← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الثالثة: إذا انغمس جنُب (١)، أو محدِثٌ، في قليلٍ (٢) راكد بنيَّة رفع حدثِه، أو نواه بعد انغماسِه؛ لم يرتفع، وصار مستعمَلاً، نصَّ عليه (٣). قيل: بأوَّل جُزء لاقَى منه الماء؛ كمحلٍّ نجِس لاقاه، وذلك الجزء غير معلوم. قاله القاضي وغيره. وقيل: بأوَّل جُزء انفصل؛ كالمتردِّد على المَحل. ويتوجَّه على الخلاف: ما لو اغترفَ منه آخرُ، وتوضَّأ به قبل الانفصال. وقيل: ليس مستعملاً. وقيل: يرتفع. (أَوْ غَمَسَ يَدَهُ) - وهي من رؤوس الأصابع إلى الكوع، وقيل: أو بعضها - (فِيهِ) أي: في الماء إذا كان دون قُلَّتين، ودلَّ على أنَّه لا أثَر لغمسِها في مائع طاهر، وهو كذلك في الأصحِّ، (قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهورِيَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يسلبه، اختاره أبو بكر والقاضي وكثير من الأصحاب؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِس يدَه في الإناء حتَّى يغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يدُه» متَّفق عليه من حديث أبي هريرة، ولفظه لمسلم (٤)، وفي رواية: «فليغسل يديه»، ولأبي داود والتِّرمذي وصحَّحه: «من اللَّيل» (٥).

стр. 107

ومقتضى ذلك الوجوبُ، وعليها غَسْلُهما شَرطٌ لصحَّة الوضوء، قاله ابن عَبْدوس (١). وهل هو تعبُّد، فيجب إن شُدَّت يَدُه أو جُعلت في جِراب أو نحوه؟ أو معلَّل بوَهْم النَّجاسَة فلا يجب؟ فيه وجهان. ويتعلَّق هذا الحكم بالنَّوم النَّاقض للوضوء، وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف اللَّيل؛ لأنَّه قبل ذلك لا يسمَّى بيتوتة، بدليل ما لو دفع قبل نصف اللَّيل فإنَّ عليه دمًا. وينتقض بمن وافاها بعد نصف اللَّيل؛ فإنَّه لا دم عليه، مع كونه أقلَّ من نصفه. واقتضى كلامه: أنَّ نوم النَّهار لا أثر له، قال في «الشرح»: روايةً واحدة؛ حملًا للمطلق على المقيَّد. وعنه: بلى، وهو قول الحسن. وظاهره: أنَّه يؤثِّر غمسُها فيه بعد غسلها مرَّة أو مرَّتين، وهو كذلك في قول الأكثر. وقيل: يكفي غسلها مرَّة، فعلى هذا لا يؤثِّر غَمسها فيه بعد ذلك. وفي وجوب النِّيَّة والتَّسمية لغسلهما (٢) أوجه، ثالثها: تجب النِّيَّة فقط. والمذهب: لا فرق في الغَمْس بعد نيَّة غسلهما أو قبلها. وقال المَجْدُ: إنَّما يؤثِّر إذا كان بعد نيَّة الوضوء، وقبل غسلهما، وعليها

стр. 108

إذا لم يَجِدْ غيرَه؛ استعملَه وتيمَّم معه. ويجوز استعماله في شُرب وغيره. وقيل: يكره. وقيل: يحرم، صحَّحه الأَزَجِي؛ للأمر بإراقته. وظاهره: أنَّه إذا حصل في يده من غير غمس؛ أنَّه طَهور، وهو كذلك في رواية. وعنه: كغمسه (١). وفمٌ أو رِجْلٌ كيَدٍ في قليلٍ بعد نيَّةِ غُسلٍ واجبٍ لا وضوءٍ. وفي «الشرح»: أنَّه إذا كانتْ يدُه نجسةً والماء قليل، وليس معه ما يغترف به: فإن أمكنه أن يأخذ (٢) بفيه ويصبَّ على يديه، أو يغمس خِرقَة أو غيرَها؛ فعَل؛ فإن لم يُمكنْه تيمَّم كي لا يُنجِّسَ الماءَ ويتنجس به (٣). ومقتضاه: أنَّه شامِلٌ للصغير والمجنون والكافر كضدِّهم، وهو وجه. والثَّانية: لا يَسلُبه، اختارها الخِرَقِي والشَّيخان، وجزم بها في «الوجيز»، وذكر في «الشرح» أنَّه الصَّحيح؛ لأنَّه ماء لاقَى أعضاءً طاهرة، فكان على أصله. ونهيُه ﵇ عن غمس اليد: إن كان لوهْم النَّجاسة؛ فهو لا يزيل الطَّهوريَّة، كما لا يزيل الطَّاهرية، وإن كان تعبُّدًا؛ اقتُصر على مورد النَّصِّ، وهو مشروعيَّة الغَسل، وحديث أبي هريرة محمول على الاستحباب. وفي ثالثة: هو نجِس، اختارها الخلَّال (٤)؛

стр. 109

لأنَّه مأمور بإراقته في خبرٍ (١) رواه أبو حفص العُكْبَري (٢). وقد فصَّل بعضهم فقال: إن قلنا بوجوب غسلهما؛ فكمستعمل في رفع حدث، وإن سُنَّ غسلهما؛ فكمستعمل في طهارة مسنونة. (وَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ (٣) فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا)؛ فهو نَجِس بغيرِ خلاف؛ لأنَّه تغيَّر بالنَّجاسة. (أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا)؛ يعني: إذا انفصل غيرَ متغيِّر مع بقاء النَّجاسة؛ كالمنفصل في السَّادِسة من وُلُوغ الكلب؛ (فَهُوَ نَجِسٌ)؛ لأنَّه مُلاقٍ لنجاسة لم يُطهِّرها، فكان نَجِسًا، أشبَه ما لو وردَت عليه والمحلُّ المنفصل عنه طاهر، صرَّح به الآمِدي (٤)، وهو مقتضى كلام القاضي، وجزم في «الانتصار» بنجاسته، وهو ظاهر كلام الحُلْواني (٥).

стр. 110

(وَإِنِ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا)، وهو معنى كلامه في «المحرر»، و «الوجيز»، ولم (١) يَبْقَ للنجاسة أثر؛ (فَهُو طَاهِرٌ إِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا)، نصره في «الشرح»، وقدَّمه ابن تميم وابن حمدان؛ لما روى البخاري من حديث أبي هريرة: أنَّ أعرابيًّا بال في طائفة المسجد، فقام إليه النَّاس ليقعوا به، فقال النَّبيُّ ﷺ : «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء»، أمر بذلك لأجل التَّطهير، ولولا أنَّه يطهِّر؛ لكان تكثيرًا للنَّجاسة. ويلزم منه طهارة المحلِّ، وقد صرَّح به في «المحرر» و «الوجيز»، وإن لم يَنفصِلِ الماءُ. وعن أحمدَ: إن كانت النَّجاسةُ رطْبَةً والأرضُ صلبةً؛ فمنفصِلُه نَجِس. وقيل: المنفصل عن الأرض كالمنفصل عن غيرها في الطَّهارة والنَّجاسة، وحكاه ابن البَنَّاء (٢) روايةً. فرع: إذا وقع خمرٌ على أرض، فذهب بالماء لونُه دون ريحه؛ عُفِي عنه في الأصحِّ. وتطهُر أرض البئر اليابِسةُ ونحوها بنبع ماء طَهور كثيرٍ فيها. (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ؛ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، قاله ابن تميم وغيره؛ لأنَّه انفصل عن محلٍّ محكوم بطهارته؛ كالمنفصل في السَّابعة من ولوغ الكلب، وهو معنى كلامِه في «الوجيز»: (وآخرُ غسلة زالت النَّجاسة بها)، ولأنَّه بعض المتَّصل، وهو طاهر بالإجماع، وشرطه الانفصال، وصرَّح به في «المحرر» بخلاف الأرض؛ لأنَّه إذا لم ينفصل؛ فعَينُ النَّجاسة قائمةٌ،

стр. 111

ومقصودُ الغَسل زوالُها. والثَّاني: نجِس، اختاره ابن حامد؛ لأنَّه ماء قليل لاقَى نجاسة، أشبه ما لو انفصل قبل زوالها، والبلَلُ الباقي إنَّما عُفي عنه للضَّرورة. (وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، مبنيَّان على المستعمل في رفع الحدث؛ لأنَّه أُزِيلت به نجاسة حكميَّة؛ لأنَّها زالت بما قَبلها من الغَسلات، أشبه الحدث؛ لاشتراكهما في المنع الشَّرعي. (وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ)؛ أي: الكاملةِ عن حدث (مِنْهُ) إذا كان قليلاً، جزم به في «الشرح» و «الوجيز»؛ لأنَّ النَّجاسة لا تؤثر في الماء الكثير (١)، فهذا أَوْلى، وقيل: وبكثير، (امْرَأَةٌ)، مسلمةً كانت أو ذمِّيَّةً، وهو أحد الوجهين فيها إذا خلت به لغسلِها من الحيض؛ لأنَّه قد تعلَّق به إباحة وطئِها. والثَّاني: لا يمنع (٢)؛ لأنَّ طهارتها غير صحيحة، ومثله غسلها من النَّفاس والجنابة، وقيل: المميِّزة كذلك. (فَهُوَ طَهُورٌ) بالأصل؛ لأنَّه يجوز لها أن تتطهَّر به، ولغيرها من النِّساء، أشبه الذي لم تَخْلُ به. (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)؛ لما روى الحَكَم بن عمْرٍو الغِفَاري قال: «نهى النَّبيُّ أن يَتوضَّأ الرَّجلُ بفضل طَهور المرأة» رواه الخمسة، إلَّا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجَه قالا: «وَضوء المرأة»، وحسَّنه التِّرمذي، وصحَّحه ابن حبَّان، واحتجَّ به أحمد في رواية الأثرم (٣)، وخصصناه بالخلوة؛

стр. 112

لقول (١) عبد الله بن سَرْجِس (٢): «توضَّأ أنتَ ههنا، وهي ههنا، فإذا خَلَتْ به فلا تَقْرَبَنَّه (٣)» رواه الأثرم (٤). ثمَّ في معنى الخلوة روايتان: إحداهما: انفرادها به عن مشاركة رجل؛ لقول عائشة ﵁: «كنت أغتسل أنَا والنَّبيُّ ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه، من الجنابة» متفق عليه (٥). والثَّانية - وهي الأصحُّ -: إلَّا يشاهدها أحد عند طهارتها. فعلى هذا؛ هل تزول بمشاهدة المرأة والصَّبيِّ والكافر؟ على وجهين: أحدهما: تزول؛ كخلوة النِّكاح، اختاره الشَّريف أبو جعفر (٦). والثَّاني: لا تزول إلَّا بمشاهدة مسلم مكلَّف، اختاره القاضي.

стр. 113

والثَّانية: تجوز، وهي اختيار ابن عقيل، قال في «الشرح»: وهو (١) أقيس؛ لما روى ابن عبَّاس أنَّ امرأة من نساء النَّبيِّ ﷺ استحمَّت من جنابة، فجاء النَّبيُّ ﷺ يتوضَّأ من فضلها، فقالت: يا رسول الله، إنِّي اغتسلت منه، فقال: «الماء لا يَجنُب» رواه أحمدُ وأبو داود، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٢). وهو ظاهر في الخلوة؛ لأنَّ العادة أنَّ الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال، وكاستعمالهما معًا، وكإزالته به نجاسةً، وكامرأة أخرى، وكتطهيرها بما خلا به، في الأصحِّ فيهنَّ، ونقله الجماعة في الأخيرة، وذكره القاضي وغيره ع (٣). وفي ثالثة: يجوز مع الكراهة، ومعناه اختيار الآجُرِّي (٤). وهذا كلُّه على رواية الطَّهوريَّة، وقيل: أو الطَّاهرية، وهو الذي في «المستوعِب». واقتضى كلامه: أنَّ الخلوة به للشُّرب أو التَّبريد أو التَّنظيف من (٥) وسخ لا أثر له، وهذا هو الأصحُّ. وإن كان لغسل بعض أعضائها عن حدث، أو في طهر مستحبٍّ، أو طهارة خبث؛ أثَّرت؛ قياسًا على الوضوء. والثَّاني: لا؛ لأنَّ الطَّهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة.

стр. 114

فرع: الخنثى هنا كرجل، ذكره ابن تميم، وقدَّمه في «الفروع». وعند ابن عقيل: كامرأة. قال ابن حمدان: هل تُلحق الصبيةُ بالمرأة، والصَّبيُّ بالرَّجل؟ على وجهين. وفيما تيمَّمت به خلوةً؛ احتمالان. تذنيب: إذا اغترف بيده من القليل بعد نيَّة غسله؛ صار مُستعملاً، نقله واختاره الأكثر. وعنه: لا، اختاره جماعة؛ لصرف النِّيَّة بقصد استعماله خارجه، قال في «الفروع»: وهو أظهر. وقيل: اغتراف متوضِّئ بعد غسل وجهه لم ينو غسلها فيه؛ كجُنب. والمذهب: طَهور؛ لمشقَّة تكرُّره. فإن وقع في طَهور مُستعمل؛ عُفي عن يسيره، فإن كثُر الواقِعُ وتَفاحَش؛ مَنع في رواية. وقال المجد: الحكم للأكثر قَدْرًا. وقال ابن عقيل: إن كان الواقع بحيث لو كان خَلًّا غيَّره؛ مَنع. ونصُّه فيمن انتضح من (١) وضوئه في إنائه: لا بأس (٢). وإن كان معه ماء لا يكفيه لطهارته، فكمَّله بمائع آخر لم يغيِّرْه؛ جاز الوضوء به في رواية، ورجَّحها في «الشرح»؛ لأنَّ المائع قد استُهلك. وإن بلغ بعد خلطه قُلَّتين، أو كانا مُستعملين؛ فطاهر. وقيل: طَهور.

стр. 115

(فَصْلٌ) (الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَاءٌ نَجِسٌ)، هذا شروعٌ في بيانِ ما يَسلُب الماءَ صِفتَيه: طهارتَه وتطهيرَه، (وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ) في غيرِ محلِّ التَّطْهير، فينجُس إجماعًا، حكاه ابن المنذِر (١). وحكى ابن البَنَّاء: أنَّ بعضهم أخذ من كلام الخِرَقِي العفو عن يسير الرَّائحة، وهو شاذٌّ؛ إذ لا فرق بين كثير التَّغير ويسيره. يحرُم (٢) استعمالُه إلَّا ضرورةً لدفع عطشٍ أو لُقمةٍ (٣)، ويجوز سقيه البهائم قياسًا على الطَّعام إذا تنجَّس، وقال الأَزجِي: لا يجوز قربانُه بحال، بل يُراق. (فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهُوَ يَسِيرٌ فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)؛ أظهرهما: ينجُس، قال في «النهاية»: (وعليه الفتوى)، وقدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى ابن عمر قال: سئل النَّبيُّ ﷺ عن الماء يكون بالفلاة، وما ينوبه من الدَّواب والسِّباع، فقال: «إذا بلغ الماء قُلَّتين لم ينجسه شيء»، وفي رواية: «لم يحمل الخبث» رواه الخمسة، والحاكم وقال: (على شرط الشَّيخين)، ولفظه لأحمد، وسئل ابن معين عنه فقال: (إسناده جيد)، وصحَّحه الطَّحاوي، قال الخطابي: (ويكفي شاهدًا على صحَّته أنَّ نجوم أهل الحديث صحَّحوه) (٤)، ولأنَّه ﵇ أمر بإراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ولم

стр. 116

يَعتبِر التَّغيرَ (١). وعموم كلامه يشمل الجاري والرَّاكد، وهو المذهب. وفي ثانية: أنَّ الجاري لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، اختارها الموفق وجمع، ورجَّحها في «الشرح». وفي أخرى: تُعتبر كلُّ جَرية بنفسها، اختارها القاضي وأصحابُه، فإن (٢) كانت يسيرةً نجُست، وإلَّا فلا. والجَرية: ما أحاط بالنَّجاسة؛ فوقها وتحتَها إلى قرار النَّهر، ويَمْنةً ويَسْرةً ما بين حافَتَيِ النَّهر، زاد في «المغني» و «الشرح»: ما قرُب من النَّجاسةِ أمامَها وخلفَها، ولابنِ عَقِيل: (ما فيه النَّجاسة وقدرُ مساحتها؛ فوقها وتحتها ويمينها ويسارها) انتهى. فإن كانت النَّجاسةُ ممتدَّةً؛ فهل يجعل كل جَرية منها كنجاسة مفردةٍ، أو كلها نجاسة واحدة؟ فيه وجهان.

стр. 117

والثَّانية (١): لا ينجس إلَّا بالتَّغير (٢)، اختاره ابن عقيل وابن المَنِّي والشَّيخ تقي الدِّين وم (٣)، لما رَوى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل: أنتوضَّأُ من بئر بُضاعةَ - وهي بئر تُلقى فيها الحِيَضُ والنَّتْنُ ولُحومُ الكلابِ - فقال النَّبي ﷺ : «الماءُ طَهورٌ لا (٤) يُنَجِّسُه شيْءٌ» رواه أحمد وأبو داود، والتِّرمذي وحسَّنه، قال أحمدُ: (حديثُ بئرِ بُضاعةَ صحيح) (٥)، قلت: ويعضُده حديث أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: «الماء لا ينجسه شيءٌ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه والدارقطني (٦). فرع: يَسيرُ النَّجاسة مثلُ كثيرِها في التَّنجيس، وإن لم يدركها الطَّرْفُ؛ أي: لا تشاهد بالبصر. وفي «عيون المسائل»: لا بد وأن يدركها الطَّرْف، وش (٧). وقيل: إن مضى زَمن تَسْري فيه.

стр. 118

زاد في «الشرح»: إلَّا أنَّ ما يُعفى عن يسيره كالدَّم، حكم الماء الذي تنجَّس به حكمه في العفو عن يسيره. (وَإنْ كَانَ كَثِيرًا) ولم يتغيَّر بالنَّجاسة؛ (فَهُوَ طَاهِرٌ) بغير خلاف في المذهب، ما لم يكن بولَ آدمي أو عَذِرَتَه؛ لخبر القُلَّتين وبئر بُضاعةَ. وذهب هـ (١) وأصحابُه (٢) إلى نجاسته إلَّا أن يَبلغ حدًّا يغلب على الظَّنِّ أنَّ النَّجاسة لا تصل إليه، واختُلف فيه فقيل: ما إذا حُرِّك أحدُ طرَفيه لم يتحرَّك الآخَر، وقيل: عشرة أذرع في مثلها، وما دون ذلك فهو قليل وإن بلغ ألف قُلَّة. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلاً)؛ أي: بولَ آدمي بقرينة ذكر العَذِرة؛ فإنَّها مختصَّة به، ولا فرق بين قليله وكثيره، وخصَّ في «التلخيص» الخلاف به فقط، وقاله أحمد في رواية صالح (٣)، (أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً)؛ لأنَّ أجزاءها تتفرَّق في الماء وتَنْتشر، فهي (٤) كالبول بل أفَحْشُ، والمذهب: أنَّ حكم الرَّطْبة واليابسة إذا ذابت كذلك، نصَّ عليه (٥)، قال في «الشرح» وقدَّمه في «الرعاية»: (والأَولى التَّفريق بين الرَّطْبة والمائِعةِ)؛ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ)، اختارها أبو الخَطَّاب وابن عَقِيل، وقدَّمه السَّامَرِّي (٦) وفي «المحرر»؛ لخبر القُلَّتين، ولأنَّ نجاسة الآدَمِيِّ لا تزيد على

стр. 119

نجاسة بول الكلب، وهو لا يُنَجِّسُها، فهذا أَوْلَى. (وَالْأُخْرَى: يَنْجُسُ)، نصَّ عليه في رواية صالح والمَرُّوذِي وأبي طالب (١)، اختارها الخِرَقِي والشَّريف والقاضي وابن عَبْدوس وأكثر شيوخ أصحابنا؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم (٢) الذي لا يجري ثمَّ يغتسلُ فيه»، لفظ البخاري، وقال مسلم: «ثم يغتسل منه»، وهذا يتناول القليل والكثير، وهو خاص في البول، وخبر القُلَّتين محمول على بقيَّة النَّجاسات، فحصل الجمع بينهما. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ؛ فَلَا يَنْجُسُ)، هذا مستثنًى ممَّا سبق، وهو الماء إذا كان كثيرًا ووقعت فيه نجاسة ولم يتغيَّر؛ فهو طاهر. واستُثني من ذلك: ما إذا كانت النَّجاسة بولًا أو عذِرَةً مائعةً؛ فإنَّه ينجس على المذهب وإن لم يتغيَّر، ما لم يبلغ الماء حدًّا يشقُّ نَزْحُه. قال في «الشرح»: (لا نعلم خلافًا أنَّ الماء الذي لا يمكن نَزْحه إلَّا بمشقَّةٍ عظيمةٍ؛ مثل المصانع التي جُعِلتْ مَوْرِدًا للحاجِّ بطريق مكَّة يصدرون عنها ولا ينفَدُ ما فيها؛ أنَّها لا تَنْجُس إلَّا بالتَّغيير). قال في «المُغني»: (لم أجد عن أحمد ولا عن (٣) أصحابه تقدير ذلك بأكثر من المصانع التي بطريق مكَّة)، وقال الشيرازي: (المحقِّقون من أصحابنا يقدِّرونه ببئر بضاعة، وهي ستَّة أشبار في مثلها)، قال أبو داود:

стр. 120

(قدَّرتها فوجدتها ستَّةَ أَذْرُع، وسألتُ الذي فتح لي بابَ البستان: هل غُيِّر بناؤها؟ (١)؛ قال: لا)، وقال: (سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عُمقها، فقال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانَة، قلت: فإذا نقص، قال: دون العورة) (٢). تنبيهات: الأول: أنَّ كلَّ مائِعٍ؛ كزَيْت وسَمْن، ينجُس قليلُه وكثيرُه بملاقاة النَّجاسة في رواية صحَّحها في «الشرح»، وقدَّمَها في «الرعاية»؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُ غيرَه، فلم يدفَع النَّجاسة عن نفسِه كاليسيرِ. وفي أخرى: كالماء، ينجس إن قلَّ أو تغيَّر، وإلَّا فلا. وفي ثالثة: ما أصله الماء؛ كالخَلِّ التَّمْريّ، فهو كالماء، وغيره ينجُس مطلقًا. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولبن كزيت (٣). الثَّاني: ظاهر كلامهم: أنَّ نجاسة الماء النَّجِس عَيْنيَّة، وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا؛ لأنَّه يُطهِّر غيرَه، فنفْسَه أَوْلى، وأنَّه كالثَّوب النَّجِس (٤)، ولهذا يجوز بيعه. الثالث: إذا غيَّرتْ نجاسةٌ بعضَ الطَّهور الكثيرِ؛ ففي نجاسة ما لم يتغيَّر مع كثرته وجهان، والأشهر: أنَّه طَهور. (وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ)؛ أي: طَهور (كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ

стр. 121

يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ (١) بَعْدَهُ كَثِيرٌ؛ طَهُرَ). هذا شروع في بيان تطهير الماء النَّجِس، وهو يَنقسِم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونَ الماءُ النَّجِسُ دون قُلَّتيْن، فتطهيره بالمُكاثَرة حسب الإمكان، زاد في «الرِّعاية»: عُرْفًا، واعتَبر الأَزَجِي والسَّامَرِّي الاتصالَ فيه بقُلَّتين طَهوريَّتين، إمَّا أن يُصبَّ فيه، أو يجري إليه من ساقِيَة أو نحوِ ذلك، فيزولُ بهما تَغيُّرُه إن كان متغيِّرًا. وإن كان غير متغيِّرٍ؛ طَهُر بمجرَّد المُكاثَرة (٢)؛ لأنَّ القلَّتين تدفع النَّجاسة عن نفسها وعمَّا (٣) اتَّصل بها، ولا تَنجُس إلَّا بالتَّغييرِ. وفُهِم منه: أنَّ النَّجِس القليل لا يَطهُر بزوال تغيُّره بنفسه؛ لأنَّ علَّةَ نجاستِه الملاقاةُ لا التَّغيرُ (٤). الثَّاني: أن يكون قُلَّتين؛ فإن كان غير متغيِّر بالنَّجاسة، أو متغيِّرًا بها: فتطهيره بالمُكاثَرة إذا زال التَّغيُّر، وبزوال تغيُّره بنفسه؛ لأنَّ علَّة التَّنجيس زالت؛ كالخَمرة إذا انقلبت بنفسها خَلًّا. وقال ابن عَقِيل: لا تطْهُر؛ بناءً على أنَّ النَّجاسة لا تطْهُر بالاِستحالة. الثَّالث: الزَّائد على القُلَّتين، فإن كان غير متغيِّر فتطهيره بالمُكاثَرة فقط، وإن كان متغيِّرًا فتطهيره بالأمرين (٥) السَّابقين، وبثالث، وهو: أن يُنزَح منه حتَّى يزول التَّغيُّرُ، ويبقى بعد النَّزْح قُلَّتانِ، هذا إن كان متنجسًا بغير البول

стр. 122

والعذرة، ولم يكن مجتمعًا من متنجس، كل ماء دون قلتين، نص عليه (١). فإن نقص عنهما (٢) قبل زوال التَّغيُّر، ثمَّ زال؛ لم يطهر؛ لأنَّ علَّة التَّنجيس في القليل مجرَّد (٣) ملاقاة النَّجاسة، ويعتبر زوال التَّغيُّر في الكل (٤). (وَإِنْ كُوثِرَ)، أو كان كثيرًا فأضيف إليه (٥) (مَاءٌ (٦) يَسِيرٌ) طَهور، (أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ) كالتُّراب والخَلِّ ونحوِهما، لا مسْكٍ ونحوِه، (فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ)؛ لم يَطهُرْ على المذهب؛ لأنَّه لا يدفع النَّجاسة عن نفسه، فعن غيرِه أولى. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَطْهُرَ)، وقاله بعض أصحابنا؛ لخبرِ القُلَّتين، ولأنَّ علَّة النَّجاسة زالت، وهي التَّغيُّر، أشبه ما لو زالت (٧) بالمكاثَرة. وقال ابن عقيل: التُّرابُ لا يطهِّر؛ لأنَّه يستر النَّجاسة، بخلاف الماء، وقيل به في النَّجِسِ الكثيرِ فقطْ، جَزم به في «المستوعب» وغيره، وأطلق في «الإيضاح» روايتين في التُّراب. مسألة: إذا اجتمع مِنْ (٨) نَجِسٍ وطَهورٍ وطاهِرٍ قُلَّتان بلا تغيُّر؛ فكلُّه

стр. 123

نجِس. وقيل: طاهر. وقيل: طَهور. وإن أضيفت قُلَّة نجسة إلى مثلها، ولا تغيُّر؛ لم تطهر في المنصوص (١)؛ كنجاسة أخرى. وفي غسل جوانبِ بئر نُزحت وأرضِها؛ روايتان. (وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ)؛ هما تثنية قُلَّة، وهي اسم لكلِّ ما ارتفع وعلا، ومنه قُلَّة الجبل. والمراد هنا: الجَرَّةُ الكبيرةُ، سُمِّيت قُلَّةً؛ لعُلوِّها وارتفاعِها، وقيل: لأنَّ الرَّجل العظيم يُقِلُّها بيده؛ أي: يرفعها، والتَّحديد وقع بقِلال هَجَر (٢)، وفي حديث الإسراء أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ثمَّ رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَرَ» رواه البخاري (٣)، ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ معلومةُ المقدارِ لا تَختلِف؛ كالصِّيعانِ، ولأنَّ خبر القُلَّتين دلَّ بمنطوقه على دفعهما النَّجاسة عن أنفسهما، وبمفهومه (٤) على نجاسة ما لم يَبلغْهما، فلذلك جعلناهما حدًّا للكثير. (وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا)؛ أي: دون القلَّتين (٥)، (وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ)، قدَّمه في «المحرر» و «الفروع»، وذكره في «الشرح»: ظاهر المذهب،

стр. 124

لقول عبد الملك بن جريج: (رأيت قِلال هَجَر، فرأيت القُلَّة تَسَعُ قِرْبتَين، أو قِرْبتَين وشيئًا) (١)، والاحتياطُ إثباتُ الشَّيْءِ، وجعْلُه نصفًا؛ لأنَّه أقْصَى ما ينطلِق عليه اسم شيءٍ مُنَكَّرٍ، فيكونُ مجموعُهما خمسَ قِرَبٍ بقِرَب الحِجاز، كل واحدة تَسَعُ مِائةَ رَطْل عراقيةً باتِّفاق القائلين بتحديد الماء بالقِرب. والرَّطلُ العِراقيُّ (٢): مائةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا، قاله في «المغني» القديم (٣)، وعزاه إلى أبي عُبيد (٤). وقيل: وثلاثةُ أسْباع دِرهم، ذكره في «التلخيص». وقيل: وأربعة أسباع درهم، قاله في «المُغني» الجديد، وهو المشهور. فعلى هذا: هو سُبُعُ الرَّطل الدِّمشْقي ونصفُ سُبُعِه، فتكون القُلَّتان بالدِّمشقي (٥): مائةُ رَطل وسَبعةُ أرطال وسُبُعُ رَطْل، ويعبَّر عنه بأُوقِية وخمسةُ أسْباع أُوقية. وبالقُدُسي: ثمانون رَطلًا وسُبُعا رَطلٍ ونصف سُبُع. وبالحَلَبي: تسعة وثمانون رطلًا وسبعَا رطل. وبالمِصري: أربعمائة وستة وأربعون رَطلًا وثلاثة أسْباع رطل.

стр. 125

ومِساحتُهما مُرَبَّعًا: ذراع ورُبُعٌ طولاً، وعرضًا، وعُمْقًا. ومُدَوَّرًا: ذِراعٌ طولاً، وذِراعان ونصفُ ذِراع عمقًا. والمراد به: ذراع اليد، صرَّح به بعضهم. (وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةٍ)، رواه عنه الأَثْرَم (١)، وقدَّمه ابن تَميم؛ لقول (٢) يحيى بن عَقيل: (رأيت قِلال هَجَر، وأظنُّ القُلَّة تأخذ قِرْبتين) رواه الجُوزَجاني (٣). وعلى هذا هما بالدِّمشقي: خمسة وثمانون رَطلاً وثُلُثَا رَطْل وأربعة أسباع أوقية. وفي ثالثة: هما قِرْبتان وثُلُثٌ، جَعْلاً للشيء ثُلُثًا. (وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ؟) صحَّحه في «المغني» و «الشرح» و «الفروع»؛ لأنَّ الشيء إنَّما جُعِل نِصْفًا احتياطًا، والغالب استعماله فيما دون النِّصف، (أَوْ تَحْدِيدٌ؟) هو ظاهر قول القاضي، واختاره الآمِدي؛ لأنَّ ما جُعل احتِيَاطًا يَصيرُ واجبًا؛ كغَسل جزء من الرَّأس مع الوجه؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، ظاهرُ كلامه أنَّ الخلاف راجعٌ إلى الرِّوايتين، وكلامه في «المغني» و «المحرر» يَقتَضي اختصاصَ الخلاف بالأُولى، قال ابن المُنَجَّى: (وهو الأشبه إن قيل: القِرْبة مائةٌ بإجماعٍ؛ لأنَّه لا ترديد في كون القُلَّة قِرْبتين، وإنَّما التَّرديد في الزائد

стр. 126

عليهما، وإن قيل: هي مائةٌ تقريبًا؛ حَسُن مجيء الخلاف المذكور). وقال ابن حَمْدانَ: الأصحُّ أنَّ الخمسَمِائة تقريبٌ، والأربعَمِائة تحديدٌ. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا نَقَصت القلَّتان رَطْلاً أو رطلين، ووقع فيهما نجاسةٌ، فعلى الأُولى: طاهر؛ لأنَّه نَقْصٌ يسير لا أثر له، وعلى الثَّاني: نَجِس؛ لأنَّه نَقَص عن قلَّتين. مسائل: إذا وقع نجاسة في قليل، ولم يغيِّره، وقلنا: ينجُس بها، فانْتَضَح منه على ثوبه ونحوه؛ نَجُس على المذهب. وله استعمال كثير لم يتغيَّر ولو مع قيام النَّجاسة فيه وبينه وبينها قليل. وإن شكَّ في كثرة الماء، أو نجاسة عظْم أو رَوثة، أو جفاف نجاسة على ذباب وغيره، أو ولوغ كلب أدخل رأسه في إناء وثَمَّ بفيه رطوبة؛ فوجهان. ونقل حرب (١) فيمن وطئ روثة: فرخص (٢) فيه إذا لم يعرف ما هي (٣). (وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ)؛ فهو طاهرٌ؛ لأنَّها مُتَيَقَّنة، فلا تُزول (٤) بالشَّك وإن وجده متغيِّرًا؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بمكثه (٥) أو بما لا يمنع، وليس هذا خاصًا بالماء، بل يجري فيه وفي غيره. (أَوْ كَانَ نَجِسًا فَشَكَّ (٦) فِي طَهَارَتِهِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ أي: الأصل؛ لأنَّ

стр. 127

الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يَفتقِر إلى عَدَمها (١) ووجود الأخرى، وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلَّا إلى مجرَّد البقاء، فيكون أيسر من الحدوث وأكثر، والأصلُ إلحاقُ الفرد بالأعمِّ الأغلب. فإن أخبره عدل بنجاسته، وذَكر السببَ؛ قُبِل. وإن لم يعيِّنه فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره؛ لاحتمال اعتقاد نجاسته بسبب لا يعتقده المخبَر، وقيل: يقبل؛ كالرِّواية. ويكفي مستور الحال في الأصحِّ، كعبد وأنثى. وإن أخبره أنَّ كلبًا ولَغ في هذا الإناء فقط، وقال آخر: إنَّما ولغ في هذا؛ حُكِمَ بنجاستهما؛ لأنَّ صدقَهما مُمكِنٌ، فإن عَيَّنا كلْبًا ووقتًا يَضِيق عن شربه منهما؛ تعارضا، ولم يحكم بنجاسة واحد منهما. فإن قال أحدهما: ولَغ في هذا، وقال الآخر: نزل ولم يَشرَب؛ قُدِّم قول المُثْبِتِ، إلَّا أن يكون ضريرًا فيقدَّم قولُ البصيرِ عليه. فرع: إذا أصابه ماءٌ، ولا أَمَارةَ تَدلُّ على النَّجاسة؛ كُره سؤاله عنه، نقله صالِحٌ (٢)؛ لقول عمرَ: «يا صاحِب الحوْض لا تُخبرنا» (٣)، فلا يلزم الجواب.

стр. 128

وقيل: بلى، كما لو سئل عن القبلة. وقيل: الأَولى السؤال والجواب. وقيل: بلزومهما، وأوجب الأزَجي إجابته إن علم نجاسته. (وَإِنِ اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ)؛ أي: الطَّهور (بِالنَّجِسِ)؛ تنقسم هذه المسألة إلى صور: منها: أن يزيد عدد النَّجِس، أو يتساويا: فهذا لا يجوز التَّحرِّي فيهما بغير خلاف. ومنها: أن يزيدَ عددُ الطَّاهِر على عدد النَّجِس: قال ابنُ المُنَجَّى: (وهي مسألة الكتاب، ويكون من باب إطلاق اللفظ المتواطئ إذا أريد به بعض مَحالِّه، وهو مجاز سائغ). (لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ)؛ لأنَّه اشْتَبه عليه المباح بالمحظور في موضِع لا تُبِيحه الضَّرورة؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات، أو كان أحدهما بَوْلًا؛ لأنَّ البوْل لا مَدخَل له في التَّطهير. والثَّانية: له التَّحرِّي إذا زاد عدد الطَّهور، وهو قول أبي بكر وابنِ شاقْلا (١) والنَّجَّاد (٢)؛ لأنَّ الظاهِرَ إصابةُ (٣) الطَّهور،

стр. 129

ووِجْهةُ (١) الإباحة ترجَّحت، أشبه ما لو اشتبهت عليه أخته في نساء بلد. ولنا: لأنه (٢) يشقُّ عليه اجتناب الكل، ولذلك يجوز له النِّكاح من غير تحرٍّ. وعلى هذا؛ هل يُكتفى (٣) بمُطلَق الزيادة، أو كون الطَّهور أكثر عُرفًا، أو كون النَّجِس تسع (٤) الطَّهور؟ فيه أوجه. وظاهر كلامهم: لا فرق بين الأعمى وغيره. وهل يلزم مَنْ علِم النَّجِس (٥) إعلامُ من أراد أن يستعمله؟ فيه احتمالات، ثالثها: يلزم إن شرطت إزالتها لصلاة. وإن توضَّأ من أحدهما بلا تحرٍّ، فبان طَهورًا؛ لم يصحَّ، ويُعايَا بها. وقال أبو الحُسين: يَصِحُّ. (وَيَتَيَمَّمُ) في الصُّوَر السَّابقةِ؛ لأنَّه عادِمٌ للماء حُكمًا، وظاهِره: أنَّه إذا تيمَّم وصلَّى به، ثمَّ علِم النَّجس؛ فلا إعادة عليه، وهو كذلك في الأصحِّ. (وَهَلْ يُشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا أَوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقهما في الفروع (٦): إحداهما: لا يُشترط - لصحَّة التَّيمُّم - إعدامُهما بخلْط أو إراقةٍ، جزم بها في «الوجيز»، وقدَّمها ابن تميم وغيره، وصحَّحها في «المغني» و «الشرح»؛ لأنَّه غير قادر على استعماله، أشبه ما لو كان في بئر لا يمكنه الوصول إليه. والثَّانية: تُشترط الإراقة ليكون عادِمًا حقيقةً وحكمًا، واختارها الخِرَقِي

стр. 130

وأبو البَرَكات، وهذا إذا (١) أمِنَ العطشَ، ولم يكن عنده طَهور بيقين، ولم يمكن تطهير أحدِهما بالآخر. والمحرَّم بغصب كالنَّجِس فيما ذكرنا. فرع (٢): إذا احتاج إلى شُرب أو أكل؛ لم يجز بلا تحرٍّ في الأصحِّ، فإن فعل، قال ابن حمدان: أو تطهَّر من أحدهما بتحرٍّ، ثمَّ وجد ماء طَهورًا؛ وجب غسل ثيابه وأعضائه (٣)، وقيل: يسنُّ. ويريق النَّجِس إن علمه واستغنى عنه، وإن خاف العطش توضَّأ بالطَّاهر وحبس النَّجس، وقيل: يحبس الطَّاهر ويتيمَّم، وهو أولى؛ كما لو خاف احتياجهما للعطش. فرع: إذا توضَّأ بماء، ثمَّ علم نجاسته؛ أعاد، نقله الجماعة، خلافًا «للرعاية»، ونصُّه: حتَّى يَتيقَّن براءتَه (٤). وذكر في «الفصول» والأَزَجِي: إن شكَّ هل كان وضوءُه قبل نجاسة الماء أو بعده؛ لم يُعِدْ، لأنَّ الأصل الطَّهارة. (وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ؛ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، قال في «الوجيز»: مع عَدَم طَهور [غير] (٥) مشتبه. وظاهر ما ذكره المؤلف: أنَّه يتوضَّأ من كلِّ واحد منهما وُضوءًا كاملاً، صرَّح به في «المغني» و «المحرر»؛ لأنَّه أمكنه تأديةُ فرضه بيقين، فلزمه ذلك؛ كما لو نَسِي صلاةً من خمس لا يَعلم عينَها.

стр. 131

والمذهب: أنَّه يتوضَّأ منهما وضوءًا واحدًا، فيأخذ من هذا غَرفةً، ومن هذا غرفة مطلقًا. فإن توضَّأ منهما مع طَهور بيقين وضوءًا واحدًا؛ صحَّ، وإلَّا فلا. فإنِ احتاج إلى أحدهما للشُّرب؛ تحرى وتوضأ بالطَّهور عنده، وتيمم ليحصل له اليقين، ذكره في «الشرح» (١). (وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً)، قال في «المُغْني» و «الشرح»: (بغير خلاف نعلمُه؛ لأنَّه أمكنه أداء فرضِه بيقين من غير حرَج، فلزمه كما لو كانا طهورين، ولم يكفه أحدهما). (وَإِنِ اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ) وهو يعلم عددَها؛ (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً)، يَنوِي بها الفرضَ احتياطًا؛ كمَن نسي صلاةً من يوم، ولم يجز التَّحرِّي مطلقًا، بخلاف القِبلة والأَوانِي. وفرَّق أحمدُ بينهما: بأنَّ الماء يلصق بِبَدَنه فيَتَنَجَّس به، وأنه يباح صلاته (٢) فيه عند العدم، بخلاف الماء النَّجس (٣)، قال الأصحاب: ولأن القبلة يكثر الاشتباه فيها، والتفريط هنا حصل منه بخلافها، ولأن لها أدلة تدل عليها، بخلاف الثياب (٤). (وَزَادَ صَلَاةً)؛ لأنَّه صلَّى في ثوْبٍ طاهِر يقينًا.

стр. 132

وإن لم يَعلَم عدد النَّجِس؛ صلَّى حتَّى يتيقَّن أنَّه صلَّى في طاهر، صرَّح به الأصحاب. فإن كثر ذلك وشقَّ صلاتُه في الكلِّ؛ فقال ابن عَقيل: يَتحرَّى في أصح (١) الوجهين؛ دفعًا (٢) للمشقَّة. والثَّاني: لا يتحرى؛ لأنَّه يندر جدًّا. وقيل: يصلِّي في واحد بلا تحرٍّ، وفي الإعادة وجهان. ولا يصحُّ في ثياب مشتَبِهة مع وجود طاهِر يقينًا، وكذا حكم الأمكنة الضَّيِّقة، وأمَّا الواسعة فيصلِّي حيث شاء بلا تحرٍّ.

стр. 133

(بَابُ الآنِيَةِ) الآنِية هي (١) الأوعِية: جمع إناء؛ كسِقاء وأسقية، وجمع الآنية: أواني، والأصل أآني، أبدلت الهمزة الثَّانية واوًا؛ كراهة اجتماع همزتين؛ كآدم وأوادم - وهو مشتق من الأدمة، أو من أديم الأرض، أي: وجهها - (٢)، وهي ظُروف الماء، فلمَّا (٣) ذكر الماء ذكر ظرفه. (كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ)؛ كالخشب (٤) والجلود والصُّفْر والحديد، ويستثنى منه: جلد الآدمي وعَظْمه؛ لحُرمته، (وَلَوْ كَانَ) الإناء (ثَمِينًا؛ كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ)؛ كبِلَّور (٥) وياقُوت وزُمُرُّد، وهذا قول عامَّة العلماء من غير كراهة، إلَّا ما رُوي عن عبد الله بن عمر أنَّه كره الوضوء في الصُّفْر والنُّحاس والرَّصاص (٦)، واختاره أبو الفرَج المَقْدِسي (٧)؛ لأنَّ الماء يتغيَّر

стр. 134

فيها، وروي: «أنَّ الملائكة تكره ريح النُّحاس» (١). والأوَّل أوْلى؛ لما روى عبد الله بن زيد قال: «أتانا رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماءً في تَور من صُفْر، فتوضَّأ» رواه البخاري (٢)، وقد ورد (٣): «أنَّه توضَّأ من جَفْنة» (٤)، و «من تَور حجارة» (٥)، و «من إداوة» (٦)، و «من قِربة»، (٧) فثبت الحكم فيها لفعله، وما في معناه قياسًا؛ لأنَّه مثله، ولأنَّ العلَّة المحرِّمة للنَّقدين مفقودة في الثَّمين؛ لكونه لا يعرفه إلَّا خواصُّ النَّاس، فلا

стр. 135

يؤدِّي (١) إلى الخُيَلاء وكسر قلوب الفقراء، ولأنَّ إباحته لا تفضي إلى استعماله لقلَّته (٢)، بخلاف النَّقدين؛ فإنَّهما في مظنَّة الكثرة، فيفضي إلى الاستعمال. وكثرة أثمانها لا تَصلح (٣) فارِقًا كما في الثياب؛ فإنَّه يحرم الحرير وإن قلَّ ثمنه، بخلاف غيره وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فصُّ الخاتم جوهرةً ولو بلَغ ثمنُها مهما بلغ، ويحرم ذهبًا ولو كان يسيرًا. (إِلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) حتَّى المِيلَ ونحوَه، (وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا)؛ لأنَّ علَّة تحريم النَّقدين هي الخُيَلاء وكسْر قلوب الفقراء، وهي موجودة في المضبَّب بهما، ويأتي حُكمها، (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا)، ذكر في «الشرح» عن شيخه أنَّه قال: (لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتِّخاذ آنية الذَّهب والفضَّة). وليس كذلك، بل الخلاف فيه مشهور، فذكر ابن تميم وصاحب «المحرر» رواية، وبعضهم حكاه وجهًا: أنَّه لا يحرم الاتِّخاذ وش (٤)؛ لأنَّه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتِّخاذ، كما لو اتَّخذ الرَّجل ثياب الحرير. وقال أبو الحسن التَّميمي: إذا اتَّخذ مِسْعَطًا، أو قِنديلاً، أو نَعْلَين، أو مِجْمرة، أو مِدخنة من النَّقدين؛ كُره ولم يحرم. والأوَّل هو المشهور عند العلماء وفي المذهب؛ لأنَّ ما حَرُم استعمالُه مطلقًا حَرُم اتِّخاذه على هيئة الاستعمال، كالملاهي (٥)، وأمَّا ثياب الحرير فإنَّها لا تحرم مطلقًا؛ لأنَّها تباح للنِّساء، وتباح التِّجارة فيها. (وَاسْتِعْمَالُهَا)، هذا ممَّا اتُّفِق على تحريمه؛ لما روى حذيفة قال: سمعت

стр. 136

رسول الله ﷺ يقول: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافها؛ فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» (١)، وروت أمُّ سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم» متَّفق عليهما (٢)، فتُوُعِّد (٣) عليه بالنَّار، فدلَّ على تحريمه، والجَرجَرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. وغير الأكل والشرب في معناه؛ لأنَّ ذكرهما قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك لا يتقيَّد الحكم به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٨٣]. (عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)؛ لعموم الأخبار، والمعنى فيهما: أنَّ كلًّا من الجنسين مكلَّف، ولم يكن دليل مخصِّص، وإنَّما أبيح التَّحلِّي للنِّساء لحاجتهنَّ إليه لأجل التَّزيُّن للزَّوج. (فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا)، وفيها، وإليها، وفي إناء مغصوب، أو ثمنُه؛ (فَهَلْ تَصِحُّ (٤) طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يصحُّ، صحَّحه في «المغني» و «الشرح»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ الإناء ليس بشرط ولا ركن للعبادة، فلم يؤثِّر لأنَّه أجنبي. والثَّاني: لا يصحُّ (٥)، اختاره أبو بكر والقاضي وابنُه أبو الحسين؛ لإتيانه بالعبادة على وجه محرَّم، أشبه الصَّلاة في الأرض المغصوبة، وفرَّق بينهما في

стр. 137

«المغني» و «الشرح» بأنَّ الأفعال في الدَّار المغصوبة محرَّم بخلاف مسألتنا. وقيل: في صحة الوضوء (١) والغسل روايتان، وجزم في «الوجيز» بالصِّحَّة (٢) مع الكراهة منه، وبه، وفيه، وصرَّح بهما الخِرَقِي، والأشهر على أنَّ مراده بالكراهة التَّحريم. فعلى عدم الصِّحَّة: إن جعلها مَصبًّا للماء؛ صحَّ، ذكره في «المغني» و «الشرح»؛ لأنَّ المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث، فلم يَزُل ذلك بوقوعه فيه. وذكر ابن عقيل: أنَّه لا يصحُّ؛ لوجود الفخر والخُيَلاء. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ (٣) الضَّبَّةُ يَسِيرَةً) عُرفًا (مِنَ الْفِضَّةِ؛ كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ (٤)، فَلَا بَأْسَ بِهَا)؛ لما روى البخاري عن أنس: «أنَّ قَدَح النَّبيِّ ﷺ انكسر، فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضَّة» (٥)، ولأنَّه ليس فيه سَرَف (٦) ولا خُيَلاء. وظاهره: أنَّ المضبَّب بذهب حرام مطلقًا؛ لقوله ﵇: «لا يصلح من الذَّهب ولا خَرْبَصِيصَةٌ (٧)» (٨)، وفيه وجه.

стр. 138

وكذا المضبَّب بفضَّة؛ سواء كانت كبيرة لحاجة أو لغيرها، وهو أحد الوجوه؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب في (١) إناء ذهب أو فضَّة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنَّما يُجرجر في بطنه نار جهنَّم» رواه الدَّارقطني (٢). فمقتضى هذا: تحريم المضبَّب مطلَقًا، تُرِك العمل به فيما ضبَّته يسيرة؛ للنَّص السَّابق، فيبقى ما عداه على مقتضاه. والحاجة (٣) غير مشترطة في اليسيرة، وصرَّح به في «المغني» و «الشرح»، وحكياه عن القاضي؛ لأنَّه لا سَرَف (٤) فيه، ولا خُيَلاء، أشبه الصُّفْر، إلَّا أنَّه كره الحلقة؛ لأنَّها تستعمل. وقال أبو الخطاب: لا تباح إلَّا لحاجة، وجزم به الشيخان (٥)، وفي «الوجيز»: لأنَّ الرُّخصة وردت في الحاجة، فيجب قصر الحكم عليها، فعلى هذا تباح وفاقًا (٦)، وقيل: تكره (٧).

стр. 139

(إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالاِسْتِعْمَالِ)؛ لئلَّا يكون مباشرًا للفضَّة التي جاء الوعيد في استعمالها، وظاهره: أنَّه يكره إذا باشرها بالاستعمال، قدَّمه في «الرعاية». والمذهب: أنَّه يباح مباشرتها مع الحاجة وبدونها. فظاهر كلامه: أنَّه يحرم، وقيل: يكره، وقيل: يباح. والكثير: ما كثر في العُرف. وقيل: ما لَاح على بُعْد. وقيل: ما استَوعَب أحدَ جوانبِه. والحاجة: أن يتعلَّق به غرض غير الزِّينة في ظاهر كلام بعضهم، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (مرادهم: أن يحتاج إلى تلك الصورة (١)، لا إلى كونها من ذهب أو فضَّة؛ فإنَّ هذه ضرورة، وهي تبيح المنفرد) (٢). فرع: المَطْلِيُّ والمُطَعَّم ونحوُهما بأحدهما؛ كالمُصْمَت. وقيل: لا. وقيل: لو حُلَّ واجتمع منه شيءٌ حرُم، وإلَّا فلا. (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ؛ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاِسْتِعْمَالِ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا)، وجملته أنَّ الكفَّار على ضربين: أهلِ كتاب وغيرِهم. فالأوَّل: يباح أكلُ طعامهم وشرابهم، واستعمال أوانيهم بشرطه، قال ابن عقيل: لا تختلف الرواية في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المَائدة: ٥]، «وتوضَّأ عمر من جرَّة نصرانيَّة» (٣)، وروى أحمد: «أنَّ

стр. 140

النَّبيَّ ﷺ أضافه يهودي بخبز شعير، وإهالَةٍ سَنِخَةٍ (١)» (٢)، وفي كراهة استعمال أوانيهم روايتان. وأمَّا ثيابهم: فما علا منه؛ كالعِمامة ونحوه، فلا بأس به، وما وَلِيَ عوراتِهم؛ كالسَّراويل، قال (٣) أحمد: (أحبُّ أن يعيد الصَّلاة فيه) (٤)، وهو قول القاضي، وقال أبو الخطاب: لا يعيد؛ لأنَّ الأصل الطَّهارة، فلا تزول بالشَّك. وأمَّا غيرهم: فحكمهم حكم أهل الذِّمَّة في ظاهر ما ذكره المؤلف، وقاله أبو الحسين والآمِدي، ونصَّ عليه أحمدُ، «لأنَّ (٥) النَّبيَّ ﷺ توضَّأ من مزادة مشركة» متَّفق عليه (٦)، وعملًا بالأصل.

стр. 141

وعنه: المنعُ من الثِّياب والأواني مطلقًا؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، ولأنَّهم لا يتورَّعون عن النَّجاسة. وعنه: الكراهة، وعليها يحمل النَّهي في (١) حديث أبي ثعلبة، ولقوله ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» رواه النَّسائي (٢). (وَعَنْهُ: مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاوِيلِ) - هو أعجمي مفرد ممنوع من الصَّرف؛ لشبهه بمفاعيل - ونحوه؛ كالتُّبَّان والقميص؛ لا يصلَّى فيه؛ عملًا بالظَّاهر، وقد تقدَّم قول أحمد فيه. (وَعَنْهُ: أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ)؛ كالمجوس وعَبَدَة الأوثان؛ (لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ)؛ لحديث أبي ثَعْلبة قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا بأرضِ قومٍ أهل كتاب، أفنأكل من آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن وَجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها؛ فاغسلوها بالماء، وكلوا فيها» متَّفق عليه (٣)، ووجهُه: أنَّه إذا مُنِع في (٤) أهل الكتاب، ونهي عن استعمال أوانيهم بدون غسلها، ففي غيرهم أولى، ولأنَّ ذبائحهم مَيْتَةٌ، فنجاسة الآنية بها متيقَّنة، وعليها يمنع في (٥) الثِّياب أيضًا؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّهم لا يتوقَّونها في الثِّياب، فتكون نجسة. وقيل: تغسل آنية من يستحلُّ الميتة والنَّجاسة؛ كالمجوس وبعض

стр. 142

النصارى، وطهارة غيرها، قدَّمه في «الكافي». واعلم أنَّ الخلاف في ذلك كلِّه قبل الغسل، وعدم تحقُّق النَّجاسة، فأمَّا بعد غسلها فلا خلاف في طهارتها وجواز استعمالها، ومع تحقُّق النَّجاسة؛ فلا خلاف في المنع. وكذا حكم ما صبغوه، قيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول، فقال: (المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، فإن علمت فلا تصلِّ فيه حتى تغسله) (١). (وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا)؛ لأنَّ النَّجاسةَ بعيدةٌ منها، لأنَّها لا تخالطها، وملاقاة رطب النَّجاسة لها غير متيقَّن، والأصل الطَّهارة. فرع: إذا شَكَّ في استعماله؛ فهو طاهر في ظاهر المذهب؛ لأنَّه الأصل. وقيل: يغسل إن كان لمجوسي، وإن كان لكتابيٍّ؛ كُره. وعنه: لا يكره (٢). وقيل: لا بد من غسل قِدر النصراني. وما نسجه الكفَّارُ؛ فهو مباحُ اللُّبس؛ لأنَّه ﷺ وأصحابه كانت ثيابهم من نسج الكفَّار، وذكر ابن أبي موسى في «الإرشاد» روايتين، أصحُّهما: لا يجب غسلها. وذكر أيضا في «الإرشاد»: أنَّ المسلم إذا داوم شرب الخمر؛ أنَّه في آنيته وثيابه وسُؤْره كالمجوس. وفي كراهة ثوب المرضِع والحائض والصَّغير روايتان، ذكر في «الشرح» الإباحة، ثم ذكر عن أصحابنا أنَّ التَّوقِّيَ لذلك أولى؛ لاحتمال النَّجاسة فيه. (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ)؛ أي (٣): نَجُس بموتها (بِالدِّبَاغِ)، نقله

стр. 143

الجماعة (١)، وهو ظاهر المذهب، وقول عمر (٢)، وابنه (٣)، وعائشة (٤)، وعمران بن حصين (٥)؛ لما روى عبد الله بن عُكَيم قال: «أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» رواه الخمسة (٦)، ولم يذكر التَّوقيت غير أبي داود، وأحمد، وقال (٧): (ما أصلح إسناده) (٨)، وقال أيضًا: (حديث ابن عُكَيم أصحُّها (٩) (١٠)، ورواه عن

стр. 144

يحيى بن سعيد الأنصاري، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله، وفي رواية الطَّبراني والدَّارقطني: «كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» (١)، وهو دالٌّ على سبق الرُّخصة، وأنَّه متأخِّر، وإنَّما يؤخذ بالآخِر من أمره ﵇. لا يقال: هو مرسل لكونه من كتاب لا يعرف حامله؛ لأنَّ كتابه ﵇ كلفظه (٢)، ولهذا كان يبعث كتبه إلى النَّواحي بتبليغ الأحكام. فإن قلت: الإهاب اسم للجلد قبل الدَّبغ، وقاله النَّضر بن شميل (٣). وأجيب: بمنع ذلك كما قاله طائفة من أهل اللغة، يؤيده أنه لم يُعلم أن النبي ﷺ رخص في الانتفاع به (٤) قبل الدَّبغ، ولا هو من عادة النَّاس. (وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ)؛ احترز به عن المائِعات؛ فإنَّ كثيرًا من الأصحاب منعوا ذلك، وذكروه روايةً واحدةً، قال ابن عَقِيل: ولو لم ينجُس الماء بأن كانت تَسع قُلَّتين؛ لأنَّها نجسة العين، وجوَّزه الشَّيخ تقي الدِّين إذا لم ينجس الماء (٥)، (بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في ابن تَمِيم، وفي «المغني» و «الشرح»، وخَصَّاه بجلد طاهر حال الحياة، وبعضهم حكاهما

стр. 145

قبله وإن كان جلد كلب أو خنزير؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» رواه الدَّارقطني بإسناد جيد (١). والثَّانية: يجوز، وهي الأصحُّ؛ لما روى ابن عبَّاس قال: تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلَّا استمْتعتم بإهابها، فدبغتموه فانتفعتم به» رواه مسلم (٢)، ولأنَّ الصَّحابة لمَّا فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم، وذبائحُهم ميتةٌ، ونجاستُه لا تمنع الانتفاع به؛ كالاصطياد بالكلب. وإذا جاز استعمالُه جاز دبغُه، وإلَّا احتمل التَّحريم واحتمل الإباحة؛ كغَسل نجاسة بمائع (٣) وماء مستعمل وإن لم يطهر، قاله القاضي، وكلام غيره خلافه، قال في «الفروع»: وهو أظهر. فرع: اختلف قول أحمد في جواز الخَرْز بشعر الخنزير، وفي كراهته (٤) روايتان. وقيل: لا يجوز الخَرْز برَطْبه، وفي يابسه الخلاف، فإن خُرِز برطبه؛ وجبَ غسلُه. مسألة: يجوز اتِّخاذ مُنْخُل من شَعر نجِس، نصَّ عليه (٥)، وقال ابن حمدان: يُكره.
следующие страницы →