعيرةٍ: ستُّ شَعَراتِ بِرْذَونٍ، وذلك أربعةُ بُرُدٍ، مسيرة يومَين قاصِدَين، نَصَّ عليه (٢)، وهو قول عمر (٣) وابن عبَّاسٍ (٤)؛ لما روى الدَّارَقُطْنيُّ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا أهلَ مكَّةَ لا تَقصُروا في أقلَّ من أربعةِ بُرُدٍ، من مكَّةَ إلى عُسْفانَ» ضعَّفه أحمدُ ويحيى (٥)،

стр. 1096

مع أنَّ أحمدَ احتجَّ به مع تضعيفه (١). وظاهر كلامهم: أنَّ هذا تقريبٌ، وقال أبو المعالي: تحديدٌ. والبَرُّ والبحرُ سواءٌ، فلو قطعه في زمنٍ يسيرٍ في البحر؛ قصر، كما لو قطعها في البرِّ في أقلَّ من يومين. وذكر صاحب «المسالك» (٢) أنَّ من دمشق إلى القَطيفة أربعةً وعشرين مِيلاً، ومن دمشق إلى الكُسوة اثنا عشر مِيلاً. وعن ابن عبَّاسٍ وابن عمر: «يقصر في يوم» (٣)، وقاله الأوزاعيُّ، وروى أبو داود: «أنَّ دِحية أفطر في (٤) ثلاثة أميال، وأفطر معه ناسٌ كثيرون» (٥). وقيل: يقصر في طويل السَّفر وقصيره.

стр. 1097

والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّه مسافة تجمع مشقَّة السَّفر من الحلِّ والعقد (١)، فجاز القصر فيه كغيره. قال المؤلِّفُ: (والحجَّةُ مع من أباح القصرَ لكلِّ مُسافِرٍ، إلاَّ أنَّ الإجماع انعقد على خلافه) (٢). (فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إِلَى رَكْعَتَيْنِ)، ولا قصر في المغرب والفجر إجماعًا، حكاه ابن المنذِر (٣)؛ لأنَّ الفجر لو قُصرت صارت ركعةً، ولا نظير لذلك في الفرض، والمغربُ وتر النَّهار، فلو قُصر منها ركعةٌ؛ لم تَبقَ وترًا، وركعتان كان إجحافًا بها، وإسقاطًا لأكثرها، ولا نظير لها في الفرض. (إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ)؛ لأنَّ الله تعالى جوَّز القصرَ لمن ضَرب في الأرض، وقبل مُفارَقةِ ما ذُكر لا يكون ضاربًا ولا مسافرًا، ولأنَّ (٤) ذلك أحدُ طرفي السَّفر، أشبه حالة الانتهاء، و «لأنَّه ﵇ كان يَقصُر إذا ارتحل» (٥). فعلى هذا: يَقصُر إذا فارَق بيوتَ قريته العامرة (٦)، بشرْط أن لا يَرجِع، أو لا يَنوِي الرُّجوعَ قريبًا، فإن فعل؛ لم يترخَّص حتَّى يرجع ويفارقه، ولو لم ينوِ الرُّجوع لكن بدا له لحاجة؛ لم يترخَّص بعد نيَّة عَوده حتَّى يفارِقَه ثانيًا. وقيل: والخراب، كما لو ولِيه عامِرٌ، وقال أبو المعالي: أو جعل مزارع

стр. 1098

وبساتين يسكنه أهله، ولو في فصل للنُّزهة. وقيل: يَقصُر بمفارقته (١) سور بلده. وظاهِرُه: ولو (٢) اتَّصل به بلدٌ، واعتبر أبو المعالي انفصاله ولو بذراع. ويعتبر في ساكن القصور والبساتين؛ مفارقة ما نسبوا إليه عرفًا. (وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ)؛ نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه ﵇ داوَم عليه، ولم يُنقَل عنه الإتمامُ، وكذلك الخلفاء الرَّاشدون مِنْ بعده (٤)، وروى أحمدُ: أنَّ عمرَ قال (٥): «إنَّ اللهَ يُحبُّ أن تُؤتى رُخصُهُ كما يَكرَهُ أن تُؤتى معصيَتُهُ» (٦). وفيه وجْهٌ: أنَّ الإتمامَ أفضلُ؛ لأنَّه أكثر عملاً وعددًا، وهو الأصلُ، أشبه غسل الرِّجلين. (وَإِنْ (٧) أَتَمَّ؛ جَازَ) في المشهور؛ للآية، ولِحديث يَعلَى (٨)، قالت

стр. 1099

عائشةُ: «أتمَّ النَّبيُّ ﷺ وقَصَر» قاله الشَّافعيُّ، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ، وصحَّحه (١)، «وبيَّن سلمانُ أنَّ القصرَ رُخصةٌ بمَحضَرِ اثنيْ عشَرَ صحابيًّا» رواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (٢)، ولمَّا أَتَمَّت عائشةُ قال لها النَّبيُّ ﷺ : «أحسنتِ» رواه أبو داود الطَّيالِسِيُّ والدَّارَقُطْنيُّ، وقال: (إسنادُ حسَنٌ) (٣).

стр. 1100

وقيل: يَجب القصرُ، وهو قولُ حماد (١). وعنه: الوقفُ. وقال مرَّةً: لا يُعجبني الإتمامُ (٢)، وكرِهه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، قال في «الفروع»: وهو أظهرُ. مسائل: الأولى: يُعتبَر تحقيقُ المسافة، فلو شكَّ في قدر السَّفر؛ لم يَقصُر وإن بان بعده أنَّه طويلٌ، كما لو صلَّى شاكًّا في دخول الوقت. وقال ابن أبي موسى وابن عَقِيلٍ: متى بلغ المسافةَ قَصَر، وعنه: إن بلغ عشرين فرسخًا. الثَّانية: أنَّه لا بدَّ أن يَقصِد جِهةً مُعيَّنةً، فلو سافر ولم يَقصِدها؛ لم يَقصُر، وأنَّه (٤) لا بدَّ من الجزم ببلوغ المسافة، فلو علِم صاحبَه في بلدٍ بعيدٍ، ونوى إن وجده قَبْلَه؛ لم يَقصُر. وقيل: إن بلغ مسافة قصر؛ قصَر (٥)، وكذا سائحٌ وتائهٌ. الثَّالثة: إذا سافر ليَترخَّص؛ فقد ذكروا لو سافَر ليُفطر؛ حَرُما. وقيل: يُكرَه.

стр. 1101

ومثلُه: من لا خُفَّ في رجله، فلبسه لغرَض المسح خاصَّةً؛ لا يُستحبُّ له، كما لا يُستحَبُّ إنشاءُ السَّفر لغرَض الترخُّص (١)، ويأتي من سافر (٢) يقصد حلَّ يمينه. الرَّابعة: يَقصُر ويترخَّص مسافر مُكرَهًا؛ كأسيرٍ على الأصحِّ؛ كامرأةٍ وعبدٍ تَبَعًا لزوجٍ وسيِّدٍ في نيَّته وسفره. وفيهما وجهٌ: لا قَصْرَ. وقال أبو المعالي: والجيشُ مع الأميرِ، والجنديُّ مع أميره إن كان رزقُهم في مال أنفسهم، ففي أيِّهما يعتبر نيَّته؟ فيه وجهان، وإلاَّ فكالأجير. والعبدُ لشريكين؛ تُرجَّح نيَّة إقامة أحدهما. والأسير إذا صار ببلدهم، فإنَّه يُتمُّ في المنصوص (٣)؛ تَبَعًا لإقامتهم، كسفرهم. الخامسة: يُوتِر ويركع سنَّةَ الفجر في السَّفر، ويخيَّر في غيرهما. وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: يُسنُّ تركُ غيرهما (٤). وأطلق أبو المعالي التَّخييرَ في النَّوافل والسُّنن. ونقل ابن هانِئٍ: يتطوَّع أفضل (٥)، وجزم به في «الفصول» و «المستوعب»، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في غير الرَّواتب (٦)، ونقله بعضهم إجماعًا (٧). (فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتمَّ، نَصَّ

стр. 1102

عليهما (١)؛ لأنَّها عبادةٌ اجتمع لها حكم الحضر والسَّفر، فغُلِّبَ حكم الحضر كالمسح. وفي الثَّانية وجْهٌ: اعتبارًا بحالة أدائها؛ كصلاة صحَّة في مرض. والمسألةُ مصوَّرةٌ في راكب السَّفينة، فلو سافر بعد دخول الوقت؛ لم يَجُز القصرُ في قول أصحابنا؛ لأنَّه تعيَّن فعلها أربعًا، فلم يجز النُّقصان منها كالمنذورة. وعنه: يجوز، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٢)؛ لأنَّها مؤدَّاةٌ في السَّفر، أشبه ما لو دخل وقتها فيه. وقيل: إن ضاق الوقت؛ لم يَقصُر (٣) وجهًا واحدًا. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ)؛ أتمَّها إجماعًا، حكاه أحمدُ وابنُ المنذِر (٤)، إلاَّ أنَّه قال: اختُلف فيه عن الحسَن، ولأنَّ القضاءَ معتبَرٌ بالأداء، وهو أربَعٌ. (أَوْ) ذَكَرَ (صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ) أتمَّ، نَصَّ عليه (٥)، وقاله الأوزاعيُّ؛ لأنَّ القصرَ من رُخَص السَّفر، فبطل بزواله؛ كالمسح ثلاثًا. وكذا لو أخَّرها مسافِرٌ عمدًا حتَّى خرج وقتُها، أو ضاق عنها، قاله في «المحرَّر» وغيره؛ لأنَّها تَعلَّقتْ بذِمَّته كالدَّين، والأصلُ الإتمامُ. وقيل: يَقصُر فيهما، وفيما إذا ذكر صلاة حضَرٍ في سفرٍ. (أَوِ ائْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ) أتمَّ، نَصَّ عليه (٦)، قال ابنُ عبَّاسٍ: «تلك السُّنَّة»

стр. 1103

رواه أحمد (١)، ولأنَّها صلاةٌ مردودةٌ من أربَعٍ، فلا يُصلِّيها خلْف من يصلِّي الأَربَع كالجمعة. وسواءٌ أدرك معه جميع الصَّلاة، أو بعضَها، اعتقده مسافرًا أو لا. وعنه: في ركعة فأكثر. فعلى الأولى: إن أدرك معه تَشهُّدَ الجمعة؛ أتمَّ، نَصَّ عليه (٢). وعلى الثَّانية: يَقصُر. ويتوجَّه تخريجٌ من صلاة الخوف: يَقصُر مسافِرٌ مطلقًا، كما خرَّج بعضُهم إيقاعَها مرَّتيْنِ على صحَّة مفترِضٍ بمتنفِّلٍ. وشمِل ما إذا أحرم المسافرون خلْف مسافِرٍ، فأحدث واستخلف مقيمًا، فيَلزَمُهم الإتمامُ دون إمامهم المحدِث. (أَوْ بِمَنْ (٣) يَشُكُّ فِيهِ)؛ أي: في إقامته وسفره؛ لزمه أن يُتمَّ، وإن بان أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ لعدَم نيَّته، لكن إذا علِم أو غلَب على ظنِّه أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ بأَمَارةٍ وعَلامةٍ؛ كهَيئة لِباسٍ، لا أنَّ (٤) إمامَه نوى القصرَ؛ فله أن ينويَه؛ عملاً بالظَّنِّ.

стр. 1104

ولو قال: إن قَصَر قَصَرتُ، وإن أتمَّ أتممْتُ؛ لم يَضُرَّ. وإن سبق إمامَه الحدث، فخرج قبل علمه بحاله؛ فله القصرُ؛ عمَلاً بالظَّاهر. وقيل: يَلزَمه الإتمامُ؛ لأنَّه الأصل. (أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُه إِتْمَامُهَا)؛ كما لو اقتدى بمقيمٍ، أو نَوَى الإِتْمامَ، (فَفَسَدَتْ) بالحدَث، ونحوِه، (وَأَعَادَهَا)؛ أتمَّ؛ لأنَّها وجبتْ عليه بتلبُّسه بها. وقيل: إن بان أنَّ الإمامَ محدِثٌ قبل السَّلام؛ ففي وُجوب الإتمام وجهان. (أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ) عند الإحرام؛ (لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ)، ذَكَره معظمُ الأصحاب؛ لأنَّه الأصلُ، وإطلاقُ النِّيَّة يَنصرِف إليه، كما لو نوى الصَّلاةَ مُطلقًا انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصلُ. فعلى هذا: إن شكَّ في النِّيَّة في (١) الصَّلاة أتمَّ، فإن ذكر أنَّه كان نوى القصرَ لم يَقْصُر، ذكره في «المذهب» و «الشَّرح»؛ لأنَّه لزِمه الإتمامُ، فلم يَزل. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وجماعةٌ: (لَا يَحْتَاجُ الجَمْعُ وَالْقَصْرُ إِلَى نِيَّةٍ)؛ لأنَّه مُخَيَّرٌ قبل الدُّخول في الصَّلاة، فكذا بعده، والقصرُ هو الأصلُ؛ لخبر عُمرَ وعائشةَ (٢)، ولأنَّ السَّفرَ حال يُبِيح القصرَ، فإذا تلبَّس المسافِرُ بها فيه بغير نيَّةٍ؛ جاز له القصرُ؛ لقيام السَّفر مقامَ نيَّته؛ كالإتمام في الحضر. فعلى هذا: لو نوى الإتمامَ (٣)، ثمَّ أراد القصْر؛ قَصَر؛ لأنَّه رُخصةٌ.

стр. 1105

وقيل: لا؛ لأنَّ ما يوجِب (١) الأَربَع قد وجد. مسائل: منها: إذا صلَّى مسافِرٌ ومُقِيمٌ خلْف مُسافِرٍ؛ أتمَّ المقيمُ إذا سلَّم إمامُه إجماعًا (٢). ومنها: إذا أمَّ مسافِرٌ مقيمين فأتمَّ بهم الصَّلاةَ، صحَّ؛ لأنَّ المسافِرَ يَلزَمه الإتمامُ بنيَّته. وعنه: تَفسُد صلاةُ المقيمين، قال القاضي: لأنَّ الرَّكعتين الأخيرَتَين نفْلٌ في حق الإمام، فلا يَؤمُّ بهما مفترِضٌ. ومنها: إذا انتقل مسافِرٌ من القصر إلى الإتمام؛ جاز، وفرضه الأُولَيانِ، قاله ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وإنْ فَعَله عمدًا مع بقاء نيَّة القصر؛ فهل تَبطُل صلاتُه؟ على وجهين. وإن لم يغيِّر (٣) نيَّة القصر، وصلَّى أربعًا؛ سجد للسَّهو على الأصحِّ، ولا يجب ذلك على الأشهر، فإن كان إمامًا، وعلِم المأمومُ أنَّه لم يُرِد الإتمامَ؛ سبَّحوا به، ولم يُتابِعوه؛ لأنَّه سهوٌ، فإن تابَعوه؛ فوجهان. ومنها: إذا شكَّ هل نوى إمامه الإتمام، أو قام سهوًا؟ لزِم (٤) متابعتُه. وقال ابن عقيل: إن قام إلى ثالثةٍ عمدًا أتمَّ، فإن سلَّم منها عمدًا؛ بطَلتْ، وإن قام سهوًا؛ لم يَلزَمه الإتمامُ، فإن شاء سجد وجلس، وإن شاء أتمَّ. ومنها: إذا نوى مسافِرٌ القصرَ خلْف مقيمٍ عالِمًا بذلك؛ لم يَصِحَّ. وقيل:

стр. 1106

بلى، ويُتِمُّها. وقيل: ويَقصُرها، وفي وجوب نيَّة سفر القصر في أوَّله؛ وجهان. وإذا نوى الظُّهرَ تامَّةً مُسافِرٌ أو عبدٌ خلْف إمامِ جمعةٍ؛ لم يَصِحَّ، نَصَّ عليه (١). (وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ)؛ قَصرَ، كذا في «الوجيز» وغيرِه؛ لأنَّ المسافةَ بعيدةٌ، أشْبهَ المنفرِدَ، وكما لو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو مُشِقًّا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن سلكه لرفع أذيَّةٍ، واجتلابِ نفعٍ؛ قَصر قولاً واحدًا، وإن كان لا لغرَضٍ صحيحٍ؛ خُرِّج على الرِّوايتين في سفر النُّزهة، قال ابنُ حَمدانَ: ومثلُه بقيَّةُ رُخَص السَّفر. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي) سفر (آخَرَ؛ فَلَهُ الْقَصْرُ)؛ لأنَّ وجوبَها وفِعلَها وُجِد في السَّفر، أشبَه ما لو أدَّاها. وقيل: يُتِمُّها؛ كذكره لها في إقامة متخلِّلة. وظاهره: أنَّه إذا ذكرها فيه؛ أنَّه يقصر وِفاقًا (٢). وفيه وجْهٌ: يُتِمُّها؛ لأنَّه مختصٌّ بالأداء؛ كالجمعة. قال ابنُ تميمٍ وغيره: وقضاءُ بعض الصَّلاة في ذلك؛ كقضاء جميعها. (وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً)؛ أي: اثنتين وعشرين صلاةً؛ (أَتَمَّ، وَإِلاَّ قَصَرَ)، هذا هو المشهور عن أحمد، وفي «الكافي»: أنَّه المذهب، واختاره الخِرَقيُّ والأكثرُ؛ لما احتجَّ به أحمد، ومعناه متَّفقٌ عليه من حديث جابر وابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِم مكَّةَ صبيحةَ

стр. 1107

رابِعةٍ من (١) ذي الحجَّة، فأقام بها الرَّابع والخامس والسَّادس والسَّابع، وصلَّى الصُّبحَ في اليوم الثَّامن، ثمَّ خرج إلى مِنًى، وكان يَقصُر الصَّلاةَ في هذه الأيام، وقد أجمعَ على إقامتها» (٢)، وقال أنسٌ: «أقمنا بمكَّةَ عشرًا نَقصُر الصَّلاةَ» متَّفقٌ عليه (٣)، قال الأثرمُ: سمعتُ أبا عبد الله يَذكُر حديثَ أنسٍ، ويقول: (هو كلامٌ ليس يَفقَهُه كل أحدٍ) (٤)، ووجهه: أنَّه حسب مقام النَّبيِّ ﷺ بمكةَ ومِنًى، وليس له وجْهٌ غير هذا. وعنه: إن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيَّامٍ؛ أتمَّ، وإلاَّ قَصَر، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه القاضي، وذكر ابنُ عَقِيلٍ أنَّه المذهب؛ لأنَّ الذي تحقَّق أنَّه ﵇ نواه: إقامة أربعة أيَّامٍ؛ لأنَّه كان حاجًّا، والحاجُّ لا يَخرُج قبل يوم التَّرْويةِ. وعنه: إن نوى إقامةَ أربعةِ أيَّامٍ؛ أتمَّ، وإلاَّ قَصَر، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «يُقيمُ المهاجِرُ بعد قضاءِ نُسُكِهِ ثلاثًا» (٥)، وبأنَّ عمر أجْلى اليهود من جزيرة العرب وضرب لهم أجلاً ثلاثًا (٦).

стр. 1108

وفي «النَّصيحة»: فَوق ثلاثة أيَّامٍ، لا خمسةَ عشَرَ يومًا، بل في رُستاقٍ (١) يَنتقل فيه، نَصَّ عليه (٢)، كقصره ﵇ بمكةَ ومِنًى وعَرَفةَ عَشْرًا (٣). ويُحتسَب يوم الدُّخول والخروج من المُدَّة على الأظهر. ولا فرق بين أن يكون البلدُ للمسلمين أو لغيرهم، وفي «التَّلخيص»: أنَّ إقامة الجيش للغزو لا يَمنع التَّرخُّص وإن طال؛ لفعله ﵇ (٤). وظاهِرُه: أنَّه إذا نوى الإقامةَ بمَوضِعٍ يتعذَّر فيه الإقامة؛ كالبرِّيَّة؛ لا يَقصُر؛ لأنَّه نوى الإقامة. والمذهب: بلى؛ لأنَّه لا يمكنه الوفاءُ بهذه النِّيَّة، فلَغتْ، وبقِيَ حُكمُ السَّفر الأوَّل مُستدامًا. فلو نوى المسافِرُ إقامةً مُطلَقةً، وقيل: بموضع يُقامُ فيه؛ أنَّه يُتِمُّ. ومن نوى إقامةً تَمنَع القصرَ، ثمَّ نوى السَّفر قبل فَراغها؛ فقيل: يقصر (٥)، وقيل: إذا سافر. (وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ)؛ قَصَر؛ «لأنَّه ﵇ أقام بتبوكَ عشرين يومًا يَقصُر الصَّلاةَ» إسنادُه ثِقاتٌ، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، وقال: تفرَّد معمر بروايته مسنَدًا، ورواه عليُّ بن المبارَك مرسَلاً (٦)، «ولمَّا فتح النَّبيُّ ﷺ مكَّةَ؛

стр. 1109

أقام فيها (١) تِسعَ عشْرةَ (٢) يُصلِّي ركعتَين» رواه البخاريُّ (٣)، وقال أنَسٌ: «أقام أصحابُ النَّبيِّ ﷺ بِرامَهُرْمُزَ تسعةَ أَشهُرٍ يَقصُرون الصَّلاةَ» رواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (٤)، قال ابنُ المنذِر: (أجمعوا أنَّ المسافِرَ يَقصُر ما لم يُجمِعْ إقامةً، ولو أتى عليه سِنونَ) (٥). ولا فرق بين أن يغلِب على ظنِّه كثرةُ ذلك أو قلَّته، وصرَّح به في «الكافي»، وابنُ تميمٍ. وقيل: إن ظنَّ قضاءَ حاجته من استواء ريحٍ أو خروج قافلةٍ؛ لم يَقصُر، كما لو علِم. (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا)؛ قَصَر؛ لما روى الأثرمُ: «أنَّ ابنَ عمر أقام بأَذْرَبِيجَانَ ستَّةَ أَشهُرٍ يَقصُر الصَّلاةَ، وقد حال الثَّلجُ بينه وبين الدُّخول» (٦)، وفي معناه:

стр. 1110

إذا حبسه مرضٌ أو مطرٌ، فإن حُبِس بحقٍّ؛ لم يَقصُر. (أَوْ لَمْ يَنْوِ الإْقَامَةَ؛ قَصَرَ أَبَدًا)؛ لما تقدَّم، وعن عليٍّ قال: «يَقْصُر الذي يقول: أخرجُ اليومَ، أخرجُ غدًا، شهرًا» (١)، وعن سعدٍ: «أنَّه أقام في بعض قرى الشَّام أربعين يومًا يَقصُر الصَّلاةَ» رواهما سعيدٌ (٢). ولا فرق - إذا لم ينوِ الإقامةَ، أو نواها مدَّةً لا تَمنَع القصرَ - بين أن يكون (٣) البلد مُنتهى قصْدِه أو لم تكن على المنصوص (٤)، وهو ظاهر كلام الخِرَقيِّ والأكثرِ؛ لأنَّه ﵇ «قصر في حجِّه مدَّةَ مُقامه بمكَّةَ» (٥)، وكان مُنتهى قصْدِه، وكذلك الخلفاءُ مِنْ بعدِه. وقال بعضُ أصحابنا: إذا كان مُنتهى قصْدِه؛ لم يقصر حتَّى يخرج منه؛ لانتهاء سفره. وهذا كلُّه إذا لم يكن فيه زوجةٌ، أو تزوَّج، فإنَّه يتمُّ على الأشهر.

стр. 1111

وعنه: أو أهلٌ أو ماشيةٌ؛ لأنَّه قول ابن عبَّاسٍ (١). وقيل: أو مالٌ. وقيل: إن كان به ولدٌ أو والدٌ أو دارٌ قَصَر، وفي أهلٍ غيرِهما ومالٍ؛ وجهان. فرعان: الأول (٢): إذا مَرَّ المسافِرُ بوطنه؛ أتمَّ. وعنه: لا، ولا حاجةَ فيه، وإلاَّ قَصَر. الثَّاني: إذا نَسي حاجةً في بلده، فرجع لأخذها عن قرب؛ قَصَر في رجوعه، اختاره المؤلِّف. وفي وجْهٍ: لا، اختاره القاضي، وحكاه عن أحمدَ. وفي رجوعه إلى غير وطنه؛ وجهان. فإن نوى أن يقيم به ما يَمنَع القصرَ؛ لم يَقصُر في رجوعه. وقيل: إن قصد بلدًا بعينه، ونوى الرُّجوعَ قريبًا؛ قَصَر في رجوعه، نَصَّ عليه (٣). مسألةٌ: إذا سافَر من ليس بمكلَّف سفرًا طويلاً، ثمَّ كُلِّف بالصَّلاة في أثنائه؛ فله القَصرُ مطلقًا فيما بقِيَ.

стр. 1112

(وَالمَلاَّحُ) صاحب السَّفينة، قاله الجوهريُّ (١)، (الذِي مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ؛ لَيْسِ لَهُ التَّرَخُّصُ) أي: يعتبر للسَّفر (٢) المبيح: كونه منقطعًا، فإن كان دائمًا كما مثَّله؛ لم يترخَّص، نَصَّ عليه (٣)، وهو قول الحَسن وعطاءٍ؛ لأنَّه غير ظاعِنٍ عن وطنِه وأهلِه، أشبه المقيمَ. فعلى هذا: لا يترخَّص بفطر رمضان؛ لأنَّه يقضيه في السَّفر، وكما تعتدُّ امرأتُه مكانها كمقيم. وظاهره: أنَّه لا بدَّ من اجتماع الأمرَين، فلو انتفى أحدُهما؛ لم يَمنَع التَّرخُّص. ولم يَعتبِر القاضي فيه أن يكون معه أهله، وهو خلاف نصوصه؛ لأنَّ الشَّبَهَ لا يَحصُل حقيقةً (٤) إلاَّ بمجموع الأمرَين. ومثلُه مُكارٍ، وساعٍ، وبريدٌ، وراعٍ، ونحوُهم، نَصَّ عليه (٥). وقيل: عنه: يترخَّص، اختاره المؤلِّفُ، سواءٌ كان معه أهله أو لا؛ لأنَّه أشقُّ.

стр. 1113

(فَصْلٌ فِي الجَمْعِ) (يَجُوزُ الجَمْعُ)، وتركُه أفضلُ. وعنه: فعله، اختاره أبو محمَّد الجوزي وغيرُه؛ كجَمعَيْ عرفةَ ومُزدَلِفةَ. وعنه: التَّوقُّف. (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَوِ الْعِشَاءَيْنِ (١) فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا (٢)، فهذه الأَربعُ هي التي تُجمَعُ في وقت إحداهما؛ الظُّهر والعصر، أو المغرب (٣) والعشاء. (لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: السَّفَرِ الطَّوِيلِ) نَصَّ عليه (٤)، وهو قولُ أكثرهم؛ لما روى معاذٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان (٥) في غزوة تَبوكَ إذا ارتحل قبل زَيغ الشَّمس؛ أخَّرَ الظُّهرَ حتَّى يَجمَعَها إلى العصر، يصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ (٦) الشَّمس صلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا ثمَّ سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حسَنٌ غريب (٧)، وعن

стр. 1114

أنس معناه، متَّفقٌ عليه (١). وظاهِرُه: لا فرق بين أن يكون نازلاً أو سائرًا، في جمع التَّقديم أو التَّأخير (٢). وقال القاضي: لا يجوز إلاَّ لسائِرٍ. وعنه: لسائِرٍ وقتَ الأولى، فيؤخِّر إلى الثَّانية، اختاره الخِرَقيُّ؛ لما روى ابن عمر قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا أعجلَهُ السَّيرُ في السَّفرِ يؤخِّرُ المغربَ حتَّى يَجمَعَ بينها (٣) وبين العشاءِ»، قال سالم: وكان ابنُ عمرَ يَفعَلُه، متَّفقٌ عليه (٤). وقال ابن أبي موسى: الأظهر من مذهبه: أنَّ صفةَ الجمع فِعلُ الأولى آخر وقتها، والثَّانية أولَ وقتها. وظاهره: أنَّه لا يجوز في القصر على المذهب، وفيه وجْهٌ. (وَالمَرَضِ الذِي يَلْحَقُهُ بِتَرْكِ الجَمْعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) نَصَّ عليه (٥)، وصحَّحه جماعةٌ، وجزم به في «المحرَّر» وغيره؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جَمَعَ (٦) من غير خَوفٍ ولا مَطَرٍ»، وفي رواية: «من غير خوفٍ ولا سَفَرٍ»، رواهما مسلمٌ من حديث ابن عبَّاسٍ (٧)، ولا عذر بعد ذلك إلاَّ المرض، وقد ثبت جواز

стр. 1115

الجمع للمستحاضة؛ وهي نوعُ مرضٍ. وفي «الوجيز»: يجوز بكلِّ عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، عدا النعاس ونحوه، انتهى. واحتجَّ أحمدُ: بأنَّ المرض أشدُّ من السَّفر، وشرط بعضهم: إن جاز له ترك القيام، واحتجم أحمد بعد الغروب ثمَّ تعشَّى، ثم جمع (١) بينهما (٢). وعنه: لا يجوز؛ لما سبق. تنبيهٌ: يجوز لمرضع، نَصَّ عليه (٣)، للمشقَّة بكثرة النَّجاسة. وفي «الوسيلة» روايةٌ: لا. وقال أبو المعالي: هي كمريض، وكمن به (٤) سلَس البول، ذكره في «المحرَّر»، ولكلِّ من يَعجِز عن الطَّهارة والتَّيمُّم لكلِّ صلاة، وعن (٥) معرفة الوقت؛ كأعمى ونحوه، أومَأ إليه أحمد (٦)، ومن له شغل أو عذر يبيح ترك جمعة وجماعة، قاله ابن حمدان وغيره. (وَالمَطَرِ الذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ)، نَصَّ عليه (٧)، وهو قول الأكثر؛ لما تقدَّم من حديث ابن عبَّاسٍ، وفعله ابن عمر، رواه مالكٌ (٨)، قال أبو سلمة: «من السُّنَّة

стр. 1116

إذا كان يومٌ مَطِيرٌ أن يَجمَع بين المغرب والعشاء» رواه الأثرم (١)، وروى النَّجَّاد بإسناده: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مَطيرةٍ» (٢)، وفعَله أبو بكر وعمر وعثمان (٣). وحكم الثَّلج كذلك في المنصوص (٤). وفيهما وجه: لا يجوز، قال ابن تميم: (وهو ظاهر كلام أحمد). وظاهره: أنَّه لا يجوز لِطَلٍّ، ولا لمطرٍ خفيفٍ لا يَبُلُّ الثِّيابَ، وهو الأصحُّ؛ لعدم المشقَّة، وفيه وجْهٌ. (إِلاَّ أَنَّ جَمْعَ المَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عليه (٥)، واختاره جمهور الأصحاب، قال في «الفروع»: (وهو الأشهر)؛ لأنَّه لم يَرِد إلاَّ في المغرب والعشاء، ومشقَّتُهما أكثرُ من حيث إنَّهما يفعلان في الظُّلمة، ومشقَّة السَّفر لأجل السَّير وفوات الرفقة، وهو معدوم هنا.

стр. 1117

والثَّاني: يجوز بين الظُّهر والعصر كالعشاءين، وهو رواية، اختاره القاضي وأبو الخطَّاب (١)، وصحَّحه في «المذهب»؛ لأنَّه معنًى أباح الجمعَ، فأباحه بين الظُّهر والعصر كالسَّفر. (وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجْلِ الْوَحَلِ، أَوِ الرِّيحِ (٢) الشَّدِيدَةِ (٣)، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تَحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وفيه مسائلُ: الأولى: يجوز الجمعُ لأجل الوحَل في الأصحِّ، قال القاضي: قال أصحابنا: هو عذرٌ يبيح الجمع بمجرَّده، ويَلحَق به المشقَّة كالمطر. والثَّاني: لا يبيحه، ذكره أبو الخطَّاب؛ لأنَّ مشقَّته دون مشقَّة المطر، فلا يصحُّ قياسه عليه. وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ الإنسان يتأذَّى به في نفسه وثيابه، وذلك أعظم ضررًا من البَلَل. وظاهره: لا فرق بين أن يكون ليلاً أو نهارًا على المذهب. وقيَّده الشَّريف وأبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل»: باللَّيل. وظاهر كلام ابن أبي موسى: اعتبار الظُّلْمة ليلاً. الثَّانية: يجوز في الرِّيح الشَّديدة، صحَّحه ابن الجوزي والآمِدِيُّ وابنُ تميمٍ، قال أحمد في رواية الميموني: «إنَّ ابن عمر كان يجمع في اللَّيلة الباردة» (٤)، زاد غير واحد: ليلاً، وزاد في «المذهب» و «الكافي» و «المستوعب»: مع ظُلمةٍ.

стр. 1118

والثَّاني (١): المنعُ، وقد عُلما. الثَّالثة: يجوز لمن يصلِّي وحدَه، أو في جماعةٍ في بيته، أو مسجد طريقُه تحت ساباط، أو بينه وبينه خطوات يسيرة في ظاهر كلام أحمد، قاله القاضي؛ لأنَّ الرُّخصة العامَّة يَستوِي فيها حال وجود المشقَّة وعدمها؛ كالسَّفر. والثَّاني: لا يجوز، اختاره ابن عقيل، وصحَّحه في «المذهب»؛ لعدم المشقَّة. وقيل: إن كان يصلِّي الثَّانية جماعةً في وقتها لم يجمع، وإلاَّ جمع. (وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا)، كذا ذكره جماعةٌ، منهم (٢) صاحب «الوجيز»، وصحَّحه في «الشَّرح» (٣)؛ لحديث معاذٍ السَّابق، تفرَّد به قتيبة، قال البخاريُّ: قلتُ له: مع مَنْ كتبتَ هذا عن اللَّيث؟ قال: مع خالدٍ المدائني، قال البخاريُّ: (وخالد هذا كان يدخل (٤) الأحاديث على الشُّيوخ) (٥)، وروى ابنُ عبَّاسٍ نحوَه، رواه الشَّافعيُّ وأحمدُ (٦)، «وأخَّر النَّبيُّ ﷺ الصَّلاةَ يومًا في غَزوةِ تَبوكَ، ثمَّ خرج

стр. 1119

فصلَّى الظُّهر والعصر جميعًا، ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلَّى المغربَ والعشاء جميعًا» رواه مالكٌ، عن أبي (١) الزُّبير، عن أبي الطُّفيل، عن معاذٍ، قال ابنُ عبد البَرِّ: (هذا حديثٌ صحيحٌ ثابِتُ الإسنادِ) (٢)، ولأنَّ الجَمْع من رُخَص السَّفر، فلم يَختصَّ بحالةٍ؛ كسائر رُخَصه. وتقدَّم أنَّه مختَصٌّ بحالة السَّير في روايةٍ، وحُمل على الاستحباب. والمنصوص عنه: أنَّ الجَمعَ في وقت الثَّانية أفضلُ (٣)، وذكره المجْدُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه أحوطُ، وفيه خروجٌ من الخلاف، وعملٌ بالأحاديث كلِّها. وقيل: في جَمع السَّفر. وقيل: التَّقديم، وجزم به غير واحدٍ في جمع المطر، ونقله الأثرم (٤)، وأنَّ في جمع السَّفر تؤخَّر (٥). وما ذكره المؤلِّف هنا هو قولٌ في المَذهب، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)، وذَكَره ظاهِرَ مذهب أحمد المنصوص عنه، وهو يَعُمُّ (٧) أقسامه،

стр. 1120

لكن قال في «الشَّرح»: المستحَبُّ أن يؤخِّر الأولى عن أوَّل وقتها شيئًا، قال أحمدُ: يَجمَع بينهما إذا اختلط الظَّلام أو غاب الشَّفق، فعله ابنُ عمرَ (١). (وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ): الأوَّلُ: (نِيَّةُ الجَمْعِ) في الأَشهَر، قال القاضي (٢) وغيرُه: هو المذهبُ؛ لأنَّه عمَلٌ، فيدخل في عموم قوله: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (٣)، (عِنْدَ إِحْرَامِهَا) على المذهب؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ اشتُرِطتْ فيها النِّيَّةُ؛ اعتُبِرتْ في أوَّلها؛ كنيَّةِ الصَّلاة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا)، هذا قولٌ، وصحَّحه ابنُ الجَوزيِّ؛ لأنَّ مَوضِعَ الجمع عند الفراغ من الأُولى إلى الشُّروع في الثَّانية، فإذا لم تتأخَّر النِّيَّةُ عنه؛ أجزأه (٤). وقيل: تُجزِئه بعد سلام الأُولى قبل إحرام الثَّانية. وقيل: محلُّ النِّيَّة عند إحرام الثَّانية، لا قبلَه ولا بعدَه. وعلى الأُولى: لا تجب في الثَّانية، وهو الأَشهَر. (وَ) الثَّاني: الموالاةُ، وهو (أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) فُرقةً طويلةً؛ لأنَّ معنى الجمعِ المتابَعةُ والمقارَنةُ، ولا يحصل ذلك مع التَّفرُّق الطَّويل، وسواءٌ جَمعَ في وقت الأُولى أو الثَّانية على الأشهَر. وقيل: يَسقُط بالنِّسيان، قدَّمه ابن تميمٍ؛ لأنَّ إحداهما هنا تَبَعٌ لاستقرارها؛ كالفوائت.

стр. 1121

(إِلاَّ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع» (١)؛ لأنَّ ذلك يَسيرٌ، وهو مَعْفُوٌّ عنه، وهما من مصالح الصَّلاة، وظاهِرُه: تقديرُ اليسير بذلك. وصحَّح في «المغني»، وجزم به في «الوجيز»: أنَّ مرجِعَه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز. ويُشترَط في الوضوء: أن يكون خفيفًا، فإن طال؛ بطَل الجمعُ، واستثنى معهما (٢) جماعةٌ: الذِّكرَ اليسيرَ؛ كتكبير عيدٍ (٣). (وَإِنْ (٤) صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا؛ بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»، وهو ظاهر «الفروع»؛ لأنَّه فرَّق بينهما بصلاة، فبطل، كما لو قضى فائتةً. والثَّانية: لا تَبطُل؛ لأنَّها تابِعةٌ للصَّلاة، فلم يَقَع الفَصْل بأجنبيٍّ، كما لو تيمَّم (٥)، وفي «الانتصار»: يجوز تنفُّله بينهما، ونقل أبو طالِبٍ (٦): لا بأس أن يَطَّوَّع (٧) بينهما (٨).

стр. 1122

وهذا إذا لم يُطِل الصَّلاةَ، فإن أطالها؛ بطَل الجمعُ روايةً واحدةً. فإن تكلَّم بكلمة أو كلمتين؛ جاز. وذكر القاضي: أنَّ الجمع يَبطُل بالتَّفريق اليسير. واعتبر في «الفصول»: الموالاةَ، قال: ومعناها: أن لا يَفصِل بينهما بصلاةٍ ولا كلامٍ؛ لئلاَّ يزولَ معنى الاسمِ، وهو الجمع. وقال: إن سبقه الحدَث في الثَّانية، وقلنا: تَبطُل به، فتوضَّأ أو اغتسل ولم يُطِل؛ ففي بطلان جمعه (١) احتمالان. (وَ) الثَّالثُ: (أَنْ يَكُونَ العُذْرُ (٢) المبيحُ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى)، كذا ذكره الأكثرُ، منهم في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ افتِتاحَ الأُولى موضِعُ النِّيَّة، وفراغها وافتتاح الثَّانية مَوضِعُ الجمع. وقيل: لا يُشترَط عند سلام الأولى، وأنَّه (٣) متى انقطع ثمَّ عاد قبل طول الفصل؛ صحَّ الجمع، قال ابنُ تميمٍ وغيره: سواء قلنا باعتبار نيَّة الجمع أوْ لا. وقيل: يُشترَط دوامُه في الأُولى. وظاهرُه: أنَّه إذا انقطع المطرُ في الأُولى ولم يَعُدْ؛ أنَّه يَبطُل الجمع، لكن إن حصل وحَلٌ وقلنا بجوازه له (٤)؛ لم يَبطُل. ولا يُشترَط دوامُ العذر إلى فراغ الثَّانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف غيره.

стр. 1123

وإن انقطع السَّفرُ في الأُولى؛ بطل الجمعُ مطلقًا، وتَصحُّ ويُتمُّها. وإن انقطع في الثَّانية؛ كمن نوى الإقامة فيها، أو دخلت السَّفينةُ البلدَ؛ بطل الجمعُ، كما لو (١) كان قبل الشُّروع فيها؛ كالقصر والمسح، فعلى هذا: تنقلِب (٢) نفلاً، وقيل: تبطل. وقيل: لا يَبطُل الجمع؛ كانقطاع المطر في الأشهر (٣)، والفرق: أنَّه لا يتحقَّق انقطاعُ المطر لاحتمال عَوده في أثناء الصَّلاة، ويَخلُفه الوحَلُ، وهو عُذرٌ مُبيحٌ، بخلاف مسألتنا. ومريضٌ كمسافِرٍ. وظاهر ما سبق: أنَّه إذا قدِم المسافِرُ، أو أقام، أو عُوفِيَ المريضُ بعد الثَّانية؛ صحَّ الجمعُ وإن كان الوقتُ باقيًا (٤) كما لو قَدِم في أثناء الوقت. (وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ كَفَاهُ)؛ أي: أجزأَه (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى)؛ لأنَّه متى أخَّرها عن ذلك بغير نيَّةٍ؛ صارت قضاءً لا جمعًا. (مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا)، كذا جزم به الأكثرُ؛ لأنَّ تأخيرَها عن القدْر الذي يضيق عن فعلها؛ حرامٌ. وذكر المجْدُ وغيرُه: أن يَنوِيَه قبل أن يبقى من وقت الأُولى بقدرها؛ لفوت فائدة الجمع؛ وهي التَّخفيف بالمقارَنة بينهما. وقيل: أو قدْر تكبيرة أو ركعة، وذكره في «المغني» احتمالاً؛ لأنَّه يُدركُها به، وحمل الأوَّل على أنَّه الأَولى.

стр. 1124

وقيل: يَنوِيه من (١) الزَّوال والغروب. (وَ) يُشترَط: (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)؛ لأنَّ المُجوِّزَ للجمْعِ العُذْرُ، فإذا لم يَستمِرَّ؛ وجب أن لا يجوز؛ لزوال (٢) المقتضي؛ كالمريض يَبرَأ، والمسافِرِ يَقدَم، والمطرِ يَنقَطِع. وظاهره: أنَّه لا يُعتبَر وجودُ العذر في وقت الثَّانية؛ لأنَّهما صارتا واجِبتَين في ذِمَّته، فلا بدَّ له من فِعلهما. ويُشترَط التَّرتيب في الجَمعَين، لكن إن جمع في وقت الثَّانية، وضاق الوقتُ عنهما، قال في «الرِّعاية»: أو ضاق وقتُ الأُولى عن إحداهما؛ ففي سقوط التَّرتيب لضيقه وجهان. (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا تقدَّم اشتراطُه في جمع التَّقديم من (٣) نيَّة الجمع عند الافتتاح، ووجودِ العذر عند إحرامهما وسلامِ الأُولى، والموالاةِ؛ لأنَّ الثَّانيةَ مفعولةٌ فِي وقتها، فهي أداءٌ بكل حالٍ، والأُولى معها؛ كصلاةٍ فائتةٍ، وهذا هو الأصحُّ. والثَّاني: يُشترَط؛ لأنَّ حقيقتَه ضمُّ الشَّيء إلى الشَّيء، ولا يحصل (٤) مع التَّفريق. فعلى هذا: إنْ تَرَك الموالاةَ أثِم، وصحَّت، كما لو صلَّى الأُولى في وقتها مع نيَّة الجمع ثم تركه. وعلى الأوَّل (٥): لا بأسَ بالتَّطوُّع بينهما، نَصَّ عليه (٦).

стр. 1125

ولو صلَّى الأُولى وحدَه، ثم الثَّانيةَ (١) إمامًا أو مأْمومًا، أو صلَّى إمامٌ الأُولى، وإمامٌ الثَّانية، أو صلَّى معه مأمومٌ الأولى، وآخرُ الثَّانيةَ، أو نوى الجمعَ خلْف من لا يَجمَع، أو بمن لا يَجمَع؛ صحَّ. مسائل: الأولى: إذا بان فسادُ أُولاهما بعد الجمع بنسيان ركنٍ أو غيرِه؛ بطلت، وكذا الثَّانية، فلا جَمعَ، ولا تَبطُل الأُولى ببطلان الثَّانية، ولا الجمعُ إن صلاَّها قريبًا. وإن ترك ركنًا، ولم يَدرِ من أيِّهما تركه؛ أعادهما إن بقي الوقتُ، وإلاَّ قضاهما. الثَّانية: السُّنَّةُ تَتْبَعُ الفرضَ تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا. وقيل: لا يجوز فعلُ سنَّة الظُّهر الثَّانية بعد صلاة العصر جمعًا. وقيل: إن جمع في وقت العصر لم يَجُزْ، وإلاَّ جاز؛ لبقاء الوقت إذًا. الثَّالثة: صلاةُ عرفةَ ومزدلفةَ كغيرهما، نَصَّ عليه (٢)، اختاره الأكثرُ. واختار أبو الخَطَّاب والشيخُ تقيُّ الدِّين: الجمعَ والقصرَ مطلقًا (٣). والأشهَرُ عن أحمد: الجمعُ فقط، اختاره المؤلِّفُ، ولامتِناعِ القصرِ للمَكِّيِّ. قال أحمدُ: ليس ينبغي أن يُوَلَّى أحدٌ منهم الموسمَ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْدَم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ﵃ من المدينة» (٤)، وقال عَطاءٌ: (من السُّنَّة أن لا يُوَلَّى أحدٌ منهم) (٥).
следующие страницы →