← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله، وخلقها الله لحكمة، وهي أنَّ الحوت لمَّا اضطرب تزلزلت (١) الأرض، فأرسل عليها الجبال فقرَّت، فالجبال تفخر على الأرض، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبيَاء: ٣١]. قال بعض المهندسين (٢): لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض (٣) مستديرًا أملس، ولو كان كذلك، لغطَّى الماء جميع جهاتها وأحاطَ بها. (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)؛ لأنَّه تعالى يعلم ما غاب عن العيون ممَّا لم يُعايَن ولم يُشاهَد، وقيل: هما السِّرُّ والعلانية. والإشارة به: أنَّ العلم ينقسم إلى شهادة وغَيب، فالشَّهادة: ما حصلت معرفتُه من طريق الشُّهود، وما عدا ذلك فهو غَيب بالإضافة إليه. (الْكَبِيرِ): العظيم. (الْمُتَعَالِ): المنزَّه عن صفات المخلوقين. واعلم أنَّه قد أُنكر على المؤلف في إسقاط التَّشهُّد من الخطبة؛ لما ورد في الحديث: «كلُّ خُطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء» (٤). وأجيب عنه: بأنَّ ما سبق فهو كافٍ. (وَصَلَّى اللهُ)؛ لما فرغ من الثناء على الله تعالى؛ قرَن ذلك بالصَّلاة على نبيِّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشَّرح: ٤] قال: لا أُذكَر إلَّا ذُكِرت معي (٥).

стр. 72

والصَّلاة من الله الرَّحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي (١) تضرُّعٌ ودعاء، قاله الأزهري وغيره (٢). وقال أبو العالية: (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء) (٣). (عَلَى سَيِّدِنَا)؛ السَّيِّد: هو الذي يفوق قومه في الخَير، قاله الزَّجَّاج (٤). وقيل: التَّقي. وقيل: الحليم. وقيل: الَّذي لا يغلبُه غَضَبُه، وجميع ذلك منحصر فيه ﵇. (مُحَمَّدٍ)؛ لمَّا علِم الله كثرة خصاله المحمودة؛ ألهم أهله أن يسمُّوه محمَّدًا، وهو عَلَم منقولٌ من التَّحميد، مشتق من الحميد، وهو من أسمائه تعالى، وإليه أشار حسَّان بن ثابت بقوله (٥):

стр. 73

وشَقَّ له من اسمه لِيُجِلَّهُ … فذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ (الْمُصْطَفَى): هو الخالص من الخَلق، وهو خير الخلائق كافَّة. (وَآلِهِ)؛ جمهور العلماء على جواز إضافة «آل» إلى المضمر كما استعمله المؤلف. وقال الكسائي (١) والنَّحَّاس (٢) والزُّبيدي (٣): لا تضاف إلَّا إلى المظهر؛ لتوغُّله في الإبهام (٤)، وسيأتي الكلام عليهم. (خَيْرِ آلٍ)، أصلُ خير: أَخْيَر، فحذفوا الهمزة، وبعدها ساكن لا يمكن النطق به، فنقلوا حركةَ ما قبلَ الآخِر إليه، فبقِي (خير)، كلُّ ذلك تخفيفًا. (صَلَاةً دَائِمَةً)؛ أي: مستمرَّةً متَّصلةً، لا تَنقطِع. اقتصر على الصَّلاة عليه كمسلم في «صحيحه»، وهو مكروه كما نقله في «شرح مسلم» فقال: يكره إفراد الصَّلاة من غير تسليم (٥)؛ لأنَّ الله تعالى أمر بهما جميعًا؛ لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزَاب: ٥٦] مع تأكيد التَّسليم بالمصدر، فدلَّ على الاهتمام به. (بِالْغُدُوِّ) جمع غُدوة، وهو نفس الفعل، تقول: غدا يغدو غُدُوًّا، عبَّر

стр. 74

بالفعل عن الوقتِ، والمراد: بالغدوات، كما تقول: آتيك طلوع الشَّمس؛ أي: وقتَ طلوعها. (وَالآصَالِ) جمع أُصُلٍ، وهو جمع أصيل، وقيل: الآصال: جمع أصيل، والآصال: العَشيَّات، وقال أبو (١) عبيدة: (هي ما بين العصر إلى غروب الشَّمس) (٢). (أَمَّا بَعْدُ)؛ أي: بعد ما ذكر من الثَّناء على الله تعالى، والصَّلاة على نبيِّه، وهذه الكلمة يأتي بها المتكلِّم إذا كان في كلامٍ وأراد الانتقال إلى غيره، ولا يؤتى بها في أوَّل الكلام، وكان ﷺ يأتي بها في خُطَبه وكُتُبه، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا (٣). فأمَّا «أمَّا»، فهي كلمة فيها معنى الشَّرْط، قال سيبويه: (قول النحويين: أمَّا زيد فمنطلق، معناه: مهما يكن من شيء فزيدٌ مُنطلِقٌ) (٤). قال بعضهم: وأصلها «ماما»، فحذفت الألف، ثمَّ أدغم بشرطه، والابتداء بالسَّاكن متعذر، فألحقت الهمزة مفتوحة؛ لئلَّا يلتبس. و «بعدُ»: ظرف زمان، والأعرف فيها هنا البناء على الضم؛ لكونها قطعت عن الإضافة، وفيها وجوهٌ أُخَرُ.

стр. 75

وهي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وزعم الكلبي: أن أوَّل من قاله قُسُّ (١) بن ساعدة. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل غير ذلك. (فَهَذَا)، إشارة إلى الكتاب المؤلَّف، فإن قيل: كيف جازت الإشارة إليه قبل تأليفه؟ فالجواب عنه: أنَّ الإشارة كانت إلى كتاب مصوَّر في الذِّهن؛ لأنَّ مَنْ عَزَم على تأليف كتاب صوَّره في ذهنه، أو أنَّ عمل الخطبة كانت بعد الفراغ من تأليف الكتاب. (كِتَابٌ)، هو من المصادر السَّيَّالة؛ أي: يوجد شيئًا فشيئًا، يقال: كتبت كتابًا وكَتْبًا وكِتابةً، وسمِّي المكتوب به مجازًا، ومعناه: جمع جملة من العلم. (فِي الْفِقْهِ)، هو في اللُّغة: الفهم. وفي الاصطلاح: العِلم بالأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة من أدلَّتها التَّفصيليَّة بالاستدلال. (عَلَى مَذْهَبِ)، هو الطريقُ، يقال: ذهب مذهبًا حقًّا، وذَهابًا وذُهوبًا، وجمعه مَذاهب. (الإْمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بْنِ) محمد بن (حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِي)، والصِّدِّيق الثَّاني، إمام الأئمَّة، وناصر السُّنَّة، وُلد ببغداد بعد حمل أمِّه به بمَرْو في ربيع الأول سنة أربع وستِّين ومائة، وتوفي ببغداد يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأوَّل، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة.

стр. 76

وروى ابن ثابت الخطيب (١) بإسناده: (قال الوركاني (٢) جار أحمد بن حنبل: أسلم يوم مات أحمدُ عشرون ألفًا من اليهود والنَّصارى والمجوس) (٣)، ومناقبه مشهورة. (اجْتَهَدْتُ)، هو بذل الْوُسع فيما فيه كُلْفَةٌ ومَشَقَّة. (فِي جَمْعِهِ) من كلام الإمام وأصحابه. (وَتَرْتِيبِهِ)؛ أي: ترتيب أبوابه ومسائله. (وَإِيجَازِهِ)؛ أي: تقصيره، يقال: أوجزَ في الكلام، فهو كلام مُوجِز ومُوجَز ووَجْزٌ ووجِيز، قاله الجوهري (٤). (وَتَقْرِيبِهِ) إلى الأفهام بعبارة سهلة من غير تعقيد، ولقد بالغ في ذلك، وحرَص عليه طاقتَه، فجزاه الله خيرًا، وأثابَه الجنَّة. (وَسَطًا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ)؛ أي: متوسِّطًا بينهما، ليس هو بالقصير المُخِلِّ، ولا بالطَّويل المُمِلِّ، وخِيار الأمور أوسطُها؛ إذ الوسَط العدل، وهو منصوب ب «جَمْعِه» على الحال؛ أي: اجتهدت في جمعِه وسطًا، ويجوز أن يكون ناصبه فعلاً مقدَّرًا؛ أي: جعلتُه وسطًا. قال الواحدي (٥): هو اسم لما بين طرفي الشَّيء، فأمَّا اللفظ به، فقال

стр. 77

المبرد: ما كان اسمًا فهو محرَّك السين؛ كقولك: وسَط رأسِه صُلب، وما كان ظرفًا فهو مسكَّن؛ كقولك: وسْط رأسه دهن؛ أي: في وسطه. وقال الجوهري: ما صلَح فيه «بين» فهو بالسُّكون، وما لم يصلح فيه «بين» فهو بالتَّحريك، وربَّما سُكِّن، وليس بالوجه. وقال الفراء (١): قال يونس (٢): سمعت وسَط ووسْط بمعنىً (٣). (وَجَامِعًا)، معطوف على (وَسَطًا)، (لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ)، جمعُ حُكْم، وهو في الأصل (٤): خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التَّخيير أو الوضع. (عَرِيَّةً عنِ الدَّلِيلِ)؛ أي: مجرَّدًا عن ذكر الدَّليل غالبًا، وهو لغة: عبارة عن المرشد، واصطلاحًا: ما يمكن التَّوصُّل بصحيح النَّظر فيه إلى مطلوب خَبَريٍّ. والمراد به هنا: الدَّليل التفصيلي في كل مسألة. (وَالتَّعْلِيلِ)؛ أي: مجرَّدًا عن العلَّة أيضًا، وهي حِكْمة الحُكم؛ أي: ما يَثْبُت الحكمُ لأجله في محلِّه، وهو أخصُّ من الدَّليل؛ إذ كلُّ تعليلٍ دليلٌ، من غير عكس؛ لجواز أن يكون نصًّا أو إجماعًا. (لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ)؛ أي: جرَّده عن الدَّليل والتَّعليل غالبًا مع ما سبق في قوله: (اجتهدت … ) إلى آخره (٥)؛ لأجل

стр. 78

تكثير (١) أحكامه. (وَيَقِلَّ حَجْمُهُ) في النَّظر، فلا تنفِر النَّفس منه. (وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ)؛ أي: يسهل حفظ مبانيه وفهم معانيه؛ إذ الفهم: إدراك معنى الكلام، قيل: بسرعة، والأصحُّ: أنَّه لا يحتاج إليه. (وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ)؛ أي: يَقْنَع به حافظُه عن غيره. (نَافِعًا للنَّاظِرِ فِيهِ)؛ أي: بمطالعته (٢). (وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يُبَلِّغَنَا أَمَلَنَا، وَيُصْلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيْهِ، نَافِعًا لَدَيْهِ)، سأل من الله تعالى أن يبلِّغه أمَلَه، ويُصلِح قولَه وعملَه، وقد عمَّ في الدعاء، فإنَّه رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على عليٍّ وهو يدعو ويخصُّ نفسَه، فقال له: «يا عليُّ! عُمَّ، فإنَّ فضلَ العموم على الخصوص كَفضلِ السَّماء على الأرض» (٣). (وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، الحَسيب: الكافي. والوكيل: الحافظ، وقيل: الموكول إليه تدبيرُ خَلقِه، والقائم بمصالحهم، فيكون «ونِعم الوكيل» عطف على جملة «وهو حسبنا»، والمخصوص محذوف، وإمَّا أن يكون عطفًا على «حسبنا»؛ أي: وهو نعم الوكيل، والمخصوص هو الضَّمير المتقدِّم على ما قالوه في: زيد نعم الرَّجل، وعلى كلِّ تقدير؛ فقد عطف الإنشاء على الإخبار.

стр. 79

(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) بدأ المؤلف بذلك اقتداءً بالأئمة، منهم الشافعي، لأنَّ آكَدَ أركان الدِّين بعد الشهادتين الصَّلاةُ، ولا بدَّ لها من الطَّهارة؛ لأنَّها شرطٌ، والشرط متقدِّم على المشروط، وهي تكون بالماء والتراب، والماءُ هو الأصل. وبدؤوا بربع العبادات؛ اهتمامًا بالأمور الدينية، فقدَّموها على الدنيوية، وقدَّموا ربع المعاملات على النِّكاح وما يتعلق به؛ لأنَّ سبب المعاملات، وهو الأكل والشُّرب ونحوهما (١) ضروريٌّ يستوي فيه الكبير والصَّغير، وشهوته مقدَّمة على شهوة النِّكاح، وقدَّموا النِّكاح على الجنايات والمخاصمات؛ لأنَّ وقوع ذلك في الغالب إنَّما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وهذه مناسبة حسنة ذكرها المتولِّي في «تتمَّته» (٢). ثمَّ اعلم أنَّ تعريف المركَّب متوقِّف على معرفة كلٍّ من مفرديه، فالكتاب والكَتْب مصدران، صرَّح به جماعة، وكتب يدور معناها على الجمع، يقال: كتبْت البغلةَ، إذا جمعت بين شُفْرَيْها بحلْقة أو سَير، قال سالم بن دارة: لَا تَأْمَنَنَّ فَزارِيًّا خلوْتَ بهِ … على قَلوصك واكتُبْها بِأسْيارِ (٣) أي: واجمع بين شُفريها بحلقة أو سير، والقَلوص في الإبل بمنزلة

стр. 80

الجارية في النَّاس، وتكتَّبت (١) بنو فلان: إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة، والكتابةِ بالقلم كتابة؛ لاجتماع الكلمات والحروف. وقول من قال: إنَّ الكتاب مشتقٌّ من الكَتْب عجيب! لأنَّ المصدر لا يُشتَقُّ من مثله. وجوابه: أنَّ المصدر أُطلق وأريد به اسم المفعول، وهو المكتوب؛ كقولهم: ثوب نَسج اليمن؛ أي: منسوجه، فكأنَّه (٢) قيل: المكتوب للطَّهارة، والمكتوب للصَّلاة ونحوها، أو أنَّ (٣) المراد به الاشتقاق الأكبر، وهو اشتقاق الشَّيء ممَّا يناسبه مطلقًا؛ كالبيع مشتقٌّ من الباع، وهي بالمثلَّثة (٤): عبارة عن الرَّمل المجتمع. وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا. وأمَّا الطَّهارة: فمصدر طهُر يطْهُر (٥)؛ بضمِّ الهاء فيهما؛ كالضَّخامة، وهو فعل لازم لا يتعدَّى إلَّا بالتَّضعيف، فيقال: طهَّر، وقد تفتح الهاء من «طَهَر» فيكون مصدره طُهرًا (٦) دون طهارة؛ كحَكَم حُكمًا، وأمَّا فَعالة فلم يأت مصدرًا لِفَعَل. ومعناها لغةً: النَّظافةُ والنَّزاهة عن الأقذار، ومادة «ن ز هـ» ترجع إلى البُعد، وفي الصَّحيح عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخل على مريض قال: «لا بأس! طَهور إن شاء الله» (٧) أي: مُطهر من الذُّنوب، وهي أقذار معنويَّة.

стр. 81

وشرعًا: رفع ما يمنع الصَّلاة من حدَث أو نجاسة بالماء، أو رفعُ حكمِه بالتُّراب، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، وأُورِدَ على عكسِه الحجر، وما في معناه في الاستجمار، ودلك النعل، وذيل المرأة على قول، والأغسال المستحبَّة، والتجديد، والغسلة الثَّانية والثَّالثة؛ فإنَّها طهارة شرعيَّة، ولا تمنع الصَّلاة، ثمَّ يحتاج إلى تقيدهما بكونهما طَهورين. وأجيب عن الأغسال المستحبَّة وما في معناه: بأنَّ ذلك مجاز؛ لمشابهته الرَّافع في الصُّورة. زاد ابن أبي الفتح (١): (وما في معناه). ورُدَّ: بأنَّه مع ما فيه من الإجمال يوهم أنَّ: (مِنْ حدث أو نجاسة) بيان لما في معناه، وليس كذلك، وإنَّما هو لبيان ما يمنع الصَّلاة. وفي «الوجيز»: استعمال الطَّهور في محلِّ التَّطهير على الوجه المشروع. ورُدَّ: بأنَّ فيه زيادة، مع أنَّه حدٌّ للتَّطهير لا للطَّهارة، فهو غير مطابق للمحدود. وفي «شرح الهداية» (٢): خلوُّ المحلِّ عمَّا هو مستقذر شرعًا، وهو إمَّا حسِّيٌّ، ويسمَّى نجاسةً، وإمَّا حُكميٌّ، ويسمَّى حَدَثًا، فالتَّطهير: إخلاءُ المحلِّ من الأقذار الشَّرعيَّة. وفي ابن المنجى (٣):

стр. 82

استعمالُ (١) الماء الطَّهورِ أو بَدَلِه، في أعضاءٍ مخصوصةٍ، على وجه مخصوصٍ. ورُدُّ بأنَّه قاصر وبأنَّ (٢) الطَّهارة قد توجَد حيث لا فعل بالكلِّيَّة؛ كالخَمرة إذا انقلبت بنفسها خلًّا. والأَولى: أنَّها رفعُ الحدث، وإزالةُ النَّجَس، وما في معناهما (٣)؛ لأنَّ الشَّرع لم يرد باستعماله إلَّا فيهما، فعند إطلاق لفظ الطَّهارة في كلام الشَّارع إنَّما ينصرف إلى الموضوع الشَّرعيِّ، وكذا كلُّ ما له موضوع شرعيٌّ ولغويٌّ؛ كالصَّلاة. فكتاب الطَّهارة: هو الجامع لأحكام الطَّهارة؛ من بيان ما يُتطَّهر به، وما يُتطهَّر له، وما يجب أن يُتطَّهر منه، إلى غير ذلك.

стр. 83

(بَابُ) الباب معروف، وقد يطلق على الصنف، وهو ما يُدخل منه إلى المقصود، ويتوصَّل به إلى الاطِّلاع عليه. (الْمِيَاهِ)، جمع ماء، وهمزته منقلبة عن هاء، فأصله مَوْهٌ، وجمعه في القلَّة: أمواه، وفي الكثرة عند البصريِّين: مِياه، وعند الكوفيِّين: مياه جمع قلَّة أيضًا، وهو اسم جنس، وإنَّما جُمع لاختلاف أنواعه. (وَهِيَ)؛ أي: المياه، (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ)؛ لأنَّ الماء لا يخلو: إمَّا أن يجوزَ الوضوء به، أو لا. فإن جاز؛ فهو الطَّهور، وإن لم يجز؛ فلا يخلو إمَّا أن يجوز شربه، أو لا، فإن جاز فهو الطَّاهر، وإلَّا فهو النَّجس. أو نقول (١): إمَّا أن يكون مأذونًا في استعماله، أو لا. الثَّاني: النَّجس. والأوَّل: إما أن يكون مطهِّرًا لغيره، أو لا، والأوَّل: الطَّهور، والثَّاني: الطَّاهر. وطريقة الخرقي وصاحب «التلخيص»: أنَّ الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر، وهو قسمان: طاهر مطهِّرٌ، وطاهر غير مطهِّر. ونجس. وطريقة الشيخ تقي الدين: أنَّه ينقسم إلى طاهر ونجس، وقال: (إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسُّنَّة) (٢). وذكر ابن رزين (٣) أنَّه أربعة أقسام، وزاد: المشكوكَ فيه.

стр. 84

(مَاءٌ طَهُورٌ)؛ قدَّمَه على قسيميه لمزيَّته بالصِّفتين. والطُّهور بضم الطَّاء: المصدر، قاله اليزيدي (١)، وبفتحها: هو الطَّاهر في ذاته، المطهِّر غيرَه، مثل الغَسول الذي يُغسل به، فعلى هذا هو من الأسماء المتعدية وم ش (٢). وقال هـ (٣) وابن داود (٤): هو من الأسماء اللازمة بمعنى الطَّاهر سواء؛ لأنَّ العرب لا تفرِّق بين فاعل وفَعول في التَّعدِّي واللُّزوم؛ كقاعد وقَعود، وإذا كان الطَّاهر غير متعدٍّ؛ فالطهور كذلك، وأيضًا: لو كان الطهور متعدِّيًا لم يصدق عليه هذا الإطلاق حقيقةً إلَّا بعد وجود التَّطهير؛ كقتول وضروب. وجوابه: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفَال: ١١]، وفي الصَّحيحين من حديث جابر مرفوعًا: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا» (٥)، ولو أراد به الطَّاهر لم يكن له مزية على غيره؛ لأنَّه طاهر في حقِّ كلِّ أحد.

стр. 85

وروى مالك والخمسة، وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي هريرة: أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو الطَّهور ماؤه» (١)، ولو لم يكن الطَّهور متعدِّيًا بمعنى المطهِّر؛ لم يكن ذلك جوابًا للقوم حيث سألوه عن التَّعدِّي؛ إذ ليس كلُّ طاهر مطهِّرًا. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسَان: ٢١] فمعناه: طاهرًا مطهِّرًا، وإن لم يحتج هناك إلى التَّطهير؛ إذ لا نجاسة فيها؛ لأنَّ القصد وصفه بأعلى الأشربة عندنا، وهو الماء الجامع للوصفين، وقال ابن عباس: «شرابًا طهورًا؛ أي: مطهِّرًا من الغلِّ والغشِّ» (٢). وقولهم: إنَّ العرب سوَّت بينهما في اللُّزوم والتَّعدِّي؛ قلنا: قد فرَّقوا بينهما في الجملة فقالوا: قَتول، لمن كثر منه القتل، فيجب أن يفرَّق هنا، وليس الأمر إلَّا من حيث اللُّزوم والتَّعدِّي. قال القاضي وغيره (٣): (وفائدة الخلاف: أنَّ عندنا أنَّ النَّجاسة لا تُزال بشيء من المائعات غير الماء، وعندهم يجوز).

стр. 86

وقال الشيخ تقي الدين: (ولا تدفع النَّجاسة عن نفسها، والماء يدفعه لكونه مطهِّرًا) (١). وذهب قوم (٢) وم (٣): أن الطَّهور: ما يتكرَّر منه التَّطهير؛ كالصَّبور والشَّكور لمن تكرَّر منه الصَّبر والشُّكر. وأجاب القاضي (٤) عن قولهم: إنَّ المراد جنس الماء، أو كلُّ جزء إذا ضُمَّ إلى غيره وبلغ قلَّتين، أو أنَّ معناه يفعل (٥) التَّطهير، ولو أريد ما ذكروه؛ لم يصحَّ وصفه بذلك إلَّا بعد الفعل. (وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ)؛ على أيِّ صفةٍ كان (٦)؛ من برودةٍ أو حرارةٍ أو مُلُوحة أو غيرها: - كماء السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرقان: ٤٨]. - وذَوبِ الثَّلْج والبرَد؛ لقوله ﷺ : «اللَّهمَّ طهِّرني بالثَّلج (٧) والبرَد والماء البارد»، رواه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٨). - وماءِ البحر؛ لقوله ﵇: «هو الطَّهور ماؤه».

стр. 87

وكَرِه جماعةٌ من الصَّحابة - منهم عبد الله بن عمرٍو وعبد الله بن عمرَ - الوضوءَ بماء البحر، وقال: «هو نار» (١). - وماءِ البئر؛ لأنَّه ﵇ توضَّأ من بئر بُضاعةَ، رواه النَّسائي وغيره، قال أحمد: (حديث بئر بُضاعة صحيح) (٢). - وماءِ العيون والأنهار؛ لأنَّهما كماء البئر. وقال النَّبيُّ ﷺ : «صُبُّوا على بولِ الأعرابيِّ ذَنوبًا من ماء» (٣)، «وأمرَ أسماء بنت عُمَيس أن تغسل دم الحيض بالماء» (٤). واقتضى كلامُه: جواز الطَّهارة أيضًا بكلِّ ماء شريف، جزم به في

стр. 88

«الوجيز»، حتَّى ماء زمزم في رواية، ورجَّحها المجد (١)، وهو قول أكثر العلماء؛ لقول علي: «ثمَّ أفاضَ رسول الله ﷺ ، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزم، فشربَ منه وتوضَّأ» رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح (٢). ويُكره في أخرى، نصَّ عليه (٣)، وذكر القاضي أبو الحسين أنَّها أصحُّ، وقدَّمها أبو الخطَّاب (٤). واحتجَّ أحمد بما رُوي عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: رأيت العبَّاس قائمًا عند زمزم يقول: «ألا لَا أُحِلُّه لمغتسل، ولكنَّه لكلِّ شارب حِلٌّ وبِلٌّ» (٥). وروى (٦) أبو عبيد في «الغريب»: أنَّ عبد المطلب بن هاشم قالَ ذلك حين احتفرَه (٧).

стр. 89

والأوَّل أَوْلَى؛ لأنَّ شرفَه لا يلزم منه ذلك؛ كالماء الذي نبع من بين أصابع النَّبيِّ ﷺ (١)، وكالنِّيل والفرات؛ فإنَّهما من الجنَّة (٢)، وقول العبَّاس محمول على من يضيِّق على الناس (٣) بشرابه (٤). وكونه من منبع شريف لا يمنع منه؛ كعين سُلوانَ (٥)، اللَّهمَّ إلَّا أن يقال: له خصوصيَّة انفرد بها، وهو كونه يُقتات به كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه (٦). وفي «التلخيص»: أنَّه لا يُكره الوضوء به، فدلَّ على أنَّ إزالة النَّجاسة به (٧) تكره، وجزم به في «الوجيز». وذكر الأَزَجي في «نهايته» (٨):

стр. 90

أنَّه لا تجوز إزالة النَّجاسة (١). وفيها يتخرَّج أن نقول: لا تحصل الطَّهارة به لحُرمته. وفي جَبْلِ التُّراب (٢) الطاهر به، ورشِّ الطُّرق؛ وجهان. واختلف الأصحاب لو سبَّل ماءً للشُّرب، هل يجوز الوضوء به مع الكراهة، أم يحرم؟ على وجهين. وقيل: يكره الغسل لا الوضوء، اختاره الشيخ تقي الدين (٣). وظاهر كلامهم: لا يكره ما جرى على الكعبة، وصرَّح به غير واحد. (وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ)؛ يعني أنَّ الماء الآجِن الَّذي تغيَّر بطول إقامته في مقرِّه باقٍ على إطلاقه؛ لأنَّه ﵇ توضَّأ بماء آجن (٤)، ولأنَّه تغيَّر عن غير مخالطَة، أشبه المتغيِّر بالمجاورَة، وحكاه ابن المنذر إجماع مَنْ يحفظ قولَه من أهل العلم سوى ابن سيرين (٥)؛ فإنَّه كره ذلك، وجزم به في «الرعاية»، وفي

стр. 91

«المحرر»: لا بأس به. (أَوْ) تغيَّر (بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ)؛ أي: لا يمكن التَّحرُّز منه؛ (كَالطُّحْلُبِ)؛ يجوز فيه ضمُّ اللام وفتحها (١)، وهو (٢) الأخضر الَّذي يخرج في أسفل الماء حتَّى يعلوه. (وَوَرَقِ الشَّجَرِ) الَّذي يسقط فيه؛ لأنَّه يَشقُّ الاحترازُ عنه، أشبه المتغيِّر بتِبْن أو عيدان (٣)، وكالمتغيِّر بكبريت أو قَارٍ، أو في آنية أَدَم أو نُحاس. وفي «الرعاية»: هو من الطَّهور المكروه. وفي «المحرر»: لا بأس به. وفي المتغيِّر بترابٍ طَهورٍ طُرِح فيه قصدًا وجهان، قال ابن حمدان (٤): إن صفا الماء فطهور، وإلَّا فطاهر. وجزم في «المغني» و «الشرح»: أنَّه طَهور؛ لكونه يوافق الماء في صفتيه الطَّاهريَّة والطُّهوريَّة. وفي «المحرر» عكسه. وهذا كلُّه مع رقَّته، فإن ثخُن بحيث لا يجري على الأعضاء؛ لم تَجُز الطَّهارة به؛ لأنَّه طينٌ وليس بماء.

стр. 92

(أَوْ) تغيَّر (بِمَا لَا يُخَالِطُهُ؛ كَالْعُودِ)، والمراد به العُود القَماري بفتح القاف، منسوب إلى قَمار، موضع من بلاد الهند، (وَالْكَافُورِ)، هو المشموم من الطِّيب، (وَالدُّهْنِ) الطَّاهرِ على اختلاف أنواعه؛ لأنَّه تغيَّر مجاورة (١)، أشبه المتغيِّر بجيفة بقربِه. وفيه وجه: يصير طاهرًا، اختاره أبو الخطَّاب. وأطلق في «المحرر» الخلافَ. ومفهوم كلامه في «المُغْنِي» و «الشرح»: إن تحلَّل من ذلك شيء فطاهر، وإلَّا فطهور، فلو خالط الماء بأن دقَّ أو انماعَ (٢) فأقوال. (أَوْ) تغيَّر (بِمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ؛ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ)، وهو الماء الذي يرسل على السِّباخ فيصير ملحًا؛ لأنَّ المتغيِّر به منعقد (٣) من الماء، أشبه ذَوبَ الثَّلج. واقتضى ذلك: أنَّ الملح المعدنيَّ ليس كذلك، وهو صحيحٌ صرَّح به في «المُغْنِي» وغيره؛ لأنَّه خليط مستغنًى عنه، غير منعقد من الماء، أشبه الزعفران. وقيل: لا يسلبُه الطَّهورية؛ لأنَّه كان في الأصل ماء، ولهذا يذوب بالنَّار. (وَمَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيْتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ) بغير خلافٍ نعلمه؛ لأنَّه تَغَيَّرَ مجاورةً. (أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ)، نصَّ عليه من غير كراهة (٤)، وقال في رواية أبي طالب (٥):

стр. 93

(أهل الشَّام يروون فيه شيئًا لا يصحُّ)، واختاره النَّووي (١). وقال أبو الحسن التَّميمي (٢): يكره المُشَمَّس قصدًا، وش (٣)، وقال: (لا أكرهه إلَّا من جهة الطِّبِّ) (٤)، ورَوَى في «الأمِّ» عن عمرَ أنَّه قال: «لا تَغتَسِلوا بالماء المُشَمَّس؛ فإنَّه يُورِث البرصَ» (٥)، وروى الدَّارقطنيُّ عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول ﷺ وقد سخَّنتُ (٦) ماءً في الشَّمس، فقال: «لا تَفعَلي يا حُمَيراءُ؛ فإنَّه يُورِث البرصَ» (٧). وشرطه عندهم: أن يكون ببلاد حارَّة، وآنية مُنطبِعة؛ كنحاس، لا خَزَفٍ. ولا يُشْتَرط تغطيةُ رأسِ الإناء، ولا قصدُ التَّشْميسِ على الأصحِّ. وإن بَرَدَ؛ زالت الكراهة على الأصحِّ في زيادة «الرَّوضة» (٨).

стр. 94

والأوَّل قولُ أكثرِ العلماء؛ لعموم الأدلَّة؛ فإنَّها تشمل المشمَّس وغيره، ولأنَّ سُخونته بغير نجاسة، أشبه المشمَّس بغير قصد، والمشمَّسَ في البِرَك والسَّواقي والمسخَّنَ بالطَّاهرات؛ لأنَّها صفة خُلق عليها الماء، أشبه ما لو برَّده. وحديث عائشة ﵂ في بعض طرقه إسماعيل بن عَيَّاشٍ، وفي بعضها الهَيْثَمُ بن عَدِي، وفي بعضها وهْبُ بنُ وهْبٍ أبو البَخْتَرِي، وكلُّهم ضعفاء، قال النَّووي: (هو حديث ضعيف باتِّفاق المحدِّثين) (١)، ومنهم من يجعله موضوعًا. وخبر عمر أيضًا ضعيف باتِّفاقهم؛ لأنَّه من رواية إبراهيمَ بن أبي يحيى. ويَعْضُدُ ذلك: إجماعُ أهل الطِّبِّ على أنَّ استعمال ذلك لا أثر له في البرص، ولأنَّه لو أثَّر لما اختلف بالقصد وعدمه. (أَوْ بِطَاهِرٍ)؛ كالحطب، نصَّ عليه في رواية صالح وابن منصور (٢)، وقاله أكثر العلماء؛ لعموم الرُّخصة، وعن عمر: «أنَّه كان يسخَّن له ماء في قُمْقُمٍ فيَغتَسِل به» رواه الدَّارقطنيُّ بإسناد صحيح (٣)، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يغتسل بالحَمِيم» رواه ابن أبي شيبة (٤)، ولأنَّ الصَّحابة دخلوا الحمَّام، ورخَّصوا فيه.

стр. 95

وكرهه مجاهد؛ لأنَّه ﵇ «نهى عن الوضوء بالماء الحميم» (١). وذكر في «المستوعب» و «المغني» و «المحرر»: أنَّه إن اشتدَّ حرُّه كُرِه، وعليه يُحمل النَّهي عن الوضوء بماء الحَميم إن ثبت؛ لكونه يؤذي أو يمنع الإسباغ. ومن نُقِل عنه الكراهة علَّل بخوف مشاهدَة العورة، أو قصد التنعُّم به، وهذا إجماع منهم على أنَّ سخونة الماء لا توجب كراهة. (فَهَذَا) إشارة إلى ما سبق؛ (كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ)، جمع حدَث، وهو ما أَوْجبَ الوضوءَ أو الغسلَ، (وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ)، جمع نجَس - بفتح الجيم وكسرها -، وهو في اللُّغة: المُسْتَقْذَرُ، يقال: نَجِسَ ينجَس كعَلِمَ يعلَم، ونَجُسَ ينجُس كشَرُفَ يشرُف. وفي الاصطلاح: كلُّ عين حرُم تناولها على الإطلاق في حالة الاختيار مع إمكانه، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها (٢)، ولا لضررٍ بها في بدن أو عقْل. فاحترز ب (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره؛ كبعض النبات الذي هو سم، وب (الاختيار) عن الميتة بأنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وب (إمكان التناول) عن الحجر ونحوه من الأشياء الصلبة، وب (عدم الحرمة) عن

стр. 96

الآدمي، وب (عدم الاستقذار) عن المخاط والمني، زاد بعضهم: (مع سهولة التمييز) يحترز به عن الدود الميت في الفاكهة ونحوها (١). (غَيْرُ مَكْرُوهِ الاِسْتِعْمَالِ)؛ لأنَّ الكراهة تستدعي دليلاً، والأصل عدَمُه. واستثنى بعضهم لا إن (٢) تغيَّر بمخالطة عُودٍ، أو كافورٍ، أو دُهنٍ، أو بما أصلُه الماء، أو سُخِّن بمغصوب، أو اشتدَّ حرُّه أو بَرْدُه، أو ماءُ زمزمَ في إزالة نجاسة، أو بِئرٌ في مقبرَة، فيُكرَه. (وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ، فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقَهما كثير من الأصحاب؛ منهم أبو الخطَّاب، وفي «المحرر» و «التلخيص» و «الفروع»: إحداهما: لا يُكره، اختاره ابنُ حامد (٣)؛ لأنَّ الرُّخصة في دخول الحمَّام تَشمَل المَوْقود (٤) بالطَّاهر والنَّجس، وأنه لم تتحقَّق (٥) نجاسته، أشبه سؤر الهرِّ وماء سقايات الأسواق والأحواضِ في الطُّرقاتِ. والثَّانية: يُكرَه، صحَّحها في «الرِّعاية» وإن بَرَدَ، ونصرها أبو الخطَّاب، وجزم بها في «الوجيز». قال المجد: وهو الأظهَر؛ لعموم قوله ﵇: «دعْ ما يَريبُك» (٦)، ولأنَّه لا

стр. 97

يسلم غالبًا من دُخَانِها، وصعوده بأجزاءٍ (١) لطيفة منها (٢). وقيل: إن ظنَّ وصولَ النَّجاسة (٣) كُرِه، وإن ظَنَّ عَدَمَه فلا، وإن تردَّد فروايتان. وفي «المُغْنِي»: (إن تَحقَّق وصولَ النَّجاسة إليه، وكان (٤) يسيرًا؛ نَجِس. وإن تحقَّق عدم وصولها إليه، والحائل غيرُ حَصِين؛ كُرِه. وإن كان حَصِينًا؛ فقال القاضي: يُكرَه. واختار الشريف وابنُ عَقِيل، - وصحَّحه الأَزَجِيّ -: أنَّه لا يُكرَه). فرع: إذا وصل دخان النجاسة، فهل هو (٥) كوصول نَجَسٍ أو طاهر؟ مَبْنِيٌّ على الاستحالة. وعنه: يُكرَه ماءُ الحمَّام لعدم تحرِّي من يَدخله، ونقل الأثرم: أحب أن يُجدِّدَ ماءً غيرَه (٦). فرع: لا تصحُّ الطَّهارة بماء مغصوب؛ كالصَّلاة في ثوبِ غَصْب. وإن حُفِرت البئر بمال مغصوب، أو في موضع غَصب، أو فيما (٧) ثمنُه المتعيِّنُ في عقد شراء به حرام (٨)؛ صحَّ على الأصح.

стр. 98

(فَصْلٌ) هو عبارة عن الحجْزِ بين شيئين، ومنه فصل الرَّبيع؛ لأنَّه يحجز بين الشِّتاء والصَّيف، وهو في كُتُب العلم كذلك؛ لأنَّه حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها. (الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ)؛ جعله وسَطًا؛ لسلْب إحدى الصِّفتين وبقاءِ الأخرى، وهو قسمان: أحدهما: غيْرُ مطهِّر بالإجماع، (وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ) يمكن أن يُصان الماء عنه، والمراد بالمخالطة هنا: المُمازَجة بحيث يُستهلَك جرم الطَّاهر في جرم الماء، ويتلاقى جميع أجزائهما. والثَّاني: مختلَف في التَّطهير به، وسيأتي. والأوَّل ثلاثة أنواع: ما خالطَه طاهرٌ (فَغَيَّرَ اسْمَهُ)؛ بأن صار صِبْغًا أو خلًّا؛ لأنَّه أزال عنه اسمَ الماء. (أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ) فصيَّره حِبْرًا؛ لأنَّ المخالِط إذا غلب على أجزاء الماء أزال معناه؛ لكونِه لا يُطلَب منه الإرواء. (أَوْ طُبِخَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ) حتَّى صار مَرَقًا؛ كماء الباقِلَّاء المَغْلِيِّ؛ لأنَّه قد بَقي طبيخًا، وزال عنه مقصودُ الماء من الإرواءِ، أشبهَ ما لو صار حِبرًا. وقد فُهم منه: أنَّ الماء إذا خالطه الطاهر ولم يغيِّره أنَّه باق على طَهوريَّته؛ لما روت أمُّ هانئ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ اغتسل هو وزوجتُه من قصعة فيها أثرُ العجين» رواه أحمد وغيره (١).

стр. 99

وقد أورد ابن المنجى: بأنَّ الطَّبخ إن اعتبر فيه تغيُّر الاِسم، أو غلبةُ الأجزاء؛ كان كالنَّوعين، فلا حاجة إلى ذكرِه، وإن لم يُعتبر فيه ذلك؛ دخل فيه ماء سُلق فيه بَيضٌ؛ فإنَّه يسمَّى طَبخًا (١) بدليل اليمين، وطبخُ ما ذُكِر لا يسلُبه الطَّهوريَّة. وأجاب: بأنَّ المراد به الطَّبخ المعتاد، وقوله: (طُبِخ فيه) لا عموم له. تذنيب: حكم المياه المُعتصرَة من الطَّاهرات؛ كماء الوَرد، وما ينزِل من عُروق الأشجار، غيرُ مطهِّر؛ خلافًا لابنِ أبي ليلى (٢) والأصم (٣)؛ إذ الطَّهارة لا تجوز إلَّا بالماء المطلق. وكذا النَّبيذ، نصَّ عليه (٤)، وهو قول الجماهير، واختاره الطَّحاوي (٥)، وصحَّحه قاضي خان (٦).

стр. 100

وقال عكرمة (١) وه في المشهور عنه: يتوضَّأ به في السَّفر عند عدم الماء. وعنه: يجب الجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقاله محمَّد بن الحسن. وعنه: الجمع بينهما مستحب، ويجوز الاقتصار على النَّبيذ، وقاله إسحاق. وقال هـ: يتوضَّأ به، ويُشتَرط فيه النِّيَّة، ولا يَتيمَّم، قال الرَّازي: وهي أشهر عنه، وقاله زُفَرُ. قال في «المحيط»، و «المبسوط»، وقاضي خان: النَّبيذ المشتدُّ حرامٌ شربُه، فكيف يُتوضَّأ به؟ (٢). واحتجُّوا بما روى أبو فَزارَة (٣)، واسمه راشد بن كَيسان، عن أبي زيد، عن ابن مسعود قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ ليلةَ الجنِّ، فقال: «أمَعَك ماءٌ؟» قلتُ: لا. قال: «ما في الإداوة؟» قلت: نبيذٌ. فقال: «تمرةٌ طيِّبةٌ وماء طهور» رواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة (٤). وجوابه: أنَّه مائع لا يقع عليه اسم الماء المطلق، أشبه نبيذ الزَّبيب، وحديث ابن مسعود لم يصحِّحه أحمد وأبو زرعة (٥)، وقال الخلَّال: (كأنَّه

стр. 101

موضوع)، وقال جماعة: لم يكن ابن مسعود مع النَّبيِّ ﷺ ليلةَ الجنِّ (١). وقال الطَّبراني: (أحاديث الوضوء بالنَّبيذ وُضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبيَّة) (٢)، قال عبد الحق: (لا يصحُّ منها شيء)، وقال الطَّحاوي: (إنَّما ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى الوضوء بالنَّبيذ اعتمادًا على حديث ابن مسعود، ولا أصل له) (٣). ثم شرع في بيان القسم الثَّاني المختلف فيه، فقال: (فَإِنْ غَيَّرَ) أي: الطَّاهرُ، سواء كان: مَذْرُورًا كالزَّعفران والأُشْنان، أو حُبوبًا كالبَاقِلَّاء والحِمِّص؛ (أَحَدَ أَوْصَافِهِ) والمذهب: أو أكثرها، (لَوْنِهِ) - واختُلف في لون الماء على أقوال، وذهب جماعة: أنَّه لا لون له، ورُدَّ بقوله ﵇ عن ماء الحوض: «أشدُّ بياضًا من اللَّبنِ» (٤) - (أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ)؛ فهو طاهر غير مطهِّر في رواية نصَّ عليها، اختارها الخِرَقِي (٥)، وأبو بكر في «الشافي» (٦)،

стр. 102

وأبو حفص في «المقنع» (١)، والقاضي، وقال: هي المنصورة عند أصحابنا؛ لأنَّه تغيَّر بمخالطة طاهر يمكن صونُه عنه، أشبه ما لو تغيَّر بطبخ، ولأنَّه لو وكل في شراء ماءٍ لم يلزمه قبوله، والنُّصوص إنَّما وردت في الماء المطلق العاري عن القيود؛ بدليل صحَّةِ النَّفي، ولو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء الزَّعفران؛ لم يحنث. وكلامه دالٌّ على أنَّه لا فرق في التَّغَيُّر بين الأوصاف الثَّلاثة؛ لأنَّ الأصحاب سوَّوا بينهم؛ قياسًا لبعضها على بعض (٢). وفي أخرى: مُطهِّر، نقلها أبو الحارث والميموني، وذكر في «الكافي» أنَّها أكثر الرِّوايات عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وهو عامٌّ في كلِّ ماء؛ لأنَّه نكرة في سياق النَّفي، فلم يَجُز التَّيمُّم عند وجوده، ولأنَّه لم يسلبْه اسمَه ولا رِقَّته، أشبَه المتغيِّر بالدهن. وفي ثالثة: طَهور مع عدَمٍ، قاله ابن أبي موسى (٣). والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه إن لم يسلبه اسمَه فقد سلبه الإطلاق، والقياس على المتغيِّر بالدُّهن لا يصحُّ؛ لأنَّه تغيَّر عن مجاورة، وهذا تغيَّر عن مخالَطة.

стр. 103

تنبيه: إذا غيَّر وصفين أو ثلاثة؛ فذكر القاضي روايتين: إحداهما: مُطهِّر؛ لأنَّ الصَّحابة كانوا يسافرون، وغالبُ أسقيتهم الأَدَم، وهي تغيِّر أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيمَّمون معها. والثَّانية: ليس بمطهِّر على الأشهر؛ لأنَّه غلب على الماء (١)؛ أشبه ما لو زال اسمُه. (أَوِ اسْتُعْمِلَ) وكان دون القلَّتين، جزم به في «المحرر» و «الوجيز»، (فِي رَفْعِ حَدَثٍ)؛ أيَّ حدث كان، فهو طاهِرٌ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صبَّ على جابر من وضوئه» رواه البخاري (٢)؛ غير مُطَهِّر في رواية، وفي «الكافي»: إنَّها الأشهر، وذكره ابن شهابٍ (٣) ظاهِرَ المذهب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «لا يَغتسلنَّ أحدُكم في الماء الدَّائم وهو جُنُبٌ»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة (٤)، ولولا أنَّه يفيد منعًا لم ينهَ عنه، ولأنه أزال به مانعًا من الصَّلاة؛ أشبَهَ ما لو أزالَ به النَّجاسة، أو استُعملَ في عبادة على وجه الإتلاف؛ أشبه الرَّقبة في الكفَّارة. وفي أخرى: مطهِّر، اختارها ابن عَقِيل (٥) وأبو البقاء؛ لما روى ابنُ عبَّاس

стр. 104

مرفوعًا: «الماء لا يَجْنُب» رواه أحمد وغيره، وصحَّحه التِّرمذي (١)، لأنَّه ماء طاهر لاقى أعضاءً طاهرةً (٢)؛ فلم يسلبْه الطَّهوريَّة، أشبَه ما لو تبرَّد به. وفي ثالثة: نجِس، نصَّ عليه في ثوب المتطهِّر (٣)؛ لأنَّه ﵇ «نهى عن الغُسل في الماءِ الدَّائِمِ»، «ونهى عن البول فيه»، ولا شكَّ أنَّ البول يُنَجِّسه، فكذا الغسل، ولأنَّه أزال مانعًا من الصَّلاة، أشبه إزالة النَّجاسة. قال جماعة: وعليها يُعفى عمَّا قَطَر على يدي المتطهِّر وثوبه، ويستحبُّ غسله في رواية. وفي أخرى: لا، صحَّحه (٤) الأزَجِي والشَّيخ تقي الدِّين (٥). والأُولى أصحُّ؛ لأنَّ رفع الحدث لا يقاس على إزالة النَّجَس؛ لما بينهما من الفرق، وبأنَّه يكفي اشتراكهما في أصل المنع من التَّطهير به، ولا يلزم اشتراكهما في التَّنجيس، قاله في «الشرح». وقال أبو الفَرَج (٦): (ظاهر كلام الخِرَقِي أنَّه طَهور في إزالة الخبث)، وفيه نظرٌ.

стр. 105

والمنفصلُ من غسل الميت - إذا قلنا بطهارتِه -؛ الرِّوايات، ويستثنى على الأولى غير غسل ذمِّيَّة لحيض ونفاس وجنابة، بالشَّرط السَّابق. فإن كان قلَّتين، أو غسل رأسه بدلاً عن مسحِه؛ لم يسلبْه. مسألة: إذا اشترى ماءً ليشربَه، فبان قد تُوُضِّئ به؛ فعَيْب؛ لأنَّه مستقذَر شرعًا، ذكره في «النوادر». (أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ؛ كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ)، والإحرام، وسائر الأغسال المستحبَّة، فالمذهب: أنَّه طَهور، قدَّمه في «الكافِي» و «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «النِّهاية»؛ لأنَّه لم يرفع حدثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا، أشبه التَّبرُّدَ. والأخرى: غير مطهِّر، قدَّمها ابن تميم (١)؛ لأنَّه استُعمل في طهارة شرعيَّة، أشبه ما لو رفَعَ به حدَثًا. وظاهره: أنَّ الطَّهارة إذا لم تكن مشروعة؛ كالتَّبرُّد؛ لم تسلبه الطَّهوريَّة بغير خلاف نعلَمُه. قاله في «المغني» و «الشرح». مسائل: الأولى: المذهب يصير الماء مستعملاً بانتقالِه إلى عُضو آخرَ. وعنه: لا، قاله في «النهاية». وعنه: لا في الجنب. وعنه: يكفيهما مسح اللَّمعة بلا غَسل، ذكره ابن عقيل. الثَّانية: أعضاء الحدث الأصغر ليست كعضو واحد. وعنه: بلى.

стр. 106

الثالثة: إذا انغمس جنُب (١)، أو محدِثٌ، في قليلٍ (٢) راكد بنيَّة رفع حدثِه، أو نواه بعد انغماسِه؛ لم يرتفع، وصار مستعمَلاً، نصَّ عليه (٣). قيل: بأوَّل جُزء لاقَى منه الماء؛ كمحلٍّ نجِس لاقاه، وذلك الجزء غير معلوم. قاله القاضي وغيره. وقيل: بأوَّل جُزء انفصل؛ كالمتردِّد على المَحل. ويتوجَّه على الخلاف: ما لو اغترفَ منه آخرُ، وتوضَّأ به قبل الانفصال. وقيل: ليس مستعملاً. وقيل: يرتفع. (أَوْ غَمَسَ يَدَهُ) - وهي من رؤوس الأصابع إلى الكوع، وقيل: أو بعضها - (فِيهِ) أي: في الماء إذا كان دون قُلَّتين، ودلَّ على أنَّه لا أثَر لغمسِها في مائع طاهر، وهو كذلك في الأصحِّ، (قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهورِيَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يسلبه، اختاره أبو بكر والقاضي وكثير من الأصحاب؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِس يدَه في الإناء حتَّى يغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يدُه» متَّفق عليه من حديث أبي هريرة، ولفظه لمسلم (٤)، وفي رواية: «فليغسل يديه»، ولأبي داود والتِّرمذي وصحَّحه: «من اللَّيل» (٥).

стр. 107

ومقتضى ذلك الوجوبُ، وعليها غَسْلُهما شَرطٌ لصحَّة الوضوء، قاله ابن عَبْدوس (١). وهل هو تعبُّد، فيجب إن شُدَّت يَدُه أو جُعلت في جِراب أو نحوه؟ أو معلَّل بوَهْم النَّجاسَة فلا يجب؟ فيه وجهان. ويتعلَّق هذا الحكم بالنَّوم النَّاقض للوضوء، وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف اللَّيل؛ لأنَّه قبل ذلك لا يسمَّى بيتوتة، بدليل ما لو دفع قبل نصف اللَّيل فإنَّ عليه دمًا. وينتقض بمن وافاها بعد نصف اللَّيل؛ فإنَّه لا دم عليه، مع كونه أقلَّ من نصفه. واقتضى كلامه: أنَّ نوم النَّهار لا أثر له، قال في «الشرح»: روايةً واحدة؛ حملًا للمطلق على المقيَّد. وعنه: بلى، وهو قول الحسن. وظاهره: أنَّه يؤثِّر غمسُها فيه بعد غسلها مرَّة أو مرَّتين، وهو كذلك في قول الأكثر. وقيل: يكفي غسلها مرَّة، فعلى هذا لا يؤثِّر غَمسها فيه بعد ذلك. وفي وجوب النِّيَّة والتَّسمية لغسلهما (٢) أوجه، ثالثها: تجب النِّيَّة فقط. والمذهب: لا فرق في الغَمْس بعد نيَّة غسلهما أو قبلها. وقال المَجْدُ: إنَّما يؤثِّر إذا كان بعد نيَّة الوضوء، وقبل غسلهما، وعليها

стр. 108

إذا لم يَجِدْ غيرَه؛ استعملَه وتيمَّم معه. ويجوز استعماله في شُرب وغيره. وقيل: يكره. وقيل: يحرم، صحَّحه الأَزَجِي؛ للأمر بإراقته. وظاهره: أنَّه إذا حصل في يده من غير غمس؛ أنَّه طَهور، وهو كذلك في رواية. وعنه: كغمسه (١). وفمٌ أو رِجْلٌ كيَدٍ في قليلٍ بعد نيَّةِ غُسلٍ واجبٍ لا وضوءٍ. وفي «الشرح»: أنَّه إذا كانتْ يدُه نجسةً والماء قليل، وليس معه ما يغترف به: فإن أمكنه أن يأخذ (٢) بفيه ويصبَّ على يديه، أو يغمس خِرقَة أو غيرَها؛ فعَل؛ فإن لم يُمكنْه تيمَّم كي لا يُنجِّسَ الماءَ ويتنجس به (٣). ومقتضاه: أنَّه شامِلٌ للصغير والمجنون والكافر كضدِّهم، وهو وجه. والثَّانية: لا يَسلُبه، اختارها الخِرَقِي والشَّيخان، وجزم بها في «الوجيز»، وذكر في «الشرح» أنَّه الصَّحيح؛ لأنَّه ماء لاقَى أعضاءً طاهرة، فكان على أصله. ونهيُه ﵇ عن غمس اليد: إن كان لوهْم النَّجاسة؛ فهو لا يزيل الطَّهوريَّة، كما لا يزيل الطَّاهرية، وإن كان تعبُّدًا؛ اقتُصر على مورد النَّصِّ، وهو مشروعيَّة الغَسل، وحديث أبي هريرة محمول على الاستحباب. وفي ثالثة: هو نجِس، اختارها الخلَّال (٤)؛

стр. 109

لأنَّه مأمور بإراقته في خبرٍ (١) رواه أبو حفص العُكْبَري (٢). وقد فصَّل بعضهم فقال: إن قلنا بوجوب غسلهما؛ فكمستعمل في رفع حدث، وإن سُنَّ غسلهما؛ فكمستعمل في طهارة مسنونة. (وَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ (٣) فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا)؛ فهو نَجِس بغيرِ خلاف؛ لأنَّه تغيَّر بالنَّجاسة. (أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا)؛ يعني: إذا انفصل غيرَ متغيِّر مع بقاء النَّجاسة؛ كالمنفصل في السَّادِسة من وُلُوغ الكلب؛ (فَهُوَ نَجِسٌ)؛ لأنَّه مُلاقٍ لنجاسة لم يُطهِّرها، فكان نَجِسًا، أشبَه ما لو وردَت عليه والمحلُّ المنفصل عنه طاهر، صرَّح به الآمِدي (٤)، وهو مقتضى كلام القاضي، وجزم في «الانتصار» بنجاسته، وهو ظاهر كلام الحُلْواني (٥).

стр. 110

(وَإِنِ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا)، وهو معنى كلامه في «المحرر»، و «الوجيز»، ولم (١) يَبْقَ للنجاسة أثر؛ (فَهُو طَاهِرٌ إِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا)، نصره في «الشرح»، وقدَّمه ابن تميم وابن حمدان؛ لما روى البخاري من حديث أبي هريرة: أنَّ أعرابيًّا بال في طائفة المسجد، فقام إليه النَّاس ليقعوا به، فقال النَّبيُّ ﷺ : «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء»، أمر بذلك لأجل التَّطهير، ولولا أنَّه يطهِّر؛ لكان تكثيرًا للنَّجاسة. ويلزم منه طهارة المحلِّ، وقد صرَّح به في «المحرر» و «الوجيز»، وإن لم يَنفصِلِ الماءُ. وعن أحمدَ: إن كانت النَّجاسةُ رطْبَةً والأرضُ صلبةً؛ فمنفصِلُه نَجِس. وقيل: المنفصل عن الأرض كالمنفصل عن غيرها في الطَّهارة والنَّجاسة، وحكاه ابن البَنَّاء (٢) روايةً. فرع: إذا وقع خمرٌ على أرض، فذهب بالماء لونُه دون ريحه؛ عُفِي عنه في الأصحِّ. وتطهُر أرض البئر اليابِسةُ ونحوها بنبع ماء طَهور كثيرٍ فيها. (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ؛ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، قاله ابن تميم وغيره؛ لأنَّه انفصل عن محلٍّ محكوم بطهارته؛ كالمنفصل في السَّابعة من ولوغ الكلب، وهو معنى كلامِه في «الوجيز»: (وآخرُ غسلة زالت النَّجاسة بها)، ولأنَّه بعض المتَّصل، وهو طاهر بالإجماع، وشرطه الانفصال، وصرَّح به في «المحرر» بخلاف الأرض؛ لأنَّه إذا لم ينفصل؛ فعَينُ النَّجاسة قائمةٌ،
следующие страницы →