← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(إِلاَّ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع» (١)؛ لأنَّ ذلك يَسيرٌ، وهو مَعْفُوٌّ عنه، وهما من مصالح الصَّلاة، وظاهِرُه: تقديرُ اليسير بذلك. وصحَّح في «المغني»، وجزم به في «الوجيز»: أنَّ مرجِعَه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز. ويُشترَط في الوضوء: أن يكون خفيفًا، فإن طال؛ بطَل الجمعُ، واستثنى معهما (٢) جماعةٌ: الذِّكرَ اليسيرَ؛ كتكبير عيدٍ (٣). (وَإِنْ (٤) صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا؛ بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»، وهو ظاهر «الفروع»؛ لأنَّه فرَّق بينهما بصلاة، فبطل، كما لو قضى فائتةً. والثَّانية: لا تَبطُل؛ لأنَّها تابِعةٌ للصَّلاة، فلم يَقَع الفَصْل بأجنبيٍّ، كما لو تيمَّم (٥)، وفي «الانتصار»: يجوز تنفُّله بينهما، ونقل أبو طالِبٍ (٦): لا بأس أن يَطَّوَّع (٧) بينهما (٨).

стр. 1122

وهذا إذا لم يُطِل الصَّلاةَ، فإن أطالها؛ بطَل الجمعُ روايةً واحدةً. فإن تكلَّم بكلمة أو كلمتين؛ جاز. وذكر القاضي: أنَّ الجمع يَبطُل بالتَّفريق اليسير. واعتبر في «الفصول»: الموالاةَ، قال: ومعناها: أن لا يَفصِل بينهما بصلاةٍ ولا كلامٍ؛ لئلاَّ يزولَ معنى الاسمِ، وهو الجمع. وقال: إن سبقه الحدَث في الثَّانية، وقلنا: تَبطُل به، فتوضَّأ أو اغتسل ولم يُطِل؛ ففي بطلان جمعه (١) احتمالان. (وَ) الثَّالثُ: (أَنْ يَكُونَ العُذْرُ (٢) المبيحُ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى)، كذا ذكره الأكثرُ، منهم في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ افتِتاحَ الأُولى موضِعُ النِّيَّة، وفراغها وافتتاح الثَّانية مَوضِعُ الجمع. وقيل: لا يُشترَط عند سلام الأولى، وأنَّه (٣) متى انقطع ثمَّ عاد قبل طول الفصل؛ صحَّ الجمع، قال ابنُ تميمٍ وغيره: سواء قلنا باعتبار نيَّة الجمع أوْ لا. وقيل: يُشترَط دوامُه في الأُولى. وظاهرُه: أنَّه إذا انقطع المطرُ في الأُولى ولم يَعُدْ؛ أنَّه يَبطُل الجمع، لكن إن حصل وحَلٌ وقلنا بجوازه له (٤)؛ لم يَبطُل. ولا يُشترَط دوامُ العذر إلى فراغ الثَّانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف غيره.

стр. 1123

وإن انقطع السَّفرُ في الأُولى؛ بطل الجمعُ مطلقًا، وتَصحُّ ويُتمُّها. وإن انقطع في الثَّانية؛ كمن نوى الإقامة فيها، أو دخلت السَّفينةُ البلدَ؛ بطل الجمعُ، كما لو (١) كان قبل الشُّروع فيها؛ كالقصر والمسح، فعلى هذا: تنقلِب (٢) نفلاً، وقيل: تبطل. وقيل: لا يَبطُل الجمع؛ كانقطاع المطر في الأشهر (٣)، والفرق: أنَّه لا يتحقَّق انقطاعُ المطر لاحتمال عَوده في أثناء الصَّلاة، ويَخلُفه الوحَلُ، وهو عُذرٌ مُبيحٌ، بخلاف مسألتنا. ومريضٌ كمسافِرٍ. وظاهر ما سبق: أنَّه إذا قدِم المسافِرُ، أو أقام، أو عُوفِيَ المريضُ بعد الثَّانية؛ صحَّ الجمعُ وإن كان الوقتُ باقيًا (٤) كما لو قَدِم في أثناء الوقت. (وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ كَفَاهُ)؛ أي: أجزأَه (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى)؛ لأنَّه متى أخَّرها عن ذلك بغير نيَّةٍ؛ صارت قضاءً لا جمعًا. (مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا)، كذا جزم به الأكثرُ؛ لأنَّ تأخيرَها عن القدْر الذي يضيق عن فعلها؛ حرامٌ. وذكر المجْدُ وغيرُه: أن يَنوِيَه قبل أن يبقى من وقت الأُولى بقدرها؛ لفوت فائدة الجمع؛ وهي التَّخفيف بالمقارَنة بينهما. وقيل: أو قدْر تكبيرة أو ركعة، وذكره في «المغني» احتمالاً؛ لأنَّه يُدركُها به، وحمل الأوَّل على أنَّه الأَولى.

стр. 1124

وقيل: يَنوِيه من (١) الزَّوال والغروب. (وَ) يُشترَط: (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)؛ لأنَّ المُجوِّزَ للجمْعِ العُذْرُ، فإذا لم يَستمِرَّ؛ وجب أن لا يجوز؛ لزوال (٢) المقتضي؛ كالمريض يَبرَأ، والمسافِرِ يَقدَم، والمطرِ يَنقَطِع. وظاهره: أنَّه لا يُعتبَر وجودُ العذر في وقت الثَّانية؛ لأنَّهما صارتا واجِبتَين في ذِمَّته، فلا بدَّ له من فِعلهما. ويُشترَط التَّرتيب في الجَمعَين، لكن إن جمع في وقت الثَّانية، وضاق الوقتُ عنهما، قال في «الرِّعاية»: أو ضاق وقتُ الأُولى عن إحداهما؛ ففي سقوط التَّرتيب لضيقه وجهان. (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا تقدَّم اشتراطُه في جمع التَّقديم من (٣) نيَّة الجمع عند الافتتاح، ووجودِ العذر عند إحرامهما وسلامِ الأُولى، والموالاةِ؛ لأنَّ الثَّانيةَ مفعولةٌ فِي وقتها، فهي أداءٌ بكل حالٍ، والأُولى معها؛ كصلاةٍ فائتةٍ، وهذا هو الأصحُّ. والثَّاني: يُشترَط؛ لأنَّ حقيقتَه ضمُّ الشَّيء إلى الشَّيء، ولا يحصل (٤) مع التَّفريق. فعلى هذا: إنْ تَرَك الموالاةَ أثِم، وصحَّت، كما لو صلَّى الأُولى في وقتها مع نيَّة الجمع ثم تركه. وعلى الأوَّل (٥): لا بأسَ بالتَّطوُّع بينهما، نَصَّ عليه (٦).

стр. 1125

ولو صلَّى الأُولى وحدَه، ثم الثَّانيةَ (١) إمامًا أو مأْمومًا، أو صلَّى إمامٌ الأُولى، وإمامٌ الثَّانية، أو صلَّى معه مأمومٌ الأولى، وآخرُ الثَّانيةَ، أو نوى الجمعَ خلْف من لا يَجمَع، أو بمن لا يَجمَع؛ صحَّ. مسائل: الأولى: إذا بان فسادُ أُولاهما بعد الجمع بنسيان ركنٍ أو غيرِه؛ بطلت، وكذا الثَّانية، فلا جَمعَ، ولا تَبطُل الأُولى ببطلان الثَّانية، ولا الجمعُ إن صلاَّها قريبًا. وإن ترك ركنًا، ولم يَدرِ من أيِّهما تركه؛ أعادهما إن بقي الوقتُ، وإلاَّ قضاهما. الثَّانية: السُّنَّةُ تَتْبَعُ الفرضَ تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا. وقيل: لا يجوز فعلُ سنَّة الظُّهر الثَّانية بعد صلاة العصر جمعًا. وقيل: إن جمع في وقت العصر لم يَجُزْ، وإلاَّ جاز؛ لبقاء الوقت إذًا. الثَّالثة: صلاةُ عرفةَ ومزدلفةَ كغيرهما، نَصَّ عليه (٢)، اختاره الأكثرُ. واختار أبو الخَطَّاب والشيخُ تقيُّ الدِّين: الجمعَ والقصرَ مطلقًا (٣). والأشهَرُ عن أحمد: الجمعُ فقط، اختاره المؤلِّفُ، ولامتِناعِ القصرِ للمَكِّيِّ. قال أحمدُ: ليس ينبغي أن يُوَلَّى أحدٌ منهم الموسمَ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْدَم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ﵃ من المدينة» (٤)، وقال عَطاءٌ: (من السُّنَّة أن لا يُوَلَّى أحدٌ منهم) (٥).

стр. 1126

(فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ) وهي ثابِتةٌ؛ بقوله (١) تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وما ثبت في حقِّه ﷺ ثبت في حقِّ أمَّته، ما لم يَقُمْ دليلٌ على اختصاصه؛ لأنَّ الله تعالى أمر باتِّباعه، وتخصيصُه (٢) بالخطاب لا يقتضي اختصاصَه بالحكم، بدليل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبَة: ١٠٣]. وبالسُّنَّة، وقد ثبت وصحَّ أنَّه ﵇ صلاَّها (٣)، وأجمع الصَّحابةُ على فعلها، وصلاَّها عليٌّ (٤)، وأبو موسى الأشعريُّ (٥)، وحُذَيفةُ (٦).

стр. 1127

فإن قلتَ: فالنَّبيُّ ﷺ لم يُصَلِّها يومَ الخندق؟ وجوابُه: بأنَّه كان قبل نزولها، قال في «الشَّرح»: ويَحتمِل أنَّه ﵇ نَسيَها يومئذٍ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ يَمنَعه (١) منها. (قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عبْدِ اللهِ) أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ حَنبَلٍ: (صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أَوْ سِتَّةٍ)، وقال في روايةٍ أخرى: ستَّةِ أَوجُهٍ أو سَبْعَةٍ (٢)، (كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ)، قال الأثْرمُ: قلت لأبي عبد الله: تَقُول بالأحاديث كلِّها، أو تَختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا أَقُول مَنْ ذهَبَ إليها كُلِّها فحَسَنٌ، وأمَّا حديثُ سَهلٍ (٣) فأنا أختاره (٤). وشرطُه: أن يكون العدوُّ مُباحَ القتال، سفَرًا كان أو حضَرًا، مع خَوف هُجومِهم على المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠١]. (فَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ؛ صَفَّ الْإِمَامُ المُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ)، قال جماعةٌ: أو أكثرَ، (فَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا) من الإحرام، والقيام، والرُّكوع، والرَّفع منه، (إِلَى أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدُ مَعَهُ الصَّفُّ الذِي يَلِيهِ، ويَحْرُسُ

стр. 1128

الآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدُ وَيَلْحَقُهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الذِي حَرَسَ، وَحَرَسَ الآخَرُ، حَتَّى يَجْلِسَ فِي التَّشَهُّدِ فَيَسْجُدُ، وَيَلْحَقُهُ فَيَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ) جميعًا، هذه الصِّفةُ رواها جابِرٌ قال: «شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفَّنا خلْفَه صفَّينِ، والعدوُّ بيننا وبين القِبلة، فكبَّر رسولُ الله ﷺ فكبَّرنا جميعًا، ثمَّ ركَع وركعْنا، ثمَّ رفع رأسه من الرُّكوع ورفعْنا جميعًا، ثمَّ انحدَر بالسُّجود والصَّفُّ الذي يليه، وقام الصَّفُّ المؤخَّرُ في نَحْر العدوِّ، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ السُّجودَ، وقام الصَّفُّ الذي يليه؛ انحدر الصفُّ المؤخَّرُ بالسُّجود، وقاموا، ثمَّ تقدَّم الصَّفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّر الصَّفُّ المقدَّمُ، ثمَّ ركع، وركعْنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسَه من الرُّكوع، ورفعْنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسُّجود، والصَّفُّ الذي يليه الذي (١) كان مؤخَّرًا في الركعة الأُولى، وقام الصَّفُّ المؤخَّرُ في نَحْرِ العدوِّ، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ السُّجودَ، وقام الصَّفُّ الذي يليه؛ انحدر الصَّفُّ المؤخَّرُ بالسُّجود فسجد، ثمَّ سلَّم النَّبيُّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا» رواه مسلم، وروى البخاري بعضَه، وروى (٢) هذه الصفة أحمد وأبو داود من حديث أبي عيَّاش (٣) الزرقي (٤)، قال: «فصلاَّها النَّبيُّ ﷺ مرَّتَينِ؛ مرَّةً بعُسْفَانَ، ومرَّة بأرض بني سُلَيمٍ» (٥).

стр. 1129

ولم يَذكُرِ المؤلِّفُ هنا تأخُّرَ المتقدِّمِ، وتَقدُّمَ المؤخَّرِ، وهو مذكور في الخبر كما ترى، وجزم به في «الوجيز». فقيل: هو أَولى؛ للتَّساوي في فضيلة الموقف، ولقرب مواجهة العدُوِّ. وقيل: يجوز؛ في الرَّكعة الثَّانية (١) يَحرُس السَّاجدَ معه أوَّلاً. وذكر القاضي وأصحابُه، واقتصر عليه في «المحرر»: أنَّ الصَّفَّ الأوَّلَ في (٢) أوَّلِ ركعةٍ لا يَسجُدون مع الإمام، بل يَقِفون حَرَسًا؛ لأنَّه أحوطُ. وإن حرَس بعض الصَّفِّ، أو جعلهم صَفًّا واحدًا؛ جاز؛ لحصول المقصود، وفِعْله ﵇ أَوْلَى. وظاهِرُ (٣) ما ذكره المؤلِّف: أنَّه لا يُشتَرَط لها إلاَّ أن يكون العدوُّ في جهة القِبلة، والأشهر: أنَّه يشترط مع ذلك ألا يَخفى بعضُهم عن المسلمين، وأن لا يخافوا كَمِينًا، زاد أبو الخطَّاب وتَبِعه في «التَّلخيص»: أو (٤) يكونَ المسلمون فيهم (٥) كثرةٌ بأن يَحرُس بعضُهم، ويصلِّي بعضٌ؛ لأنَّ المقصودَ يَحصُل به. (الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ (٦)، فَإِذَا قَامُوا إِلَى الثَّانِيَةِ؛ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ (٧) الْأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ

стр. 1130

الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ؛ أَتَمَّتْ لأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ، وَسَلَّمَ بِهِمْ)، وذلك متَّفقٌ عليه من حديث صالح بن خوَّاتِ بن جُبَيرٍ عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ يوم ذات الرِّقاع صلاة الخوف: «أنَّ طائفةً صفَّت معه، وطائفةً وجاه العدوِّ، فصلَّى بالتي معه ركعة، ثمَّ ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا وصفُّوا وِجاه العدوِّ، وجاءتِ الطَّائفةُ الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعة التي بَقِيَتْ من صلاتِهِ، ثمَّ ثَبَتَ جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم»، وصحَّ عن صالِحِ بن خوَّات عن سهل بن أبي حَثْمةَ مرفوعًا (١)، وهذا هو المختار عند أحمد؛ لأنَّه أنكى للعدو، وأقلُّ في الأفعال، وهو أشبهُ بكتاب الله تعالى، وأحوطُ للصلاة والحرب. وإن صلَّى كما في حديث ابن عمر (٢)، وهو الوجه الثَّالث؛ جاز. وظاهره: أنَّه يشترط لهذه الصَّلاة أن يكون العدوُّ في غير جِهة القِبلة، وهو قول القاضي وجماعةٍ؛ لأنَّ صلاته ﵇ بذات الرِّقاع كانت كذلك، والمنصوص عن أحمد: أنَّها تفعل وإن كان العدو (٣) في جهة القِبلة (٤). قال ابنُ تميمٍ: (قال شيخنا: نصُّ أحمد محمول على ما إذا لم تمكن صلاة عُسْفان؛ لانتشار العدوِّ، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكنت). قوله: (جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ العَدُوِّ)؛ شرط (٥) أبو الخطَّاب، واقتصر عليه في «التَّلخيص»: أن يكونَ المصلُّون يمكن تفريقهم طائفتين، كلُّ طائفةٍ ثلاثةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ.

стр. 1131

وذهب المؤلِّف وجمعٌ: إلى عدم اشتراطه؛ لأنَّ ما دون الثَّلاثة يَصِحُّ به الجماعةُ، فجاز أن تكون (١) طائفةً كالثَّلاثة، بل تطلق ويراد بها الواحد. قال القاضي وغيره: إن كان كلُّ طائفةٍ أقلَّ من ثلاثةٍ؛ كُرِه، وصحَّ. وظاهره: لا تجب (٢) التَّسوية بينهما، لكن يجب أن تكون الطَّائفةُ التي بإزاء العدوِّ تحصل الثِّقةُ بكِفايتها وحراستها، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم فرارها، فإن فرَّط الإمامُ في ذلك؛ أثِمَ، وهو صغيرة، الأشبه أنَّه لا يقدح؛ لأنَّ النَّهي لا يختصُّ بشرط الصَّلاة، وقيل: يَفسق وإن (٣) لم يتكرَّر، كالمودَع. ومتى خشِي اختلالَ حالهم، واحْتِيج إلى معونتهم بالطَّائفة الأخرى؛ فللإمام أن يَنْهَز إليهم بمن معه، وثبتوا على ما مضى من صلاتهم، فإن أتى الطَّائفةَ التي بإزاء العدو مدَدٌ، استغنت به عن الحراسة؛ فهل تترك (٤) الحراسة بغير إذن الإمام وتصلِّي (٥)؟ فيه وجهان، وعليهما: متى صلَّت (٦)؛ فصلاتُها صحيحةٌ. قوله: (وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً)، يُستحَبُّ أن يخفِّف بهم الصَّلاة؛ لأنَّ موضوعها على التَّخفيف، وكذا الطَّائفة التي تفارقه. وظاهره: أنَّها لا تفارقه حتَّى يَستقِلَّ قائمًا؛ لأنَّ النُّهوضَ يشترِكون فيه جميعًا، فلا حاجة إلى مفارقتهم له قبله؛ لأنَّها إنَّما جازت للعذر، وتنوي

стр. 1132

المفارقة؛ لأنَّ من ترك المتابَعةَ، ولم يَنوِ المفارقةَ؛ بطلت. وتَسجُد لسهو إمامها قبل المفارقة عند فراغها؛ وهي بعد المفارقة منفرِدةٌ. وقيل: مَنْويَّةٌ، والطَّائفةُ الثَّانية منويَّةٌ في كلِّ صلاته، يسجدون لسهوه لا لسهوهم. قوله: (ثَبَتَ قَائِمًا)؛ أيْ: يقرأ حال انتظاره ويُطيلها، ذكره في «المحرَّر» وغيره، ولم يذكرها (١) المؤلِّفُ؛ لأنَّه ليس في الصَّلاة حالُ سكوتٍ، والقيامُ محلُّ القراءة، فينبغي أن يأتي بها؛ كما في التشهُّد إذا انتظرهم. وقال القاضي: إذا قرأ في انتظارهم؛ قرأ بعد مجيئهم بفاتحة الكتاب وسورةٍ خفيفةٍ، وإن لم يقرأ في انتظارهم؛ قرأ إذا جاؤوا بالفاتحة وسورةٍ، وهذا على سبيل الاستحباب، فلو قرأ قبل مجيئهم، ثمَّ ركع عند مجيئهم، أو قبلَه، فأدركوه راكعًا؛ ركعوا معَه، وصحَّت لهم الرَّكعة مع ترك السُّنَّة. قوله: (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ)، أي: يتشهَّدُ ويطيلُه، ويُطيل الدَّعاء فيه حتَّى يُدركوه فيتشهَّدوا، ويسلِّم بهم. وقيل: له أن يُسلِّم قبلهم بعد أن صلَّوا معه ركعةً، ثمَّ يُصَلُّوا وحدَهم ركعةً أخرى ويُسلِّموا. والأوَّل أَوْلى لموافقة الخبر، ولقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، فيدلُّ على أنَّ صلاتَهم كلَّها معه، ولِتَحصُلَ المعادلةُ بينهما، فإنَّ الأُولى أدركت معه فضيلةَ الإحرام، والثَّانية السَّلامَ. وهذه الصِّفة والتي (٢) قبلها؛ في الرَّكعتين، كصلاة الفجر، والرُّباعيَّة المقصورة للمسافِر، فأمَّا الجُمَعة فتصلَّى (٣) في الخوف حضرًا بشرط كون

стр. 1133

الطَّائفة أربعين، فيصلِّي بطائفةٍ ركعةً بعد حضورها الخُطبةَ، فإن أحرم بالتي لم تحضرها؛ لم يَصِحَّ، وتقضي كلُّ طائفةٍ ركعةً بلا جهرٍ. ويُصلَّى الاستسقاءُ ضرورةً كالمكتوبة، والكُسوفُ والعِيدُ آكَدُ منه. (فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا؛ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً)، ذَكَره الأصحابُ؛ لأنَّه إذا لم يكن بدٌّ من التَّفضيل؛ فالأُولى أَحَقُّ به، وما فات الثَّانيةَ يَنجبِرُ بإدراكها السَّلام مع الإمام. ونَصَّ أحمد على أنَّه لو عَكَس؛ صحَّتْ (١)، ورُوي عن عليٍّ (٢)؛ لأنَّ الأُولى أدركتْ معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يزيدَ الثَّانية في الرَّكعات؛ ليَحصل الجبرُ به. قال في «الشَّرح»: (وكيف فعل جازَ)، والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّها تصلِّي جميع صلاتها في حكم الإتمام، والأُولى تَفعَل صلاتَها في حكم الانفراد. قال في «الفروع»: (ويتخرَّج: تَفسُد (٣) من فسادها بتفريقهم (٤) أربعَ طوائفَ. وعلى الأوَّل: إذا صلَّى بالثَّانية الرَّكعة الثَّالثة، وجلس للتَّشهُّد؛ قامت ولا تتشهَّد معه؛ لأنَّه ليس بموضع لتشهُّدها، بخلاف الرُّباعية. وفيه وجْهٌ: تتشهَّد معه إذا قلنا: إنَّها تقضي ركعتين متوالِيتَين؛ لئلاَّ يفضي إلى أن يُصلِّيَ ثلاث ركعاتٍ بتشهُّدٍ واحدٍ، ولا نظير له. (وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ؛ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ

стр. 1134

الْأُولَى) بعد مفارَقة الإمام (بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) وحدَها (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لأنَّها آخِرُ صلاتِها، (وَ) تقوم (الْأُخْرَى) إذا تشهَّدت معه الأُولى (تُتِمُّ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وَسُورَةٍ)؛ لأنَّها أوَّل صلاتها، وتستفتح إذا قامت للقضاء (١)، ويُسلِّم بهم. وإن قلنا: ما يقضيه المسبوقُ آخر صلاته؛ فلا استفتاح، ولا يقرأ السُّورةَ. (وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ (٢)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (٣): تُفارِقه (٤) إذا فرغ من التَّشهُّد، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز» وغيره، ويَنتظِر الثَّانية جالسًا، يكرِّره، فإذا أتت قام لتدرك (٥) جميع الرَّكعة الثَّالثة، ولأنَّ الجلوس أخف على الإمام؛ لأنَّه متى انتظرهم قائمًا احتاج إلى قراءة السُّورة في الثَّالثة، وهو خلاف السُّنَّة. وقال أبو المعالي: تُحْرِمُ معه، ثمَّ يَنهَض (٦) بهم. والثَّاني: يفارقونه حين قيامه إلى الثَّالثة؛ لأنَّه يحتاج إلى التَّطويل من أجل الانتظار، والتَّشهُّد يُستحَبُّ تخفيفُه، ولأنَّ ثوابَ القائم أكثرُ. قال في «الشَّرح»: وكلاهما جائزٌ. وتَصِحُّ (٧) بطائفةٍ ركعةً، وبأخرى ثلاثًا، ويكون تاركًا للأفضل، قاله ابنُ تميمٍ. (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً)، أو فرَّقهم ثلاثَ فِرَقٍ،

стр. 1135

فصلَّى بالأُولى ركعتَين، وبالباقيتَين (١) ركعةً ركعةً، أو صلَّى بكلِّ فِرْقةٍ ركعةً في المغرب؛ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيَنِ) فقطْ، ذَكَره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّهما ائْتَمَّا بمَن صلاتُه صحيحةٌ، ولمفارقتها قبل الانتظار الثَّالث، وهو المبطِل؛ لأنَّه لم يَرِد، (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ)؛ لأنَّه زاد انتظارًا ثالثًا لم يَرِد الشَّرعُ به، فوجب بطلانُها، أشبه ما لو فعله من غير خَوفٍ. وسواءٌ كان هذا التَّفريقُ لحاجةٍ أو غيرِها، قاله ابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّه يُمكنهم صلاةُ شدَّةِ الخَوفِ. (وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ)؛ لأنَّهما ائْتَمَّا بمَن صلاتُه باطِلةٌ، أشْبهَ ما لو كانت باطلةً من أوَّلها. وظاهره: أنَّهما إذا جهلتا بطلانَ صلاة الإمام أنَّها تَصحُّ؛ لأنَّه ممَّا يخفى، وكما لو ائْتَمَّ بمُحدِثٍ لا يعلم حدثَه، ويجوز خَفاؤه على الإمام أيضًا، قاله في «الشَّرح» و «الوجيز». وفيه: تَبطُل صلاةُ الثَّالثة والرَّابعة مطلقًا؛ لأنَّ الإمامَ والمأمومَ يَعلمانِ وجودَ المبطِل، وإنَّما خَفِيَ عليهم حكمُه، فلم يَمنَع ذلك البُطلانَ، كما لو علم حدَث الإمام، ولم يعلم كونه مبطِلاً. وقيل: إن كان لحاجةٍ صحَّت صلاةُ الجميع (٢)، قال ابنُ تميمٍ: (وهو

стр. 1136

أقْيسُ، فعلى هذا تُفارِقه الأوليان بعد القيام، وتُفارِقه (١) الثَّالثة، وتقوم الرَّابعة عَقِب رفعه من السُّجود، وإن كان لغير حاجة؛ صحَّت (٢) صلاةُ الأُولى فقط، وبطلت صلاة الإمام وباقي الطَّوائف). وقيل: تَبطُل صلاةُ الكلِّ؛ لنيَّته صلاةً محرَّمةً ابتداءً. وقيل: تصحُّ صلاةُ الإمام فقط، جزم به في الخلاف؛ لأنَّ صلاة المأمومين إنَّما فسدت لانصرافهم في غير وقت الانصراف. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ: تَبطُل صلاةُ الأُولى والثَّالثة (٣)؛ لانصرافهما في غير محلِّه). (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي (٤) إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا)؛ لما رَوى ابنُ عمرَ قال: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ صلاةَ الخَوفِ (٥) بإحدى الطَّائفتين ركعةً وسجدتَين، والطَّائفةُ الأخرى مُواجِهةُ العدوِّ، ثمَّ انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبِلين على العدوِّ، وجاء أولئك فصلَّى بهم (٦) النَّبيُّ ﷺ ركعةً ثمَّ سلَّم، ثمَّ قضى هؤلاء ركعةً، وهؤلاء ركعةً» متَّفقٌ عليه (٧).

стр. 1137

وعلى كلِّ طائفةٍ القراءةُ في الرَّكعة التي تقضيها. وقال القاضي: لا قراءة عليها؛ لأنَّها مُؤتَمَّةٌ به حكمًا، فلا تقرأ (١) فيما تقضيه (٢)؛ كمن (٣) زُحم أو نام حتَّى سلَّم إمامه، والمنصوصُ خلافُه (٤). وإن قضت الثَّانيةُ ركعتها حين تفارق الإمام ثمَّ تمضي، وتأتي الأولى فتُتِمُّ صلاتَها؛ جاز، قال ابن تميم: وهو أحسنُ؛ لخبر ابن مسعودٍ (٥). (الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا)، رواه أحمدُ وأبو داود والنَّسائي عن أبي بكْرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٦)،

стр. 1138

ورواه الشَّافعيُّ والنَّسائيُّ عن جابِرٍ مرفوعًا (١). وذكر جماعةٌ: أنَّ هذه صفة (٢) حَسنةٌ قليلةُ الكُلفة، لا يُحتاج فيها إلى مفارَقة الإمام، ولا إلى تعريف كيفيَّة الصَّلاة. وبناه القاضي على اقتداء المفترِض بالمتنفِّل، ونصُّه: التَّفرقةُ (٣). (الْوَجْهُ الخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ المَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ (٤) مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونُ (٥) لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً)؛ لما رَوى جابِرٌ قال: «أقْبلْنا مع النَّبيِّ ﷺ حتَّى إذا كنَّا بذاتِ الرِّقاع، قال: فنُودِي بالصَّلاة، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثمَّ تأخَّروا، وصلَّى بالطَّائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت (٦) لرسول الله ﷺ أربعُ ركعاتٍ، وللقوم ركعتان ركعتان (٧)» متَّفقٌ عليه (٨). وتأوَّله القاضي: على أنَّه ﵇ صلَّى بهم كصلاة الحضَر، وأنَّ كلَّ طائفةٍ قضت ركعتين. وهو تأويلٌ فاسِدٌ؛ لمخالَفة صفة الرِّواية وقولِ أحمدَ، ومنعه صاحب «المحرَّر»؛ لاحتمال سلامه، فتكون (٩) الصِّفة قبلها. تتميمٌ: وهو الوجْهُ السَّادسُ، ولم يذكره المؤلِّف هنا، وهو: لو قصرها

стр. 1139

وصلَّى بكلِّ طائفة (١) ركعةً بلا قضاءٍ؛ كصلاته ﵇ في خبر ابن عبَّاسٍ وحُذيفةَ وزيد بنِ ثابِتٍ (٢)؛ صحَّ في ظاهر كلامه (٣)، واختاره المؤلِّف، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع» و «مَجمَع البحرَين» وغيرهم، والمذهبُ خلافُه، وعليه الأكثر. قال في «الشَّرح»: الذين (٤) قالوا: ركعةً، إنَّما هو عند شدَّة القتال، والذين رَوَينا عنهم صلاة النَّبيِّ ﷺ أكثرُهم لم ينقُصوا من ركعتين، وابن عبَّاسٍ

стр. 1140

لم يَعلَم ذلك لصغر سنِّه، فالأخذ برواية من حضرها وصلاها مع النَّبيِّ ﷺ أَوْلى. زيادةٌ: إذا صلَّى بهم صلاةَ النَّبيِّ ﷺ عامَ نَجْدٍ على ما خرَّجه أحمدُ من حديث أبي هريرة (١)؛ وهي: أن تقوم (٢) معه طائفةٌ، وأخرى تُجاه العدوِّ، وظَهرُها إلى القِبلة، ثمَّ يُحرِم وتُحرِم معه الطَّائفتان، ثمَّ يصلِّي ركعةً هو والتي معه، ثمَّ يقوم إلى الثَّانية ويذهب الذين معه إلى وجه العدوِّ، وتأتي الأخرى فتَركَع وتَسجُد، ثمَّ يصلِّي بالثَّانية ويجلس، وتأتي التي تُجاه العدوِّ فتركع وتسجد، ويسلِّم بالجميع؛ جاز. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلَهُ؛ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ)، ذَكَره مُعظَمُ الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، فدلَّ على الجُناح عند عدم ذلك، ولأنَّه لو وجب لكان شرطًا كالسُّترة، قال ابنُ مُنَجَّى: (وهو خلاف الإجماع)، ولأنَّ حمله يراد لحراسةٍ أو قتالٍ، والمصلِّي لا يَتَّصف بواحدةٍ منهما، والأمر به للرِّفق بهم والصِّيانة لهم، فلم يكن (٣) للإيجاب، كما أنَّ النَّهي عن الوِصال لمَّا كان للرِّفق؛ لم يكن للتَّحريم. وذَكَر الشَّريف وابنُ عَقِيلٍ: بأنَّ حملَه في غير الصَّلاة محظورٌ، فالأمرُ به هنا أمرٌ بعد حظرٍ، وهو للإباحة مع قولهم: يُستحَبُّ.

стр. 1141

وظاهره: أنَّه يُكرَه حمل ما يُثقِله كالجَوْشَن، وما يَمنَع من إكمالها كالمِغْفَر، وما يَضرُّ غيرَه كالرُّمح، هذا إذا كان متوسِّطًا، فإن كان في حاشية لم يُكرَه، قال (١) جماعةٌ: وإن احتاج إلى ذلك؛ فلا كراهة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ)؛ أي: حَمْل الخِفِّ من سلاحٍ يَقِيه، واختاره جماعةٌ، وقاله داود (٢)، وفي «الشَّرح»: (وهو أظهرُ؛ لأنَّ الأمرَ للوجوب)، وليس بشرطٍ وِفاقًا (٣)، قال في «الفروع»: (ويَتوجَّهُ احتمالٌ). لكنْ إن كان بهم أذًى من مطرٍ أو مرضٍ، فلا يجب بغير خلاف (٤). فرعٌ: يجوز حملُ سلاحٍ نَجِسٍ في هذه الحال للحاجة، بلا إعادة على المشهور.

стр. 1142

(فَصْلٌ) (وَإِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ)، المرادُ به حال المسايَفة، وهو أن يَتواصلَ الطَّعْن والكَرُّ والفَرُّ، ولم يُمكِن تفريقُ القوم، ولا صلاتُهم على ما سبق؛ (صَلَّوْا)؛ أي: يَلزَمهم فِعلُ الصَّلاة (رِجَالاً وَرُكْبَانًا، إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٩] (١)، قال ابنُ عمرَ: «فإن كان (٢) خوفٌ أشدَّ من ذلك؛ صلَّوا رجالاً قيامًا على أقدامهم وركبانًا، مستقبِلي القِبلة وغير مستقبِلها» متَّفقٌ عليه، زاد البخاريُّ: (قال نافِعٌ: لا أرى ابنَ عمر ذكر ذلك إلاَّ عن النَّبيِّ ﷺ ، ورواه ابن ماجَهْ مرفوعًا (٣)، ولأنَّه ﵇ صلَّى بأصحابه في غير شدَّةِ الخوفِ، وأمرهم بالمشي إلى وِجاه العدوِّ وهم في الصَّلاة، ثم (٤) يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم (٥)، وهو مشيٌ كثيرٌ، وعملٌ

стр. 1143

طويلٌ، واستدبارٌ للقِبلة (١)، فمع شدَّته أَوْلى. (وَيُومِئُونَ (٢) إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ)؛ لأنَّهم لو تمَّموا الرُّكوعَ والسُّجودَ لكانوا هَدَفًا لأسلحة الكفَّار، معرِّضين لأنفسهم بالهلاك، ويُومِئُ بالسُّجود أخفضَ من الرُّكوع، ولا يَجِب أن يسجدَ على ظهر دابَّته. وله الكَرُّ والفَرُّ ونحوُه؛ لأنَّه موضِعُ ضَرورةٍ، ولو كان ذلك مُبطِلاً؛ لجاز إخلاء الوقت عن الصَّلاة، ولأنَّهم مكلَّفون تصحُّ طهارتهم؛ كالمريض، بخلاف الصِّياح، فإنَّه لا حاجةَ بهم إليه، ولا يزول الخوفُ إلاَّ بانهزام الكُلِّ. وظاهِرُه: أنَّ لهم فعلَ ذلك سواءٌ وُجِد قبل الصَّلاة أو فيها، وتَنعقدُ (٣) الجماعة حينئذٍ، نَصَّ عليه (٤)؛ للنُّصوص، فظاهره (٥): أنَّها تجب، وهو ظاهِرُ ما احتجُّوا به. وقيل: لا يجب. وعند ابن حامد والمؤلِّف: لا تَنعقِد (٦). وعلى الأَوَّل: يُعفَى عن تقدُّم الإمام؛ كعملٍ كثيرٍ، لكن يُعتبَر إمكانُ المتابَعةِ. وأنَّ الصَّلاةَ لا تُؤخَّرُ عن وقتها، وهو قولُ أكثرهم.

стр. 1144

وعنه: يجوز تأخيرها حال شدَّة الحرب والتِحامِ القتال والمطارَدةِ، ذكرها ابن أبي موسى، ولا يجب. وعنه: ما يَدُلُّ على الرُّجوع عنها، قال في «التَّلخيص»: وهو الصَّحيحُ، وتأخيرُه ﵇ يومَ الخندق (١)، قال أبو سعيدٍ: «كان ذلك قبل نزول صلاةِ الخوف» رواه أحمدُ والنَّسائي (٢)، وأنَّه لا إعادةَ عليهم. (فَإِنْ أَمْكَنَهُمُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): المذهبُ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»: لا يَلزَمهم؛ كبقيَّة أجزائها. والثَّانية: بلى؛ وهي ظاهِرُ (٣) الخِرَقيِّ، وجزم بها في «الوجيز»، كما لو أمكنهم ذلك في ركعةٍ كاملةٍ. وظاهِرُه: لا تَجِب مع العجز، حكاه بعضُهم روايةً واحدةً، وفيه نَظَرٌ، فقد ذكر أبو بكرٍ في «الشَّافي»، وابنُ عَقِيلٍ: أنَّه يَجِب مع القدرة، ومع العجز روايتان. (وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا)؛ كخَوف قَتْلٍ مُحرَّمٍ أو أسْرٍ، (أَوْ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ)، وهو الحيوان المعروف - بضم الباء وسكونها - وقد يطلق على كلِّ حيوانٍ مفترِسٍ، (أَوْ نَحْوِهِ) كَنَارٍ؛ (فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ)؛ أيْ: كما تقدَّم؛ لوجود شرطه، سواءٌ خاف على نفسه أو ماله أو أهله، أو ذَبَّه عنه، وعلى الأصحِّ: أو عن غيره.

стр. 1145

فإن أمكنه صلاةُ أمْنٍ؛ لدخوله (١) حِصنًا، أو صعوده رَبوةً؛ فله ذلك؛ لأنَّه (٢) لا ضرورة لذلك. وفي تأخير الصَّلاة لمُحْرِم خوف فوت الحج؛ خلافٌ (٣). وظاهره: أنَّ العاصيَ بهرَبه ليس له أن يصلِّي صلاة الخوف؛ لأنَّها رُخصةٌ، فلا تَثبُت (٤) بالمعصية؛ كرُخَص السَّفر. (وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما - واختارها (٥) الأكثرُ -: أنَّ له ذلك، رُوي عن شُرَحْبيل بنِ حَسَنة، وقاله الأوزاعيُّ؛ لقول عبد الله بن أُنَيسٍ: «بعثني النَّبيُّ ﷺ إلى خالدِ ابنِ سُفيانَ الهُذَليِّ، قال: اذهبْ فاقتله، فرأيتُهُ وقد حضرَتْ صلاة (٦) العصر، فقلتُ: إنِّي لأخافُ أن يكونَ بيْني وبيْنه ما يؤخِّرُ الصَّلاةَ، فانطلقتُ وأنا أصلِّي أومئُ إيماءً نحوَهُ» رواه أبو داود (٧)، وظاهِرُ حالِه: أنَّه أخبر بذلك النَّبيَّ ﷺ ، أو كان قد علِم جوازه، فإنَّه لا يُظَنُّ به أنَّه فعل ذلك مُخطئًا، ولأنَّ فوات

стр. 1146

الكفَّار ضرَرٌ عظيمٌ، فأُبِيحت صلاةُ الخوف عند فوته؛ كالحالة الأخرى. والثَّانية: لا يصلِّي إلاَّ صلاة أمْن، صحَّحها ابن عَقِيلٍ، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأنَّها مشروطةٌ بالخوف، وهو معدومٌ هنا، وكذا التَّيمُّم له. وقال ابن أبي موسى: إن خاف الطَّالب رجوعَ العدوِّ صلَّى صلاةَ خائفٍ، وهو الذي في «الشَّرح». (وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ؛ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَإِنِ ابْتَدَأَهَا آمِنًا فَخَافَ؛ أَتَمَّ صَلَاةَ خَائِفٍ) على حسَب حاله؛ لأنَّه يَبنِي على صلاةٍ صحيحةٍ، وكما لو صلَّى قائمًا ثمَّ عجَز، أو عاجِزًا ثمَّ قَدَر. وظاهِرُه (١): أنَّه لو انتهى السَّيلُ أو الحريقُ إليه وهو يُصلِّي؛ أنَّه يصلِّي صلاةَ خائفٍ، وكذا من خاف كَمِينًا أو مَكِيدةً أو مَكروهًا، وإن لم يكن العدوُّ بإزاء المسلمين، ولا إعادة عليهم على الأَشهَر. (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ لِسَوادٍ (٢) ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَه وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ؛ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ)، كذا ذَكَرَه الأكثرُ؛ لأنَّه لم يُوجَد المُبِيحُ، أشْبه مَنْ ظَنَّ الطَّهارةَ، ثمَّ علِم بحدَثه، وسواءٌ استَنَد ظنُّه إلى خبَرِ ثقةٍ أو غيرِه. وقيل: لا إعادةَ، وذكره ابنُ هُبَيرةَ روايةً. وكذا إن كان وثمَّ مانِعٌ، وقيل: إن خفِيَ المانِعُ، وإلاَّ أعاد. فإن بان عدوًّا يَقصِد غيرَه؛ لم يُعِد في الأصحِّ؛ لوجود سببِ الخوف بوجود عدوٍّ يَخاف هَجْمَه، كما لا يُعيد مَنْ خاف عدوًّا في تخلُّفه عن رفقته فصلاَّها، ثمَّ بان أمْنُ الطَّريق.

стр. 1147

وقال في «التَّبصرة»: إن كان بينهم وبين العدوِّ خندقٌ أو سُورٌ، فخافوا طمَّه أو هدمه إن اشتغلوا؛ صلَّوا صلاةَ الخوف، قال القاضي: فإن علموا أنَّ ذلك لا يَتِمُّ إلاَّ بعد الفراغ منها (١)؛ صلَّوا صلاةَ آمِنٍ، والله أعلمُ.

стр. 1148

(بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ) وهي بتثليثِ الميم، حكاه ابن سِيدَهْ (١)، والأصلُ الضَّمُّ. واشتِقاقُها من اجتماع النَّاس للصَّلاة. وقيل: لجمعها الجماعاتِ. وقيل: لِجَمْع طِينِ آدمَ فيها. وقيل: لأنَّ «آدم جُمِع فيها خَلْقُه» رواه أحمدُ من حديث أبي هريرة (٢). وقيل: لأنَّه جُمِع مع حوَّاء في الأرض فيها، وفيه خبرٌ مرفوعٌ (٣). وقيل: لما جمع فيها من الخير. قيل: أوَّل مَنْ سمَّاه يومَ الجمعة: كعبُ بن لُؤَيٍّ، واسمُه القديمُ يومُ العَروبة، وهو أفضلُ أيَّامِ الأسبوع. (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بالإجماع (٤)، وسنَده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، والسَّعيُ (٥) الواجبُ لا يَجِب إلاَّ إلى واجِبٍ.

стр. 1149

والمرادُ به: الذَّهابُ إليها لا الإسراعُ. وبالسُّنَّة؛ فمنها قولُ ابنِ مسعودٍ: قال النَّبيُّ ﷺ : «لقد هَمَمْتُ أن آمرَ رجلاً يصلِّي بالنَّاس، ثمَّ أُحرِّقَ على رجالٍ يتخلَّفونَ عن الجمعةِ بيوتَهم»، وقال أبو هريرةَ وابنُ عمرَ: قال النَّبيُّ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعاتِ، أو لَيَختِمَنَّ اللهُ على قلوبهم، ثمَّ لَيكونُنَّ من الغافلين» رواهما مسلمٌ (١). وهي صلاةٌ مستقلَّةٌ بنفسها؛ لعدَم انعقادها بنيَّة الظُّهر ممَّن لا تَجِب عليه، ولجوازها قبل الزَّوال لا أكثرَ من ركعتَين. قال أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: ولا يُجَمِّع في محلٍّ يُبيح الجمعَ (٢). وعنه: ظُهرٌ مقصورةٌ. وفي «الانتصار» و «الواضح»: هي الأصلُ، والظُّهرُ بَدَلٌ، زاد بعضهم: رُخْصةٌ في حقِّ مَنْ فاتته. وهي أفضلُ من الظُّهرِ. (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ)؛ لأنَّ الإسلامَ والعقلَ شرطانِ للتَّكليف وصحَّةِ العبادة، فلا تَجِب على مجنونٍ إجْماعًا (٣)، ولا على صبِيٍّ في الصَّحيح من المذهب؛ لما رَوى طارِقُ بنُ شِهابٍ مرفوعًا: «الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلاَّ أربعة: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ» رواه أبو داودَ، وقال: (طارِقٌ قد رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يَسمَع منه شَيئًا)، وإسنادُه

стр. 1150

ثِقاتٌ (١)، ولأنَّ البلوغَ من شرائط التَّكليف بالفروع. وعنه: تَجب (٢) على مميِّزٍ، ذكرها في «المذهب» و «الشَّرح»، وزاد: بناءً على تكليفه. وذكر السَّامَرِّيُّ: إن لَزِمت المكتوبةُ صبيًّا؛ لَزِمته، وقيل: لا، واختاره المجْدُ، وقال: هو كالإجماع للخبر. (ذَكَرٍ) ذكره ابنُ المنذر إجماعًا (٣)؛ لأنَّ المرأةَ ليست من أهل الحضور في مجامِع الرِّجال. وفي «نهاية الأَزَجيِّ» روايةٌ: أنَّها تَلزَمها (٤). (حُرٍّ)، هو المشهور، وهو قول أكثرهم، ولأنَّ العبد مملوك المنفعة محبوسٌ على سيِّده، أشبه المحبوس بالدَّين (٥). ومقتضاه: أنَّها لا تجب (٦) على المعتَق بعضُه، وقيل: يلزمه في نَوبَته، وهو ظاهِرٌ.

стр. 1151

والمدبَّرُ والمعلَّقُ عتقُه بصفة (١)؛ كالقِنِّ؛ لبقاء الرِّقِّ وتعلُّق حقِّ السَّيِّد. (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) مُعتادٍ، ولو كان فراسخ، نقله الجماعة (٢)، من حجَر أو قَصَب ونحوه، متَّصلاً أو متفرِّقًا، يَشمَله اسمٌ واحدٌ، لا يُرتَحل عنه شتاءً ولا صَيفًا. (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضعِ الجُمُعَةِ) إذا كان خارجًا عن المِصْر (أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ)، نَصَّ عليه (٣) (تَقْرِيبًا) عن مكان الجمعة. وعنه: عن أطراف البلد.

стр. 1152

وعنه: الاعتبار بسماع النِّداء؛ لقوله ﵇: «الجمعةُ على مَنْ سمعَ النِّداءَ» رواه أبو داود، وقال: (إنَّما أسنده قَبِيصَة)، قال البَيهَقيُّ: (هو من الثِّقات)، قال في «الشَّرح»: (الأَشْبه أنَّه من كلامِ عبد الله بن عمرٍو) (١)، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ، ولفظُه: «إنَّما الجمعةُ على من سمع النِّداء» (٢). والعِبرةُ بسماعه من المنارة لا بين يدي الإمام، نَصَّ عليه (٣)، زاد بعضهم: غالبًا من مكانها، أو من أطراف البلد. وعنه: يجب على من يَقدِر على الذَّهاب إليها، والعَودِ إلى أهله في يومه (٤)، رُوي عن أنَسٍ والحسَن (٥). والأوَّلُ المذهبُ؛ لظاهر الآية، ولأنَّهم (٦) من أهل الجمعة، يَسمعون النِّداء كالمِصر، واعتبارُ سَماع النِّداء غيرُ مُمكنٍ؛ لأنَّه يكون فيهم الأصمُّ وثقيلُ السَّمع، وقد يكون بين يدَي الإمام، فيَختصُّ بسماعه أهل المسجد، فاعتُبر بمظنَّته، والموضع الذي يسمع فيه النِّداء غالبًا إذا كان المؤذِّنُ صيِّتًا، والرِّياحُ ساكنةً، والأصواتُ هادئةً، والعوارضُ مُنتفيةً: هو فَرْسَخٌ. فلو سمعته قريةٌ من فوق فرسخٍ لعلوِّ مكانها، أو لم يسمعه من دونه لجبلٍ حائلٍ أو انخفاضها؛ فعلى الخلاف، وحيث لَزمهم، لم تنعقِد بهم؛ لئلاَّ يصير التَّابع أصلاً. وأمَّا إذا كان في البلد؛ فيجب عليه السَّعي إليها، قرُب أو بعُد، سمع النِّداء أو لم يسمعه؛ لأنَّ البلد كالشَّيء الواحد. (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ (٧) عُذْرٌ) من مرضٍ ونحوِه؛ لأنَّه معذورٌ. (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ) له القصرُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يسافرون في الحجِّ وغيرِه، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعةَ فيه مع اجتماع الخلقِ الكثيرِ، وكما لا يلزمه بنفسه؛ لا يلزمه بغيره، نَصَّ عليه (٨)، لكن إن كان عاصيًا (٩)

стр. 1153

بسفره لزمته (١). وذكر ابنُ تميمٍ: إن حضر مكانَها، فإن كان سفره دون مسافة القصر؛ وجبت عليه بغيره لا بنفسه. فإن أقام ما يَمنَع القصرَ، ولم يَنوِ استيطانًا؛ لزمتْه في الأشهرِ؛ لعموم الآية والأخبار، ولم تنعقِد (٢) به؛ لعدَم الاستيطان، وفي صحَّة إمامته فيها وجهان. وعنه: لا تَلزَمه (٣)، جزم به في «التَّلخيص»، وهو ظاهِرُ كلامه هنا وفي «الكافي»؛ لأنَّ الاستيطان من شرائط الوجوب. قال إبراهيمُ: (كانوا يُقيمون بالرَّيِّ السَّنةَ وأكثرَ، وبسِجِسْتان السِّنين لا يُجمِّعون ولا يُشرِّقون) رواه سعيد (٤). فرعٌ: لا جمعةَ بمِنًى كعَرَفةَ، نَصَّ عليه (٥)، نقل يعقوب: ليس بهما (٦) جمعةٌ، إنَّما يصلِّي الظُّهرَ ولا يَجهَر. وقيل: ولا يومُ التَّروية. (وَلَا عَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ)؛ لما ذكرناه، (وَلَا خُنْثَى)؛ لأنَّه لا يُعلَم كونُه رجلاً، لكنْ يُشكِل عليه بأنَّه إذا قيل: إنَّها فرضُ الوقت، والظُّهرُ بدلٌ عنها. (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ)؛ أي: من هؤلاء؛ (أَجْزَأَتْهُ)؛ لأنَّ إسقاطَ الجمعةِ عنهم تخفيفٌ، فإذا حضرها أجزأت؛ كالمريض.

стр. 1154

(وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ)؛ لأنَّه ليس من أهل الوجوب، وإنَّما تصحُّ (١) منهم الجمعة تَبَعًا لمن (٢) انعقدت به، فلو انعقدت بهم لانعقدت بهم متفرِّقين؛ كالأحرار المقيمين. (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا)؛ لئلاَّ يَصيرَ التَّابعُ متْبوعًا، وهو في المرأة اتِّفاقٌ (٣). وكذا مسافِرٌ له القصرُ. وقيل: تَلزَمه (٤) تَبَعًا للمقيمين، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)، وحكاه بعضهم روايةً: تلزمه (٦) بحضورها في وقتها ما لم يَنضرَّ بالانتظار، وتنعقد به، ويَؤمُّ فيها؛ كمن سقطت عنه تخفيفًا لعُذرِ مرَضٍ وخَوفٍ ونحوهما؛ لزوال ضرره، فهو كمسافرٍ يَقدَم. وإن قلنا: تَلزَم (٧) عبدًا وصبيًّا؛ صحَّت إمامتُهما، وانعقدت بهما، وصحَّحه في «الفروع» في العبد. وقال القاضي في «المجرد»: لا تَصِحُّ (٨) إمامة الصَّبيِّ فيها ولو وجبت عليه. (وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ)، اختارها أبو بكر لعموم الآية، وقياسًا

стр. 1155

على الظهر، فيستحب أن يستأذن سيده، ويحرم منعه ومخالفته، قال المؤلف: لا يذهب إليها من غير إذن. وعنه: تلزم بإذن سيد (١). تنبيهٌ: من لم تَجِب عليه لمرضٍ أو سفرٍ، أو اختُلف في وجوبها كعبدٍ؛ فهي أفضلُ في حقِّه، ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ. وللمرأة حضورُها. وقيل: يُكرَه للشَّابَّة فقطْ. وقيل: لا يجوز. (وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ)؛ كمرضٍ وخَوفٍ، (إِذَا حَضَرَهَا؛ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ)، وأمَّ فيها؛ لأنَّ سقوطَها لِمشقَّةِ السَّعي، فإذا تحمَّل، وحضرها؛ انتفت المشقَّة، ووجبت عليه، وانعقدت به كالصَّحيح. (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ)؛ أيْ: ممَّن تَلزَمه (٢) (قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، ذَكَره الأصحابُ؛ لأنَّه صلَّى ما لم يُخاطَب به، وترك ما خُوطِب به، فلم تَصِحَّ، كما لو صلَّى العصرَ مكان الظُّهرِ، وكشكِّه في دخول الوقت، لأنَّها فرض الوقت. فعلى هذا: يعيدها ظُهرًا إذا تعذَّرت الجمعةُ. ثمَّ إن ظنَّ أنَّه يُدرِك الجمعة؛ سعَى إليها؛ لأنَّها المفروضةُ في حقِّه، وإلاَّ انتظر حتى يتيقَّن أنَّ الإمام صلَّى، ثمَّ يُصلِّي الظُّهرَ. وقيل: إن أمكنه إدراكُها، وإلاَّ صحَّت ظهره. وحكى أبو إسحاقَ بن شاقْلَا وجهًا: أنَّ فرضَ الوقت الظُّهْرُ، فتَصِحُّ

стр. 1156

مُطلقًا، ولا تَبْطُل (١) بالسَّعي إلى الجمعة. وكذا إذا صلَّى الظُّهرَ شاكًّا هل صلَّى الإمامُ الجمعةَ، أو صلَّى الظُّهرَ أهلُ بلدٍ مع بقاء وقت الجمعة؛ لم يَصِحَّ في الأشهَر، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة (٢). لكن يُستثنَى على الأوَّل: ما لو أخَّر الإمامُ الجمعةَ تأخيرًا (٣) مُنكَرًا، فلِلْغَيرِ أن يُصلِّيَ ظُهرًا، ويُجزِئُه عن فرضه، جزم به المجْدُ، وجعَلَه ظاهِرَ كلامِه؛ لخبر تأخير (٤) الأمراء (٥) الصَّلاة عن وقتها (٦). (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) كالمسافِرِ والمريضِ؛ (أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ)، ذَكَره جماعةٌ، منهم صاحبُ «الوجيز»؛ لأنَّه ربَّما زال عُذرُه فلَزِمته (٧) الجمعةُ. لكنْ يُستثنَى من ذلك: من (٨) دام عذرُه؛ كامرأةٍ وخُنثى، فالتَّقديم (٩) في حقِّهما أفضلُ، ولعلَّه مرادُ مَنْ أطلق. وظاهِرُه: أنَّهم إذا صلَّوْا قبل الإمام؛ أنَّها صحيحةٌ على الأصحِّ، وهو

стр. 1157

قولُ عامَّتهم؛ لأنَّهم أدَّوْا فرْضَ الوقت، ولو زال عُذرُه لم تَلزَمه (١) الجمعةُ؛ كالمَعْضُوب إذا حُجَّ عنه، ثمَّ بَرِئَ. وقيل: بلى، وهو روايةٌ في «التَّرغيب»؛ كصبِيٍّ بلغ في الأشهَر. وقيل: إن زال عُذرُه والإمامُ في الجمعةِ؛ لزمته. وقيل: إن عُوفِيَ المريضُ بين الإحرام والسَّلام؛ أعادها. وفي (٢) زوال عُذرِ غيره وجهان. والثَّانية: لا تَصِحُّ (٣) قبل الإمام، اختاره أبو بكر، كمن تَجِب (٤) عليه. وعلى الأولى (٥): لو صلاَّها ثمَّ حضر الجمعةَ؛ كانت له نفلاً؛ لأنَّ الأُولى أسقطت الفرض. وقيل: بل فرضًا. مسألة: لا يُكرَه لمن فاتته الجمعةُ، أو لم يكن من أهل فرضها؛ الصَّلاةُ جماعةً في المِصر؛ لحديث فضل صلاة الجماعة (٦)، وفعَلَه ابنُ مسعودٍ، واحتجَّ (٧) به أحمدُ (٨).

стр. 1158

زاد السَّامَرِّيُّ وغيرُه على الأوَّل: بأذانٍ وإقامةٍ. وفي كراهتها في مكانها وجهان. ومن خاف فتنةً أو ضررًا؛ صلَّى حيث يَأْمَن ذلك. ونقل الأثرم: لا يُصلِّي فوق ثلاثةٍ جماعةً (١)، ذكره ابنُ عَقِيلٍ تَبَعًا لشيخه. ومن لزَمتْه الجمعةُ فتَرَكَها بلا عُذرٍ؛ تَصدَّق بدينارٍ أو نصفِه؛ للخبر (٢)، ولا يَجِب، قاله في «الفروع». (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ أي: بعد اللُّزوم قبل فعلها روايةً واحدةً؛ كتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارةٍ، بخلاف غيرها، وهذا بناءً على استقرارها بأوَّله، فلهذا خُرِّج الجوازُ مع الكراهة ما لم يُحرِم بها؛ لعدَم الاستقرار. ويَجوز إذا خاف فوتَ رفقةِ سفرٍ مباحٍ. وقيل: بل مندوبٍ. (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل الزَّوال بعد طلوع الفجر، اختاره المؤلِّفُ؛ لما رَوى الشَّافعيُّ عن سُفيانَ بنِ عُيَيْنة، عن الأسود بن قَيس، عن أبيه (٣)، عن

стр. 1159

عمر قال: «لا تَحبِس الجمعةُ عن سفر» (١)، وكما لو سافَر من اللَّيل. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ)، قدَّمها في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجزَم بها في «الوجيز»؛ لما رَوى الدَّارَقُطْنيُّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ سافرَ مِنْ دارِ إقامةٍ يومَ جمعةٍ؛ دعَتْ عليه الملائكةُ أن لا يُصحَبَ في سفرِهِ، وأن لا يُعانَ على حاجتِهِ» (٢)، ولأنَّ هذا وقتٌ يَلزَم من كان على فرسخٍ السَّعيُ إليها، فلم يَجُز لمَن في البلد السَّفرُ بطريق الأَوْلى، وبدليلِ الاعتِدادِ بالغَسل، وأنَّه يُسَنُّ التَّبكيرُ إليها، فمنع من التسبُّب (٣) إلى تفويتها، قال أحمدُ: (مَنْ سافَر يومَ جمعةٍ، قلَّ من يَفعَلُه إلاَّ رأى ما يَكرَه) (٤). وعليها: له السَّفَرُ إن أتى بها في طريقه، وإلاَّ كُرِه روايةً واحدةً. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً)، وأنَّه أفضلُ، نَقَلها أبو طالِبٍ (٥)؛ لأنَّه ﵇ جهَّز جيشَ مُؤْتَةَ يومَ الجمعةِ، وروى أحمدُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ جهَّز زيدَ بنَ حارِثةَ، وعليًّا (٦)، وعبدَ الله بنَ رَواحةَ، فتخلَّف عبدُ الله بنُ رَواحةَ لصلاةِ الجمعةِ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «لغَدوةٌ في سبيلِ الله أو رَوحةٌ؛ خيرٌ من الدُّنيا

стр. 1160

وما فيها»، فَراحَ مُنطلِقًا (١). وذكر القاضي: أنَّ الرِّوايات إن (٢) دخل وقتُها، وإلاَّ جاز. وعلى المنع: له السَّفرُ إن أتَى بها في قريةٍ بطريقه، وإلاَّ كُرِه روايةً واحدةً، وظاهِرُ كلام جماعة (٣): لا يُكرَه.
следующие страницы →