← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مُطلقًا، ولا تَبْطُل (١) بالسَّعي إلى الجمعة. وكذا إذا صلَّى الظُّهرَ شاكًّا هل صلَّى الإمامُ الجمعةَ، أو صلَّى الظُّهرَ أهلُ بلدٍ مع بقاء وقت الجمعة؛ لم يَصِحَّ في الأشهَر، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة (٢). لكن يُستثنَى على الأوَّل: ما لو أخَّر الإمامُ الجمعةَ تأخيرًا (٣) مُنكَرًا، فلِلْغَيرِ أن يُصلِّيَ ظُهرًا، ويُجزِئُه عن فرضه، جزم به المجْدُ، وجعَلَه ظاهِرَ كلامِه؛ لخبر تأخير (٤) الأمراء (٥) الصَّلاة عن وقتها (٦). (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) كالمسافِرِ والمريضِ؛ (أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ)، ذَكَره جماعةٌ، منهم صاحبُ «الوجيز»؛ لأنَّه ربَّما زال عُذرُه فلَزِمته (٧) الجمعةُ. لكنْ يُستثنَى من ذلك: من (٨) دام عذرُه؛ كامرأةٍ وخُنثى، فالتَّقديم (٩) في حقِّهما أفضلُ، ولعلَّه مرادُ مَنْ أطلق. وظاهِرُه: أنَّهم إذا صلَّوْا قبل الإمام؛ أنَّها صحيحةٌ على الأصحِّ، وهو

стр. 1157

قولُ عامَّتهم؛ لأنَّهم أدَّوْا فرْضَ الوقت، ولو زال عُذرُه لم تَلزَمه (١) الجمعةُ؛ كالمَعْضُوب إذا حُجَّ عنه، ثمَّ بَرِئَ. وقيل: بلى، وهو روايةٌ في «التَّرغيب»؛ كصبِيٍّ بلغ في الأشهَر. وقيل: إن زال عُذرُه والإمامُ في الجمعةِ؛ لزمته. وقيل: إن عُوفِيَ المريضُ بين الإحرام والسَّلام؛ أعادها. وفي (٢) زوال عُذرِ غيره وجهان. والثَّانية: لا تَصِحُّ (٣) قبل الإمام، اختاره أبو بكر، كمن تَجِب (٤) عليه. وعلى الأولى (٥): لو صلاَّها ثمَّ حضر الجمعةَ؛ كانت له نفلاً؛ لأنَّ الأُولى أسقطت الفرض. وقيل: بل فرضًا. مسألة: لا يُكرَه لمن فاتته الجمعةُ، أو لم يكن من أهل فرضها؛ الصَّلاةُ جماعةً في المِصر؛ لحديث فضل صلاة الجماعة (٦)، وفعَلَه ابنُ مسعودٍ، واحتجَّ (٧) به أحمدُ (٨).

стр. 1158

زاد السَّامَرِّيُّ وغيرُه على الأوَّل: بأذانٍ وإقامةٍ. وفي كراهتها في مكانها وجهان. ومن خاف فتنةً أو ضررًا؛ صلَّى حيث يَأْمَن ذلك. ونقل الأثرم: لا يُصلِّي فوق ثلاثةٍ جماعةً (١)، ذكره ابنُ عَقِيلٍ تَبَعًا لشيخه. ومن لزَمتْه الجمعةُ فتَرَكَها بلا عُذرٍ؛ تَصدَّق بدينارٍ أو نصفِه؛ للخبر (٢)، ولا يَجِب، قاله في «الفروع». (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ أي: بعد اللُّزوم قبل فعلها روايةً واحدةً؛ كتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارةٍ، بخلاف غيرها، وهذا بناءً على استقرارها بأوَّله، فلهذا خُرِّج الجوازُ مع الكراهة ما لم يُحرِم بها؛ لعدَم الاستقرار. ويَجوز إذا خاف فوتَ رفقةِ سفرٍ مباحٍ. وقيل: بل مندوبٍ. (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل الزَّوال بعد طلوع الفجر، اختاره المؤلِّفُ؛ لما رَوى الشَّافعيُّ عن سُفيانَ بنِ عُيَيْنة، عن الأسود بن قَيس، عن أبيه (٣)، عن

стр. 1159

عمر قال: «لا تَحبِس الجمعةُ عن سفر» (١)، وكما لو سافَر من اللَّيل. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ)، قدَّمها في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجزَم بها في «الوجيز»؛ لما رَوى الدَّارَقُطْنيُّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ سافرَ مِنْ دارِ إقامةٍ يومَ جمعةٍ؛ دعَتْ عليه الملائكةُ أن لا يُصحَبَ في سفرِهِ، وأن لا يُعانَ على حاجتِهِ» (٢)، ولأنَّ هذا وقتٌ يَلزَم من كان على فرسخٍ السَّعيُ إليها، فلم يَجُز لمَن في البلد السَّفرُ بطريق الأَوْلى، وبدليلِ الاعتِدادِ بالغَسل، وأنَّه يُسَنُّ التَّبكيرُ إليها، فمنع من التسبُّب (٣) إلى تفويتها، قال أحمدُ: (مَنْ سافَر يومَ جمعةٍ، قلَّ من يَفعَلُه إلاَّ رأى ما يَكرَه) (٤). وعليها: له السَّفَرُ إن أتى بها في طريقه، وإلاَّ كُرِه روايةً واحدةً. (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً)، وأنَّه أفضلُ، نَقَلها أبو طالِبٍ (٥)؛ لأنَّه ﵇ جهَّز جيشَ مُؤْتَةَ يومَ الجمعةِ، وروى أحمدُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ جهَّز زيدَ بنَ حارِثةَ، وعليًّا (٦)، وعبدَ الله بنَ رَواحةَ، فتخلَّف عبدُ الله بنُ رَواحةَ لصلاةِ الجمعةِ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «لغَدوةٌ في سبيلِ الله أو رَوحةٌ؛ خيرٌ من الدُّنيا

стр. 1160

وما فيها»، فَراحَ مُنطلِقًا (١). وذكر القاضي: أنَّ الرِّوايات إن (٢) دخل وقتُها، وإلاَّ جاز. وعلى المنع: له السَّفرُ إن أتَى بها في قريةٍ بطريقه، وإلاَّ كُرِه روايةً واحدةً، وظاهِرُ كلام جماعة (٣): لا يُكرَه.

стр. 1161

(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ): (أَحَدُهَا: الْوَقْتُ)؛ لأنَّها مفروضةٌ، فاشتُرِط لها كبقيَّة الصَّلوات، فلا تصحُّ (١) قبل الوقت ولا بعده إجماعًا (٢). (وَأَوَّلُهُ: أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ)؛ نَصَّ عليه (٣)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحبُ «التَّلخيص»، وقاله القاضي وأصحابُه؛ لقَولِ عبدِ الله بن سِيدان: «شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النَّهار، ثمَّ شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتَصف النَّهار، ثمَّ شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته (٤) إلى أن أقول: زال النَّهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره» رواه الدَّارَقُطنيُّ وأحمدُ، واحتجَّ به (٥)، قال: وكذلك

стр. 1162

رُوي عن ابنِ مسعودٍ وجابِرٍ وسعيدٍ (١) ومُعاويةَ: «أنَّهم صلَّوا قبل الزَّوال» (٢)، ولم يُنكَر، فكان كالإجماع، ولأنَّها صلاةُ عِيدٍ أشْبهت العيدَينِ. فعلى هذا: هل هو وقتٌ لوجوبها، كما اختاره أبو حفص بن بَدران وغيرُه، أو وقت جوازها، نقله واختاره الأكثرُ وذكر القاضي وغيرُه أنَّه المذهبُ؟ فيه روايتان.

стр. 1163

(وَقَالَ الخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ)، حكاه ابنُ هُبَيرةَ روايةً عن أحمد، واختاره أبو بكرٍ وابن شاقْلا والمؤلِّفُ؛ لما روى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي الجمعةَ، ثمَّ نَذهبُ إلى جِمالنا فنريحُها حين تَزول الشَّمسُ» رواه مسلم (١). وفي نسخةٍ للخرقي: الخامسة، واختاره ابنُ أبي موسى، وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز فعلُها قبل ذلك. وأغرب ابنُ عَقِيلٍ في «مفرداته»: أنَّ مذهبَ قومٍ من أصحابنا: أنَّه يجوز فعلُها في وقت الفجر. وعنه: تَلزَم (٢) بالزَّوال، اختاره الآجُرِّيُّ، وهو قولُ أكثرِ العلماء؛ لما روى سلمةُ بنُ الأكوع قال: «كنا نصلي الجمعة مع النبي ﷺ إذا زالت الشَّمسُ» متَّفقٌ عليه (٣)، وفعلُها بعدَه أفضلُ، وأنَّها لا تُفعل أوَّل النَّهار؛ لأنَّ التَّوقيت لا يَثبُت إلاَّ بدليلٍ، وللخروج من الخلاف. وتعجيلُها في أوَّل وقتها أفضلُ، صَيفًا وشِتاءً؛ لأنَّ التَّأخير يَشُقُّ على النَّاس؛ لاجتماعهم أوَّله، بخلاف الظُّهر. (وَآخِرُهُ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ) بغير خلافٍ (٤)، لأنَّها بدَلٌ منها، أو واقِعةٌ مَوقِعَها، فوجب الإلحاقُ؛ لما بينهما من المشابهة. (فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا؛ صَلَّوْا ظُهْرًا)؛ لفوات الشَّرْط، قال في «الشَّرح»: لا نَعلَم فيه خلافًا.

стр. 1164

(وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً؛ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً)، نَصَّ عليه (١)، وذكره الأكثرُ، وهو المذهبُ؛ لأنَّ الوقتَ إذا فات لم يُمكِن استدراكُه، فسقط اعتبارُه في الاستدامة للعُذْر، وكالجماعة في حقِّ المسبوق. وعنه: يُعتبَر الوقت في جميعها إلاَّ السَّلام؛ لأنَّ الوقت شرط، فيُعتبَر (٢) في جميعها كالطَّهارة. (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ) فعل (رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: يُتمُّونها ظُهرًا؛ لأنَّهما صلاتا وقتٍ، فجاز بناء إحداهما (٣) على الأخرى، كصلاة السَّفر مع الحضر. والثَّاني: يَستأنِفونها ظُهرًا؛ لأنَّهما صلاتان مختلِفتان (٤)، فلم تُبْنَ إحداهما على الأخرى؛ كالظُّهر والصُّبح. وظاهرُه: أنَّهم لا يُتمُّونها جمعةً، وهو ظاهر الخِرَقيِّ، قال ابنُ المنجَّى: وهو قولُ أكثرِ الأصحاب؛ لأنَّه ﵇ خَصَّ إدراكها بالرَّكعة (٥).

стр. 1165

وقيل: يُتِمُّونها جمعةً، حكاه ابنُ حامِدٍ وأبو بكرٍ والقاضي، وذكر ابن الجَوزيِّ: أنَّه الصَّحيحُ من «المذهب»، وذكره في «الرِّعاية» نَصًّا (١)، وقياسًا على بقيَّة الصَّلوات. ورُدَّ: بالحديث السَّابق، وبأنَّ الفرق بينها وبين سائر الصَّلوات ثابِتٌ في كثيرٍ من الأحكام، فيَمتنِع القياسُ. فلو دخل وقتُ المغرب وَهُمْ فيها، فقيل كذلك، وقيل: تَبطُل؛ لأنَّ وقت المغرب ليس وقتًا لها، وقت العصر ووقت الظُّهر التي الجمعة بدَلُها. فعلى المذهب: لو بقِيَ من الوقت قدر الخُطبة والتَّحريمة؛ لزمهم فعلُها، وإلاَّ لم يَجُز، وكذا يَلزَمهم إن شَكُّوا في خروجه؛ عملاً بالأصل. (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا)؛ «لأنَّه ﵇ كتب إلى قُرى عُرينةَ أن يُصلُّوا الجمعةَ» (٢)، و «أسْعدُ بن زُرارةَ جمَّع بهم بِهَزْم النَّبِيت» (٣)، ولأنَّ القرية المبنيَّة بما جرت به العادةُ يستوطنها العددُ. فدلَّ على أنَّها لا تصحُّ من أهل الخيام وبيوت الشعر والخركاوات (٤)؛

стр. 1166

لأنَّ ذلك لم يُقصد للاستيطان غالِبًا، وكذلك كانت قبائل العرب حوله ﵇ ولم يأمُرهم بها، زاد في «المستوعب» وغيره: ولو اتَّخذوها أوطانًا؛ لأنَّ استيطانهم في (١) غير بنيان. وقدم الأَزَجيُّ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢): صحَّتها ووجوبها على المستوطنين بعمود (٣) أو خيام (٤)، قال في «الفروع»: وهو متَّجِهٌ. نقل أبو النَّضر العِجْلي (٥): ليس على أهل البادية جمعةٌ؛ لأنَّهم يتنقلون (٦). وفي تصريح المؤلِّف بالقرية؛ تنبيهٌ على أنَّه لا يُشترَط لصحَّتها المصرُ. وتُشترَط الإقامةُ فيها، فلو رحل عنها أهلها (٧) في بعض السَّنة؛ لم يَصحَّ. قال ابن تميم: وكذا لو دخل قومٌ بلدًا لا ساكن به (٨) بنِيَّة الإقامة به سنةً فلا جمعةَ عليهم، ولو أقام ببلدٍ ما يَمنَع القصر، وأهله لا تجب عليهم، فلا جمعة أيضًا، فلو خربت القرية وعزم أهلُها على عمارتها والإقامة بها؛ فعليهم الجمعة، وإن عزموا على النُّقلة فلا. (وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ)؛ قياسًا على القرية المتَّصلة، واعتبر أحمد في رواية ابن القاسِم: اجتماعَ المنازل في القرية (٩)، قاله القاضي، وقال أيضًا: معناه: متقارِبةُ الاجتماع.

стр. 1167

والصَّحيحُ: أنَّ التَّفريقَ إذا لم تَجرِ به العادةُ؛ لم يَصحَّ (١) فيها الجمعةُ، زاد في «الشَّرح»: (إلاَّ أن يَجتمِع منها ما يسكنه أربعون، فتجب بهم (٢) الجمعة، ويتبعهم الباقون). قال ابنُ تميمٍ والجَدُّ في «فروعه»: ورَبَضُ البلدِ له حكمُه، وإن كان بينهما فُرجةٌ. تنبيه: إذا تقارَب قريتان في كلٍّ منهما دون الأربعين؛ لم يَصِحَّ فعلُ الجمعة في واحدةٍ بتكميل الأخرى، فإن كَمَل في إحداهما (٣)؛ لزمهم فعلُها، وإن كَمَل في كلٍّ منهما؛ فالأَوْلى جَمْع كلِّ قريةٍ في موضعها. وقال القاضي: القرية إذا كانت من المصر على فرسخ فما دون؛ لزمهم قصده، والأصحُّ خلافُه، كما لو كانت إلى جنب قريةٍ أخرى، فلو كان في قرية أربعون، وإلى جنبها مصر فيه دونه؛ لزم أهله قصد القرية. (وَ) تجوز إقامتُها (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ)، وأنَّه لا يُشترَط لها البنيانُ؛ لقول كعب: «أسعد بن زُرارة أوَّلُ من جمع بنا في هَزْم النَّبيت في حَرَّةِ (٤) بني بَيَاضَةَ في نَقِيع (٥) يقال له: نَقِيعُ (٦) الخَضِمات، قال: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً» رواه أبو داود والدَّارَقُطْنيُّ، قال البَيهَقيُّ: (حسَنُ الإسناد صحيحٌ) قال الخطَّابي: (حَرَّة بني بَياضة: على مِيلٍ من المدينة) (٧)، وقياسًا على الجامع، وظاهره: وإن لم يكن عذر.

стр. 1168

ويجوز للمسافر القصرُ والفطر فيه، ذكره القاضي. وقيل: لا يصحُّ (١) إلاَّ في جامعٍ إلاَّ لعذرٍ، لكن قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا صلَّى في الصَّحراء استخلف من يُصلِّي بالضَّعَفة. (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رجلاً (مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، وهو الأصحُّ، واختاره عامَّة المشايخ؛ لما تقدَّم من حديث كعبٍ، وقال أحمدُ (٢): «بعث النَّبيُّ ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلمَّا كان يوم الجمعة جمَّع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أوَّلَ جمعةٍ جُمعت بالمدينة» (٣)، وقال جابِرٌ: «مضت السُّنَّةُ: أنَّ في كلِّ أربعينَ فما فوقُ جُمعةٌ وأضحَى وفطرٌ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ، وفيه (٤) ضعفٌ (٥). (وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ)، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، وهذا جَمعٌ وأقلُّه ثلاثةٌ.

стр. 1169

وعنه: في القُرى خاصَّة؛ لقلَّتهم. وعنه: بخمسين؛ لما روى أبو هريرة قال: «لمَّا بلغ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ خمسينَ؛ جمعَ بهم» رواه النجاد (١). وعنه: بسبعةٍ. وعنه: بخمسةٍ. وعنه: بأربعةٍ. وعلى الرِّوايات كلِّها: لا يُعتبَر كونُ الإمام زائدًا على العدد على المذهب. وعنه: بلى، فعليها: لو بَانَ مُحدِثًا ناسِيًا؛ لم يُجزِئْهم إلاَّ أن يكونوا بدونه العددَ المعتبرَ. ويتخرَّج: لا مطلقًا، قال المجْدُ: بناءً على رواية (٢): أنَّ صلاةَ المُؤْتَمِّ بناسٍ حَدَثَه تَفسُد (٣)، إلاَّ أن يكون قرأ خلْفه. فرع: إذا رأى الإمامُ وحدَه العددَ، فنقَص؛ لم يَجُز أن يَؤُمَّهم، ولزِمه استخلافُ أحدِهم، وبالعكس لا يَلزَم واحدًا منهما. ولو أمره السُّلطانُ ألا يُصَلِّيَ إلاَّ بأربعين، لم يَجُزْ بأقلَّ، ولا أن يستخلف لقصر ولايته، بخلاف التَّكبير الزَّائد، وبالعكس الولاية باطلةٌ؛ لتعذُّرها من جهته. ويحتمل: أن يستخلف لها أحدهم.

стр. 1170

(فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا (١)؛ لم يُتِمُّوها جمعةً؛ لأنَّه (٢) شرطٌ، فاعتُبِر في جميعها كالطَّهارة، و (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا)؛ نَصَّ عليه (٣)، وجزم به السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص». وقيل: يُتمُّون ظُهرًا. وقيل: جمعةً، ولو بقي وحدَه ولو لم (٤) يسجد في الأولى. وقيل: جمعةً إن بقي معه اثنا عشر رجلاً؛ لأنَّه العددُ الباقي مع النَّبيِّ ﷺ ، وكانوا في الصَّلاة، رواه البخاري (٥)، والمراد في انتظارها (٦) كما روى مسلمٌ في الخُطبة، وللدَّارَقُطْنيِّ: «بقي معه أربعون رجلاً»، تفرَّد به علي بن عاصم (٧). وإنَّما انفضُّوا لظنِّهم جواز الانصراف، ولأبي داود في مراسيله: «أن خطبته ﵇ هذه كانت بعد صلاته الجمعة»، فظنوا ألا شيء عليهم في الانصراف (٨).

стр. 1171

قال في «الفروع»: (ويتوجَّه أنَّهم انفضُّوا لقدوم التِّجارة لشدَّة المجاعة، أو ظنِّ وجوب خُطبةٍ واحدةٍ، وقد فرغت). قال في «الشَّرح»: (ويحتمل أنَّهم عادوا فحضروا القدرَ الواجِبَ، ويحتمل أنَّهم عادوا قبل طول الفصل). (وَيَحْتَمِلُ) هذا وجْهٌ: (أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ؛ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ؛ أَتَمُّوا جُمُعَةً)، وهو قياسُ قولِ الخِرَقيِّ، واختاره المؤلِّفُ، وذَكَره قياسَ المذهب، قال المُزَنِيُّ: (وهو الأَشْبَهُ عندي كالمسبوق) (١). والأوَّلُ أصحُّ، والفَرْق: بأنَّ المسبوق أدرك ركعة من جمعة، تمَّت شرائطها وصحَّت، فجاز البناء عليها بخلاف هذه. وإن بقي العددُ؛ أتمَّ جمعة، قال أبو المعالي: سواء سمعوا الخطبة أو لحقوهم قبل نقصهم بلا خلاف؛ كبقائه من السَّامعين. (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً)؛ أي: بسجْدتَيها، وتَظهَر فائدتُه فيما لو زُحم عن السُّجود؛ (أَتَمَّهَا جُمُعَةً) رواه البَيهَقيُّ عن ابنِ مسعودٍ (٢) وابنِ عمرَ (١)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ أدركَ ركعةً مِنَ الجمعةِ؛ فقد أدركَ

стр. 1172

الصَّلاةَ» رواه الأثرم، ورواه ابن ماجه ولفظُه: «فليُصلِّ إليها أخرى»، قال ابنُ حِبَّانَ: (هذا خطأٌ)، وقال ابنُ الجوزيِّ: (لا يَصِحُّ) (١). (وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ أَتَمَّهَا ظُهْرًا)؛ لمفهومِ ما سبق. وعنه: يَكونُ مُدركًا للجُمعةِ؛ لقوله: «ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقْضوا» (٢)، وكالظُّهر، وكإدراك المسافِرِ صلاةَ المقيمِ. والفَرْق: بأنَّ المسافر إدراكُه إدراك إلزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، وبأنَّ الظهر ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا. وظاهر كلام المؤلِّف: صحَّةُ دخوله معه، وهو الأصحُّ، بشرط أن ينويها بإحرامه، ولهذا قال: (إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ الخِرَقِيِّ)، صحَّحه الحُلْوانِيُّ، وهو الأظهر؛ لأنَّ النِّيَّة قَصْدٌ يَتبَع العلمَ، ويُوافِق الفعلَ، فالمصلِّي للظُّهر لا يَنوِي جمعةً؛ لأنَّه يَنوِي غيرَ ما يَفعلُه، ولأنَّ الظُّهرَ لا تَتَأدَّى بنيَّة الجمعة ابتداءً، فكذا استدامتُه؛ كالظُّهر مع العصر، وهذا فيما إذا دخل وقتُها، وإلاَّ كانت نفلاً. (وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً) تَبَعًا لإمامه، (وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا)، وذَكَره القاضي المذهبَ؛ كصلاة المسافِرِ مع المقيمِ. وضعَّفه المجْدُ بأن قال: (فَرَّ من اختلافِ النِّيَّة، ثُمَّ التزمه في البِناء، والواجِبُ العكسُ أو التَّسويةُ، ولم يَقُلْ أحدٌ بالبناء مع اختلاف يَمنَع الاقتداءَ).

стр. 1173

وقيل: الخلاف مبنيٌّ على أنَّ الجمعة هل هي ظُهر مقصورةٌ، أم صلاةٌ مُستقِلَّةٌ؟ فيه وجهان. ومحلُّ ذلك: ما إذا كانت بعد الزَّوال، فإن كان قبله لم يَصِحَّ دخولُ مَنْ فاته معه في أظهر الوجهين، فإن دخل انعقدت نفلاً. والثَّاني: يَصِحُّ دخوله بنيَّة الجمعة، ثمَّ يبني عليها ظُهرًا، ويجب أن يصادِف ظُهرُه زوالَ الشَّمس. (وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ) بالأرض؛ (سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ)؛ أي: قدَمه وجوبًا إن أمكن، ذكره معظمهم؛ لقول عمر: «إذا اشتدَّ الزِّحام فليسجد على ظهر أخيه» رواه أبو داود الطَّيالِسِيُّ وسعيدٌ (١)، وهذا قاله بمَحضَرٍ من الصَّحابة وغيرِهم في يوم جمعةٍ، ولم يَظهَر له مخالِفٌ، ولأنَّه يأتي بما يمكنه حال العجز، فوجب وصحَّ؛ كالمريض يُومِئُ. وقيل: لا يجوز ذلك، وذكر ابن عقيل: أنَّه لا يسجد على ظهر أحد، ويومئ غاية الإمكان، فأمَّا إن احتاج إلى وضع يديه أو ركبتيه، وقلنا: يجوز في الجبهة؛ فوجهان، ذكره ابن تميمٍ وغيره. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ)؛ انتظر، و (سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ) ويَتْبَع إمامَه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه بذلك في صلاة عُسْفان للعذر (٢)، وهو موجودٌ هنا،

стр. 1174

والمفارَقة وقعت صورةً لا حكمًا، فلم يؤثِّر. (إِلاَّ أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ؛ فَيُتَابِعُ إِمَامَهُ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ)، ذَكَره ابنُ الجَوزيِّ وصاحب «التَّلخيص»؛ لقوله ﵇: «فإذا (١) ركعَ فاركعوا» (٢)، ولأنَّه مأمومٌ خاف فوت الثَّانية؛ فلَزِمه (٣) المتابَعةُ كالمسبوق. وعنه: لا يُتابِعه (٤)، بل يَشتغِل بسجود الأولى، وكما لو زال الزِّحام والإمامُ قائمٌ. فإن لم يَزُل الزِّحام (٥) حتَّى سجد الإمامُ في الثَّانية؛ تابَعَه (٦)، وهل تحصل له ركعةٌ يتمُّها جمعةً، أو يصلِّي ظُهرًا؟ فيه وجهان. (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لتركه (٧) متابَعةَ إمامه عمدًا، ومتابَعتُه واجبةٌ؛ لقوله: «فلا (٨) تختلِفوا عليه» (٩)، وترك الواجب عمدًا يُبطِلها وِفاقًا (١٠). (وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ)؛ أي: إذا جَهِل تحريمَ متابعة إمامه في الثَّانية؛ لم تَبطُل صلاتُه، ولم يَعتدَّ بسجوده؛ لأنَّه أتى به في موضع الرُّكوع جهلاً، فهو كالسَّاهي، وقال أبو الخطَّاب: يَعتدُّ به، (ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ؛

стр. 1175

أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ)؛ لأنَّه أتى بسجودٍ مُعتدٍّ (١) به، (وَ) إذا اعتدَّ له بذلك؛ (صَحَّتْ جُمُعَتُهُ)؛ لأنَّه أدرك مع الإمام ركعةً، والجمعةُ تُدرَك بها، ويَسجُد للسَّهو، قاله أبو الخطَّاب. وخالف فيه المؤلِّفُ، قال ابن تميم: وهو أظهرُ؛ لأنَّه ليس (٢) على المأموم سجودُ سهوٍ. (وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا)؛ لأنَّه لم يُدرِك مع الإمام ركعةً بسجدتَيها؛ لأنَّ ما أَتَى به من السُّجود لم يُتابِع إمامه فيه حقيقةً، وإنَّما أتى به على وجه التَّدارك، فلم يكن مُدرِكًا للجمعة. مسائل: الأولى (٣): إذا أدرك الرُّكوعَ وزُحِم عن السُّجود، أو أدرك القيامَ وزُحِم عن الرُّكوع والسُّجود حتَّى سلَّم إمامُه، أو سبَقَه الحدثُ، ففاته ذلك بالوضوء، وقلنا: يَبنِي؛ استأنَف ظُهرًا، نَصَّ عليه (٤)؛ لاختلافهما في فرضٍ وشرطٍ؛ كظُهرٍ وعصرٍ، ولافتقار كلٍّ منهما إلى النِّيَّة. وعنه: يُتِمُّها ظُهرًا؛ لأنَّه لم يُدرِك ركعةً كاملةً، أشبه المسبوق بركوع الثَّانية. وعنه: يُتمُّها جمعةً، اختاره الخلاَّل؛ كمُدرِكٍ ركعةً. وعنه: يُتمُّ جمعةً مَنْ زُحِم عن سجودٍ أو نسِيَه؛ لإدراكه الرُّكوع؛ كمن أتى بالسُّجود قبل سلام إمامه على الأصحِّ؛ لأنَّه أتى به في جماعةٍ، والإدراك الحكميُّ كالحقيقيِّ؛ كحمل الإمام السَّهو عنه.

стр. 1176

الثَّانية: إذا فاته مع الإمام الرُّكوع والسُّجود بنومٍ أو غفلةٍ ونحوه؛ لَغَتْ تلك الرَّكعةُ، نَصَّ عليه، وكذا إن فاته الرُّكوع فقط في رواية، فإن فاته ركعةٌ فأكثرَ بذلك (١)، لم يَقضِ قبل سلام إمامه، نَصَّ عليه في الجمعة (٢)، بل يتابعه، فإذا سلَّم الإمامُ قضى ما فاته كالمسبوق. فعلى هذا: إن فاته رُكنٌ؛ أتى به ثمَّ لحق إمامه، وإن كان ركوعًا في الأشهر، وإن كان ركنين؛ لغت ركعته (٣)، نَصَّ عليه (٤). وقال ابنُ عَقِيلٍ: يأتي بهما؛ كنصِّه في المزحوم. فإن زُحِم عن الجلوس للتَّشهُّد؛ أتى به قائمًا وأجزأه، قاله ابنُ حامِدٍ، والأَوْلَى انتظارُ زوالِ الزِّحامِ. الثَّالثة: إذا أحرم مع الإمام فزُحِم، وأُخرِجَ من الصَّفِّ فصلَّى فذًّا؛ لم يَصِحَّ، وإن أُخرِجَ (٥) في الثَّانية؛ فإن نوى مفارَقتَه؛ أتمَّها جمعةً في قياس «المذهب»، وإلاَّ فروايتان: إحداهما: يُتمُّها جمعةً؛ كمسبوقٍ. والثَّانية: يُعيد؛ لأنَّه فذٌّ في ركعةٍ. (الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، والذِّكر هو الخُطبةُ، فَأَمَر بالسَّعي إليه، فيكون واجبًا، ولمواظبته ﵇ عليها، مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (٦)، وعن عمر وعائشة: «قُصِرت الصَّلاةُ من أجل الخُطبة» (٧).

стр. 1177

ويُشترَط اثنتان؛ لقول ابن عمر: «كان النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ خُطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوسٍ» متَّفَقٌ عليه (١)، ولأنَّهما أقيما مقام الرَّكعتين، فالإخلال بإحداهما إخلالٌ بإحدى الرَّكعتين. وعنه: تُجزِئُه واحدةٌ. والمنصوص: أنَّهما بدَلٌ من الرَّكعتين (٢). ويُشترَط تقديمُهما على الصَّلاة؛ لفعله ﵇ وأصحابِه، بخلاف غيرها (٣)، لأنَّهما شرطٌ في صحَّة الجمعة، والشَّرط مقدَّمٌ، أو لاشتغال النَّاس بمعايشهم، فقُدِّما لأجل التَّدارك، وأن يكونا في وقتٍ تصحُّ (٤) فيه الجمعة من مكلَّف مستورِ العورة، قاله القاضي. (مِنْ (٥) شَرْطِ صِحَّتِهِمَا: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى)؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «كلُّ كلامٍ لا يُبدَأُ فيه بالحمدِ للهِ فهو أجذمُ (٦)» رواه أبو داود، ورواه جماعةٌ مرسلاً (٧)، وروى أبو داود عن ابن مسعودٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا تَشهَّد قال: الحمدُ لله» (٨)، ويَتعيَّن هذا اللَّفظُ في قول الجمهور.

стр. 1178

(والصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) محمَّدٍ ﷺ ؛ لأنَّ كلَّ عبادة افْتَقَرتْ إلى ذكر الله تعالى؛ افْتَقَرتْ إلى ذكر رسوله؛ كالأذان، ويتعيَّن لفظ الصَّلاة، أو يشهد أنَّه عبْدُ الله (١) ورسوله. وأوجبه الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)؛ لدلالته عليه، ولأنَّه إيمانٌ به، والصَّلاة دعاءٌ له، وبينهما تفاوُتٌ. وقيل: لا يُشترَط ذِكرُه؛ لأنَّه ﵇ لم يذكر ذلك في خُطبته، وعمَلاً بالأصل. (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ؛ لما روى جابِرُ (٣) بنُ سَمُرةَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يَقرأُ آياتٍ، ويذكِّرُ (٤) النَّاسَ» رواهُ مسلمٌ (٥)، ولأنَّهما (٦) أقيما مقام ركعتين، والخطبةُ فرضٌ، فوجبت فيها القراءةُ كالصَّلاة. وظاهره: أنَّها لا تتعيَّن، قال أحمد: (يقرأ ما شاء). وأنَّه لا يُجزِئُ بعضُ آيةٍ في الأصحِّ؛ لأنَّ الحكم لا يتعلَّق بما دونها، بدليل منع الجُنب منها. وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تَستقِلُّ بمعنًى أو حكمٍ؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ [المدَّثِّر: ٢١]، أو: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرَّحمن: ٦٤]؛ لم يكفِ.

стр. 1179

وقيل: يشترط في أحدهما. والمذهب: أنَّه مِنْ قراءة آية، ولو كان جنبًا مع تحريمها. وعنه: لا يُشتَرَط قراءةُ آيةٍ فيهما، اختاره المؤلِّف، فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثمَّ صلَّى على النَّبيِّ ﷺ ؛ أجزأ (١). قال أبو المعالي: وفيه نظر؛ لقول (٢) أحمد: (لا بدَّ من خُطبةٍ) (٣)، وكما لا يُجزِئ عنها قراءة فاطر أو الحج (٤)، نَصَّ عليه (٥). (وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى الله تَعَالَى)؛ لأنَّه المقصودُ، وقيل: في الثَّانية، والمذهب: في كلٍّ منهما. وذكر أبو المعالي والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦): ولا يَكفِي ذكرُ الموت وذمُّ الدُّنيا، ولا بدَّ أن يحرِّك (٧) القلوب، ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيَه؛ فالأظهر لا يكفي وإن كان فيه وجه (٨)؛ لأنَّه لا بدَّ من اسم الخُطبة عرفًا. ويُشترَط الموالاةُ بين أجزائهما (٩) والصَّلاة في الأصحِّ؛ لأنَّهما مع الصَّلاة كالمجموعتَين، فلو قرأ سجدةً فنزل فسجد؛ لم يُكرَه. وظاهر كلامه (١٠) في «التَّلخيص» و «الرِّعاية»:

стр. 1180

أنَّه (١) لا يَضرُّ (٢) تفريقٌ كثيرٌ بدعاءٍ (٣) لسلطانٍ (٤) ونحوِه. ولا يكون ذلك بغير العربيَّة إلاَّ عند العجز؛ كالقراءة. ثمَّ هل يجب إبدالُ عاجزٍ عن قراءةٍ بذكرٍ، أم لا؛ لحصول معناها؟ فيه وجهان. ويبدأ بالحمد لله، ثمَّ بالصَّلاة، ثمَّ بالموعظة، ثمَّ القراءة في ظاهر كلام جماعةٍ. (وَ) يُشترَط (حُضُورُ الْعَدَدِ المُشْتَرَطِ) لسماع القدر الواجب؛ لأنَّه ذكر اشتُرِطَ للصَّلاة، فاشتُرِطَ (٥) له العددُ؛ كتكبيرة الإحرام، فإن انفضُّوا وعادوا قبل فوت ركنٍ منها؛ بَنَوْا، وإن كثر التَّفريق، أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهَّر؛ ففي البِنَاء والاستِئْناف مع اتِّساع الوقت وجهان. ويَرفَع صوتَه بهما بحيث يسمع العدد المعتبَر إذا لم يَعرِض مانِعٌ، فإن لم يسمعوا لخفض صوته أو بُعدٍ؛ لم يصحَّ، وكذا إن كانوا صُمًّا، خلافًا للمجْد. فإن قرُب الأصمُّ وبَعُد من يسمع؛ فقيل: لا يصحُّ؛ لفوت المقصود. وقيل: بلى، كما لو كان أهل القرية طُرشًا أو عُجمًا وهو عربيٌّ. وإن كانوا كلُّهم خُرْسًا؛ صلَّوْا ظُهرًا في الأصحِّ. وتُشترَط (٦) النِّيَّةُ، ذكره في «الفنون». والأشهر: أنَّها تَبطُل بكلامٍ محرَّمٍ، ولو يسيرًا.

стр. 1181

(وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلاَّهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُشترَط تقدُّمُ الطَّهارة، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وغيره؛ لأنَّه ﵇ لم يكن يَفصِل بين الخطبة والصَّلاة بطهارةٍ، فدلَّ على أنَّه كان متطهِّرًا، ولأنَّه ذِكرٌ شُرِط في الجمعة أشبه تكبيرة الإحرام. والثَّانية: لا، واختارها الأكثرُ، وجزم بها في «الوجيز»، ولأنَّه ذِكرٌ يَتقدَّم الصَّلاة، أشبه الأذان. وعنه: تُشترَط (١) الكبرى، اختاره جماعةٌ. ونصُّه: تجزئ خطبة الجنب (٢)، جزم به الشَّريف وأبو الخطَّاب؛ لأنَّ تحريم لُبثه لا تعلُّق له بواجب العبادة، كمن صلَّى ومعه درهمُ غَصْبٍ. لكن قيَّده القاضي في «جامعه» وابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» فيه: بأن يكون المنبر خارج المسجد؛ لأنَّ لُبثَه فيه معصيةٌ تنافي (٣) العبادة. وقيل: إن جاز للجنب قراءة آية، أو لم تجب القراءة في الخطبة؛ فوجهان؛ كالأذان وستر العورة. وإزالة نجاسة؛ كطهارة صغرى. الثانية (٤): إحداهما لا يشترط، بل يستحبٌّ (٥)، قدَّمه الأكثر، وجزم به في «الوجيز»، وذكر في «التلخيص» أنَّه المشهور؛ لأنَّ الخطبة منفصلة عن الصَّلاة، أشبها الصلاتين، لكن في فعل اثنين للخطبتين وجهان.

стр. 1182

والثَّانية: يُشترط، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ الخطبة أقيمت مقام ركعتين. وعنه: لا يشترط مع العذر؛ كالحدث، ذكر في «الشَّرح» أنَّه المذهب؛ لأنَّه إذا جاز الاستخلاف في الصَّلاة للعذر؛ فههنا أولى. وعلى الجواز: لا يشترط حضور النَّائب الخطبة (١) كالمأموم، لتعيُّنها عليه. وعنه: بلى؛ لأنَّه لا تصحُّ جمعة من لم يحضرها إلاَّ تبعًا كمسافرٍ. وإن أحدث واستخلف من لم يحضر الخطبة؛ صحَّ على الأشهر، ولو لم يكن صلَّى معه على الأصحِّ. وإن منعنا الاستخلاف؛ أتمُّوا فرادى جمعةً بركعة (٢) كمسبوقٍ. وقيل: مطلقًا؛ لبقاء حكم الجماعة لمنع الاستخلاف. وقيل: ظهرًا؛ لأنَّ الجماعةَ شرطٌ، كما لو اختلَّ العدد. وإن جاز الاستخلاف فأتمُّوا فرادى؛ لم تَصحَّ (٣) جمعتُهم، ولو كان في الثانية؛ كما لو أنقص (٤) العددُ وأَوْلى. مسألتان (٥): الأولى: إذا قلنا: يُعتَدُّ بأذان المميِّز والفاسِق؛ ففي خطبته وجهان، زاد في «الرِّعاية»: إن صحَّ أن يؤمَّ غير من خطب، وإن لم تصحَّ (٦) إمامة العبد؛ ففي صحَّة خطبته وجهان.

стр. 1183

الثَّانية: لمن لا يُحسن الخطبةَ قراءتُها مِنْ (١) صحيفةٍ، ذَكَره أبو المعالي وابنُ عَقِيلٍ، قال: كالقراءة في الصَّلاة لمن لا يُحسِن القراءةَ في المُصحَف، والمذهبُ: أنَّه لا بأْسَ بالقراءة في المصحف كالقراءة من الحفظ، فهذا مثلُه. (وَمِنْ سُنَنِهِمَا (٢) أن يَخطُب على منبرٍ)؛ لما روى سهْلُ بنُ سعْدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرسلَ إلى امرأةٍ مِنَ الأنصارِ: أن مُرِي غلامَكِ النَّجَّارَ يَعمَلْ لي أعوادًا أجلسُ عليها إذا كلَّمتُ النَّاسَ» متَّفقٌ عليه (٣)، وفي الصَّحيح: «أنَّه عُمِل من أَثْلِ الغابة، فكان يَرتقِي عليه» (٤)، واتخاذُه كان في سنةِ سبْعٍ من الهجرة، وقيل: سنة ثمانٍ، وكان ثلاثةَ دُرُجٍ، وسُمِّي (٥) منبرًا لارتِفاعه، من النَّبْر، وهو الاِرتِفاعُ، واتِّخاذُه سُنَّةٌ مُجمَعٌ عليها، قاله في «شرح مسلم» (٦)، ويكون صعودُه فيه على تُؤَدَةٍ إلى الدَّرَجة التي تَلِي السَّطحَ، قاله في «التَّلخيص». (أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ) إن لم يكن؛ لأنَّه في معناه؛ لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام. ويكونان عن يمين مستقبلي القبلة، وقال أبو المعالي: إن وقف بالأرض وقف على يسار مستقبِلي القِبلة بخلاف المنبر. (وَيُسَلِّمُ عَلَى المَأْمُومِينِ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ)؛ لما روى ابن ماجه عن جابِرٍ قال: «كان (٧) النَّبيَّ ﷺ إذا صعِد المنبرَ سلَّم» (٨)،

стр. 1184

ورواه (١) الأثرم عن أبي بكرٍ وعمرَ (٢) وابنِ مسعودٍ وابنِ الزُّبير (٣)، ورواه النجاد عن عثمانَ (٤)، وكسلامه (٥) على من عنده في خروجه، قال القاضي وجماعةٌ: لأنَّه استقبالٌ بعد استدبارٍ، أشبه من فارق قومًا ثمَّ عاد إليهم. وعكسُه المؤذِّن، قاله المجْدُ. وظاهره استحبابُ استقبال الخطيبِ النَّاسَ، وهو كالإجماع، قاله ابن المنذر (٦). ولم يذكر المؤلِّف ردَّ السَّلام عليه، وهو فرضُ كفايةٍ، وكذا كلُّ سلامٍ

стр. 1185

مشروعٍ على الجماعة المسلَّم عليهم، لا فرضُ عين. وقيل: سنَّة كابتدائه. وفيه وجهٌ غريبٌ: واجب، ذكره الشيخ تقيُّ الدِّين (١). (وَيَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ)؛ لما روى ابنُ عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يجلِسُ إذا صعدَ المنبرَ حتَّى يَفرُغَ المؤذِّنُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ» مختصرًا، رواه أبو داود (٢)، وذَكَره ابنُ عَقِيلٍ إجماعَ الصَّحابة (٣)، ولأنَّه يَستريح بذلك من تعَب الصُّعود، ويتمكَّن من الكلام التَّمكُّنَ التَّامَّ. وهذا النِّداء هو الذي يتعلَّق به وُجوب السَّعي؛ لأنَّه الذي كان على عهده ﵇. وعنه: بالأوَّل؛ لسقوط الفرض به، ولأنَّ عثمان سنَّه (٤)، وعملت به الأمَّة.

стр. 1186

ومَن بَعُد منزلُه؛ سعَى في وقتٍ يدركها كلَّها إذا علم حضور العدد، بعد طلوع الفجر لا قبله. (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ)؛ لِمَا روى ابنُ عمرَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يخطُبُ خُطبتَين وهو قائمٌ، يَفصِلُ بينهما بجلوسٍ» متَّفقٌ عليه (١)، وكجلسته الأولى، ويستحبُّ تخفيفها، قال في «التَّلخيص»: بقدر سورة الإخلاص. وعنه: يجب الجلوس بينهما، اختاره النجاد؛ لفعله ﵇ (٢). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ جماعةً من الصَّحابة، منهم عليٌّ (٣)، سَرَدوا الخُطبة من غير جلوسٍ، ولأنَّه ليس فيها ذِكرٌ مشروعٌ، فلم يَجِب كالأولى. (وَيَخْطُبُ قَائِمًا)، نَصَّ عليه (٤)، واختاره الأكثرُ، لفعله ﵇ (٥)، ولأنَّه ذِكْرٌ ليس من شرطه الاستقبال، فلم يَجِب له القيامُ كالأذان. وعنه: يَجِب مع القدرة، جزم به في «النَّصيحة»، وبالجلوس بينهما، وقال الطَّحاويُّ عن قول الشَّافعيِّ (٦): (لم يَقُله غيره) (٧)، وليس كذلك.

стр. 1187

(وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا)؛ لما روى الحَكَم بن حَزْنٍ قال: «وفدتُ على رسولِ الله ﷺ فشهدنا معه الجمعةَ، فقامَ متوكِّئًا (١) على سيفٍ أو قوسٍ أو عصًا» مختصر، رواه أبو داود (٢)، ولأنَّه أمكنُ له، وإشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّين فُتِحَ به. ويكون اعتمادُه على ذلك بإحدى يدَيه في ظاهر كلامه، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه باليسرى، والأخرى بحَرْف المنبر، فإن لم يَعتمِد أمسك يمينه بشماله أو أرسلهما). (وَيَقْصِدُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)؛ لفعله ﵇ (٣)، ولأنَّ في التِفاته إلى أحد جانِبَيه إعراضًا عن الآخَر. وظاهره: أنَّه إذا التفت أو استدبر النَّاس؛ أنَّه يجزئ مع الكراهة، صرَّحوا (٤) به في الاستدبار؛ لحصول المقصود. وفيه وجهٌ: لا يُجزئ؛ لتركه الجهة المشروعة.

стр. 1188

وينحرف إليه المأمومون إذا خطب، نَصَّ عليه (١)؛ لفعل الصَّحابة (٢). (وَيَقْصُرُ الْخُطْبَةَ)؛ لما روى مسلمٌ عن عمَّارٍ مرفوعًا: «إنَّ طولَ صلاةِ الرجل وقصرَ خطبتِهِ؛ مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاةَ، وأقصُرُوا الخطبةَ» (٣). وفي «التَّعليق»: والثَّانيةُ أقصرُ، جعله أصلاً لإفراد الإقامة. ويُستحَبُّ رفعُ صوته حسب الإمكان. (وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّ الدُّعاءَ لهم مسنونٌ في غير الخُطبة، ففيها أَوْلَى، ولا يَجب في الثَّانية. وقيل: ويرفع يديه، جزم به في «الفصول»، واحتجَّ بالعموم. وقيل: لا يُستحبُّ، قال المجْدُ: هو بدعة، وفاقًا للمالكيَّة والشافعيَّة (٤) وغيرهم. وقد يُفهَمُ من كلامه: أنَّ الدُّعاءَ لا يسنُّ للمسلمات، وليس كذلك؛ لأنَّ جمع المذكَّر (٥) يشملهم. ولم يذكر المؤلِّف الدُّعاءَ للسُّلطان فيها، ولا لمعيَّن، وهو جائز، بل قيل:

стр. 1189

يستحبُّ للسلطان، حتَّى قال أحمد أو غيره: (لو كان لنا دعوةٌ مستجابةٌ لدعونا بها لإمامٍ عادِلٍ) (١)، ولأنَّ في صلاحه صلاح المسلمين (٢)، ولأنَّ أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر (٣)، وروى البزَّار: «أرفعُ النَّاس درجةً يوم القيامة إمامٌ عادلٌ» (٤)، قال أحمد: (إنِّي لأدعو له بالتَّسديد والتوفيق) (٥). فإذا فرغ منها؛ نزل عند لفظة الإقامة في وجه، قاله في «التَّلخيص». وفي الآخَر: إذا فرغ منها. وينزل مسرعًا. (وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ) في الأصحِّ؛ «لأنَّ علِيًّا صلَّى بالنَّاس وعثمانُ محصورٌ، فلم يُنكِره أحد، وصوَّبه عثمان» رواه البخاريُّ بمعناه (٦)، ولأنَّها فرض الوقت، أشبهت الظُّهر، قال أحمد: (وقعت الفتنة بالشَّام تسع سنين، فكانوا (٧) يُجَمِّعون) (٨). (وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ)؛ لأنَّه لا يُقيمها في كلِّ عصر إلاَّ الأئمَّة؛ وهي من أعلام الدِّين الظَّاهرة، أشبهت الجهاد.

стр. 1190

وعنه: إن لم يتعذَّر. وعنه: يشترط لوجوبها لا لجوازها. وإن لم يعلم بموته إلاَّ بعد الصَّلاة، واشترط إذنه؛ فعنه: لا إعادة للمشقَّة. وعنه: بلى؛ لبيان الشَّرط. فرع: إذا غلب الخوارج على بلد، فأقاموا فيه الجمعة؛ جاز اتِّباعهم، نَصَّ عليه (١)، قال القاضي: ولو قلنا: من شرطها إمام، إذا كان خروجهم بتأويل سائغ. وقال ابن أبي موسى: يصلِّي معهم الجمعة، ويعيدها ظُهرًا.

стр. 1191

(فَصْلٌ) (وَصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) إجماعًا، حكاه ابن المنذر (١)، قال عمر: «صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى» رواه أحمد (٢). (يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ)، قاله الأئمَّة؛ لفعله ﵇ (٣)، ونقله الخلف عن السَّلف، وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ : «صلاةُ النَّهارِ عجماءُ إلاَّ الجمعةَ والعِيدين» (٤). (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالمُنَافِقِينَ) بعد الفاتحة، ذكره الأصحاب؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ بهما (٥)» رواه مسلم من

стр. 1192

حديث ابن عبَّاسٍ (١). وفي «المغني» و «الشَّرح»: إن قرأ في الثَّانية بالغاشية فحسَنٌ؛ «لفعله ﵇» رواه مسلم من حديث النُّعمان بن بشير (٢). وعنه: يقرأ في الثَّانية ب (سبح)، قال مالك: (أدركت عليه النَّاس) (٣)، والذي جاء به الحديث: الغاشية مع سورة (٤) الجمعة. وقيل: يقرأ في الأولى ب (سبح)، وفي الثَّانية بالغاشية؛ «لفعله ﵇» رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير (٥)، ورواه أبو داود من حديث سمرة (٦). وقال الخِرَقيُّ: وسورة، قال الحُلْواني: وهذا يدلُّ على أنَّه لا يختصُّ بسورة معيَّنة، وقال (٧) في «الشَّرح»: ومهما قرأ به فحسنٌ - وهو ظاهر «الوجيز» - لكنِ الأَوْلى الاقتداء به ﵇؛ لأنَّ سورةَ الجمعة تليق بها؛ لما فيها من ذكرها، والأمر بها، والحثِّ عليها. تذنيب: يُستحبُّ أن يقرأ في فجر يوم الجمعة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسَان: ١]، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّه ﵇ كان يقرأ بهما،

стр. 1193

متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة (١). قال (٢) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: واستحب ذلك لتضمُّنهما ابتداء (٣) خلق السَّماوات والأرض وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنَّة أو النَّار (٤). ويكره (٥) مداومتُه عليهما (٦) في المنصوص، وصحَّح في المذهب خلافه؛ لئلاَّ يُظَنَّ أنَّها مفضَّلة بسجدة، أو لظنِّ الوجوب. فإن سها عن السَّجدة، فعن أحمد: يسجد للسَّهو، قال القاضي: كدعاء القنوت، قال: ولا يلزم على هذا بقية سجود التِّلاوة في غير صلاة الفجر في غير يوم الجمعة؛ لأنَّه يَحتمِل أن يقال فيه مثل ذلك، ويحتمل أن يفرَّق بينهما؛ لأنَّ الحثَّ والتَّرغيب وُجد في هذه السَّجدة أكثر، والسُّنَّة إكمالها. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويكره تحرِّيه قراءة سجدةٍ غيرها (٧). (وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ) فأكثرَ (مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ)؛ كسَعة البلد، وتباعُد أقطاره، أو بُعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنةٍ، ولأنَّها تُفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا، قال الطَّحاويُّ: (وهو الصَّحيح من مذهبنا). وعنه: لا يجوز؛ لأنَّه ﵇ وأصحابُه لم يقيموها في أكثر من موضع واحِدٍ.

стр. 1194

والأوَّلُ أصحُّ، والجواب: لعدم حاجتهم إلى أكثر، ولأنَّ الصَّحابة كانوا يؤْثِرون سماع (١) خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم. وظاهره: أنَّه إذا استغنى بجمعتين؛ لم تجز الثَّالثة (٢). (وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا)، لا نعلم فيه خلافًا إلاَّ عن عطاءٍ (٣)، (فَإِنْ فَعَلُوا)؛ أي: فعلوها في موضعين من غير حاجةٍ؛ (فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَحِيحَةُ)؛ لأنَّ في تصحيح غيرها افتِياتًا عليه، وتفويتًا لجمعته. وظاهره: ولو تأخَّرت، وهو ظاهر كلام جماعةٍ، وذكر ابنُ حمدان أنَّه أَوْلَى، وسواء قلنا: إذنه شرط أوْ لا. وقيل: السَّابقة هي الصَّحيحة؛ لأنَّه لم يتقدَّمها ما يُفسدها. (فَإِنِ اسْتَوَيَا (٤) في الإذْن وعدمِه؛ (فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ)؛ لأنَّ الاستغناءَ حصل بالأولى، فأنيط الحكم بها (٥)؛ لكونها سابقة. ويعتبر السَّبق بالإحرام. وقيل: بالشُّروع في الخطبة. وقيل: بالسَّلام. وظاهِرُه: ولو كانت إحداهما في المسجد الأعظم أو قصبة البلد في وجه. وفي الآخر (٦): تصحُّ (٧) الواقعة فيهما ولو كانت الثَّانية، وصحَّحه بعضهم؛ لأنَّ لهذه المعاني مزيَّةً، فقُدِّم بها؛ كجمعة (٨) الإمامِ.

стр. 1195

(فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) ولا مَزِيَّةَ لإحداهما؛ بطلتا؛ لأنَّه لا يمكن تصحيحهما، ولا تعيين (١) إحداهما بالصِّحَّة، أشبه ما لو جمع بين أختَين، وتلزمهم الجمعة إن أمكن؛ لأنَّه مِصرٌ لم يصلَّ فيه جمعة صحيحة. فإن سبقت إحداهما وعُلِمت؛ بطَلت الثَّانيةُ، ولزِم أهلَها الظُّهرُ. فإن علموا بذلك في أثنائها؛ استأنفوا ظُهرًا، صحَّحه المؤلِّف؛ لأنَّ ما مضى لم يكن فعله جائزًا، بخلاف المسبوق. وجزم القاضي وغيره، وقدَّمه في «الرِّعاية»: يتمُّونها ظُهرًا. (أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى؛ بَطَلَتَا مَعًا)؛ لِمَا ذكرناه. وكذا إذا جُهِل الحالُ؛ هل وقعتا معًا أو في وقتين، فهل يصلُّون (٢) ظُهرًا، كما ذكره في «الشَّرح» أنَّه الأَولى، وقدَّمه في «الفروع»؛ للشَّكِّ في شرط إقامة الجمعة؟ أو جمعةً؛ لأنَّا لا نعلم المانِعَ من صحَّتها، والأصلُ عدمُه؟ فيه وجهان، قال ابن تميم: (الأشبه أنَّهم يعيدون جمعةً)؛ أي: بشرطها. (وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَصَلَّى (٣) ظُهْرًا؛ جَازَ)؛ لأنَّه ﵇ صلَّى العيد، وقال: «من شاء أن يُجَمِّع فليُجَمِّعْ» رواه أحمد من حديث زيد بن أرقمَ (٤).
следующие страницы →