← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعنه: المنعُ من الثِّياب والأواني مطلقًا؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، ولأنَّهم لا يتورَّعون عن النَّجاسة. وعنه: الكراهة، وعليها يحمل النَّهي في (١) حديث أبي ثعلبة، ولقوله ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» رواه النَّسائي (٢). (وَعَنْهُ: مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاوِيلِ) - هو أعجمي مفرد ممنوع من الصَّرف؛ لشبهه بمفاعيل - ونحوه؛ كالتُّبَّان والقميص؛ لا يصلَّى فيه؛ عملًا بالظَّاهر، وقد تقدَّم قول أحمد فيه. (وَعَنْهُ: أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ)؛ كالمجوس وعَبَدَة الأوثان؛ (لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ)؛ لحديث أبي ثَعْلبة قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا بأرضِ قومٍ أهل كتاب، أفنأكل من آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن وَجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها؛ فاغسلوها بالماء، وكلوا فيها» متَّفق عليه (٣)، ووجهُه: أنَّه إذا مُنِع في (٤) أهل الكتاب، ونهي عن استعمال أوانيهم بدون غسلها، ففي غيرهم أولى، ولأنَّ ذبائحهم مَيْتَةٌ، فنجاسة الآنية بها متيقَّنة، وعليها يمنع في (٥) الثِّياب أيضًا؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّهم لا يتوقَّونها في الثِّياب، فتكون نجسة. وقيل: تغسل آنية من يستحلُّ الميتة والنَّجاسة؛ كالمجوس وبعض

стр. 142

النصارى، وطهارة غيرها، قدَّمه في «الكافي». واعلم أنَّ الخلاف في ذلك كلِّه قبل الغسل، وعدم تحقُّق النَّجاسة، فأمَّا بعد غسلها فلا خلاف في طهارتها وجواز استعمالها، ومع تحقُّق النَّجاسة؛ فلا خلاف في المنع. وكذا حكم ما صبغوه، قيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول، فقال: (المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، فإن علمت فلا تصلِّ فيه حتى تغسله) (١). (وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا)؛ لأنَّ النَّجاسةَ بعيدةٌ منها، لأنَّها لا تخالطها، وملاقاة رطب النَّجاسة لها غير متيقَّن، والأصل الطَّهارة. فرع: إذا شَكَّ في استعماله؛ فهو طاهر في ظاهر المذهب؛ لأنَّه الأصل. وقيل: يغسل إن كان لمجوسي، وإن كان لكتابيٍّ؛ كُره. وعنه: لا يكره (٢). وقيل: لا بد من غسل قِدر النصراني. وما نسجه الكفَّارُ؛ فهو مباحُ اللُّبس؛ لأنَّه ﷺ وأصحابه كانت ثيابهم من نسج الكفَّار، وذكر ابن أبي موسى في «الإرشاد» روايتين، أصحُّهما: لا يجب غسلها. وذكر أيضا في «الإرشاد»: أنَّ المسلم إذا داوم شرب الخمر؛ أنَّه في آنيته وثيابه وسُؤْره كالمجوس. وفي كراهة ثوب المرضِع والحائض والصَّغير روايتان، ذكر في «الشرح» الإباحة، ثم ذكر عن أصحابنا أنَّ التَّوقِّيَ لذلك أولى؛ لاحتمال النَّجاسة فيه. (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ)؛ أي (٣): نَجُس بموتها (بِالدِّبَاغِ)، نقله

стр. 143

الجماعة (١)، وهو ظاهر المذهب، وقول عمر (٢)، وابنه (٣)، وعائشة (٤)، وعمران بن حصين (٥)؛ لما روى عبد الله بن عُكَيم قال: «أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» رواه الخمسة (٦)، ولم يذكر التَّوقيت غير أبي داود، وأحمد، وقال (٧): (ما أصلح إسناده) (٨)، وقال أيضًا: (حديث ابن عُكَيم أصحُّها (٩) (١٠)، ورواه عن

стр. 144

يحيى بن سعيد الأنصاري، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله، وفي رواية الطَّبراني والدَّارقطني: «كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» (١)، وهو دالٌّ على سبق الرُّخصة، وأنَّه متأخِّر، وإنَّما يؤخذ بالآخِر من أمره ﵇. لا يقال: هو مرسل لكونه من كتاب لا يعرف حامله؛ لأنَّ كتابه ﵇ كلفظه (٢)، ولهذا كان يبعث كتبه إلى النَّواحي بتبليغ الأحكام. فإن قلت: الإهاب اسم للجلد قبل الدَّبغ، وقاله النَّضر بن شميل (٣). وأجيب: بمنع ذلك كما قاله طائفة من أهل اللغة، يؤيده أنه لم يُعلم أن النبي ﷺ رخص في الانتفاع به (٤) قبل الدَّبغ، ولا هو من عادة النَّاس. (وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ)؛ احترز به عن المائِعات؛ فإنَّ كثيرًا من الأصحاب منعوا ذلك، وذكروه روايةً واحدةً، قال ابن عَقِيل: ولو لم ينجُس الماء بأن كانت تَسع قُلَّتين؛ لأنَّها نجسة العين، وجوَّزه الشَّيخ تقي الدِّين إذا لم ينجس الماء (٥)، (بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في ابن تَمِيم، وفي «المغني» و «الشرح»، وخَصَّاه بجلد طاهر حال الحياة، وبعضهم حكاهما

стр. 145

قبله وإن كان جلد كلب أو خنزير؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» رواه الدَّارقطني بإسناد جيد (١). والثَّانية: يجوز، وهي الأصحُّ؛ لما روى ابن عبَّاس قال: تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلَّا استمْتعتم بإهابها، فدبغتموه فانتفعتم به» رواه مسلم (٢)، ولأنَّ الصَّحابة لمَّا فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم، وذبائحُهم ميتةٌ، ونجاستُه لا تمنع الانتفاع به؛ كالاصطياد بالكلب. وإذا جاز استعمالُه جاز دبغُه، وإلَّا احتمل التَّحريم واحتمل الإباحة؛ كغَسل نجاسة بمائع (٣) وماء مستعمل وإن لم يطهر، قاله القاضي، وكلام غيره خلافه، قال في «الفروع»: وهو أظهر. فرع: اختلف قول أحمد في جواز الخَرْز بشعر الخنزير، وفي كراهته (٤) روايتان. وقيل: لا يجوز الخَرْز برَطْبه، وفي يابسه الخلاف، فإن خُرِز برطبه؛ وجبَ غسلُه. مسألة: يجوز اتِّخاذ مُنْخُل من شَعر نجِس، نصَّ عليه (٥)، وقال ابن حمدان: يُكره.

стр. 146

(وَعَنْهُ: يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ)، قال ابن حمدان: وهي أولى، ونقل جماعة أنَّها آخر قولي أحمد؛ لما روى ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طهُر» رواه مسلم (١)، وهو (٢) يتناول المأكول وغيره، فيخرج منه ما كان نجسًا في الحياة؛ لكون الدَّبغ إنَّما يؤثِّر في رفع (٣) نجاسةٍ حادِثةٍ بالموت، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم. وعنه: يطهر جلد ما هو مأكول اللحم، واختارها (٤) جماعة، وهي قول الأوزاعي وأبي ثور؛ لقوله ﵇: «ذكاةُ الأدِيم دباغُه» رواه أحمد (٥)؛ لأنَّه شبَّه الدِّباغ بالذكاة، وهي إنَّما تعمل في مأكول اللحم، فلم تؤثِّر (٦) في غير مأكولٍ كالذَّبح، والأوَّل ظاهر كلام أحمد؛ لعموم لفظه في ذلك. وعلى هذا: هل الدِّباغ يصيِّره كالحياة؟ وهي اختيار المؤلف وصاحب «التلخيص»، فلا يطهُر منها إلَّا ما كان طاهِرًا في الحياة؛ كالهرِّ، أو كالذكاة، وهي اختيار المجد، قال بعضهم: وهي أصحُّ، فلا يطهر إلَّا ما تطهِّره الذكاة؟ وقد يخرَّج عليهما: جلد الآدمي؛ فإنَّ في طهارته - إن قيل بنجاسته -

стр. 147

وجهان، والأشهر عدمه، وحكى ابن حزم الإجماع على أنَّه يحرم استعمال جلده وسلخه (١). والمذهب الأوَّل عند الأصحاب؛ لعدم رفع التواتر (٢) بالآحاد. وخالف الشَّيخ تقي الدِّين (٣) وغيره، ونقل الجماعة (٤): أنَّه لا يقنت في الوتر إلَّا في النِّصف الأخير من رمضان، ونقل خطاب ابن بشر (٥) عنه أنَّه قال: كنت أذهب إليه، ثم رأيت السَّنة كلَّها (٦)، وهو المذهب عند الأصحاب؛ فرفعنا (٧) المتواتر بالآحاد لما بينهما من الفرق. مسائل: لا يفتقر الدَّبغ إلى فعل آدمي، فلو وقع في مَدبَغة؛ طهُر؛ لأنَّها إزالة نجاسة، فهو كالمطر يطهِّر الأرض النَّجسة. ولا يحصل بتشميسه، وقيل: بلى. وهما في تتريبه (٨) أو ريح. قال في «المغني»: ويَفتقِر ما يدبغ به أن يكون مُنَشِّفًا للخبث، قال في

стр. 148

«الرعاية»: ولا بدَّ فيه من زوال (١) الرَّائحة الخبيثة. ولا يحصل بنجس كالاستجمار، وفي «الرعاية»: بلى، ويُغسل بعده، وينتفع بما طُهِّر، وقيل: وبأكل المأكول. وما طهر بدبغه؛ جاز بيعه وإجارته، ذكره في «الشرح» وغيره. وعنه: لا، كما لو لم يطهر. وقال أبو الخطاب: يجوز بيعه مع نجاسته؛ كثوب نجس، قال في «الفروع»: فيتوجَّه منه بيع نجاسةٍ (٢) يجوز الانتفاع بها، ولا فرق ولا إجماع، فأمَّا قبل الدَّبغ فلا. ويغسل المدبوغُ في وجه، قال في «المغني»: وهو أولى؛ لقوله ﵇: «جلد الشَّاة الميتة يطهِّره الماء والقَرَظ» رواه أبو داود (٣)، ولأنَّ ما يدبغ به ينجس بملاقاة (٤) الجلد، فإذا اندبغ بقِيَت الآلة نجسة، فلا تزول (٥) إلَّا بالغسل. وفي آخر: يطهر؛ لقوله ﵇: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طهُر»، ولأنَّه طهر بانقلابه (٦)، فلم يفتقر إلى غسل؛ كالخَمْرة. (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ)؛ نصَّ عليه (٧)؛ لما روى أبو المَليح بن أسامة، عن أبيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن جلود السِّباع» رواه

стр. 149

أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم، ورواه التِّرمذي، وزاد: «وأن يُفْترَش» (١)، ولأنَّه ذبحٌ غير مشروع، فلم يُفِدْ طهارة الجلد؛ كذبح المُحْرِم الصَّيد؛ لأنَّ عندنا: كلُّ ذبح لا يفيد إباحة اللحم؛ لا يفيد طهارة المذبوح. قال (٢) القاضي: جلود السِّباع لا يجوز الانتفاع بها قبل الدَّبغ ولا بعده. وهل يُباح لُبس جلد الثَّعلب والصَّلاة فيه أو لَا، أو يباح لُبسه فقط، أو يباحان مع كراهة الصَّلاة فيه؟ روايات، قال أبو بكر: لا يختلف قوله: إنَّه يلبس إذا دبغ بعد تذكيته. (وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا)؛ بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة، ذكره الجوهري، ويقال أيضًا: مِنفحة، (نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، هذا هو المنصور عند أصحابنا؛ لما روى سعيد بن منصور: ثنا سفيانُ عن ابن أبي نَجِيح: أنَّ ابن عبَّاس سئل عن الجبن يصنع (٣) فيه أنافِح الميتة، فقال: «لا تأكلوه» (٤)،

стр. 150

وقال ابن مسعود: «لا تأكلوا من الجبن إلَّا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب» رواه البيهقي (١)، وروي عن عمر وابنه مثله (٢)، ولأنَّه مائِع في وعاء نجس، أشبه ما لو حُلب في إناء نجِس. والثَّانية: أنَّهما طاهران؛ لأنَّ الصَّحابة فتحوا بلاد المجوس، وأكلوا من جبنهم مع علمهم بنجاسة ذبائحهم (٣)؛ لأنَّ الجبن إنَّما يصنع بها، واللبن لا ينجس بالموت؛ إذ لا حياة فيه.

стр. 151

والأوَّل أولى؛ لأنَّ في صحَّة ما نقل عن الصَّحابة نظرًا، ولو سُلِّم صِحَّتُه، فكان بينهم يهود ونصارى يذبحون لهم، فلا يتحقَّق القول بالنَّجاسة. وفي «الكافي» و «الشرح»: أنَّ الجُبْن نجِس، والخلاف في الإنفَحة، والأشهر: أنَّ الخلاف فيهما (١)، وقيل: هما في محلِّهما نجسان، وبعد أخذهما طاهران. فرع: إذا صلُب قشر بيضة؛ فطاهرة (٢)؛ لأنَّه لا يصل إليها شيء من النَّجاسات، أشبه ما لو غُمِست (٣) في ماء نجِس. وإن لم تكمُل البيضة، فقال بعض أصحابنا: ما كان قشرها أبيض؛ فهو طاهر، وإلَّا فهو نجس؛ لأنَّ الحاجز غير حصين. وقال ابن عقيل: لا ينجس؛ لأنَّ جمودها وغشاءها الذي هو كالجلد مع لينه يمنع نفوذ النَّجاسة إليها. والأوَّل أشهر، فعلى النَّجاسة إن صارت فرخًا؛ فهو طاهر. (وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفُرُهَا)، وسِنُّها، وحافرها، وعصَبها؛ (نَجِسٌ) نصَّ على ذلك (٤)، من مأكول أو غيره كالفيل؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المَائدة: ٣]، والعظم من جملتها، فيكون محرَّمًا. وعنه: طاهر وه (٥)؛ لأنَّ الموت لا يحلُّها، فلا تنجس بالموت كالشَّعر،

стр. 152

وقد روى أبو داود بإسناده عن ثوبان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اشترِ لفاطمة قِلادة من عصَب، وسِوارين من عاج» (١)، والعاج: هو عظم الفيل. وقال م: إن ذُكِّي الفيل فعظمه طاهر، وإلَّا فهو نجس؛ لأنَّ الفيل مأكول عنده، فعلى هذه يجوز بيعه، واختاره ابن وهب المالكي (٢)؛ فقيل: لأنَّه لا حياة فيه (٣)، وقيل - وهو أصحُّ -: لأنَّ (٤) سبب التَّنجيس، وهي الرطوبة، منتفيةٌ. والأوَّل أَولى؛ لأنَّ الحياة تحلُّه، فينجس بالموت؛ كالجلد، ودليله (٥) قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية [يس: ٧٨] (٦)، وبدليل الإحساس (٧) والألم، وهو (٨) في العظام أشدُّ منه في اللحم، والضرس يألم، ويلحقه الضَّرس (٩)، ويحس ببرودة الماء وحرارته. وحديث ثوبان؛ فيه حميد الشامي، وسئل عنه أحمد، وابن معين فقالا:

стр. 153

(لا نعرفه) (١)، ولو سلم، فقال الخطابي، عن الأصمعي: (العاج الذبل) (٢)، وقيل: هو عظم السلحفاة البحرية، وقيل: العصب كالشَّعر؛ لأنَّه ليس فيه رطوبة منجِّسة (٣). وحكم ما ذكرنا؛ إن أخذ من مذكًّى؛ فهو طاهر، وإن أخذ من حي؛ فهو نجس؛ لقوله ﵇: «ما يقطع من البهيمة وهي حيَّةٌ فهو مَيْتَةٌ» رواه التِّرمذي، وقال: (حسن غريب) (٤). وكذا ما يَسقُط من قرون الوُعول في حياتها، وفي «المغني» و «الشرح» احتمال بطهارته كالشَّعر. وأمَّا ما لا ينجس بالموت كالسمك؛ فلا بأس بعظامه. (وَصُوفُهَا، وَشَعْرُهَا، وَرِيشُهَا؛ طَاهِرٌ)، يَعني الميتةَ الطَّاهرةَ في الحياةِ، وإلَّا فالنَّجِسة فيها لا يزيدها الموت إلَّا خبثًا، وهذا هو الأشهر عن أحمد، نقل الميموني: (صوف الميتة ما أعلم أحدًا كرهه) (٥)، وعليه أصحابه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النّحل: ٨٠]، وهي في سياق الامتنان، فالظَّاهر شمولها لحالتي الحياة والموت، ولحديث ابن عبَّاس في شاة ميمونة. وعن أحمد: أنَّها نجِسة، أومأ إليه في شعر الآدمي الحي، واختارها

стр. 154

الآجُرِّي، ومن ثَمَّ (١) حكاية صاحب «التلخيص» الخلاف في شعر غير (٢) الآدمي والقطع بالطَّهارة فيه؛ غريب، ولما تقدَّم من حديث عبد الله بن عُكَيم: «لا تَنْتَفِعوا من الميتة بشيء (٣)»، ولعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المَائدة: ٣]. وجوابه: بأنَّ المراد بالآية الحياة الحيوانيَّة، ومن (٤) خاصِّيتها الحس والحركة الإراديَّة، وهما منتفيان [في] (٥) الشَّعْر، ووبَرٌ كشعْر. ودخل في قولنا: (من الميتة الطَّاهرةِ في الحياة) شعر الهرَّة ونحوها، واختاره المؤلف وابن عقيل، وقيل بنجاسته بعد الموت؛ لزوال علَّة الطَّواف به (٦). وجعل القاضي الخلاف في المنفصل في حياته أيضًا، وألحق ابن البنَّاء بذلك سباع البهائم إذا قلنا بطهارتها. فأمَّا أصول الشَّعر والرِّيش إذا نتف من الميتة وهو رطب؛ فهو نجِس برطوبة الميتة، وهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان. ونقل أبو طالب: ينتفع بصوفها إذا غسل، قيل: فَريشُ الطير؟ قال: هذا أبعد (٧). وحرَّم (٨) في «المستوعب» نتفَ ذلك من حيٍّ؛ لإيلامِه، وكرهه في «النهاية».

стр. 155

(بَابُ الاِسْتِنْجَاءِ) الاِستنجاء: استفعال من نجَوت الشجرة؛ أي: قطعتها، فكأنَّه قطع الأذى. وقيل: هو مأخوذ من النَّجوة، وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأنَّ من أراد قضاء الحاجة استتر بها. وهو: إزالةُ خارج من سبيل بماء، وقد يستعمل في إزالته بالحجر، ويسمَّى الاستجمار، وهو (١) استفعال من الجمار، وهي الحجارة الصغار؛ لأنَّه يستعملها في استجماره، وعبَّر بعضٌ بالاستطابة، يقال: استطاب، وأطاب: إذا استنجى، قاله (٢) أهل اللغة. وبعضٌ: بقضاء الحاجة، وهو ظاهر. (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ) هي (٣) بالمد: المكان الذي يُتوضَّأ فيه، وقال الجوهري: (سمِّي بذلك لأنَّه يُتخلَّى فيه) (٤)؛ أي: ينفرد، (أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ)؛ لما روى علي قال: قال رسول الله ﷺ : «ستر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دخل الكَنِيف أن يقول: باسم الله» رواه ابن ماجه والتِّرمذي، وقال: (ليس إسناده بالقوي) (٥).

стр. 156

ويقال في ابتداء كلِّ فعل تبرُّكًا بها، وقُدِّمت هنا على الاستعاذة؛ لأنَّ التَّعوُّذ هناك للقراءة، والبسملة من (١) القرآن، فقدّم (٢) التَّعوُّذ عليها. وشُرِط (٣): ألا يقصد ببسم الله القرآن، فإن قصَده حرُم، قاله بعضهم. (أَعُوذُ بِاللهِ مِنِ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)، اقتصر في «الغُنية» و «المحرر» و «الفروع» على ذلك مع التَّسمية؛ لما روى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» متَّفق عليه (٤). الخُبْث: بإسكان الباء، قاله أبو عُبَيد (٥)، ونقل القاضي عِياض: أنَّه أكثر روايات الشُّيوخ، وفسَّره بالشر، والخبائث بالشياطين، فكأنَّه (٦) استعاذ من الشَّرِّ وأهله (٧). وقال الخطابي: (هو بضم الباء، وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنَّه استعاذ من ذكرانهم (٨) وإناثهم) (٩)، وقيل: الخُبْث: الكفر، والخبائث: الشياطين. (وَمِنَ (١٠) الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وفي (١١) «البُلْغة» ك

стр. 157

«المُقْنِع»، وكذا في (١) «الوجيز»، غير أنَّه لم يذكر الاستعاذة من الخبث والخبائث؛ لما روى أبو أمامة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يعجزْ أحدكم إذا دخل مرفِقه أن يقول: اللهم إنِّي أعوذ بك من الرِّجس النِّجْس الشَّيطان الرَّجيم» رواه ابن ماجه (٢). قال الجوهري: (الرِّجْس القذر) (٣)، والنَّجِس اسم فاعِل من نجُس ينجُس فهو نجِس، قال الفراء (٤): (إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه) (٥)؛ أي: قالوه بكسر النون وسكون الجيم. والشَّيطان: مشتق من شطَن؛ أي: بَعُد، يقال: دارٌ شَطُونٌ؛ أي: بعيدةٌ، سمِّي بذلك لبعده من رحمة الله تعالى. وقيل: من شَاطَ؛ أي: هلك، سمِّي به (٦)؛ لهلاكه بمعصية الله تعالى. والرَّجيم: نعت (٧) له، وهو بمعنى (٨) راجم؛ أي: يرجم غيره بالإغواء، أو بمعنى مرجوم؛ لأنَّه يُرجم بالكواكب عند استراقِه السَّمعَ. (وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله

стр. 158

ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتَمه» رواه الخمسة إلَّا أحمد، وصحَّحه التِّرمذي (١). وقد صحَّ: «أنَّ نقش خاتمه: محمَّدٌ رسولُ الله» (٢)، ولأنَّ الخلاء موضِع القاذُورات، فشرع تعظيم اسم الله، وتنزيهه عنه. والمذهب: أنَّه يكره دخوله بما فيه ذكر الله تعالى بلا حاجة، فلو لم يجد من يحفظه له، أو خاف ضياعه؛ فلا بأس حيث أخفاه، قال أحمد: (الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفِّه) (٣)، وقال في الرَّجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: (أرجو ألا يكون به بأس) (٤). وفي «المستوعب»: أنَّ إزالة ذلك أفضل، وجزم بعضهم بتحريمه كمصحف. ويتوجَّه: أنَّ اسم الرسول كذلك، وأنَّه لا يختصُّ بالبنيان. (وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ)، على العكس من المسجد ونحوه؛ لأنَّ اليسرى للأذى، واليمنى لما سواه؛ لأنَّها أحقُّ بالتَّقديم إلى الأماكن الطَّيِّبة، وأحقُّ بالتَّحيُّزِ (٥) عن الأذى ومحلِّه، ولهذا قُدِّمت في (٦) الانتعال دون النزَّع؛ صيانةً لها؛ لما روى الحكيم الترمذي عن

стр. 159

أبي هريرة أنه قال: «من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر» (١). وقد يفهم من لفظ الدخول والخروج؛ اختصاص ذلك بالبنيان، وليس كذلك، بل يقدِّم يسراه إلى موضع جلوسه في الصحراء، ويمناه عند مُنصَرَفه. (وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ)؛ لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمِّه - وقد سمَّاه بعض الرُّواة: القاسم بن محمَّد - عن ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتَّى يدنوَ من الأرض» (٢)، ولأنَّ ذلك أسترُ له. وهذه الكراهة مقيَّدة بعدم الحاجة، ولكن المؤلف تبع النَّصَّ الوارد، والمراد: أنَّه لم يستكمل الرَّفع حتَّى يدنو (٣)، فلو عبَّر بقوله: يرفع ثوبه شيئًا فشيئًا؛ كان أولى، ولعلَّه يجب إن (٤) كان ثَمَّ من ينظره. (وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى)؛ لحديث سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتَّكئ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى» رواه الطَّبراني والبيهقي (٥)، ولأنَّه أسهل لخروج الخارج، فعلى هذا تكون اليمنى منصوبة؛

стр. 160

إكرامًا لها. (وَلَا يَتَكَلَّمُ)؛ أي: يُكره أن يتكلَّم ولو بردِّ سلام، نصَّ عليه (١)؛ كابتدائه؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ رجلاً مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه» رواه مسلم وأبو داود، وقال: روي (٢) «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تيمَّم، ثمَّ ردَّ على الرَّجل السَّلام» (٣). وكلامه (٤) شامل لذكر الله تعالى بلسانه، وجوَّزه ابن سيرين والنَّخعي (٥)؛ لأنَّ ذكر الله محمود على كلِّ حال، وما ذكرناه أولى؛ لأنَّه ﵇ لم يردَّ السَّلام الواجب، فذِكْر الله تعالى أولى. فلو عطَس حمد الله بقلبه، ذكره الأصحاب. وعنه: وبلفظه، ذكره ابن عقيل؛ لعموم الأمر به. وكذا إجابة المؤذِّن، ذكره أبو الحسين وغيره. وجزم صاحب «النظم» (٦) بتحريم القراءة في الحُشِّ وسطحه وهو متوجِّهٌ على حاجته.

стр. 161

ويُستثنَى منه: ما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو حيَّةً تقصد إنسانًا؛ لم يكره إنذاره. (وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ)؛ لأنَّه مضرٌّ عند الأطباء، قيل: إنَّه يدمي الكبد، وقيل: يورث الباسور. قال جدي رحمه الله تعالى (١): وهو كشف لعورته خلوة بلا حاجة. وفي أخرى: يحرم، اختاره المجد وغيره، وحكى أبو المعالي: أنَّها مسألة سترها عن الملائكة والجن. ولا يديم النَّظر إلى عورته. (فَإِذَا خَرَجَ (٢) قَالَ: غُفْرَانَكَ)، هو منصوب على المفعولية؛ أي: أسألك غفرانك، مأخوذ من الغَفْر، وهو الستر، وسرُّه: أنَّه لما خلص من النَّجو المثقل للبدن؛ سأل الخلاص ممَّا يثقل القلب، وهو الذَّنب؛ لتكمل الراحة. (الْحَمْدُ لِلهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي)؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عنِّي الأذى، وعافاني» رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم، وقد

стр. 162

ضعَّفه الأكثر (١). وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق»: «أنَّ نوحًا ﵇ كان يقول إذا خرج: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته، وأبقى فيَّ منفعته، وأذهب عنِّي أذاه» (٢). مسائل: يُستحبُّ له تغطية رأسه، ولا يرفعه ولا بصرَه إلى السَّماء، ولا يبصُق على بوله؛ لأنَّه يورث الوسواس، وأن ينتعل ويتنحنح، زاد بعضهم: ويمشي خطوات، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (هذا بدعة) (٣). (فَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ)، هو ما اتَّسع من الأرض؛ (أَبْعَدَ)؛ لما روى جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد البراز؛ انطلق حتَّى لا يراه أحد» رواه أبو داود (٤)، وصرَّح السَّامَرِّي باستحباب ذلك.

стр. 163

(وَاسْتَتَرَ) بما (١) أمكنه من حائش نخل أو كثيب رمل؛ لما روى عبد الله بن جعفر قال: «كان أحبَّ (٢) ما استتر به النَّبيُّ ﷺ لحاجته هدفٌ، أو حائشُ نخل» رواه مسلم (٣)، وفُسِّر بأنَّه: جماعة (٤)؛ لا واحد له من لفظه، ولأنَّ ذلك جهده في ستر العورة المأمور (٥) بها، وذكر السَّامَرِّيّ أنَّه ينبغي ذلك. (وَارْتَادَ)؛ أي: طلَب (مَكَانًا رَخْوًا)، يجوز فيه فتح الراء وكسرها، ومعناه: ليِّنًا هَشًّا أو عالٍ، أو يلصق ذكره بالأرض الصلبة؛ لما روى أبو موسى قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار، فبال، ثم قال: «إذا بال أحدكم فليرتد لبوله» رواه أحمد وأبو داود (٦)، ولأنَّه (٧) يأمن بذلك من رشاش البول. (وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ)، بفتح الشين، واحد الشقوق، (وَلَا سَرَبٍ)، بفتح السين والراء، عبارة عن الثَّقْب، وهو ما يتَّخذه الدَّبِيب والهوامُّ بيتًا في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُبال في الجُحر»، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال: إنَّها مساكن الجن. رواه أحمد، وأبو داود (٨).

стр. 164

وقد رُوي أنَّ سعد بن عُبادة بال بجُحر بالشَّام، ثمَّ استلقى ميتًا، فسُمع من (١) بئر بالمدينة (٢) يقول: نحن قَتَلْنا سيِّد الخزْ … رجِ سَعدَ بن عُباده ورميناه بسَهميْـ … ـن فلم نُخْطِ فؤاده فحفظوا ذلك اليوم، فوجدوه اليومَ الذي مات فيه سعدٌ (٣). ولأنَّه يخاف أن تخرج ببوله دابة تؤذيه، أو تردُّه عليه فتنجسه. والمراد بهذا النَّهي الكراهة، صرَّح به في «الفروع»؛ كمَوْرد ماء، وفم بَالُوعَة. وكذا يكره على نار؛ لأنَّه يورث السقم، ورمادٍ، قاله في «الرعاية». ومثلُه على قَرع (٤)، وهو الموضع المتجرِّد من النبت بين بقايا منه. (وَلَا طَرِيقٍ)، وقيَّده ابن تميم: بأن يكون مأتيًّا، والأشهر عدمه.

стр. 165

(وَلَا ظِلٍّ نِافِعٍ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتقوا اللاعنيْن، قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق النَّاس، أو في ظِلِّهم» رواه مسلم (١). ففي إضافة الظِّلِّ إليهم دليل على أنَّ المراد المنتفع به، ولم يقيِّده في «المستوعب» به (٢)، والأصحُّ ما ذكرنا (٣). (وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ)، هي التي أثمرت أو قرب ثَمَرُها؛ لأنَّه يفسد على النَّاس ثمرهم، أو تعافها (٤) النَّفس، فأمَّا إذا لم تكن مثمرة، أو ليس وقت ثمر (٥)؛ جاز إن لم يكن ظلًّا نافعًا؛ لأنَّ أثرها يزول بالأمطار (٦) وغيرها إلى مجيء الثَّمر، ذكره في «شرح العمدة» (٧). ودَلَّ (٨) كلامه: أنَّ الغائط أشدُّ من البول لغلاظته، ولا يطهر بصبِّ الماء عليه. تذنيب: لا يبول في راكِدٍ، نصَّ عليه (٩)، وإن بلغ حدًّا لا يمكن نَزْحُه، وأطلق البغدادي (١٠) تحريمه فيه، ولا يجوز أن يتغوَّط في جارٍ لبقاء أثرِه، وقد

стр. 166

صرَّح به ابن تميم، قال في «الشرح»: فأمَّا البول فيه فلا بأس به إذا كان كثيرًا، وظاهر كلام غيره الجوازُ مطلقًا. ولا يبول في موضع الوضوء والغسل (١)، نصَّ عليه (٢)؛ للنَّهي عنه، فإن بال وصبَّ عليه الماء وكان ممَّا لا يقف عليه؛ فلا كراهة، وفي «المغني» روايتان. والمنصوص: أنَّه يجوز في إناء بلا حاجة، وقدَّم (٣) في «الرعاية»: أنَّه يكره من غير حاجة. ولا يبول على ما له حُرمة، ولا على ما نُهي عن الاستجمار به؛ لحُرمته، وفي «النهاية»: يكره على الطَّعام؛ كعلَف دابة، قال في «الفروع»: وهو سهو. فرع: يكره أن يتوضَّأ على موضع بوله، أو يَستنجيَ عليه؛ لئلَّا يتنجَّس به، فلو كان في الأبنية المتَّخذة لذلك (٤) فلا ينتقل منها (٥)؛ للمشقَّة، أو كان بالحجر؛ لم يكره؛ لأنَّه لو انتقل لنضح (٦) بالنَّجاسة. (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (٧)؛ لأنَّه روي أنَّ معهما ملائكة، وأنَّ

стр. 167

أسماء الله مكتوبة عليهما، وأنَّهما يلعنانه (١)، وبهما يستضيء أهل الأرض، فينبغي احترامهما، وكالرِّيح، وإن استتر عنهما بشيء؛ فلا بأس. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عند التَّخلِّي (فِي الْفَضَاءِ)؛ لما روى أبو أيُّوب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» رواه البخاري ومسلم، وله معناه من حديث أبي هريرة (٢)، ولأنَّ جهة القبلة أشرف الجهات، فصِينَتْ عن ذلك. وعن أحمد: يجوز، وهو قول عروة وربيعة وداود؛ لما روى جابر قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن نستقبل (٣) القبلة ببول (٤)، فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها» رواه أحمد والتِّرمذي، وقال: (حسن غريب)، وصحَّحه البخاري (٥). لا يقال: هذا ناسِخٌ للأوَّل؛ لأنَّه يحتمل أنَّه رآه في البنيان، أو مستَتِرًا بشيء، أو يكون خاصًّا به، فلا يثبت النَّسخ بالاحتمال، ويجب حمله على ذلك توفيقًا بين الدَّليلين. وجوَّزه في «المُبهج» (٦) إذا كانت الرِّيح في غير جهتها.

стр. 168

وعلى المنع؛ يكفي انحرافه عن الجهة، نقله أبو داود (١)، ومعناه في الخلاف، وظاهر كلام المجد وحفيده: لا يكفي (٢). (وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ)؛ أي: في الفضاء (وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ)، وجملته أنَّ الرِّواية عن أحمد قد اختلفت: ففي رواية: أنَّه يجوز الاستدبار في الفضاء والبنيان؛ لحديث ابن عمر قال: «رقِيت على بيت حفصة، فرأيت النَّبيَّ ﷺ على حاجته، مستقبِل الشَّام، مستدبِر الكعبة» متَّفق عليه (٣)، والظَّاهر أنَّه كان في الفضاء. وفي ثانية: بالمنع فيهما، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها» رواه مسلم (٤). وفي ثالثة: جوازهما في البنيان فقط، صحَّحه في «الشرح»، وذكر ابن هبيرة أنَّه الأشهر عنه، وقدَّمه في «المحرر»، واختاره الأكثر؛ لما روى الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: «إنَّما نُهي عن هذا في الفضاء، إذا (٥) كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا» رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم، وقال: على (٦) شرط البخاري، والحسن ضعَّفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه أباطيل، وقوَّاه جماعة، وروى له البخاري (٧).

стр. 169

فهذا تفسير لنهيه ﵇ العام، فتحمل أحاديث النَّهي على الفضاء، وأحاديث الرُّخصة على البنيان. وفي رابعة: يحرم استقبالها في البنيان، قدَّمها جماعة؛ لعموم النَّهي. وفي خامسة: يجوز، قدَّمها في «المحرر»، وذكر في «الشرح»: أنَّها أولى؛ لما ذكرنا. وعلم منه: أنَّه لا يكره استقبال بيت المقدس، وهو ظاهر ما في «الخلاف»، وحُمِل النَّهي حين كان قِبلة، ولا يسمَّى بعد النَّسخ قبلة. ونقل حنبل: يكره وش (١)؛ لبقاء حرمته. فرع: يكفي الاِستتار في الأَشهر بدابَّةٍ أو جِدارٍ ونحوه، وفي إرخاء ذيله (٢) وجهان، وظاهره: لا يُعتبر قُربه منها؛ كما لو كان في بيت (٣). قال في «الفروع»: (ويتوجَّه وجهٌ: كسترة صلاة).

стр. 170

ويكره استقبالها باستنجاء. (فَإِذَا فَرَغَ)؛ أي: من قضاء حاجته، (مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى)؛ لما روت (١) عائشة قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان من أذىً» رواه الشيخان (٢). (مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ)؛ وهو الدرز الذي تحت الأنثيين من حلقة الدُّبر، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذَّكر، والإبهام فوقه من مجامع العروق (إِلَى رَأْسِهِ)؛ لئلَّا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل. (ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا)؛ نصَّ عليه (٣)، برفق؛ لما روى عيسى بن يزداد (٤)، عن أبيه مرفوعًا قال: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» رواه أحمد وأبو داود (٥)، ولأنَّه بالنَّتر يستخرج ما عساه أن يبقى (٦) ويخشى عَوده بعد الاستنجاء، هذا هو الاستبراء. فإن احتاج إلى مشْيٍ؛ مشَى (٧) خطوات، قيل: أكثرها سبعون خطوة. قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ذلك بدعة) (٨).

стр. 171

ويتوجَّه: إن لم يستبرئ خرج منه شيء، وجب. (وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ)؛ لما روى أبو قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يُمسكَنَّ (١) أحدُكم ذكره بيمينه وهو يبول» متَّفق عليه (٢). وظاهره: اختصاص النَّهي بحالة البول، قال ابن المُنجَّى: وإنَّما لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى لوضوحه. (وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِهَا)، صرَّح في «الوجيز» بالكراهة فيهما، واقتصر في «المحرَّر» على الثَّاني؛ لما روى سلمان قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن كذا، وأن نستنجي باليمين» رواه مسلم، وفي حديث أبي قتادة: «ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه» (٣). ثم إن كان يستجمر من غائطٍ؛ أخذ الحَجَر بيساره فمسح به، وإن كان من بولٍ؛ أمسك ذكره بشماله، ومسحه على الحجر، فإن كان صغيرًا ولم يمكنه وضعه بين عقبيه، وإلا أمسك الحجر بيمينه، ومسح بيساره. وفيه (٤) وجه: يمسك ذكرَه بيمينه، ويمسحه بيساره. والأوَّل أولى. وبكلِّ حال تكون اليسرى هي المتحرِّكة؛ لأنَّ الاستجمار إنَّما يحصل بالمتحرِّكة. فإن كان أقطع اليسرى أو بها مرض؛ استجمر بيمينه للحاجة، قال في «التَّلخيص»: يمينُه أولى من يسار غيره. (فَإِنْ فَعَلَ؛ أَجْزَأَهُ) مع الكراهة؛ لأنَّ الاستجمار بالحجر لا باليد، فلم

стр. 172

يقع النَّهي على ما يُستنجى به (١)؛ لكون أن النَّهيَ نهيُ تأديب لا تحريم. وقيل: يحرم ويصحُّ. فرع: تباح المعونة بيمينه في الماء للحاجة. (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ) مع خوف التَّلوُّث؛ لئلَّا يتنجَّس. وهذا واجب، ولو لم يزد على درهم (٢). (ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ (٣)، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ)، وجمعهما أفضل؛ لقول عائشة: «مُرن أزواجكن أن يُتبعوا الحجارة الماء، فإنِّي أستَحْييهم، فإنَّ رسول الله ﷺ كان يفعله» رواه أحمد واحتجَّ به في رواية حنبل، والنَّسائي، والتِّرمذي وصحَّحه (٤)، ولأنَّه أبلغ في الإنْقاء وأنظف؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل عينَ النَّجاسة، ولا تباشرها يدُه، والماء يزيل أثرَها. فإن بدأ بالماء؛ فقال أحمد: يكره (٥). (وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا)؛ أمَّا الماء؛ فلما روى أنس قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا خرج لحاجته، أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء؛ فيستنجي به» متَّفق

стр. 173

عليه، ولفظه لمسلم (١). ويواصِل صبَّ الماء، ويسترخي قليلًا، ويدلُك الموضع حتَّى يَخشُن ويَنقَى. وأما الأحجار؛ فلقوله ﵇ في حديث جابر: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطِب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد، وأبو داود (٢). ولكن الماء أفضل في ظاهر المذهب؛ لأنَّه يزيل العين والأثر، ويطهر المحل، والحجرُ يخفف النَّجاسة، وكان القياس يقتضي عدم إجزائه، لكن أجزأ رخصةً. وعنه: يكره الاستنجاء وحده؛ لأنَّ فيه مباشرة النَّجاسة بيده، ونشرَها من غير حاجة. وعنه: الحجرُ أفضل، اختاره ابن حامد. والاقتصار عليه مجزئ بالإجماع، فأمَّا ما نُقل عن سعد بن أبي وقاص (٣)،

стр. 174

وعبد الله بن الزُّبير (١)، وابن المسيِّب، وعطاء، من إنكار الماء (٢)، فهو - والله أعلم - إنكار على من يستعمله معتقدًا لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة، لأنَّهم شاهدوا من النَّاس محافظة عليه، فخافوا التَّعمُّق في الدِّين. (إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ)، جزم به في «المستوعِب» و «التَّلخيص» و «الوجيز»، مثل أن ينتشر إلى الصَّفحتين، أو يمتدَّ إلى الحَشَفة كثيرًا، اقتصر عليه في «الشرح» وحده. وفي «شرح العمدة» (٣): (إلى النِّصف من الأَلْية والحَشَفة فأكثر، فإن كان أقلَّ من ذلك عُفي عنه)، وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في «الهداية»، وظاهر «المحرر» أنَّها إذا تعدَّت عن مخرجِها مطلقًا، (فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ)؛ لأنَّ الأصل وجوب إزالة النَّجاسة بالماء، وإنَّما رُخص في الاستجمار لتكرُّر (٤) النَّجاسة على المحلِّ المعتاد، فإذا جاوزته خرجت عن حدِّ الرُّخصة، فوجب غسلها كسائر البدن، والغسل للمُتَعدِّي نصَّ عليه (٥)، وبه قطع ابن تميم، ونفس المخرَج يجزئ فيه الاستجمار. وجزم (٦) في «الوجيز»، وهو مقتضى كلامه في «المحرَّر»: أنَّ الماء متعيِّن

стр. 175

للكلِّ، وحكى ابن الزَّاغوني (١) في «الوجيز» روايتين. ونصَّ أحمد: أنَّه لا يستجمر في غير المخرج (٢). وقيل: يستجمر في الصَّفحتين والحشفة، وبه قطع الشِّيرازي. وظاهره: أنَّه لا يشترط التُّراب ولا العدد؛ لأنَّه لم ينقل. واختلف الأصحاب فيما إذا استدَّ المخرج وانفتح غيره: فقال القاضي والشِّيرازي: يجزئه الاستجمار فيه؛ لأنَّه صار معتادًا. ونفاه ابن حامد والمؤلف، ونصره في «الشرح»؛ لأنَّه لا يتعلَّق به أحكام الفرج، وحينئذ يتعيَّن الماء، وسواء انفتح فوق المعدة أو تحتها، صرَّح به الشِّيرازي، وقيَّده ابن عقيل والمجد بما إذا انفتح أسفل المعدة. قال ابن تميم: (وظاهر كلامهم: إجراء الخلاف مع بقاء المخرج). فلو يبس (٣) الخارج في (٤) مخرجه، أو تنجَّس بغير نجاسته؛ كالحُقنة إذا خرجت، أو استجمر بنجس؛ وجب غسل المحلِّ في الأشهر. ويغسِل الأقْلَف المفتوق نجاسةَ حشفته، ونصَّ أحمد أنَّه يسنُّ، وقيل: حكم طرف القلفة حكم رأس الذكر، وقيل: إن تعذَّر إخراجها فهو كمختون. تنبيهان: الأول: البكر كالرجل؛ لأنَّ عُذرتها تمنع من انتشار البول، فأمَّا الثيب: فإن خرج البول ولم ينتشر فكذلك، وإن تعدَّى إلى موضع الحيض؛ فقال

стр. 176

أصحابنا: يجب غسله؛ لأنَّ مخرج الحيض غير مخرج البول. وفي «المغني» احتمالٌ لا يجب؛ لأنَّ هذا عادة في حقِّها، فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد. الثَّاني: يبدأ الرَّجل والبِكر بالقُبُل، وقيل: يتخيَّر كالثَّيِّب، وذكر السَّامَرِّي أنَّها تبدأ بالدُّبر، فلا تدخل إصبعها، بل يكفي ما ظهر؛ لأنَّ المشقة تلحق به كداخل العينين، وهو في حكم الباطن، وقال أبو المعالي وابن حمدان: هو في حكم الظَّاهر، واختلف كلام القاضي، ويخرَّج على ذلك إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض. مسألة: إذا استجمر في فرج، واستنجى في آخر؛ فلا بأس، ويستحبُّ لمن استنجى نضح فرجه وسراويله بالماء؛ لدفع الوسواس، وعنه: لا لمن استجمر، ومن ظنَّ خروج شيء، فقال أحمد: لا يلتفت حتَّى يتيقَّن، ولم ير حشو الذَّكر (١)، فإن فعل فصلَّى، ثمَّ أخرجه فوجد بللًا؛ فلا بأس، ما لم يظهر خارجًا. (وَيَجُوزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي كَالْحَجَرِ) إجماعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ)، هذا هو الصَّحيح في المذهب؛ لما روى أحمد وأبو داود والدَّارقطني، وقال: إسناد صحيح، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنَّها تجزئ عنه» (٢). والثَّانية، واختارها أبو بكر، وهي (٣) قول داود: لا يجزئ (٤) إلَّا

стр. 177

الأحجار؛ لأنَّه نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها. والأوَّل أولى؛ لأنَّ المراد بالأحجار كلُّ مُستحْجِر، فيدخل فيه جميع الجامدات، ولقول سلمان: «أمرنا ﵇ إلَّا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم» (١)، فلولا أنَّه يعمُّ الجميع؛ لم يكن لاستثناء الرَّجيع والعظم معنًى، وإنَّما خصَّ الحجر بالذِّكر؛ لأنَّه أعمُّ الجامدات وجودًا، وأسهلها (٢) تناولًا. لا يقال: المراد بالرَّجيع الحجر الذي استجمر به مرة؛ لأنَّه في اللغة اسم الرَّوث، سمِّي بذلك لأنَّ الحيوان رجعَه بعد أن أكله، يؤيِّده ما رواه أحمد من حديث رُوَيْفِع بن ثابت مرفوعًا: «من استجمر برجيع دابَّة فإنَّ محمَّدًا بريء منه» (٣). (إلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ)؛ لما روى ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ» رواه مسلم (٤)، وفي رواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يُستنجى بروث أو عظم، وقال: «إنَّهما لا يطهران» رواه الدَّارقطني، وقال: (إسناد صحيح) (٥)، وإذا ثبت ذلك في طعام الجن، ففي طعام الآدمي أولى.

стр. 178

وبالجملة: فيشترط في المستجمَر به شروط: الأول: أن يكون جامدًا؛ لأنَّ المائع إن كان ماء فهو استنجاء، وإن كان غيره امتزج بالخارج، فيزيد المحلَّ نجاسة، ويؤخذ هذا من تمثيله بالحجر والخِرَق. الثَّاني: أن يكون طاهِرًا، لما روى ابن مسعود: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ النَّبيُّ ﷺ الحجرين، وألقى الرَّوثة، وقال: «إنَّها لركس» رواه البخاري (١)، والركس: النَّجس. الثالث: أن يكون مُنقِيًا، فلا يجوز بالفحم الرخو، قاله في «الشرح» وغيره، ولا بالزجاج، ولا الحجر الأملس والبِلَّور؛ إذ المقصود الإنقاء، ولم يحصل. الرابع: ألَّا (٢) يكون محترمًا، فلا يجوز بطعامنا، ولا طعام دوابنا، وكذا طعام الجنِّ ودوابهم، وكذلك كتب الفقه والحديث وما فيه اسم الله تعالى؛ لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها، وإذا ثبت ذلك في (٣) الطَّعام لحرمة الأكل؛ فههنا أولى. وكذلك ما يتَّصل بحيوان؛ كيَده، وذنَبه، وصوفه المتَّصل به؛ لأنَّ له حرمة فهو كالطَّعام، وقد ينجس الغير. فقوله: (وما له حرمة) يدخل فيه الطَّعام، وما يتَّصل بحيوان، فذكره كافٍ عنهما، ولهذا اقتصر في «المحرَّر» و «الوجيز» عليه (٤).

стр. 179

الخامس: ألَّا يكون محرَّمًا، فلا يجوز بمغصوب، ولا ذهبٍ، ولا فضَّةٍ، ذكره في «النهاية»، وجزم به في «الوجيز»، ولم يذكره المؤلف. وقيل: يجوز بالمغصوب، وهو مخرج من رواية صحَّة الصَّلاة في بقعة غصب. وردَّ: بأنَّ الاستجمار رخصة، والرُّخص لا تستباح على وجه محرَّم. واختار الشَّيخ تقي الدِّين: الإجزاء في ذلك، وبما نُهي عنه، قال: (لأنَّه لم يُنهَ عنه لكونه لا يُنقي، بل لإفساده) (١)، وفي (٢) مذهبه: أنَّ النَّجاسة تُزال بغير الماء، وهي من باب التُّروك (٣)، بدليل أنَّه لا يشترط لزوالها قصد. وجوابه: رواية الدَّارقطني السَّابقة. وحيث قيل بعدم الإجزاء؛ فإنَّه يتعيَّن الماء في الشَّرط الأول، وكذا في الثَّاني على ما قطع به المجد والمؤلف في «الكافي»، وفي «المغني» احتمال بإجزاء الحجَر، وهو وهَمٌ، وفي الثالث: يعدل إلى طاهر مُنْقٍ، وفي الرابع والخامس: هل يجزئه الحجر؛ جعلاً لوجود آلة النهي كعدمِها، أو يعدل إلى الماء لعدم فائدة الحجرِ إذن لنقاء (٤) المحل؟ فيه وجهان. (وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنْقِية؛ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كبير (ذِي شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ)، إذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فهي مجزئة بغير خلاف. وأمَّا الحجر الكبير الذي له شعب؛ فيجوز (٥) الاقتصار عليه في ظاهر المذهب، اختاره الخِرَقِي وجلُّ المشايخ.

стр. 180

وعنه: لا بدَّ من ثلاثة أحجار، اختارها أبو بكر والشِّيرازي؛ لأنَّه ﵇ نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها، ولأنَّه إذا استجمر به تنجَّس؛ فلم يَجُز كالصَّغير. والأوَّل أصحُّ؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا تغوَّط أحدكم فليتمسَّح ثلاث مرَّات» رواه أحمد (١)، وهذا يبيِّن أنَّ المقصود تكرار التَّمسُّح، لا تكرار الممسوح به، ولأنَّه يحصل بالشُّعب الثَّلاثة ما يحصل بالأحجار الثَّلاثة من كلِّ وجه (٢)، فلا معنى للفرق. فعلى هذا: إن كسر ما تنجَّس، أو غسله، أو استجمر ثلاثةٌ بثلاثة أحجار لكلٍّ منها ثلاث شعب؛ أجزأه (٣)؛ لحصول المعنى والإنقاء. وعلى قول أبي بكر: لا يجزئه؛ جمودًا على اللفظ. قال في «الشرح»: وهو بعيد. قال ابن عقيل: ولو مسح بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع، فهو كالحجر الكبير. تذنيب: الإنقاءُ بالحجر بقاءُ أثر لا يزيله إلا (٤) الماء، وقال المؤلف: خروج الحجر؛ أي: الأخير لا أثر به (٥) إلَّا يسيرًا، فلو بقي ما يزول بالخرق لا بالحجر؛ أزيل على ظاهر الأوَّل لا الثَّاني (٦).
следующие страницы →