← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الصَّحراء، وأن يصلِّيَ ركعتين، يكبِّر في الأولى سبعًا، وفي الثَّانية خمسًا من غير أذانٍ ولا إقامةٍ؛ لأنَّه ﵇ لم يُقِمها إلاَّ في الصَّحراء؛ وهي أوسعُ عليهم من غيرها، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ ركعتَين كما يُصلِّي في (١) العِيدِ»، قال التِّرمذيُّ: (حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ) (٢)، وعن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ: «أنَّهم كانوا يصلُّون صلاةَ الاستسقاء، يكبِّرون فيها سبعًا وخمسًا» رواه الشَّافعيُّ من رواية إبراهيم بن أبي يحيى (٣)؛ وهو مرسَلٌ (٤)، وعن ابنِ عبَّاسٍ نحوُه، وزاد فيه: «وقرأ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثَّانية بِ ﴿الْغَاشِيَةِ﴾» رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٥).

стр. 1262

وعنه: ركعتين كصلاة التَّطوُّع؛ وهي ظاهر «الخِرَقيِّ»؛ لقول عبد الله بن زيد: «استسقى النَّبيُّ ﷺ ، وصلَّى ركعتينِ» رواه البخاريُّ (١). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّها مُطلَقةٌ، ورواية ابنِ عبَّاسٍ مقيَّدةٌ. وقد عُلم أنَّها تُفعل أوَّل النَّهار. وقيل: بعد الزَّوال، وذكره ابن عبد البَرِّ عن جماعةٍ من العلماء (٢). (وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الخُرُوجَ: وَعَظَ النَّاسَ)؛ أي: يُخوِّفهم ويذكِّرهم (٣) بالخير فيما يُرِقُّ به قلوبَهم، وينصحهم، ويذكِّرهم بالعواقب. (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ المَعَاصِي (٤)، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ)، وذلك واجبٌ؛ لأنَّ المعاصيَ سببُ القحط، والتَّقوى سبب للبركات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعرَاف: ٩٦]. (وَالصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزول الغيث، وقد رُوي: «دعوةُ الصَّائمِ لا تُرَدُّ» (٥)، ولما فيه من كسر الشَّهوة وحضور القلب، والتَّذلُّل للرَّبِّ، زاد جماعةٌ: ثلاثةَ أيَّامٍ، وأنَّه يخرج صائمًا.

стр. 1263

وظاهر ما ذكروه: أنَّه لا يَلزَم الصَّوم بأمره، مع أنَّهم صرَّحوا بوجوب طاعته في غير المعصية، وذكره بعضهم إجماعًا (١)، قال في «الفروع»: (ولعلَّ المراد في السِّياسة والتَّدبير والأمور المجتهد فيها، لا مطلقًا، ولهذا جزم بعضهم: تجب في الطَّاعة، وتُسنُّ في المسنون، وتكره في المكروه). (وَالصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة المُفْضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. (وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ)، هو (٢) تَفاعُلٌ من الشَّحناء؛ وهي العداوة؛ لأنَّها تحمل على المعصية والبَهت، وتمنع نزول الخير، بدليل قوله ﵇: «خرجتُ لأخبركم (٣) بليلةِ القدر؛ فتلاحَى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعَتْ» (٤). (وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا)؛ أي: يعيِّنه لهم (يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيَّؤوا (٥) للخروج على الصِّفة المسنونة. (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا)؛ من إزالة الرَّائحة وتقليم الأظفار ونحوهما؛ لئلاَّ يُؤذي النَّاس، وهو يوم يَجتمعون له، أشبه الجمعة. (وَلَا يَتَطَيَّبُ) وِفاقًا (٦)؛ لأنَّه يوم استكانةٍ وخضوعٍ. (وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلاً، مُتَضَرِّعًا (٧)؛ لما روى ابنُ عبَّاسٍ

стр. 1264

قال: «خرج النَّبيُّ ﷺ للاستسقاء متذلِّلاً، متواضعًا، متخشِّعًا، متضرِّعًا، حتَّى أتى المصلَّى» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ (١). (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخِ (٢)؛ لأنَّه أسرع لإجابتهم. وظاهره: تخرج العجائز. والأشهر: لا يُستحَبُّ، بل قال ابن عَقِيلٍ: ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يجوز خروجهم. وقيل: يستحبُّ؛ وهو ظاهر كلام جماعة. ولا تخرج ذات هيئة؛ لأنَّ الضَّرر في (٣) خروجهنَّ أكثر. (وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ)؛ كالبهائم؛ لأنَّ الرِّزق مشترَك بين الكلِّ، لكنَّ المميِّزَ يُستحَبُّ خروجُه. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ)؛ لما روى البزار (٤) مرفوعًا: «لولا أطفالٌ رُضَّعٌ، وعبادٌ رُكَّعٌ، وبهائمُ رُتَّعٌ؛ لصُبَّ عليكم العذابُ صبًّا» (٥)، ولأنَّهم (٦) لا ذنوبَ لهم، فيكون دعاؤهم مستجابًا كالمشايخ.

стр. 1265

والمذهبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ النَّصَّ لا يدلُّ على الاستحباب، وإلاَّ لزم (١) استحبابُ خروج البهائم. وفي «الفصول»: نحن لخروج الشُّيوخ والصِّبيان أشدُّ استحبابًا، قال: ويُؤمَر سادةُ العبيد بإخراج عبيدهم وإمائهم، ولا يجب، والمراد: مع عدم الفتنة. (وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ لَمْ يُمْنَعُوا)؛ لأنَّه خروجٌ لطلب الرِّزق، والله ضمِن أرزاقَهم كما ضمن أرزاق المسلمين. والمذهب: يكره؛ لأنَّهم أعداء الله، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث المسلمون فربَّما ظنُّوه بدعائهم. ونقل الميموني: أنَّه لا يُكره (٢)؛ وهو ظاهر كلام أبي بكر. (وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالمُسْلِمِينَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفَال: ٢٥]، ولأنَّه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب؛ فيَعُمَّ من حضر. وظاهره: أنَّهم لا يُفردون بيومٍ؛ لئلاَّ يتَّفق نزول غيثٍ يومَ خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربَّما افتتن بهم غيرهم. وقال ابن أبي موسى والسَّامَرِّيُّ وصاحبُ «التَّلخيص»: إفرادهم بيوم أولى؛ لئلاَّ يظنُّوا إنَّما حصل من السقاء (٣) بدعائهم. وفي خروج عجائزهم الخلاف، ولا تخرج منهم شابَّةٌ بلا خلاف في المذهب، ذكره في «الفصول»، وجَعَلَ كأهل الذِّمَّة من خالف دين الإسلام في الجملة.

стр. 1266

فائدةٌ: يُستحَبُّ الاستسقاء بمن ظهر صلاحُه؛ لأنَّه أقرب إلى الإجابة، وقد استسقى عمر بالعبَّاس (١)، ومعاويةُ بيزيدَ بن الأسود (٢)، واستسقى به الضَّحَّاك بن قيس (٣) مرةً أخرى (٤)، ذكره (٥) المؤلِّف. وقال السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»: لا بأس بالتوسُّل في الاستسقاء بالشُّيوخ والعلماء المتَّقين، وقال في «المذهب»: يجوز أن يُتَشفَّع إلى الله برجلٍ صالحٍ، وقيل: يستحبُّ. قال أحمد في «منسكه» الذي كتبه للمَرُّوذيِّ (٦): إنَّه يَتوسَّل بالنَّبيِّ ﷺ في دعائه، وجزم به في «المستوعب» وغيره (٧).

стр. 1267

(فَيُصَلِّي بِهِمْ) ركعتين كالعيد، وعنه: بلا تكبيرٍ زائدٍ؛ وهو ظاهر الخِرَقِيِّ، وفي «النَّصيحة»: يَقرأ في الأولى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نُوح: ١]، وفي الثَّانية ما أحبَّ. (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً)؛ لأنَّه لم يُنقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب فيه بأكثر منها. وعنه: خطبتين كالعيد. وهي بعد الصَّلاة على الأصحِّ، قال ابن عبد البَرِّ: (وعليه جماعة الفقهاء) (١)؛ لقول أبي هريرة: «صلَّى (٢) بنا النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ خطبنا» رواه أحمد (٣)، وكالعيد. وعنه: قبلها، رُوي عن عمر (٤) وابن الزُّبير (٥)؛ كالجمعة.

стр. 1268

وعنه: يخيَّر، اختاره جماعة. وعنه: لا خطبة لها، صحَّحها ابن عقيل، ونصرها في «الخلاف»، فعليها: يدعو بعدها. وعلى الأوَّل: يخطب على منبر، ويجلس للاستراحة، ذكره الأكثر؛ كالعيد في الأحكام، والنَّاس جلوس. (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ؛ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «صنعَ رسولُ الله ﷺ في الاستسقاءِ كما صنعَ في العيدِ» (١). وعنه: يفتتحها بالحمد كالجمعة. وقيل: بالاستغفار؛ لأنَّه مناسب. قال في «المحرر» و «الفروع»: ويكثر فيها الدعاء والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ؛ لأن ذلك معونة على الإجابة، وعن عمر قال: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» رواه التِّرمذي (٢).

стр. 1269

(وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ)؛ لأنَّه سبب (١) لنزول الغيث، روى سعيدٌ: «أنَّ عمر خرج يستسقي، فلم يزد (٢) على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السَّماء الذي ينزل به المطر، ثمَّ قرأ أن: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نُوح: ١٠ - ]» (٣)، وعن عليٍّ نحوُه (٤). (وَقِرَاءَةُ (٥) الآْيَاتِ التِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ)؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٣]. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في الدُّعاء؛ وهو سنَّةٌ؛ لقول أنسٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ لا يَرفَع يديه في شيءٍ من دعائه إلاَّ في الاستسقاء، وكان يرفع حتَّى يُرى بياضُ إبْطيه (٦)» متَّفقٌ عليه (٧). قال جماعةٌ: وظهورُهما نحو السماء؛ لحديث رواه مسلم (٨).

стр. 1270

(فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، رَوى ابنُ عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا استسقى قال ذلك كلَّه» (١)، ورَوى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا (٢): «اللَّهمَّ اسقنا غيثًا مُغيثًا، مَريئًا مُربِعًا (٣)، طَبَقًا غَدَقًا عاجلاً غير رائث (٤)» رواه ابن ماجه، وإسناده ثقاتٌ (٥)، قوله: «غير رائث (٦)» أي: غير بطيءٍ ولا متأخِّر. وظاهره: أنَّ الدُّعاء مختصٌّ به، وأنَّ النَّاس يؤمِّنون، وقال الخِرَقيُّ: بل (٧) يدعون. (اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله، (اسْقِنَا) بوصل الهمزة وقطعها، (غَيْثًا)، هو مصدر، والمراد به المطر، ويسمَّى الكلأ: غيثًا، (مُغِيثًا)، هو المُنقذ من الشدَّة، يقال: غاثه وأغاثه، وغِيثَت الأرضُ؛ فهي مَغِيثة ومَغيوثة (٨)، (هَنِيئًا)

стр. 1271

هو ممدودٌ مهموزٌ؛ وهو الذي يحصل من غير مشقَّة، (مَرِيئًا): السَّهل النَّافع؛ وهو ممدودٌ مهموزٌ: المحمود العاقبة، (غَدَقًا) بفتح الدَّال وكسرها، والمغدق: الكثير الماء والخير، (مُجَلِّلاً): السَّحاب الذي يعمُّ العباد والبلاد نفعه، (سَحًّا)، الصَّبُّ، يقال: سحَّ الماء يسحُّ؛ إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح: إذا جرى على وجه الأرض، (عَامًّا): شاملاً، (طَبَقًا)، بفتح الطَّاء والباء، الذي طبق البلاد مطره، (دَائِمًا)؛ أي: متَّصلاً إلى أن يحصل الخِصب. (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ)، القانِط: الآيِس؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٣]؛ أي: لا تَيْأَسوا. (اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا (١) سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ) أي: الشِّدَّة، وقال الأزهري: شدة (٢)، (وَالجَهْدِ) بفتح الجيم: المشقَّة، وبضمها: الطَّاقة، قاله الجوهريُّ (٣)، وقال ابن مُنَجَّى: هما المشقَّة، ورُدَّ بما سبق (٤)، (وَالضَّنْكِ): الضِّيق، (مَا لَا نَشْكُوهُ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ)، قال الجوهريُّ: الضَّرْع لكلِّ ذات ظِلْف أو خُفٍّ (٥)، (وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجُوعَ وَالجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا)، المدرار: الدَّائم إلى وقت الحاجة.

стр. 1272

هذا الدُّعاء بكماله رواه ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ ، غير أنَّ قوله: «اللَّهمَّ سُقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق» رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» عن المطَّلب بن حنطب؛ وهو مرسَل (١) (٢). وعن عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا استسقى قال: «اللَّهمَّ اسقِ عبادَكَ وبهائمك، وانشر رحمتك، وأَحْيِ بلدَكَ الميِّتَ» رواه أبو داود (٣). (وَ) يُسنُّ للإمام أنْ (يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الخُطْبَةِ)؛ «لأنَّه ﵇ حوَّل إلى النَّاس ظَهرَه، واستقبل القِبلةَ يدعو، ثمَّ حوَّل رداءَه» متَّفَقٌ عليه (٤). وقيل: يَستقبِل بعد الخطبة، وأطلقهما في «الفروع». قال النَّوَويُّ: (فيه استحبابُ استقبالها للدُّعاء، ويُلحَق به الوضوءُ والغُسل والتَّيمُّم والقراءة وسائر الطَّاعات إلاَّ ما خرج بدليل كالخطبة) (٥). (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ) بعد استقبالها؛ لما في حديث عبد الله: «أنَّه حوَّل رداءه

стр. 1273

حين استقبل القبلة» رواه مسلم (١). (فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ)، نَصَّ عليه (٢)، لما (٣) روى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب، ودعا الله، وحوَّلَ وجهَهُ نحو القِبلةِ رافعًا يدَيه، ثمَّ قلَب رداءه، فجعل الأيمنَ على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن» (٤). وكان الشَّافعيُّ يقول بهذا، ثمَّ رجع فقال: (يجعل أعلاه أسفله) (٥)؛ لما روى عبد الله بن زيد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استسقى، وعليه خَميصةٌ سوداءُ، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها فثقُلت عليه، فقلبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» رواه أحمدُ وأبو داود (٦). وأجيب عن هذه الرِّواية: على تقدير ثبوتها، فهي ظنٌّ من الرَّاوي، وقد نقل التَّحويلَ جماعةٌ لم يَنقُل أحدٌ منهم أنَّه جعل أعلاه أسفله، ويَبعُد أنَّه ﵇ ترك ذلك في جميع الأوقات لثِقَل الرِّداء. (وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ)، وهو قول أكثرهم؛ لأنَّ ما ثبت في حقه (٧) ثبت في حقِّ غيرِه، ما لم يَقُم دليلٌ على اختصاصه، كيف وقد عُقل المعنى؛ وهو التَّفاؤل بقَلْب الرِّداء ليُقلَب ما بهم من الجدب إلى الخِصب، مع أنَّه روي عن جعفر بن محمَّد عن أبيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حوَّلَ رداءَهُ ليتحوَّلَ القحطُ» رواه

стр. 1274

الدَّارَقُطْنيُّ (١) (٢). (وَيَتْرُكُوهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ)؛ لعدم نقله، ولم يذكرها المؤلِّف في «الكافي». وظاهر ما سبق: أنه (٣) لا تحويل في كسوف، ولا حالة الأمطار والزَّلزلة، صرَّح به في «الفروع» وغيره. (وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)؛ لأنَّه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعرَاف: ٥٥]، ويُسنُّ الجهرُ ببعضه حتَّى يَحصُل التَّأمين. (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا)؛ لأنَّ في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله حيثُ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٦]، فإن دعا بغير ذلك؛ فلا بأسَ. فإذا فرغ منه؛ استقبلهم بوجهه، ثمَّ حثَّهم على الصَّدقة والبِرِّ والخير، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويدعو للمؤمنين وللمؤمنات، ويقرأ آية، ويقول:

стр. 1275

أستغفِرُ الله لي ولكم ولجميع المسلمين، وقد فرغ منها، ذكره السَّامَرِّيُّ. (فَإِنْ سُقُوا)؛ فذلك فضلٌ من الله ونعمة، (وَإِلاَّ عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا)؛ لأنَّه أبلغ في التَّضرُّع، وقد رُوي: «إنَّ الله تعالى يُحبُّ الملحِّين في الدُّعاء» (١)، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، فاستُحِبَّ كالأوَّل. قال أصبغُ: (استُسقِي للنِّيل بمصر خمسة وعشرين مرَّةً متواليةً، وحضره ابن وهب وابن القاسم وجمعٌ) (٢). (وَإِنْ) تأهَّبوا للخروج ف (سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ؛ شَكَرُوا اللهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ)؛ لأنَّهم إذا فعلوا ذلك زادهم الله من فضله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وظاهِرُه: أنَّهم لا يُصَلُّون؛ لأنَّها تُراد لنزول الغيث، وقد وُجد. وقال القاضي وابن عَقِيلٍ والجَدُّ في «فروعه» وجمعٌ: إنَّه يستحبُّ خروجهم بعد التَّأهُّب، ويُصلُّون شُكرًا لله، ويسألوه المزيدَ؛ لأنَّ الصَّلاة شُرعت لإزالة العارِض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرَّد النُّزول. وقيل: يَخرجون، ولا يُصلُّون، وقيل: عكسه. وذكر (٣) ابن مُنَجَّى: أنَّ التَّشاغل عند نزول الغيث بالدُّعاء مُستحَبٌّ؛ لقوله ﵇: «يُستجابُ الدُّعاءُ عند ثلاث: التقاءِ الجيوش، وإقامةِ الصَّلاة، ونزولِ الغَيث»، وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رأى المطرَ قال: اللَّهمَّ صَيِّبًا نافِعًا» رواه أحمد والبخاريُّ (٤).

стр. 1276

فلو سُقوا بعد خروجهم؛ صلَّوا وجهًا واحدًا، فإن كان في الصَّلاة أتَمَّها، وفي الخُطبة روايتان. مسألةٌ: ذكر القاضي وجمعٌ: أنَّ الاستسقاء ثلاثةُ أضْرُبٍ: أحدها: ما وصفنا؛ وهو أكملها. الثَّاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها؛ كما فعل النَّبيُّ ﷺ ، متَّفقٌ عليه من حديث أنس (١). والثَّالث: يدعو الله تعالى عُقَيْبَ (٢) صلواتِهم، وفي خلواتِهم. (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً)؛ كالكسوف. (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يُشترَط، اختارها أبو بكر وابن حامد، وقدمها في «الفروع»، وهي (٣) ظاهر كلام الأكثر، لأنَّها نافلةٌ أشبهت النَّوافل، فعليها: يفعلها المسافر وأهل القرى، ويخطُب بهم (٤) أحدهم. والثَّانية: يُشترَط؛ لفعله ﵇ بأصحابه، وكذلك الخلفاء من بعده، وكالعيد، فعليها: إن خرجوا بغير إذنه؛ دعوا وانصرفوا بلا صلاةٍ. وفي ثالثةٍ: يُعتبر إذنه للصَّلاة (٥) وللخطبة، دون الخروج (٦) لها والدعاء. وقال أبو بكر: إن خرجوا بغير إذن صلَّوا ودعوا من غير خطبة. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَيُخْرِجُ رَحْلَهُ)، هو مسكن الرَّجل،

стр. 1277

وما يَستصحِبُه من الأثاث، (وَثِيَابَهُ؛ لِيُصِيبَهُمَا)؛ لقول أنسٍ: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطرٌ، فحَسَر ثوبَه حتَّى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ قال: «لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه» رواه مسلم (١)، ورُوي: «أنَّه ﵇ كان يَنزِع ثيابَه في أوَّل المطر، إلاَّ الإزار يتَّزر به» (٢). ولم يذكر المؤلِّف استحبابَ الوضوء والغسل منه، وذكره جماعةٌ، واقتصر في «الشَّرح» على الوضوء فقط؛ لأنَّه رُوي أنَّه ﵇ كان يقول إذا سال الوادي: «اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعلَهُ اللهُ طُهرًا فنتطَّهرَ (٣) به» (٤). قال أبو المعالي: ويقرأ عند فراغه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يُونس: ٨٩]؛ تفاؤلاً بالإجابة. فائدةٌ: إذا سمع الرَّعد ورأى البرق؛ سبَّح؛ لما في «الموطَّأ»: أنَّ عبد الله بن الزُّبير كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: «سبحان من يسبِّح الرَّعد بحمده والملائكة من خيفته» (٥)، ولا يُتْبِعُ بصرَه البرقَ؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه (٦).

стр. 1278

(وَإِنْ زَادَتِ المِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا؛ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) إلى آخره، واقتصر في «المُذهب» و «الفروع» على ذلك؛ لما في الصَّحيح: أنَّه ﵇ كان يقول ذلك ما عدا الآية (١)؛ وهي لائقة بالحال، فاستُحبَّ قولها؛ كسائر الأقوال اللاَّئقة بمحالِّها. وفُهِم منه: أن ماء العيون إذا زادت كذلك، وأنَّه لا يُصلِّي بل يدعو؛ لأنَّه أحد الضَّررين، فاستُحبَّ الدُّعاء لانقطاعه. قال النَّوويُّ: (ولا يُشرع له الاجتماعُ في الصحراء) (٢). وقد مرَّ أنَّ الآمِديَّ قال: يصلَّى لكثرة المطر. قوله: (اللَّهمَّ حَوَالَيْنَا) أي: أنزله حوالي المدينة مواضع النَّبات، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينة، ولا في غيرها من المباني، (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) جمع ظرِب، قال الجوهري: (هو بكسر الراء (٣): واحد الظِّراب، وهي الرَّوابي الصِّغار) (٤)، (وَالآْكَامِ) بفتح الهمزة يليها مَدَّةٌ على وزن آصال، وتكسر الهمزة بغير مدٍّ على وزن جبال، فالأوَّل جمع أُكُمٍ ككتُب، وأُكُمٌ جمع إِكَامٍ كجبال، وإكَام جمعُ أَكَمٍ كجبل، وأكَم واحده أكَمَة، فهو مفردٌ جُمِع أربعَ مرَّات، قال عياض: (هو ما غَلُظ (٥) من الأرض، وإن لم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان

стр. 1279

أكثر (١) ارتفاعًا ممَّا حوله؛ كالتُّلول (٢) ونحوها) (٣)، وقال مالكٌ: (هي الجبال الصِّغار) (٤)، قال الخليل: (هي حَجَر واحدٌ) (٥)، (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ)، هي الأمكنة المنخفضة، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)؛ أي: أصولها؛ لأنَّه أنفع لها. (رَبَّنَا لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهْ)؛ أي: لا تكلِّفنا من الأعمال ما لا نطيق، وقيل: هو حديث النَّفس والوسوسة، وعن مكحول: (هو الغُلْمَةُ)، وعن إبراهيم: (هو الحُبُّ)، وعن محمَّد بن عبد الوهاب (٦): (هو العِشق) (٧)، وقيل: هو شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله منها ﴿وَاعْف عَنَا﴾؛ أي: تجاوز وامحُ عنَّا ذنوبنا ﴿واغفر لنا﴾، أي: استر علينا ذنوبنا، ولا تفضحنا، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ فإنَّا لا ننال العمل بطاعتك، ولا نترك (٨) معاصيك إلاَّ برحمتك، ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: ناصرنا وحافظنا (٩)، ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ﴾. يُستحَبُّ أن يقول: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، ويَحرُم بِنَوء كذا؛ لخبر

стр. 1280

زيد بن خالدٍ، وهو في الصَّحيحين (١)، وإضافة المطر إلى النَّوء دون الله كفرٌ إجماعًا (٢). ولا يُكره في نوء كذا، خلافًا للآمدي، إلاَّ أن يقول مع ذلك: برحمة الله تعالى.

стр. 1281

(كِتَابُ الجَنَائِزِ) الجَنائز: بفتح الجيم لا غَيرُ، جمْعُ جِنازةٍ بالكسر، والفتحُ لغةٌ. ويُقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنَّعْش عليه ميتٌ، ويُقال عكسُه، فإذا لم يكن عليه ميتٌ فلا يقال: نعشٌ ولا جنازةٌ، وإنَّما يقال له سريرٌ، قاله الجَوهريُّ (١). واشتقاقُه: من جَنَز، إذا ستَرَ، والمضارِع بِكَسْر النُّون. وكان من حقِّه أن يُذكَر بَينَ الوَصايا والفَرائِض، لكنْ ذُكِر هنا؛ لأنَّ أهمَّ ما يُفعَل بالميت الصَّلاة، فذُكِر في العِباداتِ. فَصْلٌ يُستحَبُّ الإكثارُ من ذِكْر المَوتِ والاِستعدادُ له؛ لقوله ﵇: «أكْثِروا من ذِكْر هاذِم اللَّذَّات» (٢)، هو (٣) بالذَّال المُعجَمة. ويُكرَه الأَنِينُ على الأصحِّ، وكذا تَمَنِّي الموتِ عِنْدَ نُزولِ الشَّدائِد،

стр. 1282

ويُستحَبُّ أنْ يَقُولَ: «اللَّهم أحْيِنِي إذا كانت (١) الحياةُ خيرًا لِي (٢)، وتَوَفَّنِي إذا كانتِ الوفاةُ خَيرًا لِي» (٣). ومُرادُ الأصحابِ: غَيرُ تَمَنِّي الشَّهادةِ، علَى ما فِي الصَّحيحِ: «مَنْ تَمَنَّى الشَّهادةَ خالِصًا مِنْ قَلْبِه؛ أعطاه اللهُ منازِلَ الشُّهداء» (٤). ولا يُكرَه لِضَرَرٍ [بدينِه] (٥)، وقِيلَ: يُستحَبُّ. وفِي كراهة مَوتِ الفَجْأَةِ؛ رِوايتان، وفيه خَبَرانِ مُتعارِضان رواهُما أحمدُ (٦)،

стр. 1283

ولَعَلَّ الجمْعَ بينهما يختلف (١) باخْتِلاف الأشخاص، وكذا هما في حقنة (٢) لحاجةٍ وقطع العروق وفصدها (٣). مسائِلُ: التَّداوِي مُباحٌ، وتركُه أفضلُ، نَصَّ عليه (٤). واختار (٥) القاضي وجماعةٌ: فعلَه. وقيل: يَجِب، زاد بعضهم: إن ظن نفعَه. ويَحرُم بمحرَّم مأكولٍ وغيرِه من صوتِ مَلْهاةٍ وغيرِه، نقله الجماعةُ في ألْبانِ الأُتُنِ (٦)، واحتجَّ بتحريمها، وفي التِّرْياق والخمر، ونقله المرُّوذِيُّ في مداواة الدُّبُر بالخَمْر (٧)، ويجوز ببَوْلِ إبلٍ فقطْ. ونَقَل الفضلُ في حَشِيشةٍ تُسْكِرُ تُسْحَقُ وتُطرَح مع دواءٍ؛ لا بأس، أمَّا مع الماء فلا (٨)، وشدَّد فيه (٩). وذكر جماعةٌ: أنَّ الدَّواء المسمومَ إنْ غَلَب منه (١٠) السَّلامة، ورُجِيَ نفعُه؛ أُبِيح شربُه لدَفْع ما هُو أخْطَرُ منه؛ كغيره، وقيل: لا؛ لأنَّ فيه تعريضًا للتَّلَف. ويُكرَه أن يَسْتَطِبَّ مُسلمٌ ذِمِّيًّا لغَيْر ضَرورةٍ، وأنْ يَأخُذَ منه دواءً لم يُبَيِّنْ مُفرَداتِه المباحة، وصرَّح في «المُذهب» بجَوازه.

стр. 1284

(تُسْتَحَبُّ (١) عِيَادَةُ المَرِيضِ)، والسُّؤال عن حاله؛ لأخبارٍ (٢)، وقيل: بعد ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لفِعْله ﵇، رواهُ ابنُ ماجَهْ بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنَسٍ (٣). وَأوْجَبَ الشِّيرازيُّ وجماعةٌ عيادتَه؛ لظاهِرِ الأمْرِ به (٤)، والمرادُ مرَّةً، واختاره الآجُرِّيُّ. وفِي «الرِّعاية»: فرضُ كفايةٍ؛ كوجهٍ في ابتداء السَّلام. ويَغِبُّ بها، وظاهِرُ إطلاقِ جماعةٍ: خِلافُه. قال في «الفُروع»: (ويتوجَّه اختلافُه باختلاف النَّاس، والعملُ بالقرائن). بكرةً (٥) وعشيًّا، ويُكرَه وسَطَ النَّهار، نَصَّ عليه (٦)، وفي رمضان لَيْلاً، لا مُبتدِعٌ، نَصَّ عليهما (٧). ويأخُذ بيده (٨)، ويقول: «لا بأسَ، طَهورٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى»؛ لفِعْله ﵇ (٩).

стр. 1285

ويُخبِرُ بما يَجِد بلا شَكْوَى، وكان أحمَدُ يَحمَد الله أوَّلاً (١)؛ لخبَرِ ابنِ مسعودٍ: «إذا كان الشُّكر قَبْلَ الشَّكْوَى؛ فلَيْسَ بِشاكٍ» (٢). ويُنفِّس له في أجله؛ لخبَرٍ رواه ابنُ ماجَهْ عن أبِي سعيدٍ (٣)، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شَيئًا. ويَدْعُو له، ويُستحَب بما رواهُ أبو داودَ والحاكِمُ، وقال: (علَى شَرْطِ البخاريِّ)، عنِ ابْن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ما مِنْ عبدٍ مسلمٍ يعود مريضًا لم يَحضُرْ أجلُه، فيَقولُ سبْعَ مرَّاتٍ: أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرش العظيم أن يَشفِيَك؛ إلاَّ عُوفِيَ» (٤).

стр. 1286

لكنْ ذَكَر ابنُ الجوزيِّ: يُكرَه أنْ يَعُودَ امْرأةً غيرَ مَحْرَمِهِ، أوْ تَعُودَه. وتعودُ امرأةٌ امرأةً من أقاربها، وإن كانت أجنبية فهل يُكرَه؟ يَحتمِل وجهَينِ، وأطلَق غيرُه عيادتها (١). (وَيُذَكِّرُهُ (٢) إذا خِيف موتُه، قاله في «الوجيز»، (التَّوْبَةَ)؛ لأنَّها واجبةٌ عليه على كلِّ حالٍ، وهو أحوجُ إليها من غيرها؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله يَقبَل توبةَ العبدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» (٣)؛ يعني: ما لَمْ تبلُغ روحُه إلى حَلْقِه. (وَالْوَصِيَّةَ)؛ لقَولِه ﵇: «ما حَقُّ امْرِئٍ مسلمٍ له شَيءٌ يُوصِي به يَبِيتُ لَيْلَتَينِ إلاَّ وَوَصِيَّتُه مكتوبةٌ عندَه» متَّفَقٌ عليه من حديثِ ابن عمرَ (٤). (فَإِذَا نُزِلَ بِهِ)؛ أي: نزل الملكُ به لقبض (٥) رُوحه؛ (تَعَاهَدَ) أرْفَقُ أهْلِه وأتْقاهُم لربِّه (بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ وَشَرَابٍ (٦)، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ)؛ لأنَّ ذلك يُطفِئُ ما نَزَل به من الشِّدَّة، ويُسهِّلُ (٧) عليه النُّطْقَ بِالشَّهادة. (وَلَقَّنَهُ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)؛ لِمَا رَوَى مسلمٌ عن أبِي سعيدٍ مرفوعًا: «لَقِّنُوا

стр. 1287

مَوتاكم لا إلهَ إلاَّ اللهُ» (١)، وأُطلق على المحتضَر ميتًا باعتبار ما هو واقِعٌ لا محالةَ، وعن معاذٍ مَرْفوعًا: «مَنْ كان آخِرُ كَلامِه لا إلهَ إلاَّ اللهُ؛ دَخَل الجنَّةَ» رواه أحمدُ والحاكِمُ، وقال: (صحيحُ الإسْنادِ) (٢)، واقتصَر عليها؛ لأنَّ إقرارَه بها إقْرارٌ بالأخرى، وفيه شَيءٌ. وفي «الفروع» احتمالٌ، وقالَه بعضُ العلماء: يُلَقَّنُ الشَّهادتَينِ؛ لأنَّ الثَّانية تَبَعٌ، فلهذا اقْتَصَر في الخبر على الأُولَى. قال أبو المعالِي: ويُكرَه من الوَرَثة بلا عُذْرٍ (٣). (مَرَّةً)، نقله مُهنَّى وأبُو طالبٍ (٤)، (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ)؛ لئلاَّ يُضْجِره، وعن ابن المبارَك لَمَّا حضَره الموتُ فجعل رجل يُلقِّنه لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فأكثر عليه، فقال: (إذا قلت مرَّةً فأنا على ذلك ما لَمْ أتكلَّمْ) (٥). (إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ)، ذكَره النَّوويُّ إجْماعًا (٦)؛ لأنَّ اللُّطفَ مطلوبٌ فِي كلِّ مَوضِعٍ، فهُنا أَوْلَى. (وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَة ﴿ياسين﴾)؛ لقوله ﵇: «اقْرؤُوا يس علَى مَوتاكم» رواه أبو داود وابن ماجه، وفيه لِينٌ من حديث مَعقِل بن يَسَارٍ (٧)، ولأنَّه يُسهِّلُ

стр. 1288

خروجَ الرُّوح. ونَصَّ علَى أنَّه يَقْرَأُ عنده بفاتحة الكتاب (١)، وقيل: وتَبارَكَ. (وَ) يُستحَبُّ (تَوَجُّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ)؛ لقوله ﵇ عن البيت الحرام: «قِبلتُكم أحياءً وأمواتًا» رواهُ أبو داودَ (٢)، ولقول حُذَيفةَ: «وَجِّهوني (٣)» (٤). وعلى جنبه الأيْمَنِ أفضلُ، نَصَّ عليه (٥)، إنْ كان المكانُ واسِعًا. وعنه: مستلْقِيًا (٦)، اختاره الأكثر. وعنه: سواءٌ. وعلى الثَّانية: يرفع رأسَه قليلاً؛ ليَصيرَ وجهُه إلى القِبلة، ذكرَه جماعةٌ. ويُستحَبُّ تطهير ثيابه، ذكره في «المغني»، و «الشَّرح»؛ لأنَّ أبا سعيدٍ لَمَّا حضره الموتُ؛ دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبِسها، ثم قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول:

стр. 1289

«الميت يُبعَث في ثيابه التي يَموتُ فيها» رواه أبو داودَ (١)، وذكر ابنُ الجَوزيِّ عن بعض العلماء: أنَّ المرادَ بثيابِه: عملُه. (فَإِذَا مَاتَ؛ أَغْمَضَ (٢) عَيْنَيْهِ)؛ لأنَّه ﵇ أغْمَض أبا سلمةَ، وقال: «إنَّ الملائكةَ يؤمِّنون علَى ما تَقولون» رواه مسلمٌ (٣)، وعن شدَّادٍ مَرفوعًا: «إذا حضرتُم الميتَ فأغْمِضوا البَصَرَ، فإنَّ البصرَ يَتْبَع الرُّوحَ، وقُولوا خَيرًا، فإنَّه يُؤمَّن علَى ما قال» رواه أحمدُ (٤)، ولئلاَّ يَقْبُحَ مَنْظَرُه ويُسَاءَ به الظَّنُّ. ويقول من يُغَمِّضه: باسم الله، وعلى وفاة رسول الله، نَصَّ عليه (٥). فرعٌ: يُغمِّض الرَّجلُ ذاتَ مَحرَم، وتغمضه، وكَرِه أحمدُ أن تغمضه (٦)

стр. 1290

حائضٌ أوْ جُنُبٌ أو يَقرَباه (١). وتغمض (٢) الأنثى مثلُها أو صبِيٌّ، وفي الخنثى وجهان. (وَشَدَّ لَحْيَيْهِ (٣)؛ لئلاَّ يَدخُله الهوامُّ، أو الماء في وقت غَسْله. (وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ)؛ لِتَبقَى أعضاؤه سهلةً على الغاسِل ليِّنةً، ومعناه: أنَّه يَرُدُّ ذراعَيه إلى عَضُدَيه، ثم يَرُدُّهما إلى جنبه، ثم يَرُدُّهما ويرد ساقيه (٤) إلى فخِذَيه، وهما إلَى بطنه، ثم يَرُدُّهما، ويكون ذلك عَقِب موته قبل قَسوتها، فإن شقَّ ذلك تَركَه. (وَخَلَعَ ثِيَابَهُ)؛ لئلاَّ تُحمي (٥) جسدَه فيُسرِع إليه الفساد ويتغير، وربَّما خرجت منه نجاسةٌ فلوَّثها. (وَسَجَّاهُ)؛ أي: غطَّاه (بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ)؛ لِمَا رَوتْ عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حين تُوُفِّي سُجِّي بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» متَّفقٌ عليه (٦)، ولأنَّه أعظمُ في كرامته. وينبغي أن يُعطَف فاضلُ الثَّوب عند رأسه ورجلَيه؛ لئلاَّ يَرتَفِع بالرِّيح. (وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً) بكسر الميم؛ التي يُنظر فيها، (أَوْ نَحْوَهَا) من حديدٍ أوْ طِينٍ؛ لقول أنسٍ: «ضَعُوا على بطنه شيئًا من حديدٍ» (٧)، ولئلا ينتفخ (٨) بطنُه، قال ابنُ عقيلٍ: وهذا لا يُتصوَّر إلاَّ وهو على ظهره.

стр. 1291

(وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ)؛ لأنَّه يُبعِد عن الهوامِّ، ويَرتفِع عن نَداوة الأرض. (مُتَوَجِّهًا) إلَى القِبلة على جنبه الأيْمَن، وقيل: على ظهره، (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: يكون رأسُه أعلى (١) من رجليه (٢)؛ ليَنصَبَّ عنه ماءُ الغسل وما يَخرُج منه. (وَ) يَجِبُ أنْ (يُسَارَعَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ)؛ لِما رَوَى الشَّافعيُّ وأحمدُ والتِّرمذيُّ وحسَّنه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «نفْسُ المؤمن معلَّقةٌ بدَينه حتَّى يُقضَى عنه» (٣)، ولا فرق بين دَيْن الله تعالى ودَيْن الآدمي. زاد في «الرِّعاية»: قبل غَسْلِه، وقال السَّامَرِّيُّ: قبل دَفْنه بوفائه أو برهْنٍ أو ضَمِينٍ عنه إن تعذَّر وفاؤه عاجِلاً، ولِما فيه من إبْراء الذِّمَّة. (وَ) يُسَنُّ (تَفْرِيقُ وَصِيَّتِهِ)؛ لِمَا فيه من تعجيل الأجْر. واقتضى ذلك: تقديم الدَّين على الوصيَّة؛ لقول علِيٍّ: «قضَى رسولُ الله

стр. 1292

ﷺ بالدَّين قبل الوصيَّة» (١). وذهب أبو ثَورٍ إلَى عكسه؛ لظاهِر النَّص. وجوابه: أنَّ الوصيَّة لمَّا أشبهت الميراث (٢) في كونها بلا عِوَضٍ، فكان في إخْراجها مشقَّةٌ على الوارث، فقُدِّمت؛ حثًّا على إخراجها. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولذلك (٣) جِيءَ بكلمة «أوْ» التي للتَّسوية) (٤)؛ أي: فيستويان في الاهتمام وعدم التَّضييع (٥) وإنْ كان مقدَّمًا عليها. (وَتَجْهِيزُهُ)؛ لقوله ﵇: «لا يَنبغِي لجيفة مُسلِمٍ أنْ تُحبس بين ظهرانَيْ أهلِه» رواه أبو داودَ (٦)، ولأنَّه أصْونُ له، وأحْفَظُ من التَّغيير، لكنْ لا بأس أنْ

стр. 1293

يَنتَظِرَ منْ يَحضُره من وليِّه وغيره إن كان قريبًا، ولم يُخْشَ عليه أو يشق على الحاضرين، نَصَّ عليه (١). فإنْ مات فجأةً، أو شُكَّ في موته؛ انتُظِر به حتَّى يُعلَم موتُه، قال أحمدُ: من غُدوةٍ إلَى اللَّيل (٢). وقال القاضي: يُترك (٣) يومَينِ أو ثلاثةً ما لم يُخَف فسادُه. (إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ بِانْفِصَالِ (٤) كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ (٥)، وَانْخِسَافِ (٦) صُدْغَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ)؛ لأنَّ هذه العلامات (٧) دالَّةٌ على الموت يقينًا. زاد في «الشَّرح» و «الرِّعاية»: وامتدادِ جِلْدة وجهه. وظاهر «المستوعب» و «التلخيص» (٨) و «الفروع»: أنَّ ذلك راجِعٌ إلى المسارَعة في تجهيزه، وكلامُ ابنِ تميمٍ دالٌّ على (٩) أنَّه راجِعٌ إلى قوله: (وليَّن مفاصله) وما بعده. وظاهِرُ كلامه في «المذهب»، وصرَّح به ابن مُنَجَّى: أنَّه راجِعٌ إلى قضاء

стр. 1294

الدَّين وما بعده؛ لأنَّ الأوَّلَين لا وِلايَةَ لأحدٍ عليهما إلاَّ بعد الموت، والتَّجهيزُ قبل تيقُّنِ الموت تفريطٌ. مسألةٌ: لا يُستحبُّ النَّعْيُ، وهو النِّداء بمَوته، بل يُكرَه، نَصَّ عليه. ونقل صالِحٌ: لا يُعجِبُنِي (١). وعنه: يُكرَه إعلامُ غير صديقٍ أو قريبٍ، ونقل حنبلٌ: (أو جارٍ) (٢). وعنه: أو أهلِ دِينٍ. ويتوجَّه: يُستحبُّ؛ لإعلامه ﵇ أصحابَه بالنَّجاشِيِّ في اليوم الذي مات فيه، متَّفَقٌ عليه من حديث أبي هريرة (٣)، وفيه كثرة المصلِّين، فيحصل لهم ثوابٌ ونفعٌ للميت. ولا بأْسَ بتقبيله والنَّظر إليه، ولو بعد تكفينه، نَصَّ عليه (٤).

стр. 1295

(فَصْلٌ فِي غَسْلِ المَيِّتِ) (غَسْلُ الميت) المسلمِ، (وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ في (١) الذي وَقَصَتْه راحِلَتُه: «اغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه (٢)» متَّفَقٌ عليه من حديث ابنِ عبَّاسٍ (٣) وقال ﵇: «صَلُّوا علَى مَنْ قال: لَا إلهَ إلاَّ اللهُ» رواه الخلاَّلُ والدَّارَقُطْنيُّ، وضعَّفَ ابنُ الجَوزِيّ طُرُقَه كُلَّها (٤)، والسُّترة واجبةٌ في الحياة، فكذا بعد الموت، ولأنَّ فِي تَرْكِه أذًى للنَّاس، وهَتْكًا لحُرمته (٥)، ولا نَعلَم فيه خِلافًا. وظاهِرُ «الوجيز»: أنَّ حملَه فرضُ كفايةٍ، وصرَّح فِي «المُذهب» بالاستحباب. وأمَّا اتِّباعُه؛ فسُنَّةٌ، ذكره المؤلِّف وابن تميمٍ؛ لحديث البَرَاء (٦). فعلى ما ذكره: يَسقُط فرضُها برجلٍ أو خنثى أو امرأةٍ. ويُسنُّ لها الجماعةُ، إلاَّ على النَّبيِّ ﷺ . ويُشتَرَط لغَسْله: ماءٌ طَهورٌ، وإسلامُ غاسِل وعقْلُه، ولو جُنُبًا وحائِضًا، وفي مميِّزٍ روايتان؛ كأذانه. فدلَّ على أنَّه لا يكفي من الملائكة، وهو ظاهِرُ كلامِ الأكْثَرِ، وفي

стр. 1296

«الانتصار»: يكفي إنْ عُلِم. تذنيبٌ: كَرِه أحمدُ للغاسِل والحفَّار أخْذَ أُجْرةٍ على عمَلِه إلاَّ أن يَكونَ محتاجًا، فيُعطَى من بيت المال، فإن تعذَّر أُعطِيَ بقدر عمله. وذكر بعضُهم: أنَّ ما لا يَختصُّ فاعلُه أنْ يكونَ من أهل القربة أنَّه يجوز على الصَّحيح. لكنْ ذَكَر القاضِي في «الجامع»: أنَّه إذا أُعطِيَ على الصَّلاة والحجِّ وتعليم القرآن من غير شرْطٍ أنَّه يَجُوز، وأحسنه كلامه في «الخصال»: إذا اختصَّ فاعله من أهل القربة إذا فعله عن نفسه عاد نفعه إلى غيره؛ كالجهاد والقضاء والإمامة؛ جاز أخذ الرَّزق عليه، وإن لم يَعُد نفعه إلى غيره؛ لم يَجُز كالصَّلاة والصِّيام والحجِّ، وكلُّ ما لم (١) يختصَّ فاعله أن يكون من أهل القربة كالبناء (٢) يجوز أخذ الأجرة عليه فقط (٣). (وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ: وَصِيُّهُ) العدلُ؛ لأنَّ «أبا بَكْرٍ أوْصَى أنْ تغسِّله امرأتُه أسماءُ» (٤)، و «أوصى أنسٌ أن يغسله محمَّدُ بن سِيرينَ» (٥)، ولأنَّه حقٌّ للميت؛ فقدِّم (٦) فيه وصيُّه على غيره.

стр. 1297

وقيل: أو فاسق. وقيل: لا تصِحُّ الوصيَّة بذلك. وقيل: بالصَّلاة فقط مع وجود عصبته (١) الصَّالح للإمامة. (ثُمَّ أَبُوهُ)؛ لاختصاصه بالحُنُوِّ والشَّفقة، ولأنَّه مقدَّمٌ على الابن في ولاية النِّكاح، فكذلك في الصَّلاة. (ثُمَّ جَدُّهُ) وإن علا؛ فلمشاركة الأب في المعنى. وعنه: يُقدَّم الابْنُ علَى الجَدِّ لا علَى الأْبِ. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه تخريجٌ مِنْ نكاح). (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ)، فيقدَّم الابنُ، ثُمَّ ابنُه وإن نزل، ثُمَّ الأخُ من الأبوين، ثُمَّ من الأب، على ترتيب الميراث. وعنه: يقدَّم أخٌ وابنه على جَدٍّ. وعنه: سواءٌ. (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) كالميراث، ثُمَّ الأجانِبُ، وهم أَولَى من زَوجةٍ، وأجنبيَّةٌ أَولَى من زوجٍ وسيِّدٍ، وزَوجٌ أَولَى من سيد، وزَوجةٌ أَولَى من أمِّ ولَدٍ. ثم صديقُه، قاله بعضهم. قال في «الفروع»: فيتوجه منه (٢) تقديم الجار على أجنبي. (إِلاَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْأَمِيرَ)، وهو الإمامُ أو الحاكم مِنْ قِبَله؛ (أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ)؛ لأنَّه ﵇ كان يُصلِّي على الجنائِز (٣)، ولم يُنقَل أنَّه كان يستأذِنُ أحدًا من العَصَباتِ.

стр. 1298

وقد دلَّ علَى أنَّ الوصِيَّ يُقدَّم علَى الأميرِ؛ لأنَّ «أبا بكر أوصَى أنْ يُصلِّيَ عليه (١) عمرُ»، قاله أحمدُ (٢)، وقال: أوْصَى عُمرُ أنْ يصلِّيَ عليه صُهَيبٌ (٣)، وأَوْصتْ أمُّ سلمةَ أنْ يُصلِّيَ عليها سعيدُ بن زَيدٍ (٤)، وأوْصَى

стр. 1299

أبُو بَكْرةَ أن يصلِّيَ عليه أبو هُرَيْرةَ (١). فإنْ قَدَّم الوصِيُّ غَيرَه؛ فوجهان. فإنْ وصَّى إلَى اثْنَينِ؛ قيل: يُصلِّيَانِ معًا، وقيل: منفردَين. ووصيَّته إلى فاسقٍ مبني (٢) على صحَّة إمامتِه. (وَغَسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ) وصيَّتُها، قاله في «المحرَّر» و «الفروع»، زاد في «الوجيز»: غَيْرُ الفاسِقة، والمؤلِّف تَرَك ذِكْرَها؛ استِغْناءً بما سَبَقَ، (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا)، فتُقدَّم (٣) أُمُّها وإن عَلَتْ، ثم بِنْتُها وإن نَزَلت، ثُمَّ القُربَى كالميراث، وعمَّتُها وخالتُها سواءٌ؛ لاستوائهما في القرب والمحرميَّة، وكذا بنت أخيها وبِنْت أختها، وقيل: تقدَّم (٤) بنت الأخ، ثُمَّ أقرب نساء محارمها، ثُم الأجنبيَّات. فرعٌ: يُسَنُّ البَداءة بِمَنْ يُخاف عليه، ثم بِأَبٍ، ثُمَّ بأقربَ، ثُمَّ بأفْضلَ، ثُمَّ بأَسنَّ، ثُمَّ بِقُرعةٍ.

стр. 1300

(وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو المذهب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لعائشةَ: «ما ضَرَّك لَوْ متِّ قَبْلِي فغسَّلْتُكِ وكفَّنْتُكِ، ثُمَّ صلَّيتُ عليكِ ودفَنتُكِ» رواهُ أحمدُ والدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ فيه ابْنُ إسْحاقَ (١)، وروى ابنُ المنذر: «أنَّ عليًّا غسَّل فاطمةَ» (٢)، وقد روي (٣) عن عائشة أنَّها قالت: «لو استقبلْنا من أمرنا ما استدْبرْنا ما غسَّل رسولَ الله ﷺ إلاَّ نِساؤه» (٤)،
следующие страницы →