← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ في المسجد» رواه أبو داود، وفيه لِين (١)، وللمعنى. ويُستحبُّ للإمام أن يَستخلِف من (٢) يصلِّي بضعَفة النَّاس في المسجد، نَصَّ عليه (٣)؛ لفعل عليٍّ (٤)، ويخطب لهم؛ لتكميل (٥) حصول مقصودهم، وإن تركوا فلا بأس، قاله ابن تميم. ولهم فعلها قبل الإمام وبعده، وأيُّهما سبق سقط الفرض وجازت التَّضحية، لكن قال ابن تميم: (الأَولى ألا يتقدَّم صلاة الإمام). والمستخلَف هل يصلِّي أربعًا أو ركعتين؟ فيه روايتان. ولا يؤمُّ فيها عبدٌ؛ كالجمعة في الأشهر. (وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) قبل الخطبة، قال ابن عمر: «كان النَّبيُّ ﷺ وأبو بكر

стр. 1227

وعمر وعثمان يصلُّون العيدين قبل الخطبة» متَّفقٌ عليه (١)، فلو قدَّم الخطبة عليها (٢)؛ لم يعتدَّ بها في قول الأكثر، وكما لو خطب في الجمعة بعدها. وقد روي عن بني أميَّة تقديم الخطبة (٣)، وذكر المؤلِّف: أنَّه لم يصحَّ عن عثمان (٤)، وفي «شرح الهداية»: أنَّه (٥) قدَّمها في أواخر خلافته. (فَيُصَلِّي رَكْعَتْينِ) إجماعًا (٦)؛ لما في الصَّحيحين عن ابن عبَّاس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ يومَ الفطرِ فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها» (٧)، ولقول عمرَ: «صلاةُ الفطرِ والأضحى ركعتانِ ركعتانِ، تمامٌ غير (٨) قصرٍ على لسان نبيِّكم، وقد خاب من افترى» رواه أحمد (٩). (يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ) تكبيرة الإحرام و (الاِسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ؛ سِتًّا) زوائدَ، (وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ (١٠) السُّجُودِ؛ خَمْسًا) زوائدَ، نَصَّ

стр. 1228

عليه (١)، وهو الذي ذكره أكثر الأصحاب؛ لما روى أحمد: ثنا وكِيعٌ، ثنا عبد الله بن عبد الرَّحمن، سمعه من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنتَيْ (٢) عشرةَ تكبيرةً، سَبعًا في الأُولى، وخمسًا في الآخِرة» إسنادٌ حسَنٌ، قال عبد الله: قال أبِي: (أنا أذهبُ إلى هذا) (٣)، ورواه ابن ماجَهْ، وصحَّحه ابنُ المَدِينيِّ، وفي روايةٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: التَّكبيرُ سَبعٌ في الأُولى، وخمسٌ (٤) في الآخِرة، والقراءةُ بعدَهما كلتَيهما» رواه أبو داود والدارقطني (٥). وعنه: سَبعٌ زوائدُ في الأُولى، روي عن أبي بكر، وعمر، وعليٍّ، والفقهاء السَّبعةِ (٦)، وهو ظاهر ما تقدَّم.

стр. 1229

وعنه: خمس في الأولى، وأربع في الثَّانية، واحتجَّ بفعل أنسٍ (١). وعنه: يُصلِّي أهلُ القُرى بغير تكبيرٍ. قال أحمد: (اختلف أصحاب النَّبيِّ ﷺ في التَّكبير، وكلُّه جائز) (٢). وقال ابنُ الجَوزيِّ: (ليس يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ في التَّكبير في العيدين حديثٌ صحيحٌ) (٣). وقد عُلم منه: أنَّ التَّكبير في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التَّعوُّذ، وهو السُّنَّة، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ الاستفتاح لأوَّل الصَّلاة، والاستعاذة للقراءة. وعنه: الاستفتاحُ بعد التَّكبيرات الزَّوائد، اختاره الخلاَّل وصاحبه؛ لأنَّ الاستعاذةَ تلي الاستفتاح في سائر (٥) الصَّلوات، فكذا هنا، والقراءة بعد الاستعاذة. وعنه: يُخَيَّر. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصَّ عليه (٦)؛ لحديث وائل بن حُجْر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَرفعُ يدَيهِ مع التَّكبير» (٧)، قال أحمد: (فأرى أن يدخل فيه هذا كلُّه) (٨)، وعن عمر: «أنَّه كان يرفع يديه في (٩) كلِّ تكبيرة في الجنازة والعيد»،

стр. 1230

وعن زيد كذلك، رواهما الأثرم (١). (وَيَقُولُ) بين كلِّ تكبيرتين، وعقب الآخرة منها في ظاهر كلامه، وصحَّحه في «شرح الهداية»، و «المذهب»: أنَّه لا يأتي بالذِّكر بعد التَّكبيرة الأخيرة في الرَّكعتين: (اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا)؛ لما روى عقبةُ بنُ عامِرٍ قال: سألت ابنَ مسعودٍ عمَّا يقوله بعد تكبيرات العيد، قال: «يَحمْد الله، ويُثنِي عليه، ويصلِّي على النَّبيِّ ﷺ » رواه الأثرم وحربٌ، واحتجَّ به أحمد (٢)، ولأنَّها تكبيراتٌ حالَ القيام، فاستُحِبَّ أن يتخلَّلها ذكرٌ؛ كتكبيرات الجنازة. (وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ لأنَّ الغرَض الذِّكر بعد التَّكبير، لا ذكرٌ مخصوصٌ؛ لعدم وروده، فلهذا نقل حرب: أنَّ الذِّكر غير مؤقَّت (٣)، يؤيِّده أنَّه روي عنه (٤): يَحمَد (٥) ويُكبِّر ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ .

стр. 1231

وعنه: ويدعو (١). وعنه: يسبِّح ويهلِّل. وظاهره: قولُ شيءٍ لا وقوفٌ مجرَّدٌ. فروعٌ: الأول: إذا شكَّ في عدد التَّكبير؛ بنى على الأقلِّ. الثَّانِي: إذا نسِيَ التَّكبير حتَى ركع؛ سقط ولم يأت به؛ لأنَّه سنَّةٌ فات محلُّه، وكذا إن ذكره قبل الرُّكوع في الأصحِّ، كما لو نسي الاستفتاح أو التعوُّذ حتى شرع في القراءة. والثَّاني: لا يَسقُط، فعلى هذا يأتي به، وإن كان فرغ من القراءة لم يُعِدها، وإن كان فيها؛ أتى به، ثمَّ استأنفها؛ لتسلم (٢) من أن يتخلَّلها غيرها. وقيل: إن كان المنسيُّ يسيرًا؛ لم يستأنِف القراءةَ. الثَّالث: إذا أدرك الإمامَ راكعًا؛ أحرم ثمَّ ركع، ولا يشتغِل بقضاء التَّكبير؛ لأنَّه ذكرٌ مشروعٌ كالاستفتاح، وكما لو نسيه الإمام حتَّى ركع، وإن أدركه قائمًا بعد فراغه من التَّكبير الزَّائد؛ لم يَقضِه، نَصَّ عليه (٣). وقال ابنُ عَقِيلٍ: يأتي به. وعن أحمد: إن لم يسمع قراءة الإمام (٤)، اختاره بعض أصحابنا. فإن سبقه ببعض التَّكبير؛ فعلى الخلاف. (ثُمَّ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِ ﴿سَبِّحِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ على المذهب؛ لما روى سَمُرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في العيدين بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغَاشِيَة: ١]» رواه

стр. 1232

أحمد، ولابن ماجه من حديث ابن عباس والنعمان بن بشير مثله (١)، وروي عن عمر وأنسٍ (٢)، ولأنَّ فيه حثًّا على الصَّدقة والصَّلاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، هكذا فسَّره سعيد بن المسيَّب وعمر بن عبد العزيز (٣). وعنه: الأولى ﴿ق﴾، والثَّانية ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القَمَر: ١]، اختاره الآجُرِّيُّ؛ لفعله ﵇، رواه مسلمٌ (٤).

стр. 1233

وعنه: لا توقيت، اختاره الخِرَقِيُّ. (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ)؛ لما روى الدَّارَقُطْنيُّ عن ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» (١)، وقال المجْدُ: لا نعلم فيه خلافًا إلاَّ ما رواه الحارث الأعورُ عن عليٍّ: «أنَّه كان يُسمِع من يليه، ولم يَجهَر ذلك الجهرَ» (٢)، قال في «الشَّرح»: وحكاه ابن أبي موسى عن أحمدَ. (وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)، هذا هو الم شهور، وقاله الفقهاء السَّبعةُ، وذكره ابن المنذر عن ابن عبَّاس (٣)، ولأنَّه تكبير في إحدى ركعتي العيد، فكان قبل القراءة؛ كالأولى. (وَعَنْهُ: يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ)، اختاره أبو بكر، وهو قول جابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر (٤)، ذكره ابن المنذر (٥)؛ لأنَّه ذكرٌ مسنونٌ في قيام الرَّكعة

стр. 1234

الأخيرة، فكان بعد القراءة كدعاء القنوت. (فَإِذَا سَلَّمَ)؛ يحتمل أنَّه أراد به (١) السَّلام من الصَّلاة، وهو أظهرُ، ويحتمل أن يراد به السَّلام المعروف، وجزم به في «النَّصيحة»، فقال: إذا استقبلهم سلَّم، وأومأ بيده. (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) بعد الصَّلاة، كخُطبتَي الجمعة، فلو خطب قبل الصَّلاة؛ لم يعتدَّ بها في قول جمهور العلماء. وهما كالجمعة في أحكامها على الأصحِّ، حتى في الكلام، نَصَّ (٢) عليه (٣)، إلاَّ التَّكبير مع الخاطب. واستثنى جماعةٌ: الطَّهارة، واتِّحاد الإمام، والقيام، والجَلسة، والعدد؛ لكونهما سنَّةٌ لا شرطٌ للصَّلاة في الأصحِّ، فأشبها الذِّكر بعد الصَّلاة والأذان. (يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا)؛ لما روى جابِرٌ قال: «خرج النَّبيُّ ﷺ يومَ فطرٍ أو أضحًى (٤)، فخطبَ قائمًا، ثمَّ قعدَ قَعدةً، ثمَّ قام» رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلمٍ البصري، وهو متروكٌ (٥)، وعن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة قال: «السُّنَّة أن يَخطُب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس» رواه الشَّافعي من رواية إبراهيم بن يحيى، وفيه كلامٌ (٦).

стр. 1235

وهل يَجلِس عُقَيب صعوده إلى المنبر؛ ليستريح كما هو الأظهر، والمنصوص عن أحمد (١) والشَّافعيِّ في «الأمِّ» (٢)، أوْ لا؛ لأنَّ الجلوس في الجمعة لموضع الأذان؟ فيه وجهان. ويُسنُّ أن (يَسْتَفْتِحَ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ)؛ لما روى سعيدٌ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «يكبِّر الإمام يوم العيد قبل أن يَخطُب تسع تكبيراتٍ، وفي الثَّانية: سبع تكبيراتٍ» (٣)، والتَّكبير في الأولى نسَقًا وفاقًا (٤). وظاهر كلامه: جالسًا. وقيل: قائمًا؛ كسائر أذكار الخطبة. وظاهره: أنَّه يبدأ بالتَّكبير في الثَّانية؛ كالأولى. وعنه: بعد فراغها، اختاره القاضي. قال أحمد: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «إنَّه من السُّنَّة». وقيل: التَّكبيرات شرطٌ. واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه يفتتحها بالحمد (٥)؛ لأنَّه لم يُنقل عن النَّبيِّ ﷺ افتتح خطبةً بغيره.

стр. 1236

(يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ لقوله ﵇: «أَغْنُوهم (١) عن السُّؤالِ في هذا اليومِ» (٢). (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ)؛ أي: من جِنسها، وقدرِها، ووجوبِها، ووقتِها. (وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأَضْحَى)؛ لقوله ﵇ لفاطمة (٣): «قومي إلى أضحيتك فاشهديها (٤)؛ فإنَّ لكِ بأوَّلِ قطرةٍ من دمِها أن يُغفَرَ لك ما قد سلفَ من ذنوبكِ» (٥)، وعن زيد بن أرقمَ: قال أصحاب النَّبيِّ ﷺ : يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنَّةُ أبيكم إبراهيم»، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: «بكلِّ شعرةٍ حسنةٌ»، قالوا: والصُّوف؟ قال: «بكلِّ شعرةٍ (٦) حسنةٌ»، قال الحاكم: صحيحُ الإسناد (٧).

стр. 1237

(وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الْأَضْحِيَّةِ)؛ لأنَّه ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر في خُطبة (١) الأضحى كثيرًا من أحكامها من (٢) رواية أبي سعيدٍ والبَراء وجابِرٍ وغيرهم (٣). (والتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهُمَا (٤)؛ سنَّةٌ في الأشهر؛ لأنَّه ذكرٌ مشروعٌ بين التَّحريمة والقراءة، أشبه الاستفتاح، فعلى هذا: إن نسيه فلا سجود للسَّهو في الأصحِّ. وعنه: شرطٌ للصَّلاة. وفي «الرَّوضة»: إن نسي التَّكبيراتِ الزَّوائدَ؛ أتمَّ ولم تَبطُل، وساهيًا لا يلزمه سجود؛ لأنَّها هَيْئةٌ، وفيه نظرٌ. (وَالخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ)؛ لما روى عطاءٌ عن عبد الله بن السَّائب قال: شهدت مع النَّبيِّ ﷺ العيدَ، فلمَّا قضى الصَّلاة قال: «إنَّا نَخطُبُ، فمن أحبَّ أن يجلسَ للخُطبةِ فليجلس، ومن أحبَّ أن يذهبَ فليذهب» رواه ابن ماجه، وإسنادُه ثقاتٌ، وأبو داود والنَّسائي، وقالا: (مرسَل) (٥)، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها؛ كخطبة الجمعة.

стр. 1238

وذكر القاضي وابن عقيل: أنَّهما شرط (١). فائدة: السُّنَّة لمن حضر العيد من النِّساء؛ حضور الخطبة، وأن يَنفرِدْن بموعظةٍ إذا لم يَسمعن خطبة الرِّجال، وفي «نهاية أبي المعالي»: إذا فرغ فرأى قومًا لم يسمعوها؛ استُحبَّ إعادةُ مقاصدها لهم؛ لفعله ﵇ (٢)، فدلَّ على استحبابه في حقِّ النِّساء، والمراد: مع عدم خوف فتنةٍ. (وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا)، وهو مكروهٌ، نَصَّ عليه (٣)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «خرجَ النَّبيُّ ﷺ يوم عيد، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما» متَّفقٌ عليه (٤)، قال أحمدُ: لا أرى الصَّلاة، وفي «المستوعب» وغيره: لا يُسنُّ، وفي «المحرَّر»: لا سنَّةَ لها قبلَها ولا بعدَها، وفيه نظرٌ. وقيل: يصلِّي تحيَّة المسجد، واختاره أبو الفرَج، وجزم به في «الغُنية»، وهو أظهر. وظاهره: جواز فعل الصَّلاة بعدها في غير موضعها، ونَصَّ عليه. ورَوى حربٌ عن ابن مسعودٍ: «أنَّه كان يصلِّي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعاتٍ»، واحتجَّ به إسحاقُ (٥)، فلو فارق موضعَها، ثمَّ عاد بعد

стр. 1239

الصَّلاة؛ لم يكره التَّنفُّل، نَصَّ عليه (١). فرعٌ: يُكرَه قضاءُ فائتةٍ موضع العيد قبل مفارقتِه، نَصَّ عليه (٢)؛ لئلاَّ يُقتدى به. (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ؛ صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) نصَّ عليه (٣)؛ لعموم قوله ﵇: «ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا» (٤)، ولأنَّها أصلٌ بنفسها، فتدرك بإدراك التَّشهُّد كسائر الصَّلوات. وقال القاضي: يُصلِّي أربعًا كالجمعة. وإذا أدرك معه ركعةً؛ قضى أخرى، وكبَّر فيها ستًّا زوائدَ أو خمسًا، على الخلاف. وظاهر المذهب: أنَّ المسبوق في القضاء يراعي مذهبه في التَّكبير؛ لأنَّه في حكم المنفرِد في القراءة والسَّهو، فكذا في التَّكبير. وعنه: بمذهب إمامه؛ لئلاَّ يكبِّر في الركعتين عددًا يخالف (٥) الإجماع في الأصل، وكمأمومٍ. وكذا إن فاته ركعةٌ أو ركعتان بنومٍ أو غفلةٍ. (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ؛ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، وهو الأصحُّ؛ لفعل أنسٍ (٦)، ولأنَّه قضاء صلاةٍ، فكان على صفتها كسائر الصَّلوات.

стр. 1240

وظاهره: متى شاء. وعند ابن عقيل: قبل الزَّوال، وإلاَّ من الغد. وعنه: إن قضى جماعةً كبَّر، ولا يكبِّر المنفرِد. وقال ابن البناء: إذا قضى ركعتين فهل يكبِّر؟ على وجهين (١). (وَعَنْهُ: أَرْبَعًا)؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «من فاتته الصَّلاة مع الإمام (٢) يوم العيد فليصلِّ أربعًا» رواه سعيدٌ والأثرم (٣)، ورويا: «أنَّ عليًّا أمر رجلاً (٤) يصلِّي بضعَفة النَّاس أربعًا»، واحتجَّ به أحمدُ في روايةٍ الأثرم (٥)، وكقضاء الجمعة بلا تكبير؛ لأنَّه إنَّما يُصلِّي تطوُّعًا، فكان (٦) على صفته، بسلام كالظهر. وعنه: أو بسلامين. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ)؛ لأنَّه تطوُّعٌ بالنَّهار، فكان مخيَّرًا فيه كالمطلق، ولأنَّ كلًّا قد جاء الأثر به عن الصَّحابة، ولا مرجِّح، فكان له فعل ما شاء، فإن خرج وقتها؛ فكالسُّنن في القضاء. مسألة: يجوز استخلافُه للضَّعَفة، وفي صفة صلاة الخليفة الخلاف، وأيُّهما سبق سقط به الفرض، وضحَّى، وتنويه (٧) المسبوقة (٨) نفلاً.

стр. 1241

(وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَينِ)، خصوصًا في الفطر، وهو آكد من الأضحى، نَصَّ عليه (١)، من غروب الشَّمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، قال أحمد: (كان ابن عمر يكبِّر في العيدين جميعًا) (٢). ويجهر به في الخروج إلى المصلَّى فيهما في قول الأكثر. وهو ممتدٌّ إلى فراغ الإمام من (٣) خطبته؛ لأنَّ شعار العيد لم يَنْقَضِ، فسُنَّ كما في حال الخروج. وعنه: إلى خروج الإمام إلى الصَّلاة؛ لفعل ابن عمر، رواه الشَّافعيُّ والدَّارَقُطْنيُّ (٤). وعنه: إلى وصوله المصلَّى؛ لأنَّ التَّكبير في الخروج هو الذي اتَّفقت عليه الآثارُ، وما بعده ليس فيه نَصٌّ ولا إجماعٌ. (وَفِي الْأَضْحَى) يُسنُّ فيه المطلَق في عشر ذي الحجَّة، ولو لم يرَ بهيمة الأنعام، ويرفع صوته، قاله أحمد (٥)، والمراد: لغير أنثى.

стр. 1242

وأيَّام العشر: الأيَّام المعلومات. وأيَّام التَّشريق: المعدودات. (يُكَبِّرُ عُقَيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ)، هذا هو المذهب؛ «لأنَّ ابن عمر كان لا يكبِّر إذا صلَّى وحدَه» (١)، وقال ابن مسعود: «إنَّما التَّكبير على من صلَّى في جماعة» رواه ابن المنذر (٢)، ولأنَّه ذِكرٌ مختصٌّ بوقت العيد، فاختصَّ بالجماعة كالخطبة. فيكبِّر الإمام إلى القبلة كغيره، والأشهر يُقبِل على النَّاس ثمَّ يكبِّر؛ لفعله ﵇ (٣)، ولأنَّه أقرب إلى المحافظة. وقيل: يُخيَّر. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ)، قدَّمه في «التَّلخيص» وغيره؛ للعموم، ولأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ للمسبوق، أشبه التَّسليمة الثَّانية. (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى) بعدِ صلاة (الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لما روى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا صلَّى الصُّبحَ يومَ عرفةَ أقبلَ علينا فقال: "الله أكبرُ"، ومدَّ التَّكبيرَ إلى آخر أيَّامِ التَّشريق» رواه الدَّارقُطْنيُّ من رواية عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان (٤)، قيل لأحمد (٥): بأيِّ حديث تذهب في ذلك؟ قال: (بالإجماع: عمرَ، وعليٍّ، وابن عبَّاسٍ، وابن مسعود) (٦)، ولأنَّ الله تعالى أمر بالذِّكر في الأيَّام المعدودات؛ وهي أيَّامٌ

стр. 1243

يُرمى فيها، أشبهت (١) يوم النَّحر. وعنه: يكبر من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر التشريق، روي عن زيد بن ثابت (٢)، والزهري. وعنه: من ظهر يوم النحر (٣) إلى صلاة الفجر آخر أيَّام التَّشريق، روي عن عثمان، رواه سعيدٌ (٤). قال النَّوويُّ: (القولُ الأوَّل هو الرَّاجح، وعليه العمل في الأمصار) (٥). وظاهر ما سبق: أنَّه لا يكبِّر في الفطر عَقب (٦) الفرائض؛ لعدم نقلِه (٧)،

стр. 1244

وفيه وجهٌ، وجزم به في «التَّلخيص»، ولا عقِب نافلةٍ، ولو صُلِّيت جماعةً. (إِلاَّ المُحْرِمَ؛ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) إلى عصر آخر أيَّام التَّشريق؛ لأنَّه قبل ذلك مشغولٌ بالتَّلبية. والجهر به مسنونٌ إلاَّ في حقِّ النِّساء، وتأتي به (١)؛ كالذِّكر عقب الصَّلاة. وعنه: تكبر (٢) تَبَعًا للرِّجال فقط. وعنه: لا تكبِّر (٣) كالأذان، وحمله القاضي على الجهر. والمسافر كالمقيم، ولو لم يأتمَّ بمقيم، والمميِّز كالبالغ. فرع: إذا فاتته صلاةٌ من أيَّام التَّشريق فقضاها فيها من عامه؛ كَبَّر؛ لأنَّها مفروضةٌ فيه، ووقت التَّكبير باقٍ. وإن قضاها في غيرها؛ لم يكبِّر؛ كالتَّلبية. وفيه وجهٌ: بلى؛ كالدُّعاء. وإن فاتته (٤) من غيرها، فقضاها فيها؛ كبَّر في روايةٍ، ذكره المؤلِّف. وعنه: لا يكبِّر؛ كبَعْدِ أيَّامِها؛ لأنَّها سنَّةٌ فاتَ وقتُها. فائدةٌ: سُمِّيت أيَّام التَّشريق؛ من تشريق (٥) اللَّحم، وهو تقديدُه، وقيل: من قولهم: أشْرِقْ ثَبِير، وقيل: لأنَّ الهدي لا يُنحر حتى تُشرِق الشَّمس، وقيل: هو التَّكبير دُبُر الصَّلوات، وأنكره أبو عُبَيدٍ (٦). (فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ؛ قَضَاهُ) مكانَه ويعود، فيجلس من قام أو ذهب؛ لأنَّ فعله جالسًا في مصلاَّه سنَّةٌ، فلا تُترك مع إمكانها.

стр. 1245

وقال جماعةٌ: إن كبَّر ماشيًا فلا بأس، قال المؤلِّف: هو أقيس؛ كسائر الأذكار. وظاهره: أنَّه يأتي به ولو طال الفصل، والمذهب: يُكره. (مَا لَمْ يُحْدِثْ)؛ لأنَّه مُبطِل للصَّلاة، والذِّكر تابعٌ لها بطريق الأَوْلى (١)، (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ المَسْجِدِ)؛ لأنَّه سنَّةٌ فات محلُّها، وقيل: أو يتكلَّم؛ لأنَّه شرع عقيبها، فنافاه ما ينافيها (٢). والوجه الثَّاني: يأتي به كالتَّلبية والدُّعاء، وأطلقهما في «الفروع». فإن نسيه الإمام؛ كبَّر المأموم ليُحرِز الفضيلة، بخلاف سجود السَّهو؛ لأنَّه من الصَّلاة، ففي الانفراد به ترك المتابعة. وإذا سلَّم وعليه سجود سهوٍ؛ أتى به ثمَّ كبَّر؛ لأنَّه من تمام الصَّلاة. تنبيهٌ: فإن اجتمع عليه تلبيةٌ وتكبيرٌ؛ فإن لم يرمِ جمرة العقبة حتَّى صلَّى الظُّهر يوم النَّحر؛ كبَّر ثمَّ لبَّى، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ التَّكبير مشروعٌ مثله في الصَّلاة، فكان (٤) أشبه بها. والمسبوق ببعض الصَّلاة؛ يقضي ما فاته ثمَّ يكبِّر، نَصَّ عليه (٥)؛ كالذِّكر والدُّعاء. (وَفِي التَّكْبِيرِ عُقَيْبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ): أحدهما: لا يكبِّر، قال (٦) أبو الخطَّاب: هو ظاهر كلام أحمد، وقدَّمه

стр. 1246

في «الفروع»، وقال: (في الفطر إن قيل فيه مقيَّد، نقله الجماعة) (١)؛ لأنَّ الأثر إنَّما جاء في المكتوبات. والثَّاني: يكبِّر، اختاره أبو بكر وأبو الوفاء (٢)، وقال: هو الأشبه بالمذهب، وفي «الشَّرح»: أنَّه الأَولى؛ لأنَّها مفروضةٌ مؤقَّتةٌ تسنُّ لها الجماعة كالمكتوبة، وخصَّه في «الكافي» بِعِيد الفطر (٣). (وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ (٤)، لَا إِلَهَ إِلاَّ الله، والله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ (٥)، ولِله الْحَمْدُ)؛ لأنَّه ﵇ كان يقول كذلك، رواه الدَّارَقُطنيُّ (٦)، وقاله عليٌّ (٧)، وحكاه ابن المنذر عن عمر (٨)، قال أحمد: اختياري تكبير ابن مسعود (٩)، وذكر مثله، وقال النَّخَعيُّ: «كانوا يكبِّرون كذلك» رواه النجاد (١٠)،

стр. 1247

ولأنَّه تكبيرٌ (١) خارج الصَّلاة له تعلُّقٌ بها، ولا يَختصُّ الحاجَّ، فكان شفعًا كالأذان. واستحَبَّ ابن هُبَيرة تثليث التكبير أولاً وآخِرًا. وأمَّا تكريره (٢) ثلاثًا في وقتٍ واحدٍ فلم أره في كلامهم، ولعلَّه يقاس على الاستغفار بعد الفراغ من الصَّلاة، وعلى قول: «سبحان الملك القدوس» (٣) بعد الوِتر؛ لأنَّ الله وِتر يحب الوتر. تَتِمَّاتٌ: لا بأس قولُه (٤) لغيره: تقبَّل الله منَّا ومنك، نقله الجماعة (٥)؛ كالجواب، وقال: لا أبتدئ به (٦). وعنه: الكُلُّ حسَنٌ. وعنه: يُكره. ولا بأس بالتَّعريف عشيَّة عرفة بالأمصار (٧)، نَصَّ عليه (٨)، وقال: إنَّما هو دعاءٌ وذكرٌ، قيل: تفعله أنت؟ قال: لا، وأوَّلُ من فعله ابن عبَّاسٍ (٩)

стр. 1248

وعمرو بن حُرَيثٍ (١). وعنه: يُستحَبُّ، ذكرها الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٢). ومن تولى صلاة العيد؛ أقامها كل عام، لأنَّها راتبة، ما لم يمنع منها، بخلاف كسوف واستسقاء، ذكره القاضي (٣) وغيره.

стр. 1249

(بَابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ) يقال: كسَفت بفتح الكاف، وضمِّها، ومثله خسفت، وقيل: الكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر، وقيل: عكسه؛ وهو مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القِيَامَة: ٨]، وقيل: الكسوف في أوَّله، والخسوف في آخره، وقيل: الكسوف بذهاب (١) بعض ضوئه والخسوف لذهاب كلِّه. وفعلها ثابِتٌ بالسُّنَّة المشهورة، واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فُصّلَت: ٣٧]. (وَإِذَا كَسَفَتِ (٢) الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ (٣) استعمله فيهما؛ (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ)، هي سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، حكاه ابن هُبيرة والنَّوويُّ إجماعًا (٤)، وقد مرَّ؛ لقوله ﵇: «إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يُخسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُمْ ذلك فصلُّوا» متَّفقٌ عليه (٥)، فأمر بالصَّلاة لهما أمرًا واحدًا، وروى أحمد معناه، ولفظه: «فافزعوا إلى المساجدِ» (٦)، وروى

стр. 1250

الشَّافعيُّ من رواية إبراهيم بن أبي يحيى: إنَّ القمرَ خُسِفَ، وابنُ عبَّاسٍ أمير على البصرة، فخرج فصلَّى بالنَّاس ركعتين، في كلِّ ركعةٍ ركعتين، وقال: «إنَّما صلَّيتُ كما رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي» (١). وهو شامِلٌ للحضر والسفر، والرِّجال والنِّساء، وإن حضرها غير ذوي الهيئات مع الرِّجال فحسَنٌ، وكذا للصِّبيان حضورها، واستحبَّه ابن حامدٍ لهم، ولعجائز (٢)؛ كجمعة وعيدٍ. (جَمَاعَةً) في جامع أفضل؛ لقول عائشة: «خرج رسولُ الله ﷺ إلى المسجد، فقام وكبَّر، وصفَّ النَّاسَ وراءه» متَّفقٌ عليه (٣)، ولما فيه من المبادرة بها؛ لخوف فوتها بالتَّجلِّي. وعنه: بالمصلَّى أفضل. (وَفُرَادَى)؛ لأنَّها نافلةٌ ليس من شرطها الاستيطان، فلم يشترط لها الجماعة؛ كالنَّوافل. (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وغَيْرِ (٤) إِذْنِهِ)؛ لأنَّها نافلةٌ، وإذنه ليس شرطًا فيها، وكصلاتها منفردًا. وعنه: بلى؛ كالعيد. (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث مُناديًا فنادَى: الصَّلاةَ

стр. 1251

جامِعةً» متَّفقٌ عليه (١)، والأوَّلُ منصوبٌ على الإغراء، والثَّاني على الحال، وفي «الرِّعاية»: برفعهما ونصبهما. ووقتها (٢): من حين الكسوف إلى الانجلاء، ولا تُقضَى؛ كاستسقاءٍ وتحيَّةِ مسجدٍ. (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) من غير تعيينٍ، وذكر جماعةٌ (٣): أنَّه يقرأ قدر سورة البقرة، أو (٤) هي، (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) على الأصحِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمس. (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلاً) من غير تقديرٍ، وقال القاضي، وجزم به في «التَّلخيص» وغيره: إنَّه بقدر مائة آيةٍ، وقال ابن أبي موسى: بقدر مُعظَم القراءة، وقيل: نصفها. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ (٥) كغيرها، (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ)، قيل: كمعظمها، (ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ)، نسبته إلى القراءة كنسبة الأوَّل منها. (ثُمَّ يَرْفَعُ)، وظاهره: من غير إطالةٍ، (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) في الأصحِّ، وقيل: يُطيله كالرُّكوع، وقيل: وكذا الجلوس بينهما، وظاهره: أنَّه لا يطيله، وصرَّح به ابن عقيل والأكثر؛ كما لا يطيل القيام عن ركوع يسجد بعده، وحكاه القاضي عياض إجماعًا (٦)؛ لعدم ذكره في الرِّوايات (٧)، وانفرد

стр. 1252

أبو الزُّبَير عن جابر مرفوعًا بإطالته (١)، فيكون فعَلَه مرَّة ليبيِّن الجوازَ، أو أطاله قليلاً ليأتيَ بالذِّكر الوارد فيه. والأصل فيه: ما روت عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام في خسوف الشمس، فاقترأ (٢) قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع (٣) ركوعًا طويلاً، ثمَّ رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ (٤) قراءةً طويلةً هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا هو أدنى من الرُّكوع الأوَّل، ثمَّ سمَّع وحمَّد، ثمَّ فعل في الرَّكعة الآخِرة مثل ذلك، حتَّى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشَّمسُ قبل أن ينصرف» متَّفقٌ عليه (٥)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «خُسِفَتِ الشَّمسُ، فقام النَّبيُّ ﷺ قيامًا طويلاً نحوًا من سورة البقرة» (٦)، وفي حديث أسماء: «ثمَّ سجدَ فأطالَ السُّجود» (٧)، وفي حديث عائشة: «أنَّه جهرَ بقراءته». قال ابن عبد البر (٨): هذا أصحُّ ما في الباب، وباقي الرِّوايات معلَّلةٌ ضعيفةٌ، وقال أحمد: أصحُّ حديث في الباب حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ (٩).

стр. 1253

(ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ)، لكن يكون دون الأُولى في كلِّ ما يفعل فيها، قال القاضي وابنُ عَقِيلٍ: القراءةُ في كلِّ قيامٍ أقصر ممَّا قبله، وكذا التَّسبيح، وذكر أبو الخطَّاب وغيره: قراءة القيام الثَّالث أطول من الثَّاني. (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ)؛ لما روى النَّسائي عن عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تشهَّد ثمَّ سلَّم» (١). وظاهِرُه: أنَّه لا يُشرع لها خطبةٌ على المذهب؛ «لأنَّه ﵇ أمر بها دون الخُطبة». وعنه: لها خطبتان، تَجلَّى الكسوف أو لَا، اختاره ابن حامد والسَّامَرِّيُّ، ولم يذكر القاضي نصًّا بعَدَمهما، إنَّما أخذوه من نصِّه: (لا خطبةَ للاستسقاء). (فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا؛ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً)؛ لقوله ﵇ في حديث أبي مسعودٍ: «فصلُّوا وادْعوا حتَّى ينكشفَ ما بِكُمْ» متَّفقٌ عليه (٢)، ولأنَّ المقصودَ التَّجلِّي وقد حصل. وظاهره: أنَّه لا يَقطعها؛ لكونه منهيًّا عنه، وشُرع تخفيفُها؛ لزوال السَّبب. وقال القاضي: إن كان بعد الرُّكوع الأوَّل؛ أتمَّها صلاةَ كسوفٍ، وإن كان فيه أو قبله؛ أتمَّها بركوعٍ واحدٍ. (وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا)؛ لم يصلِّ؛ لقوله ﵇: «إذا رأيتُمْ ذلك فافزعوا إلى

стр. 1254

الصَّلاةِ حتَّى ينجليَ» (١)، فجعله غايةً للصَّلاة، والمقصود منها زوال العارِض، وإعادة النِّعمة بنورهما، وقد حصل. فإن خفَّ قبلها؛ شرَع فيها وأوجزه (٢). (أَوْ غَابَتْ) الشمس (كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ؛ لَمْ يُصَلِّ)؛ لأنَّه ذهب وقت الانتفاع بهما. وقيل: إن طلعت والقمرُ خاسِفٌ؛ صلَّى، ويعمل بالأصل في بقائه، فلو شكَّ في التَّجلِّي لغَيم، أتمَّها من غير تخفيفٍ، ولو انكشف الغَيم عن بعض النيِّر (٣) ولا كسوف عليه؛ أتمَّها؛ لأنَّ الباقيَ لا يُعلم حالُه، والأصل بقاؤه. والأشهر: يصلِّي إذا غاب القمر خاسفًا ليلاً؛ لأنَّه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره. والثاني: لا؛ لغيبوبته كالشَّمس. وفي منع الصَّلاة له بطلوع الفجر كطلوع الشَّمس وجهان إن فُعلت وقت نهيٍ. فرعٌ: إذا فرغ منها، ولم يذهب الكسوف؛ لم يُعِدها، بل يذكر ويدعو، ويعمل (٤) بالأصل في بقائه وذهابه. وقال ابن حامِدٍ: يُصلِّي ركعتين ركعتين حتَّى ينجليَ؛ لفعله ﵇، رواه

стр. 1255

أبو داود عن النُّعمان بن بشيرٍ (١). (وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ؛ فَلَا بَأْسَ (٢)، وفي «المحرَّر» و «الفروع»: جاز كصلاة الخوف، روى مسلمٌ من حديث جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ستَّ ركعاتٍ بأربع سَجَدات»، وعن أُبيِّ بن كعبٍ: «أنَّه ﷺ صلَّى ركعتين، في كلِّ ركعةٍ خمسَ ركوعاتٍ وسجدتينِ» رواه أبو داود وعبدُ الله بن أحمد (٣). قال المؤلِّف: لا يزيد على أربعٍ؛ لأنَّه لم يَرِد (٤)، وفيه نظرٌ.

стр. 1256

وفي السُّنن: كصلاة النَّافلة. وعنه: أربع ركوعاتٍ في كلِّ ركعة أفضل. قال النَّوويُّ: (وبكلِّ نوع قال به بعض الصَّحابة، وحمل بعضهم ذلك على اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات (١) تأخَّر الانجلاء، فزاد في عدد الرُّكوع، وفي بعضها أسرع فاقتصر، وفي بعضها توسَّط فتوسط) (٢). واعتُرض عليه: بأنَّ تأخُّر الانجلاء لا يُعلم في الرَّكعة الأولى، وقد اتَّفقت الرِّوايات على أنَّ عدد الرُّكوع في الرَّكعتين سواءٌ. وقال بعض السَّلف: هو محمولٌ على بيان الجواز في جميعها، قال النَّوويُّ: (وهذا أقوى) (٣). وظاهره: أنَّه لا يجوز الزِّيادة في السُّجود، وصرَّح به في «الفروع»؛ لأنَّه لم يَرِد. فرعٌ: الرُّكوع الثَّاني سنَّةٌ، وتُدرَك (٤) به الرَّكعة في وجهٍ، واختاره (٥) أبو الوفاء إن صلاَّها الإمامُ بثلاثِ ركوعات؛ لإدراكه مُعظَم الرَّكعة. (وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الآْيَاتِ)؛ لعدَمِ نَقْله عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابِه، مع أنَّه وُجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرِّياح، والصَّواعق، وروى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا هبَّت ريحٌ شديدةٌ اصفَرَّ لونُهُ، وقال: «اللَّهمَّ اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا» (٦)؛ لأنَّ الرِّياح نعمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ

стр. 1257

آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الرُّوم: ٤٦]. (إِلاَّ لِلزَّلْزَلَةِ (١)، هي رجْفة الأرض واضطرابُها وعدمُ سكونها، (الدَّائِمَةِ) نَصَّ عليه (٢)؛ لفعل ابن عبَّاسٍ، رواه سعيدٌ والبَيهَقيُّ (٣)، وروى الشَّافعيُّ عن عليٍّ نحوَه (٤)، وقال: (لو ثبت هذا الحديث لقُلْنا به) (٥). وعن أحمد (٦): يصلِّي لكلِّ آيةٍ، وذكره (٧) الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين قولَ المحقِّقين من العلماء (٨)؛ لأنَّه ﵇ علَّل الكسوفَ بأنَّه آيةٌ (٩)، وهذه صلاةُ رهبةٍ وخوفٍ، كما أنَّ صلاة الاستسقاء صلاةُ رغبةٍ ورجاءٍ، وقد أمر الله تعالى عباده أن يَدعوه خوفًا وطمَعًا. وفي «النَّصيحة»: يصلُّون لكلِّ آيةٍ ما أحبُّوا، ركعتين أم أكثر؛ كسائر الصَّلوات، وأنَّه يَخطُب.

стр. 1258

تنبيهٌ: تُقدَّم الجنازةُ على الكسوف، ويُقدَّم هو على الجمعة إن أُمن فوتُها أو لم يشرع في خطبتها، وكذا على العيد والمكتوبة مع سعة الوقت في (١) الأصحِّ، فإن خاف (٢) بدأ بالفرض. وفي تقديم الوتر إن خيف فوتُه، والتَّراويح عليه؛ وجهان، وقيل: إن صُلِّيت التَّراويح جماعةً قُدِّمت؛ لمشقَّة الانتظار. وإن كَسَفت بعرفةَ؛ صلَّى ثم دفَع. وإن مُنعت وقتَ نهيٍ؛ ذَكَر ودعا. وقيل: لا يُتصوَّر كسوفٌ إلاَّ في ثامنِ أو تاسعِ وعشرين، ولا خسوفٌ إلاَّ في إبدار (٣) القمر، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤). وردَّه في «الفروع» بما ذكره أبو شامة (٥) في «تاريخه» (٦): (أنَّ القمر خسف ليلة السَّادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكسفت الشَّمس في (٧) غَدِه، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ)، قال: (واتَّضح بذلك ما صوَّره الشَّافعي من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النِّجامة).

стр. 1259

وكسفت الشَّمس يوم مات إبراهيم عاشر ربيع الأوَّل (١)، قاله غيرُ واحدٍ (٢). ويُستحبُّ العتقُ في كسوفها، نَصَّ عليه (٣)؛ لأمره به (٤) ﵇ (٥)، قال في «المستوعب» وغيره: لقادِرٍ، وهو الظَّاهر.

стр. 1260

(بَابُ صَلَاةِ الاِسْتِسْقَاءِ) هو استفعال من السُّقْيا. قال القاضي عياض: (الاستسقاء: الدُّعاء بطلب السُّقيا) (١)، فكأنَّه قال: باب الصَّلاة لأجل طلب السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ. (وَإِذَا أَجْدَبَتِ (٢) الْأَرْضُ)؛ أي: أصابها الجَدَب، وهو نقيض الخصب، (وَقَحَطَ (٣) المَطَرُ)؛ أي: احتبس، (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ)، وهي سنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لقول عبد الله بن زَيد: «خرج النَّبيُّ ﷺ يَستسقِي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحوَّلَ رداءَهُ، ثمَّ صلَّى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة» متَّفقٌ عليه (٤) (٥). وظاهره: يُسنُّ حضرًا وسفرًا، جماعةً وفُرادى، والأفضل جماعةً، حتَّى ولو كان القحط في غير أرضهم. وظاهره: اختصاصُها بالمجدِب، فلو غار ماء عينٍ أو نهرٍ أو نقص وضَرَّ؛ فروايتان. ولا استسقاء لانقطاع مطرٍ عن أرضٍ غيرِ مسكونةٍ ولا مسلوكةٍ؛ لعدم الضرر. (وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا؛ صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ)؛ لأنَّها في معناها. قال ابنُ عبَّاسٍ: «سنَّةُ الاستسقاء سنَّةُ العيدين» (٦)، فعلى هذا تُسنُّ في

стр. 1261

الصَّحراء، وأن يصلِّيَ ركعتين، يكبِّر في الأولى سبعًا، وفي الثَّانية خمسًا من غير أذانٍ ولا إقامةٍ؛ لأنَّه ﵇ لم يُقِمها إلاَّ في الصَّحراء؛ وهي أوسعُ عليهم من غيرها، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ ركعتَين كما يُصلِّي في (١) العِيدِ»، قال التِّرمذيُّ: (حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ) (٢)، وعن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ: «أنَّهم كانوا يصلُّون صلاةَ الاستسقاء، يكبِّرون فيها سبعًا وخمسًا» رواه الشَّافعيُّ من رواية إبراهيم بن أبي يحيى (٣)؛ وهو مرسَلٌ (٤)، وعن ابنِ عبَّاسٍ نحوُه، وزاد فيه: «وقرأ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثَّانية بِ ﴿الْغَاشِيَةِ﴾» رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٥).

стр. 1262

وعنه: ركعتين كصلاة التَّطوُّع؛ وهي ظاهر «الخِرَقيِّ»؛ لقول عبد الله بن زيد: «استسقى النَّبيُّ ﷺ ، وصلَّى ركعتينِ» رواه البخاريُّ (١). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّها مُطلَقةٌ، ورواية ابنِ عبَّاسٍ مقيَّدةٌ. وقد عُلم أنَّها تُفعل أوَّل النَّهار. وقيل: بعد الزَّوال، وذكره ابن عبد البَرِّ عن جماعةٍ من العلماء (٢). (وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الخُرُوجَ: وَعَظَ النَّاسَ)؛ أي: يُخوِّفهم ويذكِّرهم (٣) بالخير فيما يُرِقُّ به قلوبَهم، وينصحهم، ويذكِّرهم بالعواقب. (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ المَعَاصِي (٤)، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ)، وذلك واجبٌ؛ لأنَّ المعاصيَ سببُ القحط، والتَّقوى سبب للبركات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعرَاف: ٩٦]. (وَالصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزول الغيث، وقد رُوي: «دعوةُ الصَّائمِ لا تُرَدُّ» (٥)، ولما فيه من كسر الشَّهوة وحضور القلب، والتَّذلُّل للرَّبِّ، زاد جماعةٌ: ثلاثةَ أيَّامٍ، وأنَّه يخرج صائمًا.

стр. 1263

وظاهر ما ذكروه: أنَّه لا يَلزَم الصَّوم بأمره، مع أنَّهم صرَّحوا بوجوب طاعته في غير المعصية، وذكره بعضهم إجماعًا (١)، قال في «الفروع»: (ولعلَّ المراد في السِّياسة والتَّدبير والأمور المجتهد فيها، لا مطلقًا، ولهذا جزم بعضهم: تجب في الطَّاعة، وتُسنُّ في المسنون، وتكره في المكروه). (وَالصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة المُفْضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. (وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ)، هو (٢) تَفاعُلٌ من الشَّحناء؛ وهي العداوة؛ لأنَّها تحمل على المعصية والبَهت، وتمنع نزول الخير، بدليل قوله ﵇: «خرجتُ لأخبركم (٣) بليلةِ القدر؛ فتلاحَى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعَتْ» (٤). (وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا)؛ أي: يعيِّنه لهم (يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيَّؤوا (٥) للخروج على الصِّفة المسنونة. (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا)؛ من إزالة الرَّائحة وتقليم الأظفار ونحوهما؛ لئلاَّ يُؤذي النَّاس، وهو يوم يَجتمعون له، أشبه الجمعة. (وَلَا يَتَطَيَّبُ) وِفاقًا (٦)؛ لأنَّه يوم استكانةٍ وخضوعٍ. (وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلاً، مُتَضَرِّعًا (٧)؛ لما روى ابنُ عبَّاسٍ

стр. 1264

قال: «خرج النَّبيُّ ﷺ للاستسقاء متذلِّلاً، متواضعًا، متخشِّعًا، متضرِّعًا، حتَّى أتى المصلَّى» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ (١). (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخِ (٢)؛ لأنَّه أسرع لإجابتهم. وظاهره: تخرج العجائز. والأشهر: لا يُستحَبُّ، بل قال ابن عَقِيلٍ: ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يجوز خروجهم. وقيل: يستحبُّ؛ وهو ظاهر كلام جماعة. ولا تخرج ذات هيئة؛ لأنَّ الضَّرر في (٣) خروجهنَّ أكثر. (وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ)؛ كالبهائم؛ لأنَّ الرِّزق مشترَك بين الكلِّ، لكنَّ المميِّزَ يُستحَبُّ خروجُه. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ)؛ لما روى البزار (٤) مرفوعًا: «لولا أطفالٌ رُضَّعٌ، وعبادٌ رُكَّعٌ، وبهائمُ رُتَّعٌ؛ لصُبَّ عليكم العذابُ صبًّا» (٥)، ولأنَّهم (٦) لا ذنوبَ لهم، فيكون دعاؤهم مستجابًا كالمشايخ.

стр. 1265

والمذهبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ النَّصَّ لا يدلُّ على الاستحباب، وإلاَّ لزم (١) استحبابُ خروج البهائم. وفي «الفصول»: نحن لخروج الشُّيوخ والصِّبيان أشدُّ استحبابًا، قال: ويُؤمَر سادةُ العبيد بإخراج عبيدهم وإمائهم، ولا يجب، والمراد: مع عدم الفتنة. (وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ لَمْ يُمْنَعُوا)؛ لأنَّه خروجٌ لطلب الرِّزق، والله ضمِن أرزاقَهم كما ضمن أرزاق المسلمين. والمذهب: يكره؛ لأنَّهم أعداء الله، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث المسلمون فربَّما ظنُّوه بدعائهم. ونقل الميموني: أنَّه لا يُكره (٢)؛ وهو ظاهر كلام أبي بكر. (وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالمُسْلِمِينَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفَال: ٢٥]، ولأنَّه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب؛ فيَعُمَّ من حضر. وظاهره: أنَّهم لا يُفردون بيومٍ؛ لئلاَّ يتَّفق نزول غيثٍ يومَ خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربَّما افتتن بهم غيرهم. وقال ابن أبي موسى والسَّامَرِّيُّ وصاحبُ «التَّلخيص»: إفرادهم بيوم أولى؛ لئلاَّ يظنُّوا إنَّما حصل من السقاء (٣) بدعائهم. وفي خروج عجائزهم الخلاف، ولا تخرج منهم شابَّةٌ بلا خلاف في المذهب، ذكره في «الفصول»، وجَعَلَ كأهل الذِّمَّة من خالف دين الإسلام في الجملة.
следующие страницы →