← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

من حديث أبي رافِعٍ (١)، ورَوَى الخلاَّلُ بإسناده: «أنَّه رُشَّ على قبْر النَّبيِّ ﷺ الماءَ» (٢)، ولأنَّ الماءَ يُلبِّده، وهو من آثار الرَّحمة. ويُوضَع عليه حصى صغار، وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّه يعمُّه (٣) بها؛ ليَحفَظ تُرابَه، وعن جعفر بن محمَّد عن أبيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رشَّ علَى قبر ابنه ماءً، وَوَضَعَ عليه حصباء (٤)» رواه الشَّافِعِيُّ (٥). (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ)، قاله أحمد (٦)؛ «لأنَّه ﷺ طُيِّنَ قبرُه» (٧)، ولأنَّ فيه صيانةً عن الدوس (٨)، وكرهه (٩) أبو حفص.

стр. 1402

وقيل: يُستحَبُّ، والنَّهي الوارد فيه محمولٌ على طِينٍ فيه تحسين للقبر (١) وزينةٌ. (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) وتزويقه وتَخْليقُه، وهو بِدْعَةٌ. (وَالْبِنَاءُ) عليه، أطلقه أحمد والأصحاب، لاصقة أو لا؛ لقول جابر: «نهى النبي ﷺ أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُقعدَ عليه، وأن يُبنى عليه» رواه مسلم (٢). وذكر جماعةٌ: أنَّه لا بأس بالقُبَّة والبيت والحظيرة في مِلكِه. قال المجْدُ: ويُكرَه في صحراء؛ للتضييق (٣) والتشبه بأبنية الدنيا. وكَرِه في «الوسيلة» البناءَ الفاخِرَ كالقُبَّة، فظاهره: لا بأس ببناءٍ مُلاصِقٍ؛ لأنَّه يراد لتعليمه وحفظه دائمًا، فهو كالحَصْباء، ولم (٤) يَدخُل في النَّهي؛ لأنَّه خرج على المعتاد، أوْ يُخَصُّ منه. وعنه: مَنْعُ البناءِ في وَقْفٍ عامٍّ. وقال الشَّافعيُّ: (رأيتُ الأئمَّة بمكةَ يأمُرون بهدْم ما يُبْنَى) (٥)، والمنقول هنا المنعُ خلافَ ما اقتضاه كلامُ ابنِ تميمٍ، يؤيِّده ما نقله أبو طالب عنه عمَّن اتخذ حُجْرةً في المقبرة لغيره، قال: (لا يُدفَن فيها) (٦)، والمراد لا يَختصُّ به وهو كغيره، وجزَم ابنُ الجَوزِيِّ: بأنَّه يَحرُم حَفْرُ قَبْر في مُسبَّلةٍ قبل الحاجة، فههنا أَولَى.

стр. 1403

وتكره (١) الخيمة والفُسطاط، نَصَّ عليه (٢)؛ لأمْر ابنِ عمر بإزالتِه، وقال: «إنَّما يُظِلُّه عمَلُه» (٣). وظاهر ما سبق: أنَّ الصحراء أفضلُ؛ لأنَّه ﵇ كان يَدفِن أصحابه بالبقيع، وهو أشبه بمساكن الآخرة، وأكثرُ للدُّعاء له، والتَّرَحُّمِ عليه، سِوَى النَّبيِّ ﷺ ، واختار صاحباه الدفن عنده تشرُّفًا وتبرُّكًا، ولم يُزَدْ عليهما؛ لأنَّ الخَرْقَ يتَّسع، والمكانُ ضيِّقٌ، وجاءت أخبار تدل (٤) على دفنهم كما وقع، ذكرها المجدُ (٥). (وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ)؛ لِمَا روى التِّرمذيُّ وصحَّحه من حديث جابِرٍ مرفوعًا: «نهى أن تُجصَّص القبور، وأن يُكتَبَ عليها، وأن توطأ» (٦).

стр. 1404

(وَالْجُلُوسُ)؛ لمَا رَوَى مسلمٌ عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَأَنْ يجلس أحدُكم على جمْرةٍ فتحرقَ ثيابَه، فتخلُصَ (١) إلى جِلْده؛ خيرٌ من أن يَجلِسَ على قَبْرٍ» (٢). (وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ)؛ لمَا رَوَى ابنُ ماجَهْ والخلاَّلُ مرفوعًا: «لَأَنْ أَطَأَ علَى جمرة أوْ سَيْفٍ أحب إلَيَّ أَنْ أَطَأَ على قَبْرِ مسلمٍ» (٣). وفي «الكافي»: إن لم يكن له طريقٌ إلَى قبرِ مَنْ يَزوره إلاَّ بالوطْءِ؛ جاز للحاجة. (وَالاِتِّكَاءُ إِلَيْهِ)؛ لما رَوَى أحمدُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى عمرو بن حَزْمٍ مُتَّكِئًا على قبرٍ فقال: «لا تُؤْذِه» (٤). مسألةٌ: لا يجوز الإسراجُ علَى القبور، ولا اتِّخاذُ المساجد عليها، ولا بينها. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (وتَتَعيَّنُ إزالتُها، لا أعلم فيه خلافًا) (٥). ولا تَصِحُّ الصَّلاةُ فيها على ظاهر المذهب، فلو وُضع المسجد والقبر معًا لم يَجُزْ، ولم يَصِحَّ الوقف ولا الصَّلاة، قاله في «الهدْي» (٦).

стр. 1405

وفي «الوسيلة»: يُكرَهُ اتخاذ المساجد عندها، ويكره الحديث (١) عندها، والمشيُ بالنعل فيها، ويُسَنُّ خلعه إلاَّ خوف نجاسةٍ أو شَوْكٍ، نَصَّ عليه (٢).

стр. 1406

(فَصْلٌ) يُستحَبُّ الدُّعاء له عند القَبْر بعد دَفْنِه، نَصَّ عليه، فعله أحمدُ جالِسًا، واستَحبَّ الأصحابُ وُقوفَه، ونَصَّ أحمدُ: أنَّه لا بأْسَ به (١)، قد فعله علِيٌّ (٢) والأحنفُ. وقال أبو حفْصٍ: هو بِدْعَةٌ. واستَحبَّ الأكثرُ تلقينَه بعد دفْنِه؛ لقول راشد (٣) بن سعدٍ، وضَمْرةَ بن حبِيبٍ، وحكيم بن عُمَيرٍ: (كانوا يستحبُّون أن يقال عند قبره: يا فلانُ قُلْ: لا إله إلاَّ الله، أشهد أن لاَّ إله إلاَّ الله -ثلاثَ مَرَّاتٍ-، يا فلان قُلْ: ربِّي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيِّي محمَّدٌ)، رواه عنهم أبو بكر بن أبي مريمَ، وهو ضعيفٌ (٤)، ولحديث (٥) أبي أُمامَةَ، رواه ابن شاهين والطَّبرانِيُّ (٦)، فيجلِس

стр. 1407

الملقِّن عند رأسه. وقال أحمدُ: (ما رأَيتُ أحدًا يفعلُه إلاَّ أهلَ الشَّام) (١)، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (تلقينُه مُباحٌ عند أحمدَ وبعضِ أصحابه، ولا يُكْرَهُ) (٢). وفي تلقين غير المكلَّف وجهان، بناءً على نزول الملكَينِ وسؤالِه وامتحانِه، النَّفيُ قولُ القاضي وابنِ عَقِيلٍ، والإثباتُ قولُ أبِي حَكِيمٍ، وحكاه ابنُ عَبْدوسٍ عن الأصحاب، وصحَّحه الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٣). (وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ)؛ أي: يَحرُم دَفْنُ اثْنَيْنِ فأكثرَ في قبْرٍ؛ لأنَّه ﵇ كان يَدفِن كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمرَّ فعلُ الصَّحابة ومَن بعدَهم. وعنه: يُكرَه، اختاره ابنُ عَقِيلٍ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)، قال في «الفروع»: (وهي أظهرُ). وعنه: يجوز (٥)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، نقل أبو طالِبٍ: لا بأْسَ به (٦). وقيل: يجوز في المحارم. وقيل: فيمن لا حُكْمَ لعورته. وعلَى الأوَّل: لا فرْقَ بين أن يُدفَنا معًا أو أحدهما بعد الآخَر، لكن إن لم يَبْلَ؛ لم يجز (٧)، نَصَّ عليه، وإنْ بَلِيَ جاز في الأصحِّ، ويُعمَل بقول أهل الخِبْرة بتلك الأرض، فإن حفَرَ فوجد عظامَ الميت؛ دفنَها وحفَرَ في مكانٍ

стр. 1408

آخَرَ، نَصَّ عليه (١). (إِلاَّ لِضَرُورَةٍ)؛ ككثرة الموتَى وقِلَّة مَنْ يَدفِنُهم، وخَوف الفساد عليهم؛ لقوله ﵇ يَومَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ والثَّلاثةَ في قَبْرٍ واحدٍ» رواه النَّسائِيُّ (٢). (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ)؛ لقوله ﵇: «قَدِّمُوا أكثرَهُم قُرآنًا»، حين سألوه مَنْ يُقدم (٣) فيه، رواه النَّسائِيُّ والتِّرمذِيُّ وصحَّحه (٤)، وكما يُقدَّم إلى الإمام في الصَّلاة. (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ)؛ نَصَّ عليه (٥)؛ ليَصِيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قَبرٍ مُنفَرِدٍ. وقال الآجُرِّيُّ: إن كان فيهم نساءٌ. وفيه نَظَرٌ. ولا بأْسَ بالذَّهاب بعد دفنه من غير إذْنِ أهل الميت، نَصَّ عليه. تذنيبٌ: كَرِه أحمدُ الدَّفْنَ عند طلوع الشَّمس وغروبها وقيامها، وفي «المغني»: لا يَجوز، ويجوز ليلاً، ذكره في «شرح مسلمٍ» قولَ الجمهور (٦). وعنه: يُكرَه، حكاه ابنُ هُبَيْرةَ اتِّفاقَ الأئِمَّة الأرْبَعة، وفيه نَظَرٌ، فإنَّه حَكَى في «الإفصاح» الإجماع أنَّه لا يُكرَه، وأنَّه بالنَّهار أمْكَنُ. وعنه: لا يَفعَله إلاَّ لِضَرورةٍ. مسألَةٌ: يُستحَبُّ جمعُ الأقارب في بقعة؛ لتسهل (٧) زيارتُهم، قريبًا من

стр. 1409

الشُّهداء والصَّالحين؛ ليُنتفَع بمجاورتهم في البقاع الشَّريفة. فلو أَوْصَى أن يُدفَن في ملكه؛ دُفِن مع المسلمين، قاله أحمدُ (١)، كما إذا اختلف الورثة، وحَمَل المجْدُ الأوَّلَ على ما إذا (٢) نقصها نقصًا لا يَحتَمِله الثُّلثُ، قال في «الفروع»: وهو مُتَّجِهٌ. قال أحمدُ: (لا بأسَ بشرائه مَوضِعَ قبرِه، ويُوصِي بدَفنه فيه، فَعلَه عُثمانُ وعائشةُ) (٣)، قال ابن تميمٍ: (بشرط (٤) خروجه من الثلث).

стр. 1410

ويَصِحُّ بَيْعُ ما دُفِنَ فيه من ملْكه، ما لم يُجعل أو يصيَّر مقبَرةً، نَصَّ عليه (١). وقال ابنُ عقيلٍ: لا يَجوز بَيعُ مَوضِع القبر مع بقاء رِمَّتِه، وإن نُقِلَت وجب ردُّها؛ لتعيينه (٢) لها. قال جماعةٌ: وله (٣) حَرْثُها إذا بَلِيَ العظم. ومن سبق إلى مُسبَّلةٍ؛ قُدِّم، ثُمَّ يُقرَع. وقيل: يُقدَّم من له مزيَّةٌ، نحو كونه عند أهله. (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قيمة) عادةً وعُرْفًا، وإن قلَّ خطره، قاله أصحابُنا، أوْ رماه ربُّه فيه؛ (نُبِشَ وَأُخِذَ)، نَصَّ عليه في مِسْحاةِ الحَفَّار (٤)، دليلُه ما رُوِي عن المغيرة بنِ شُعبةَ: «أنَّه وَضَعَ خاتمه في قبر النَّبيِّ ﷺ ، فقال: خاتَمِي، فدخَل وأخَذَه» (٥)، ولتعلُّق حقِّه بعينه، ولا ضَرَر في أخذه. وعنه: المنعُ إنْ بُذِل له عِوَضُه، فدلَّ على روايةٍ تَمْنَعُ نَبْشَه بلا ضرورةٍ. وفي النَّبْش صُوَرٌ: منها: مَنْ أمكن غسلُه، ودُفِن قبلَه، فإنَّه يُنبَشُ، نَصَّ عليه (٦)، وجزم جماعةٌ: بأنَّه يُترَك إنْ خُشِيَ تَفسُّخه. وقيل: يَحرُم نَبشُه مطلقًا، فيُصَلَّى عليه كعدم ماءٍ وتُرابٍ. ومنها: إذا دُفِن قبل الصَّلاة فإنَّه يُنبَشُ ويُصلَّى عليه، نَصَّ عليه (٧)؛

стр. 1411

ليوجد شرط الصَّلاة، وهو عدم الحائل. وقيل: يُصلَّى على القبرِ، وهو ظاهِرٌ. وعنه: يُخيَّرُ. ومنها: إذا دُفِنَ قبل تكفينه فإنَّه يُنبَشُ، نَصَّ عليه (١)، وصحَّحه في «الرِّعاية» كالغسل. وقيل: لا؛ لستره (٢) بالتُّراب. ومنها: إبدالُ كفَنِه بأحسنَ منه، وخَيرٍ من بقعته، ودفنه لعذر بلا غسلٍ ولا حنوط، وكإفراده، نصَّ علَى الكل (٣). ومنها: إذا دُفِن غيرَ موجَّهٍ للقبلة. وقيل: يَحرُم نَبْشُهُ، وقدَّم ابن تميمٍ: يُستحَبُّ. ومنها: إذا دُفِن في مسجدٍ، فنَصَّ أحمدُ علَى نَبْشِه (٤). ومنها: إذا دُفِن في ملك غيرِه؛ فللمالك نَقْلُه، والأَولَى تَرْكُه، وكَرِهَه أبو المَعالِي؛ لِهَتْك حُرْمَتِه. ومنها: إذا كُفِّن الرَّجل في حريرٍ لغير حاجةٍ؛ نُبِش وأُخِذ في وجْهٍ. قال في «الشَّرح»: (فإنْ تغيَّر الميت؛ لم يُنبَشْ بحالٍ). وكلُّ موضع أجزْنا نبشه فالأفضلُ تَركُه. (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ)؛ لم يُنْبَشْ؛ لِهَتْك حُرمتِه مع إمْكان دَفْع الضَّرَر بدونها. فعلى هذا: تَجِب قيمتُه في تَرِكته. وقال المجْدُ: يَضمَنُه من كفَّنه به؛ لمباشَرته الإتْلافَ عالِمًا، وإنْ جَهِل؛ فالقَرارُ على الغاصب، ولو أنه الميت.

стр. 1412

فإنْ تعذَّر؛ نُبِش. وإن كان قبل الدَّفْن؛ أُخِذَ؛ لتعلُّق حقِّه بعينه. (أَوْ بَلِعَ مَالَ غَيْرِهِ) بغَيْرِ إِذْنه؛ (غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) بطلب ربه؛ لأنَّ استحقاق العَين يَسقُط عند تعذُّر الرُّجوع ويَنتقِل إلى القيمة، كما لو أتلَف شيئًا في حياته. وظاهِرُه: لا فرْق بين أن تبقى ماليَّته (١) كخاتم أو غيره، يسيرًا (٢) كان أو كثيرًا، وذَكَر جماعةٌ: أنَّه يَغرَم اليسيرَ من تَرِكته وجهًا واحدًا، وإطلاق غيرهم بخلافه. فإن تعذَّرت القيمة ولم يبذلها (٣) وارثٌ؛ شُقَّ جوفُه في الأصحِّ. فلو بلِعَه بإذن مالكه؛ لم يَجِبْ شَيءٌ، ويؤخذ (٤) إذا بَلِيَ، ولا يُعرَض له قبلَه بحالٍ، ولا يَضمَنُه. وكذا إذا بلِع مالَ نفسِه؛ لأنَّه أتْلَف ملكَه حيًّا، فإن كان عليه دَينٌ؛ فوجهان، وقيل: بل يُشَقُّ ويُؤخَذُ، وفي «المبهج»: يُحتَسَب من ثُلثِه (٥). (وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرِجُهُ (٦)، قدَّمه في «الكافي» و «الرعاية»؛ لِمَا فيه من تخليص الميت من الإثم، وردِّ المال إلى مالكه، ودفع الضَّرر عن الورثة (٧) بحفظ التَّرِكة لهم، فعلى هذا: إن كان ظنه

стр. 1413

أنَّه ملكه؛ ففيه (١) وجهان. تنبيهٌ: إذا اتَّخذ أنْفًا مِنْ ذَهَبٍ ومات؛ لم يُقلَع عنه، ويأخذُ البائع (٢) ثَمنَه من تركته، فإن لم يكن؛ أَخذه إذا بَلِيَ. وقيل: يُؤخَذُ في الحال، فدلَّ أنَّه لا يُعتَبَرُ للرجوع حياة المفلِس في قول، مع أن (٣) فيه هنا مُثْلةً. (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ؛ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا)، نَصَّ عليه (٤)، وقدَّمه ونصره الأكثرُ؛ لما فيه مِنْ هَتْك حرمة متيقَّنةٍ لإبقاء حياةٍ مَوهُومَةٍ، ثُمَّ إنَّه لو (٥) خرج حيًّا فالغالب المعتاد أنَّه لا يعيش، وقد احتجَّ أحمدُ بقوله ﵇: «كَسْر عَظْم الميت؛ كَكَسْر عَظْم الحيِّ» رواه أبو داودَ (٦). (وَتَسْطُو عَلَيْهِ) النِّساء (الْقَوَابِلُ) فيُدخِلْن (٧) أيديَهن في رحم الميتة (فَيُخْرِجْنَهُ) إذا طَمِعْنَ في حياته؛ بأن قويت (٨) الحركة وانفتحت (٩) المخارِج، قاله في «الخلاف» وابن المنجى (١٠) في «شرحه». والمذهبُ: أنَّهنَّ يَفعَلْن ذلك إذا احتَملت حياتُه؛ لأنَّ فيه إبقاءً للولد من

стр. 1414

غير مُثْلَةٍ بأمِّه. فإنْ عَجَزْن أو عُدِمْن؛ فاختار ابنُ هُبَيرةَ: أنَّه يُشَقُّ بطنُها. والمذهبُ: لا. فعنه: يفعل ذلك الرِّجال، والمحارم أولى (١)، اختاره أبو بكرٍ والمجْدُ؛ كمداواة الحيِّ. والأشهرُ: لا. فإنْ لم يَخرُج؛ لم تدفن (٢) ما دام حيًّا. ولا يُوضَع عليه ما يُموِّته، فلو خرَج بعضُه حيًّا؛ شُقَّ حتَّى يَخرُج، فإن مات قبل خروجه؛ أخرج إن أمكن، وغُسِّل (٣)، وإن تعذَّر؛ غُسِّل ما خرج، ولا (٤) يحتاج إلى تيمُّمٍ؛ لأنَّه في حكم الباطن في الأشهر (٥)، وصُلِّيَ عليه معها بشرطه، وإلاَّ عليها دونَه. (وَيَحْتَمِلُ أَنْ (٦) يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا (٧)؛ لأنَّه تعارض (٨) حقَّاهما، فقدِّم حقُّ الحيِّ؛ لكَوْنِ حُرْمتِه أَوْلَى (٩). (وَإِنْ (١٠) مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ؛ دُفِنَتْ وَحْدَهَا)؛ نَصَّ عليه (١١)؛

стр. 1415

لأنَّه جائِزٌ، ودَفْن الميت عند من يُبايِنُه في دينه مَنهِيٌّ عنه. واختار الآجُرِّيُّ: يُدْفَنُ بِجَنْب قبورِ المسلمين، وقال أحمدُ: لا بأْسَ أن تُدفَن معَنا (١)، رُوِي عن عمرَ (٢)؛ لما في بطنها. وعبارة «المحرَّر»: (حامِلٌ بمسلِمٍ)، وهي أَوْلَى؛ لشُمولِها صورًا (٣). (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ) على جَنْبِها الأيسرِ؛ ليكون وجْهُ الجَنين إلَى القِبْلة على جنبه الأيمن؛ لأنَّ وجْه الجنين إلى ظهرها، ويتولَّى المسلمون دَفْنَها. وظاهِرُه: أنَّه لا يُصلَّى عليه؛ لأنَّه ليس بمَولودٍ ولا سِقْطٍ. وقيل: يُصلَّى عليه إنْ مضَى زَمَنُ تصويره، قال في «الفروع»: (ولعلَّ مرادَه: إذا انفَصَل)، وهو الظَّاهر. (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ) وفي المقبَرة (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا المذهبُ؛ لمَا رَوَى أنَسٌ مرفوعًا قال: «مَنْ دَخَل المقابِرَ فقرأ فيها (يس)؛ خُفِّف عنهم يومئذٍ، وكان له بعَدَدِهم حسناتٌ» (٤)، وصحَّ عن ابن عمرَ: «أنَّه

стр. 1416

أوْصَى إذا دُفِن أن يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها» (١)، ولهذا رَجَع أحمدُ عن الكراهة (٢)، قاله أبو بكْرٍ، وأصلها: أنَّه مرَّ علَى ضَريرٍ يقرأ عند قَبْرٍ فنهاه عنها، فقال له محمَّدُ بنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِيُّ (٣): يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحَلَبِيِّ، قال (٤): ثقةٌ، فقال: أخبرني مبشر عن أبيه: «أنَّه أوصى إذا دُفِن أن يُقرأَ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابنَ عمرَ أوصى بذلك»، فقال أحمدُ عند ذلك: (ارْجِعْ فَقُلْ للرجل (٥) يَقرأ) (٦)، فلهذا قال الخلاَّل وصاحبُه: المذهبُ روايةً واحدةً أنَّه لا يُكْرَه، لكن قال السَّامَرِّيُّ: يُستحَبُّ أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة، وعند رِجْلَيْه بخاتمتها. والثَّانية: يُكرَه، اختارها عبد الوهاب الورَّاق وأبو حفْصٍ، وهي قول جمهور السَّلف؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «لَا تَجْعَلوا بُيوتَكم مقابِرَ لا يُقْرَأُ فيها شَيء من القرآن، فإنَّ الشَّيْطانَ ينفر مِنْ بَيتٍ يُقرَأُ فيه سورة البقرة» (٧)، وعلَّله أبو الوفاء وغيرُه: بأنَّها مَدفِنُ النَّجاسة كالحُشِّ، قال بعضُهم: شدَّد أحمدُ حتَّى قال: لا يُقرَأ فيها في صلاة الجنازة، ونقل المَرُّوذِيُّ فيمَنْ نَذَر أن يقرأ عند قَبْر أبيه:

стр. 1417

يُكفِّرُ عن يمينه ولا يَقْرَأ (١). واختار في «الفروع»: أنَّه يَقرَأ إلاَّ عند القبْرِ. وعنه: أنَّها بِدْعةٌ؛ لأنَّه ليس من فعله ﵇، ولا فِعْل أصحابه. (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) من دعاءٍ، واستغفارٍ، وصلاة (٢)، وصَومٍ، وحجٍّ، وقراءةٍ، وغيرِ ذلك، (وَجَعَلَ ثَوَابَهَا (٣) لِلْمَيِّتِ المُسْلِمِ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: (الميت يَصِلُ إليه كلُّ شَيءٍ من الخير) (٤)؛ للنُّصوص الواردة فيه (٥)، ولأنَّ المسلمين يَجتَمِعون في كلِّ مِصْرٍ، ويقرؤون (٦) ويُهدون لموتاهم من غير نكيرٍ، فكان إجماعًا؛ وكالدُّعاء والاستغفار، حتَّى لو أهداها للنَّبيِّ ﷺ جَازَ، ووصل إليه (٧) الثَّوابُ، ذكره المجْدُ (٨). وقال الأكثرُ: لا يَصِلُ إلَى الميت ثواب القراءة، وإنَّ ذلك لفاعله، واستدَلُّوا بقوله تعالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجْم: ٣٩]، و ﴿لَهَا

стр. 1418

مَا كَسَبَتْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، وبقوله ﵇: «إذا مات الإنسانُ انقطَع عملُه … » الخبر (١). وجوابُه: بأنَّ ذلك في صُحُف إبْراهيم وموسى، قال عِكْرِمةُ: هذا في حقِّهم خاصَّةً، بخِلافِ شَرْعِنا، بِدليلِ حديثِ الخَثْعميَّةِ (٢)، أوْ بأنَّها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطُّور: ٢١]، أوْ أنَّها مُختصَّةٌ بالكافر؛ أي: ليس له من الجزاء إلا (٣) جزاءُ سَعْيِه، يُوَفَّاه في الدُّنيا، وما له في الآخرة من نَصيبٍ، أوْ أنَّ معناها: ليس للإنسان إلاَّ ما سَعَى عَدْلاً، وله ما سَعَى غيرُه فضلاً، أوْ أنَّ (٤) اللاَّم بمَعْنَى علَى؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرّعد: ٢٥]. وعن الثَّانية: بأنَّها تدل بالمفهوم (٥)، ومنطوق السُّنَّة بخلافه. وعن الحديث: بأنَّ الكلام في عمل غيره لا عملِه. فعلَى هذا: لا يَفْتَقِر أن ينويه حال القراءة، نَصَّ عليه. وذكر القاضِي أنَّه يقول: اللَّهم إن كنتَ أثَبْتَنِي على هذا؛ فاجْعَلْه -أوْ ما شاء منه- لفلان. وقيل: يَسأَلُ الثَّوابَ، ثُمَّ يَجعلُه له، ولا يَضُرُّ جَهلُه به؛ لأنَّ الله يَعْلَمُه. وبالَغَ القاضِي فقال: إذا صلَّى فَرْضًا، وأهْدَى ثوابَه؛ صحَّت الهديَّة، وأجزأ فاعلَه، وفيه بُعْدٌ. فلو أهْدَى بعضَ القُرْبة؛ فنَقَل الكَحَّالُ فِي الرجل (٦) يَعمَلُ شَيئًا من الخير

стр. 1419

من صلاة ونحوها، ويَجعَل نِصْفَه لأبيه أو أمه (١) قال: أرجو (٢). وظاهِرُ كلامِه وكلامِ صاحب «التَّلخيص» و «المحرَّر»: أنَّه إذا جعل ثوابَ قُرْبَةٍ لحي؛ لا يَنفَعُه ذلك، والمذهبُ: أنَّ الحيَّ كالميت في ذلك. قال القاضِي: لا تعرف رواية (٣) بالفَرْق، بل ظاهِرُ الرِّواية تَعُمُّ؛ لأنَّ المعنى فيهما واحِدٌ. قال ابنُ المنَجَّى: ولعلَّ المصنِّف إنَّما ذكر الميت؛ لأنَّ أكثر الأدلَّة فيه، وحاجتَه إلَى الثَّواب أكثرُ. وأنَّه إذا جعلها لغَيرِ مُسلِمٍ؛ لا يَنفَعه، وهو صحيحٌ؛ لِنَصٍّ ورد فيه (٤). (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامًا يُبْعَثُ (٥) إِلَيْهِمْ)؛ لقوله ﵇: «اصْنَعُوا لآل جَعفَرٍ طَعامًا، فقد جاءهم ما شَغَلهم» رواه الشَّافعيُّ وأحمد والتِّرمذِيُّ وحسَّنه (٦)، ولأنَّ فيه جبرًا، والمذهبُ ثلاثةُ أيَّامٍ.

стр. 1420

(وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) فإنَّه مكروهٌ؛ لما رَوَى أحمدُ عن جَرِيرٍ قال: «كُنَّا نَعُدُّ الاِجتِماعَ إلَى أهل الميت، وصَنْعةَ الطَّعام بعد دَفْنه من النِّياحة»، وإسنادُه ثِقاتٌ (١)، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: (إلاَّ لحاجةٍ). وقيل: يَحرُم، قال أحمدُ: ما يُعجِبُنِي، ونقل المَرُّوذِيُّ: هو من أفعال الجاهليَّة، وأنكره شديدًا (٢). فَرعٌ: يُكرَه الذَّبح عند القبر، والأكل منه (٣)؛ لخبر أنَسٍ: «لَا عَقْرَ في الإسلام» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (٤). وفي معناه (٥): الصَّدقةُ عند القبر، فإنَّه مُحدَثٌ، وفيه رِياءٌ.

стр. 1421

(فَصْلٌ) (يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ)، نَصَّ عليه (١)، وحكاهُ النَّوَوِيُّ إجماعًا (٢)؛ لقوله ﵇: «كُنْتُ نَهيتُكم عن زِيارة القُبورِ فزُوروها» رواه مسلم، والترمذي وزاد: «فإنها تذكر (٣) الآخرة» (٤)، وقال أبو هُرَيرةَ: زار (٥) النَّبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّه فبكى، وأبْكَى مَنْ حوله، وقال: «اسْتأْذنْتُ ربِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لها؛ فلم يأذن لِي، واستأذنته أن أزور قبرَها فأذن لي، فزُورُوا القُبورَ، فإنَّها تُذكِّركم الموت (٦)» متَّفقٌ عليه (٧). وعنه: لا بأْسَ به، وقاله الخِرَقِيُّ وغيرُه، وأخذ منه جماعةٌ الإباحةَ؛ لأنَّه الغالِبُ في الأمر بعد الحظْرِ، لا سيَّما وقد قَرَنَه بما هو مُباحٌ. وفي «الرِّعاية»: يُكرَه الإكثار منه. وفيه نَظَرٌ. فَوائِدُ: يُستحَبُّ للزَّائر أن يَقِف أمام القبْرِ. وعنه: حَيثُ شاء. وعنه: قعوده كقيامه، ذكره أبو المعالي. وينبغي قُرْبه؛ كزيارته في حياته.

стр. 1422

ويجوز لَمْسُ القبر باليد. وعنه: يكره؛ لأنَّ القُرَبَ تُتَلَقَّى (١) من التوقيف، ولم يَرِدْ به سُنَّةٌ. وعنه: يُستحَبُّ، صحَّحها أبو الحسَين؛ لأنَّه يشبه (٢) مصافحة الحيِّ، لا سيَّما ممن ترجى (٣) بركته. واجتماع النَّاس للزِّيارة كما هو المعتادُ؛ بِدعةٌ، قال ابنُ عَقِيلٍ: أَبْرَأُ إلَى الله تعالى منه. ويَجُوز زيارةُ قبرِ المشرِكِ والوقوف لزيارته؛ لما سبق، ذكره المجْدُ، وجوَّزه حفيدُه للاِعتبار، قال: ولا يُمنَع الكافِرُ زِيارةَ قريبه المسلمِ (٤). (وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّساءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما، وهي المذهبُ: يكره؛ لأنَّ المرأةَ قليلةُ الصَّبْرِ، فلا يُؤمَنُ تهييج (٥) حُزْنها برؤية الأحبة (٦)، فيَحمِلُها على فِعْلٍ محرم (٧). والثَّانية: يُباحُ؛ «لأنَّ عائشةَ زارتْ قبر أخيها عبدِ الرَّحمن»، وقال لها ابن (٨) أبِي مُلَيكةَ: ألَيْس كان نُهِيَ عن زيارة القبور؟ قالت: «نَعَمْ، ثم أُمِر بزيارتها» رواه الأَثْرَمُ، واحتجَّ به أحمد (٩). وعنه: يَحرُم؛ لما رَوَى أبو هريرةَ: «أنَّ رسولَ الله ﷺ لَعَنَ زَوَّاراتِ

стр. 1423

القُبُور» رواه أحمدُ والتِّرْمذيُّ وصححه (١)، وكما لَوْ عَلِمتْ أنَّها تَقَعُ في مُحرَّمٍ، ذَكَرَه المجْدُ مع تأثيمه بِظَنِّ وقوع النَّوحِ، ولا فرق، ولم يحرم هو وغيره دخول الحمَّام إلاَّ مع العلم بالمحرَّم. ويُستثْنَى منه: زيارة قبر النَّبيِّ ﷺ وقبر صاحِبَيْه ﵄. (وَ) يُستحَبُّ أن (يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ)، كذا رواه مسلمٌ من حديث أبي هُرَيرةَ مرفوعًا، والسلام (٢) فيه (٣) معرَّف، وقاله جماعةٌ، والتَّنكير من طريقٍ لأحمدَ عن أبي هريرةَ وعائشةَ (٤). وظاهره: أن تنكيره أفضلُ، نَصَّ عليه (٥). وخيَّره المجْدُ، وبعضُهم حكاه نَصًّا، وكذا السلام على الأحياء. وعنه: تعريفه أفضلُ كالرَّدِّ. وقال ابن البنَّاء: سلامُ التحية مُنَكَّرٌ، وسلامُ الوَداع مُعَرَّفٌ. والاِسْتِثْناء للتَّبرُّك، قاله العلماءُ. وفي «البغوي»: أنَّه يَرجِع إلَى اللُّحوق لا

стр. 1424

إلَى الموت (١). وفي «الشافي»: أنَّه يَرْجِعُ إلَى البِقاعِ. (يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ)، رُوِيَ من حديث عائشةَ (٢)، ذكره في «الشَّرح». (نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العافية (٣) رواه مسلمٌ من حديث بُرَيدَةَ قال: كان النَّبيُّ ﷺ يُعلِّمهم (٤) إذا خَرَجوا إلى المقابر أن يقولَ قائلُهم: «السَّلامُ عليكم أهلَ الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لَلَاحِقون، نسأل الله لنا ولكم العافيةَ» (٥)، فدَلَّ علَى أنَّ اسمَ الدَّار يَقَعُ على المقابر، وإطلاق الأهل على ساكن المكان من حيٍّ وميتٍ. (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، ولَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ (٦) رواه أحمدُ من حديث عائشةَ (٧). (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ)؛ لأنَّه رُوِيَ: «يَغفِر الله لنا ولكم» (٨)، وقد ورد أنَّ النَّبيَّ

стр. 1425

ﷺ دعا لأهل الغرقد (١) فقال: «اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغَرْقَدِ» (٢)، سُمِّيَ به لغَرقدٍ كان به، وهو ما عَظُم من العَوْسَج، وقيل: كلُّ شَجَرٍ له شَوْكٌ. فائدةٌ: يَسمَع الميت الكلامَ، ويَعرِف زائِرَه، قاله أحمدُ (٣)، يومَ الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشَّمس. وفي «الغنية»: يعرفه (٤) كلَّ وقْتٍ، وهذا الوقت آكَدُ. وَيُكْرَه مَشيُه بين القبور بنَعلَينِ إلا خَوفَ نجاسةٍ أو شوك، نصَّ عليه، واحتجَّ بخبر بشير (٥) بن الخَصَاصِيَّةِ (٦). وعنه: لا يُكرَه كالخُفِّ؛ للمشقَّة. وفي التُّمُشْكِ (٧) ونحوِه وجهان. (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ المَيِّتِ)؛ نَصَّ عليه (٨)؛ لِمَا رَوَى ابنُ ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ، عن عَمْرِو بن حزم مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُؤمِنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبةٍ

стр. 1426

إلاَّ كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكرامة يومَ القِيامةِ» (١)، وعن عبد الله بن مسعودٍ مرفوعًا: «مَنْ عَزَّى أخاه بمصيبةٍ فله مِثْلُ أجْرِه» رواه التِّرمذيُّ، وفي سَنَدِه علِيُّ بن عاصِمٍ؛ وهو ضعيفٌ (٢). وهي التسلية والحثُّ على الصَّبر بوعد الأجر، والدُّعاء للميت والمصاب، وينبغي أنْ يَستعينَ بالصَّبْر والصَّلاة، ويَسْترجِعَ، ولا يَقولَ إلاَّ خيرًا، ويَسأَلَ الله أجْرَ الصَّابرينَ. وظاهِره: لَا فَرْقَ بين أن يكون قبل الدَّفن أوْ بعدَه. ويَعُمُّ بها أهلَ الميت حتَّى الصَّغيرَ -لكنْ يُكرَه لامرأةٍ شابَّةٍ أجْنبِيَّةٍ- ولو شَقَّ ثَوبَه، نصَّ عليه (٣)؛ لزوال المحرَّم وهو الشَّقُّ، واستدامة لبسه مكروه (٤). ويبدأ بخِيارهم، وهو مخيَّرٌ في أخذ يدِ من يعزيه، قاله أحمدُ (٥). وظاهره: أنَّه لا حدَّ لآخر وقت التَّعزِيَة، فدلَّ أنَّها تُستحَبُّ مطلقًا، وهو ظاهر الخبر.

стр. 1427

وحدَّها في «المستوعب» إلى ثلاثة أيَّامٍ. وذَكَر ابنُ شِهابٍ والآمِدِيُّ وأبو الفَرَج: يُكرَه بعدها؛ لتَهيِيجِ الحُزْن، واسْتَثْنَى أبو المَعالِي: إذا كان غائبًا، فلا بأْسَ بها إذا حضر، واختاره صاحب «النظم»، وزاد: ما لم ينس (١). فَرعٌ: إذا جاءته التَّعزيةُ في كتابٍ؛ ردَّها على الرَّسول لفظًا، قاله أحمدُ (٢). ويُكْرَهُ تَكرارُها، فلا يُعزِّي مَنْ عَزَّى. (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا)؛ نَصَّ عليه (٣)، واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه مُحدَثٌ، مع ما فيه من تَهْيِيجِ الحُزْن. وعنه: الرُّخْصةُ فيه، قال الخلاَّلُ: سهَّل أحمدُ في الجلوس إليهم في (٤) غير مَوضِعٍ، قال: ونُقِل عنه المَنْعُ (٥). وفيه وجْهٌ: لا بأْسَ به لأهل الميت دون غَيرِهم. وعنه: لا بأْسَ بالجلوس عندَهم إذا خِيفَ عليهم شدَّة الجَزَع، وأمَّا المَبِيتُ عندَهم فأَكرَهُهُ (٦). لكن يُستثْنَى منه الجلوسُ بِقرْب دار الميت ليتبع (٧) الجنازةَ، أوْ يَخرُج ولِيُّه فيُعزِّيه، فعَلَه السَّلَفُ (٨).

стр. 1428

(وَيَقُولُ (١) فِي تَعْزِيَةِ المُسْلِمِ بِالمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ)، قال المؤلف: (لا أعلم فِي التَّعْزِية شَيئًا مَحدودًا، إلاَّ أنَّه رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَزَّى رَجُلاً، فقال: «رَحِمَك اللهُ وآجَرَك» رواه أحمدُ) (٢)، وعزَّى رَجُلاً (٣) فقال: «آجَرَنا اللهُ وإيَّاكَ فِي هذَا الرَّجُلِ»، ورُوِيَ أنَّه قال (٤): «أعْظَمَ اللهُ أجْرَكم، وأحْسَن عَزاءَكم»، ويقول المُعَزَّى: استجابَ اللهُ دُعاك، ورحِمَنا وإيَّاكَ، فعله أحمدُ (٥). فَرْعٌ: إذا قال لآخَرَ: عَزِّ عَنِّي فُلانًا؛ تَوَجَّهَ أن يقولَ له: فلانٌ يُعَزِّيك. (وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ)؛ لأنَّ ذلك لائق بحال الميت والمُصابِ.

стр. 1429

وتَحرُم تَعزِيةُ كافِرٍ. وعنه: تجوز، فيقول ما ذَكَره المؤلِّفُ. وظاهره (١): أنَّه لا يدعو لكافِرٍ حَيٍّ بالأجر، ولا لكافِرٍ ميتٍ بالمغفرة. (وَفِي تَعْزِيَتِهِ)؛ أي: الكافِرِ (عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ)، فيَدعُو له بما يَرجِع إلَى طول الحياة، وكثرة المال والولد؛ لأجل الجِزْيَة، وقال ابْنُ بَطَّةَ: يقول: أعطاك الله علَى مُصيبتك أفضلَ ما أعطى أحدًا من أهل دينك. يقال لمن ذَهَب له شَيءٌ يُتَوقَّع مثلُه: أخْلَف الله عليك؛ أي: ردَّ الله عليك مثله (٢)، وإنْ لم يُتوقَّع حصولُ مثله (٣): خلف الله عليك؛ أي: كان الله خليفةً منه عليك، ذكره ابن فارس والجَوهَرِيُّ (٤). (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى المَيِّتِ) مِنْ غَيرِ كَراهةٍ؛ لما رَوَى أنَسٌ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وعيناه (٥) تَدْمَعانِ، وقال: «إنَّ الله لا يُعذِّب بدمع العين، ولا بحزن (٦) القلب، ولكن يُعذِّبُ بهذا -وأشار إلى لسانه- أوْ يرحمُ» متَّفقٌ عليه (٧)، ودخَل ﵇ على ابنه إبراهيمَ، وهو يَجودُ بنفسه، فجَعَلَتْ عَيناه تَذْرِفانِ، فقال له عبد الرحمن بن (٨) عوفٍ: وأنتَ يا رسول الله! فقال:

стр. 1430

«يَا ابن عَوفٍ، إنَّها رَحْمةٌ»، ثُمَّ أتْبَعَها بأُخْرَى، فقال: «إنَّ العَينَ تدمع (١)، والقلبَ يَحزَنُ، ولا نقول (٢) إِلاَّ مَا يُرْضِي ربَّنا، وإنَّا بفراقك يَا إبْراهيمُ لَمَحْزُونُون» رواه البُخارِيُّ (٣). وظاهِرُه: لا فَرْقَ قبل الموت أو بعده أو بعد الدَّفن، وأخبار (٤) النَّهْيِ؛ كقوله: «فإذا وَجَبتْ فلا تَبْكِيَنَّ باكيةٌ» (٥)؛ محمولة على بكاءٍ معه نَدْبٌ أوْ نياحة (٦)، قال المجد (٧): أو أنَّه كره كثرة البكاء، والدَّوام عليه أيَّامًا. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٨): أنَّه يُستحَبُّ؛ رحمةً للميت، وأنَّه أكْمَلُ من الفرح، كفرح الفُضَيلِ لَمَّا مات ابنُه عَلِيٌّ، وقال ﷺ : «هذِهِ رحْمَةٌ جعَلها الله في قلوب عباده، وإنَّمَا يَرحَمُ الله مِنْ عِبادِه الرُّحَمَاءَ» (٩). (وَ) يَجوزُ (أَنْ يَجْعَلَ المُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِه)، والمراد به علامةٌ لِيُعرَف بها فيُعزَّى؛ لأنَّها سُنَّةٌ، وهو وسيلةٌ إليها، فإذا لم يَكنْ سُنَّةً بَقِيَ الجَوازُ. وقال ابنُ الجَوزيِّ: يُكرَه لُبْسُه خلافَ زِيِّه المعتاد. وقيل: يُكرَه تَغَيُّرُ حاله مِنْ خَلْعِ ردائه ونَعْلِه، وتغليق حانوته، وتعطيل معاشه.

стр. 1431

وسُئِل أحمدُ يومَ مات بِشْرٌ عن (١) مسألةٍ فقال: (ليس هذا يومَ جوابٍ، هذا يَومُ حُزْنٍ) (٢)، فدلَّ على ما ذكرنا. قال جماعةٌ: لا بَأْسَ بِهَجْرِ المُصَاب للزِّينة وحَسَنِ الثِّياب ثلاثةَ أيَّامٍ. (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ)، وهو تَعْدادُ المحاسن نحو: وارَجُلاه، (وَلَا النِّيَاحَةُ)، نَصَّ عليهما (٣)، وذَكَرَه في «المُذهَب» و «التلخيص» و «الوجيز» و «الفروع»، وذَكَر ابْنُ عبد البَرِّ: (تَحرُم النِّياحةُ إجْماعًا) (٤)؛ لقول عبد الرَّحمن بن عَوف: «ولكِنْ نُهِيتُ عن صوتين (٥) أحمَقَينِ فاجِرَينِ: صَوتٌ عند مُصيبةٍ، وخَمْش وَجْهٍ»، حديثٌ حَسَنٌ رواه التِّرمذِيُّ (٦)، وقالت أمُّ عطيَّةَ: «أَخَذَ علَينا النَّبيُّ ﷺ في البيعة أن لا نَنُوحَ» متَّفَقٌ عليه (٧)، وقال أحمدُ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [المُمتَحنَة: ١٢]: (هو النَّوْحُ) (٨). وقدَّم (٩) في «الكافِي» وهو ظاهر الخِرَقِيِّ: الكراهةَ؛ لقَول أمِّ عَطِيَّةَ: «إلاَّ آل فلانٍ فإنَّهم أسْعدونِي في الجاهليَّة، فلا بُدَّ لِي من (١٠) أنْ أُسْعِدَهم، فقال:

стр. 1432

إلاَّ آلَ فُلانٍ»، حديثٌ صحيحٌ (١)، وهو خاصٌّ بها؛ لخبَرِ أنَسٍ: «لَا إسْعادَ في الإسلامِ» رواه أحمدُ (٢). وعنه: يُكرَه النَّدْبُ والنِّياحة الذي ليس فيه إلاَّ تَعْدادُ المحاسن بصِدْق. وعنه: إباحتُهما، اختاره الخلاَّل وصاحبُه؛ لأنَّ «واثلة وأبا وائل كانا يَسمَعانِ النَّوحَ ويَبكِيانِ» رواهُ حَرْبٌ (٣). لكنْ قال المؤلِّف: ظاهِرُ الأخْبار التَّحريمُ. وجَزَم المجْدُ وابنُ تَمِيمٍ: أنَّه لا بأْسَ بيَسير النَّدْب إذا كان صِدْقًا، ولم يَخرُج مَخرَج النوح، ولا قُصِدَ نظْمُه، نَصَّ عليه (٤)، كفِعْل أبِي بَكْرٍ وفاطِمةَ ﵄ (٥). (وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ)؛ لقوله ﵇: «لَيْس منَّا مَنْ لَطَم الخُدودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوى الجاهِليَّةِ» متَّفقٌ عليه، من حديث ابن مسعود (٦). (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ)؛ كتَخْميش الوجْه، ونَتْف الشَّعر، وإظْهار الجَزَعِ.

стр. 1433

(كِتَابُ الزَّكَاةُ) وهِيَ فِي اللُّغة: النَّمَاءُ والزِّيَادةُ، يقال: زَكَا الزَّرْعُ، إذا نَمَا وزاد. وتُطلَقُ على المدح؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النّجْم: ٣٢]، وعلى التَّطهير؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشّمس: ٩]؛ أي: طهَّرها عن الأدناس، وتُطلَقُ على الصَّلاح، يقال: رجُلٌ زكِيٌّ؛ أي: زائدُ الخير من قَومٍ أزْكِياءَ، وزَكَّى القاضِي الشُّهودَ: إذا بيَّن زيادتَهم في الخيرِ، فسُمِّي (١) المالُ المُخْرَج زكاةً؛ لأنَّه يزيد في (٢) المُخرَج منه، ويَقِيه الآفات. وفِي الشَّرع: حقٌّ يجب في مالٍ خاصٍّ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، فِي وقتٍ مخصوصٍ. وتسمى: صدقةً؛ لأنَّها (٣) دليلٌ لصحَّة إيمانِ مُؤَدِّيها وتصديقِه. وهي أحدُ أركان الإسلام، وهي واجِبةٌ بالإجْماع (٤)، وسَنَدُه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البَقَرَة: ٤٣]، والأحاديثُ المستفيضةُ. واختلف العلماء: هل فُرِضت بمكةَ أم بالمدينة؟ وفي ذلك آياتٌ، وذَكَر صاحبُ «المغني» و «المحرَّر» وحفيدُه (٥): أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قال في «الفروع»: ولعلَّ المرادَ طلَبُها، وبَعْثُ السعاة لقبضها. (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ)، واحِدُها صِنْفٌ، وفَتْحُ الصَّادِ فيه لُغَةٌ، حكاه الجَوهَرِيُّ (٦)، (مِنَ المَالِ)، هو اسمُ لِجميع ما يَمْلِكُه الإنسانُ، وعن

стр. 1434

ثَعْلَبٍ: أقَلُّ المال عند العرَب ما تَجِب فيه الزَّكاةُ (١)، وقال ابْنُ سِيدَهْ: (العرب لا تُوقِعُ المالَ مُطلَقًا إلاَّ علَى الإبل، وربَّما أوْقَعوه على المَواشِي) (٢). (السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالأَثْمَانِ (٣)، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ)، وسيأتِي ذلك. (وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ)؛ لأنَّه الْأَصْلُ، فلا زكاةَ فِي الخَيل والرَّقيق؛ لقوله ﵇: «ليس عَلَى المسلمِ فِي عَبْدِه وفرسه صَدَقَةٌ» متَّفَقٌ عليه (٤)، ولأبِي داودَ: «لَيْس في الخَيل والرَّقيق زَكاةٌ إلاَّ زكاةَ الفِطْرِ» (٥)، لأنَّه لا يُطلَبُ درُّها (٦)، ولا تُقْتَنَى في الغالب إلاَّ للزِّينة والاِسْتِعمالِ. ولا في العَقار والثِّياب، إلاَّ أنْ يكونَ مُعَدًّا للتِّجارة. ولا في الظباء، نَصَّ عليه (٧). وعنه: بلَى، اختارَهُ ابْنُ حامِدٍ؛ لأنَّها تُشبِه الغَنَمَ. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا)؛ أي: أكثرُهم: (تَجِبُ فِي المُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ

стр. 1435

وَالْأَهْلِيِّ)؛ تغليبًا للوجوب، واحتِياطًا لتحريم قَتْله وإيجاب الجَزاء فيه، والنُّصوص تتناوله. واختِيارُ المؤلِّفِ أَوْلَى؛ لأنَّ الواجباتِ لا تَثْبُتُ احتِياطًا، ولأنَّه يَنفَرِد باسمه وجنسه، فلم يَتناوَلْه النَّصُّ، ولا يُجزِئُ في هَدْيٍ ولا أُضحِيَّةٍ، ولا يَدخُل في وكالة. (وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ) وغَنَمِه بِشَرطه (رِوَايَتَانِ)؛ أصحُّهما الوجوبُ؛ لعموم قوله ﵇ لمُعاذٍ: «خُذْ مِنْ كلِّ ثلاثينَ من البقر (١) تَبِيعًا» (٢)، قال القاضِي وغيرُه: ويُسمَّى بقَرًا حقيقةً، فيَدخُل تحت الظَّاهِر. وفِي فِدائها في حَرَمٍ وإِحْرامٍ، وجَوازِ هَدْيٍ وأُضحِيَّةٍ وجهان. والثَّانية: لا يجب، اختارَها المؤلِّف، وصحَّحها في «الشَّرح»؛ لأنَّها تفارق البقرَ الأَهْليَّة صورة وحُكْمًا، والإيجاب من الشَّرع، ولم يَرِدْ، ولا يَصِحُّ القياسُ؛ لوجود الفارق، وكغَنَم الوحش. (وَلَا تَجِبُ (٣) إِلاَّ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإَسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ)؛ لأِنَّه ﵇ جعَلَ الإسلامَ شَرْطًا لوجوبها، متَّفَقٌ عليه من حديث مُعاذٍ (٤)، ولأنَّها قُربةٌ وطاعةٌ، والكفْرُ يُضادُّ ذلك،

стр. 1436

وطهرة (١)، والكافِرُ لا يُطهِّرُه إلاَّ الإسلامُ، وهي تفتقر إلى النِّيَّة، فلم تَجِبْ كالصَّوم. وظاهِرُه: لا فرْقَ بين الأصلِيِّ والمرتَدِّ، أمَّا الأصلِيُّ فلا تَجِبُ عليه، زاد في «الرِّعاية»: على الأشهر (٢)، ولا يقضيها إذا أسلم إجْماعًا (٣). وأمَّا المرتَدُّ: فالمذهبُ عدمُ الوجوب، فقيل: مَأْخَذُه كونُها عبادةً، وقيل: لمنعه من ماله، وإن قلنا: يزول ملكه؛ فلا زكاةَ عليه. والثَّانية: يجب، نصره أبو المَعالِي، وصحَّحه الأزجي؛ لأنَّها حَقٌّ مالِيٌّ أشبه الدَّين، والردة لا تُنافِي الوجوبَ ولا استمراره، لكنها تنافِي الأداءَ، فيأخذها الإمامُ منه، وينوي عنه؛ للتعذر، كسائر الحقوق المُمْتَنع منها، وإن لم يكن قربةً؛ كالحدود تُستوفى رَدْعًا وزَجْرًا مع وجود التَّوبة. قال أبو المَعالِي: فإنْ أخذَها الإمامُ بعد رِدَّتِه ثُمَّ أسلم؛ أَجْزَأَتْ فِي الظاهر، وكذا فيما بينه وبين الله تعالى في وجْهٍ. فلو ارتَدَّ بعد الوجوب (٤)؛ أُخِذَتْ من ماله مُطلَقًا، وفيه وَجْهٌ. وظاهِرُه: إيجابُها على الصَّبِيِّ والمجنون؛ للعموم، وأقوالِ الصَّحابة (٥)؛

стр. 1437

ولأنَّها مواساةٌ، وهما من أهلها؛ كالمرأة.

стр. 1438

(وَلَا عَبْدٍ)؛ لأنَّه لا مالَ له، فإنْ كان معتقًا بعضُه؛ فبِقَدْره؛ لأنَّه يملك (١) ملكًا تامًّا، أشْبَهَ الحُرَّ. (وَلَا مُكَاتَبٍ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه عَبْدٌ، ومِلكُه غيرُ تامٍّ، يؤيده: ما رُوِيَ أنَّه ﵇ قال: «لا زكاة في مالِ المكاتَب» (٣)، وقالَه ابْنُ عُمَرَ وجابِرٌ (٤)، ولم يُعْرَفْ لهما مخالِفٌ، فكان كالإجماع، ولأنَّ مِلكَه مُتزَلزِلٌ؛ لأنَّه بعَرَضِيَّة أنْ يَعجِزَ وهو محجورٌ عليه؛ لنَقْص مِلْكِه، ولا يَرِثُ ولَا يُورَثُ، وهو مشغولٌ

стр. 1439

بوفاء نُجومِه، بخلاف المحجور عليه لنقْص تَصرُّفِه، والمرهون؛ فإنَّه مُنِع من التَّصرُّف فيه بعَقْده، فلم يَسقُطْ حَقُّ الله تعالَى. وعنه: هو كالقن. وعنه: يُزَكِّي بإِذْن سيِّده. ولا عُشْرَ فِي زَرعِه، فإنْ عَتَقَ أوْ عَجَزَ أوْ قبض من نجوم كتابته وفي يده نصابٌ؛ استقبل (١) به حولاً، وما دون نصاب (٢) فكمستفادٍ. (وَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالاً، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ) علَى رِوايةٍ؛ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) علَى واحِدٍ منهما، قاله الأصحابُ؛ لأنَّ سيده لا يَملُكه، وملكُ العبد ضعيفٌ لا يَحتَمِل المواساةَ، بدليل أنَّه لا يَعتِق عليه أقاربُه إذا مَلَكَهم، ولا يجب عليه نفقةُ قريبه، والزَّكاة إنَّما تَجِب بطريق المواساة، وحينئِذٍ فلا فطرةَ إِذَنْ في الأصحِّ. وعنه: يزكِّيه العبدُ. وعنه: بإذْن السَّيِّد، ويحتمل أنَّه يزكِّيه السَّيِّد. وعنه: الوقف. (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ) على روايةٍ، وهي اختيارُ أبِي بكْرٍ والقاضي وظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ (فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه مالكه. أصْلٌ: أمُّ الولد، والمُدبَّرُ؛ كالقِنِّ. فَرعٌ: هل تَجِب في المال المنسوب إلى الجنين إذا انفصل حيًّا، اختارَه ابْنُ حَمْدانَ؛ لحكمنا (٤) له بالملك ظاهِرًا، حتى منعنا باقي الورثة، أم لا،

стр. 1440

كما هو ظاهر كلام الأكثر؛ فإنَّه لا مال له؟ فيه وجهان. (الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ)؛ للنُّصوص (١)، ولا فرْق بين بهيمة الأنعام وغيرِها، ولا يَرِدُ الرِّكاز؛ لأنَّ (٢) شبهه (٣) بالغنيمة أكثر من الزَّكاة، ولهذا وجب فيه الخُمُسُ. (فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ (٤)؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) في روايةٍ، واختارها أبو بَكْرٍ، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ، وجَزَم به في «الوجيز»، قال في «الشَّرح»: وهو ظاهر الأخبار، فينبغي أنْ لا يُعدَلَ عنه. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا؛ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ)؛ فإنَّها تَجِبُ لذلك، قاله الأكثر؛ لأنَّه لا يَنضَبِط غالِبًا، فهو كنَقْص الحَول ساعةً أوْ ساعتَيْنِ، وهو لا يُخِلُّ بالمُواساةِ؛ لأِنَّ اليسيرَ لا حكمَ له في أشياءَ كثيرةٍ؛ كالعمَلِ اليسيرِ في الصَّلاة، وانكِشاف العَورة، والعفْو عن يسير الدم، فكذا هنا. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان (٥) نَقْصًا بيِّنًا؛ كالدَّانِق والدَّانِقَينِ؛ أنَّها لا تَجِب في روايةٍ، وصحَّحها في «المُذهَب»، وذكرها في «الشَّرح» عن الأصحاب. وعنه: إن جازت (٦) جواز الوازنة (٧)؛ وجبت (٨)، ولعلَّ المراد المضروبة، وهو الظَّاهر، قاله في «الفروع»؛ ولأنَّها تقوم مقام الوازِنة. وذَكَر جماعةٌ: إذا نَقَص النصاب ثلاثةَ دَراهِمَ أوْ ثُلُثَ مثقال؛ فلا زكاةَ فِي
следующие страницы →