← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

تطوَّعوا به، قال: لا، بل أخذ منهم (١). وعنه: لا زكاة فيه، بناءً على قول الصَّحابِيِّ؛ لأنَّه مائع خارجٌ من حيَوان، أشبه اللَّبن، قال ابن المنذر: (ليس في وجوب الصَّدقة في العسل (٢) حديثٌ يثبت ولا إجماع) (٣). وعنه: ما يَدُلُّ على أنَّه لا زكاة فيه من المباح، واعترف (٤) المجْدُ أنَّه القياس لولا الأثَرُ. (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ، أَوْ مِنْ مِلْكِهِ)، قال في «الرِّعاية» وغيرها: أو (٥)

стр. 1542

ملكِ غيره، ونقل صالِحٌ: لا فرْق بين أرض الخراج والعُشْر (١). تنبيهٌ: ما يَنزِل من السَّماء على الشَّجر؛ كالمَنِّ والترنجبين (٢) والشِّيرخشك (٣) وشبهها، ومنه اللاَّذَن؛ وهو طَلٌّ ينزِل على نبتٍ تأكلُه المعزى، فيه العُشر؛ كالعسل في ظاهر كلام (٤) أحمد (٥). وقيل: لا؛ لعدم النَّصِّ، وجزم به جماعةٌ منهم في «المغني» و «المحرَّر» فيما يخرج من البحر. (وَنِصَابُهُ: عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ (٦)، نَصَّ عليه (٧)، لقول عمر: «في كلِّ عشرة أفراقٍ فرَق» رواه الجُوزَجانِيُّ (٨). وتقدَّم قولٌ في نصاب الزَّيت: خمسة أفراقٍ، فيتوجَّه منه تخريجٌ؛ لأنَّه أعلى ما يُقدَّر فيه (٩)، فاعتبر خمسة أمثاله؛ كالوسق. وحينئذٍ؛ فلا زكاةَ في قليله، بل يُعتبَر نصابه بالأَفْراق، وهو جمع فرق، قيل: بسكون الراء، وقيل: بفتحها، قال عياضُ: وهو الأشهر (١٠). (كُلُّ فَرَقٍ: سِتُّونَ رَطْلاً) عراقيَّةً في قول ابن حامدٍ والقاضي في

стр. 1543

«المجرد» (١) ورُوِيَ عن الخليل بن أحمد (٢)، فيكون نصابُه سِتَّمائة رَطلٍ، وزنها بالدمشقي: مائة وعشرون رطلاً وثُلث رطل، وفي «الخلاف»: ستَّةٌ وثلاثون رطلاً عراقيَّةً، والأشهر أنه ستة عشر رطلاً عراقيةً، وهو مكيال معروفٌ بالمدينة، ذكره الجوهري (٣) وغيره؛ لخبر كعب في الفدية، وحَمْلُ كلام عمر على المتعارف ببلده وهي الحجاز أَوْلَى، وهذا ظاهر «الأحكام السُّلطانيَّة»، واختاره صاحب «المحرَّر» و «الوجيز». وقيل: نصابُه: ألف رَطْلٍ عراقيةٍ، قدَّمه في «الكافي»، نقل أبو داود: من عشر قِرَبٍ قِرْبةٌ (٤). وأما (٥) الفرْق بسكون الرَّاء: فمكيال (٦) ضخمٌ من مكاييل أهل العراق، قاله الخليلُ (٧)، قال ابن قُتَيبة (٨) وغيرُه: يسع مائة وعشرين رطلاً، قال المجد: ولا قائل به هنا. مسألةٌ: من زكَّى ما ذكرنا من المعشَّرات مرَّةً؛ فلا زكاة فيه بعد ذلك، خلافًا للحسن؛ لأنَّه غير مُرصَدٍ للنَّماء، فهو كالقُنْية، بل أَولَى؛ لنقصه بأكلٍ ونحوِه.

стр. 1544

فرعٌ: تضمين (١) أموال العُشْر والخراج باطِلٌ، نَصَّ عليه (٢)، وعلَّله في «الأحكام السُّلطانيَّة»: بأنَّ ضمانها بقدْرٍ معلومٍ يقتضي الاقتصار عليه في تملُّك ما زاد، وغرم ما نقص، وهذا منافٍ لموضوع العمالة وحكم (٣) الأمانة.

стр. 1545

(فَصْلٌ فِي المَعْدِنِ) بكسر الدَّال، سُمِّي به؛ لعُدُون ما أثبته (١) الله فيه لإقامته، يقال: عدَن بالمكان، يعدن عُدُونًا (٢)، والمعدِن: المكان الذي عدَن فيه الجوهرُ. (وَمَنِ اسْتَخْرَجَ) إذا كان من أهل الزَّكاة، وترك التنبيه (٣) عليه لدلالة ما سبق، (مِنْ مَعْدِنٍ)، سواءٌ كان في أرض مملوكةٍ أو مباحةٍ، ولو من داره، نَصَّ عليه (٤)، أو في موات خرِب. وإن (٥) أخرجه من أرض غيره؛ فإن كان جاريًا فكأرضِه إن قلنا: هو على الإباحة، وأنه يملكه (٦)، وإن قلنا: لا يملكه أو أنه (٧) يُملَك بملك الأرض، أو كان جامدًا؛ فهو لربِّ الأرض، لكن لا يلزمه زكاتُه حتَّى يَصِلَ إلى يده (٨) كالمغصوب. (نِصَابًا مِنَ الأَثْمَانِ)؛ فلعموم الأدلَّة، (أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) من غير النَّقد بقيمة (٩) أحدهما؛ لأنَّهما قِيَم الأشياء. وعنه: يجب فيما دون نصاب الأثمان.

стр. 1546

ثُمَّ مثَّله بقوله: (مِنَ الجَوْهَرِ، والصُّفْرِ (١)، وَالزِّئْبَقِ، وَالقَارِ، وَالنّفْطِ، وَالكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا)؛ كالبِلَّوْر، والعقيق، والحديد، والكِبْريت، والمُغْرة (٢)، ونحوها، (فَفِيهِ الزَّكَاةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]، ولما روى (٣) ربيعةُ بن عبد الرحمن عن غير واحدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادِن القِبْليَّة، قال: «فتلك لا يُؤخَذُ منها إلاَّ الزَّكاةُ إلى اليوم» رواه مالكٌ وأبو داودَ (٤)، ولأنَّه حقٌّ يَحرُم على أغنياء ذوي القربى، ففيه الزَّكاة لا الخُمُس؛ كسائر الزكوات، وظاهره: وإن لم يَنطبِعْ من غير جنس الأرض. وقد رُوِيَ مرفوعًا: «لا زكاةَ في حَجَرٍ» (٥)، إن صحَّ؛ فمحمولٌ على

стр. 1547

الأحجار التي لا يُرغَب فيها عادةً، فدل (١) أنَّ الرُّخام معدِنٌ، وجزم به جماعةٌ. قال الأصحاب: الطِّين والماء غير مرغوبٍ فيه، فلا حقَّ فيه، ولأنَّ الطِّين ترابٌ، ونقل مهنَّى: (لم أسمع في معدِن القار والنّفطِ والكُحْلِ والزِّرْنيخِ شيئًا) (٢). قال بعضهم (٣): وظاهره التَّوقُّف عن غير المنطبِع. (فِي الحَالِ) لأهلها؛ لأنَّه مال مستفادٌ من الأرض، فلم يُعتبَر له حَولٌ كالزَّرع؛ (رُبُعُ العُشْرِ) من عين أثمانٍ، أو (مِنْ قِيمَتِهِ) من غيرها. وظاهره: أنَّه يَجِب بظهوره، جزم به في «الكافي» و «منتهى الغاية» وغيرهما، كالثمرة بصلاحها. وفي «الإفصاح» لابن هُبَيرةَ: في المعدِن الخمسُ، يُصرَف مصرف الفيء (٤). (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دَفْعَةٍ، أَوْ دَفَعَاتٍ لَمْ يَتْرُكِ العَمَلَ بَيْنَهُمَا تَرْكَ إِهْمَالٍ)؛ لأنَّه لو اعتُبِر دفعةً واحدةً؛ لأدَّى إلى عدم الوجوب فيه؛ لأنَّه يَبعُد استخراجُ نصابٍ دفعةً واحدة. فإن أَخرَج دون نصابٍ، ثمَّ تَرَك العملَ مهمِلاً له، ثمَّ أخرج دون نصابٍ؛

стр. 1548

فلا شَيءَ فيهما وإن بلغا نصابًا. فعلى هذا: لا أثر لتركه لمرضٍ وسفرٍ وصلاح آلة (١) ونحوه مما جرت العادة به، كالاستراحة ليلاً أو نهارًا، أو لاشتغاله بنقل ترابٍ خرج بين النيلين (٢)، أو هرب عبيده؛ لأنَّ كل عُرف (٣) يعتبر بنفسه. وحدَّ ابنُ المنجى (٤) الإهمالَ: بترك العمل ثلاثة أيَّامٍ إن لم يكن عذرٌ، وإن (٥) كان؛ فبزواله. مسألة: لا يُضمُّ جنسٌ إلى آخَرَ في تكميل النِّصاب غير نقدٍ. وقيل: بلى. وقيل: مع تقاربهما كقارٍ ونفطٍ. ومن أخرج نصابًا من جنسٍ من معادِنَ؛ ضُمَّ؛ كالزَّرع في مكانَينِ. (وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا (٦) إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ)؛ لأنَّه قبل ذلك لا يُتحقَّق إخراج الواجب، فلم يَجُزْ كالحبوب، فلو أخرج رُبُعَ عُشْرِ ترابِه قبل تصفيته؛ رده إن كان باقيًا، أو قيمته إن كان تالفًا، ويُقبَل قولُ الآخِذ في قدره؛ لأنَّه غارِمٌ. فإن صفَّاه الآخِذُ فكان الواجب؛ أجزأ، وإن زاد؛ ردَّ الفاضل إلاَّ أنْ يتركه المخرج، وإن نقص كمَّله. ولا يحتسب بمؤنتهما في الأصحِّ؛ كمؤنة استخراجه، فإن كان دينًا عليه (٧) احتَسب به على الصَّحيح، كما يَحتَسِب بما أنفق على الزَّرع.

стр. 1549

وأطلق في «الكافي»: لا يحتسب به؛ كمؤن (١) الحصاد والزِّراعة. وظاهره: أنَّه يجزئ إخراج القيمة عن غيرها قبل السَّبْك والتَّصفية، وهو غير ظاهِرٍ. مسألةٌ: يجوز بَيعُ تراب معدِنٍ وصاغة بغير جنسه، نَصَّ عليه (٢)، كعرض (٣)؛ لأنَّه مستورٌ بما هو من (٤) أصل الخلقة؛ كالباقِلاَّء في قشريه. وعنه (٥): لا؛ كجنسه (٦)، ونقل مهنى (٧): (لا في تراب صاغةٍ، وإن غيره أهون)، وزكاته على البائع؛ لوجوبها عليه؛ كبيع حبٍّ بعد صلاحه. (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، وَالمَرْجَانِ) هو نَباتٌ حجَريٌّ يتوسَّط في خلقه بين النبات والمعدِن، ومن خواصِّه: أنَّ النَّظَر إليه يشرح الصَّدر ويُفرِح القلبَ، (وَالعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ)، نَصَّ عليه (٨)؛ وهو المذهب، وقاله عمر بن عبد العزيز والأكثر؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «ليس في العنبر شَيءٌ، إنَّما هو شَيءٌ دسره (٩) البحرُ»، وعن جابِرٍ نحوه، رواهما أبو عُبَيدٍ (١٠)، ولم يأت

стр. 1550

فيه (١) سنَّةٌ صحيحةٌ، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب؛ لأنَّ الغالب فيه وجوده من غير مشقَّةٍ، فهو كالمباحات الموجودة في البَرِّ. (وَعَنْهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ)، نصره القاضي وأصحابُه، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه مستخرَج، فوجب فيه الزَّكاة كالمعدِن. وقيل: غير حيوانٍ، جزم به بعضهم؛ كصيد البَرِّ، ونَصُّ أحمد التَّسويةُ (٢). ومثَّل في «الهداية» و «المستوعب» و «المحرر»: بالمسك والسمك، فيكون المسك بحريًّا، وفي «الشَّرح»: أنَّه لا شَيءَ في السَّمك في قول أهل العلم كافَّةً. ونَصَّ في رواية الميمونِيِّ بأن قال: (كان الحسن يقول في المسك إذا أصابه صاحبه: فيه الزَّكاة) (٣)، شبهه بالسمك (٤) إذا صاده (٥) وصار في يده منه مائتا درهم، وما أشبهه به. وظاهر كلامهم: أنَّه لا زكاة فيه، قال في «الفروع»: وهو أَولَى.

стр. 1551

(فَصْلٌ) (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «وفي الرِّكاز الخُمُس» متَّفقٌ عليه (١)، قال ابن المنذر: (لا نعلم (٢) أحدًا خالف هذا الحديثَ إلاَّ الحسن فإنَّه قال: في أرض الحرب الخمس، وفي أرض العرب الزَّكاة) (٣). (أَيَّ نَوْعِ كَانَ مِنَ المَالِ)؛ كالنَّقدين، والحديد، والرَّصاص، ونحوها؛ لأنَّه مالٌ مظهور عليه (٤) من مال الكفَّار، فوجب فيه الخُمُس؛ كالغنيمة، (قَلَّ) ذلك الموجود (أَوْ كَثُرَ)، بخلاف المعدِن والزَّرع؛ لكونهما يحتاجان إلى كُلفةٍ، فاعتبر لهما النِّصاب تحقيقًا. واختلفت الرِّواية في مَصرِفه، فروى عنه محمد بن عبد الحَكَم (٥): أنَّه (لِأَهْلِ الْفَيْءِ) (٦)، اختارها ابن أبي موسى، والقاضي في «تعليقه»، وابن عقيلٍ، وصحَّحها في «المغني»؛ لفعل (٧) عمر، رواه سعيدٌ عن هُشَيمٍ عن مجاهِدٍ (٨)

стр. 1552

عن الشَّعبِيِّ (١)، ولأنَّه مالٌ مخموسٌ كخُمُس الغنيمة، ولا يختص بمصرف الغنيمة، بل الفيء المطلق للمصالح كلِّها. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ زَكَاةٌ)، نقلها حنبلٌ (٢)، واختارها الخِرَقِيُّ، وقدَّمها في «المحرَّر»؛ لأنَّ عليًّا أمر صاحب الكنز أن يتصدَّق بالخُمُس على المساكين (٣)، ولأنَّه حقٌّ يجب في الخارج من الأرض كالمعدِن، فيُصرَف مَصرِف الزَّكاة. ويجب على كلِّ واجدٍ إذا قلنا بأنَّه فَيْءٌ، إلا (٤) إذا كان عبدًا؛ فيكون لسيِّده؛ لأنَّه كسب ماله؛ كالاحتشاش. وإذا قلنا: بأنَّه زكاةٌ لم يجب على من ليس من أهلها. ويملكه صبِيٌّ ومجنونٌ، ويُخرِجه عنهما وليُّهما (٥). وصحَّح بعضُهم وجوبه على كلِّ واجدٍ مطلقًا.

стр. 1553

ويجوز لواجده تَفرِقتُه بنفسه، كما لو قلنا: إنَّه زكاة، نَصَّ عليه (١)، واحتجَّ بقول عليٍّ، وجزم به في «الكافي»؛ لأنَّه أدَّى الحقَّ إلى مستحقِّه. وعنه: لا يجوز، قدَّمه في «منتهى الغاية»؛ كخُمُس الغنيمة والفيء، فعلى هذا هل يضمن؟ ولا يجوز لواجده والمعدن إمساك (٢) الحقِّ لنفسه لحاجة. (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ)؛ لفعل عمر وعلي: أنَّهما دفعا باقِيَ الرِّكاز لواجده (٣)، ولأنَّه مالُ كافِرٍ مظهورٍ عليه، فكان لواجده بعد الخُمُس كالغنيمة، وظاهرُه: أنَّه له ولو كان مستأمنًا بدارنا، ومحلُّه ما لم يكن أجيرًا لطلبه، فإنَّه لا شَيءَ له سوى الأجرة. (إِنْ (٤) وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ)؛ لأنَّه مباحٌ لا حقَّ لأحدٍ فيه؛ كالصَّيد منها، (أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا)، كالأرض التي يوجد فيها آثار الملك من الأبنية القديمة، وجُدران الجاهلية وقبورهم، ولو كان على وجهها، قاله في «الشَّرح»، أو قرية خرابٍ أو طريقٍ غير مسلوكٍ؛ لما روى عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا قال: «وما لم يكن في طريقٍ مأتيٍّ (٥)، ولا في قريةٍ عامرةٍ ففيه وفي الرِّكاز الخُمُس» رواه النَّسائيُّ، وفي لفظٍ: «فإن وجده في خربةِ جاهليَّة أو قريةٍ غير مسكونةٍ؛ ففيه وفي الرِّكاز الخمس» (٦).

стр. 1554

(وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا (١)؛ كمن دخل دار غيره، أو استأجرها أو استعارها، (أَوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ (٢) ببَيعٍ أو هبةٍ؛ (فَهُوَ لَهُ أَيْضًا) في الأشهر؛ لأنَّه ليس من أجزاء الأرض، بل هو مودَع (٣) فيها، فهو كالصَّيد والكَلَأ، يَملِكه مَنْ ظَفِر به كالمباحات كلِّها. وعليها: لا فَرْقَ بين أن يَدَّعيه المالِكُ أو لا. ونقل محمَّد بن يحيى الكحَّال عن أحمدَ فيمن استأجر حفَّارًا ليَحفِرَ له في داره، فأصاب كنزًا؛ فهو للأجير (٤)، وصحَّحه القاضي. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِمَالِكِهَا)، قَطَع به في «الهداية» و «التَّلخيص»؛ لأنَّ يدَه عليها، فكان ما فيها له؛ كالقماش، (أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ)؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه له، (إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ) كلٌّ من المالك والمنتقل (٥) عنه، فإن (٦) انتقلت إليه ميراثًا؛ حكم بأنَّه ميراثٌ، فإن أنكر الورثةُ أنَّه لمُوَرِّثهم؛ فلأوَّل مالِكٍ، وإن اختلفوا أُعطي كلٌّ (٧) حكمَه، (وَإِلاَّ)؛ فإن لم يَعتَرِف به ولم يَدَّعِهِ؛ (فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ (٨)؛

стр. 1555

لأنَّه في ملكه، فكان له كحيطانه. وظاهره: أنَّه له، وإن لم يعترف به، كما لو ادَّعاه بصفة. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يكون كالمال الضَّائع حيث لم يعترف به، وإذا لم يعترف به فادَّعاه واجده فهو له، جزم به بعضهم، وظاهر كلام جماعةٍ خلافُه. وعلى الأُولى؛ إن ادَّعاه المالكُ قبله بلا بيِّنةٍ ولا وصفٍ؛ فهو له مع يمينه (١)؛ لأنَّه ادعى (٢) ممكنًا، وكانت يدُه عليه، فالظَّاهر صدقُه. وعنه: لا تقبل (٣) دعواه -كسائر الدَّعاوى- بلا بيِّنةٍ، ولا ما يقوم مقامها، فعليها: يكون لواجده. ومتى دُفع إلى مدعيه (٤) بعد إخراج خُمُسِه؛ غرِم واجدُه بدله إن كان أُخرج باختياره، فإن كان الإمام أخذه منه قهرًا؛ غرمه، لكن هل هو من ماله، أو من بيت المال؟ فيه الخلاف. وعنه ثالثة: يكون للمالك قبله إن اعترف به، فإن لم يعترف به، أو لم يعرفه الأوَّل؛ فلواجده. وقيل: لبيت المال. (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ حَرْبِيٍّ؛ مَلَكَهُ)، نَصَّ عليه (٥)، إذا قدَر عليه بنفسه؛ لأنَّ المالك لا حرمةَ له، كما لو وجده في مَوَاتٍ. وقيل: غنيمةٌ، خرَّجه في «منتهى الغاية»؛ كما لو قدَر عليه بمَنَعَة.

стр. 1556

(إِلاَّ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً)؛ لأنَّ قُوَّتَهم أوصلته إليه، فكان (١) غنيمةً؛ كالمأخوذ بالحرب. (وَالرِّكَازُ) اشتقاقه من: رَكَز يَركِز، كغَرَز يَغرِز: إذا خفِيَ، ومنه غَرَزْتُ الرَّمحَ، إذا أخفيت أسفله، فهو في اللُّغة: المال المدفون في الأرض، وفي الاصطلاح: (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ لأنَّ دِفْنهم تقادم عهدُه وخفِيَ مكانُه، (عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ)؛ كأسمائهم وأسماء ملوكهم، وهو معنى كلامهم: هو المالُ الجاهلِيُّ المدفونُ. وحكم من تقدَّم من الكفَّار في دار الإسلام؛ كحكم الجاهليَّة. فإن كان على بعضه علامتهم؛ فذكر في «الشَّرح»: (أنه ينبغي أن يكون رِكازًا)، نَصَّ عليه (٢)، وهو قول أكثر العلماء؛ عملاً بالظَّاهر. (فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ) أو على بعضه (عَلَامَةُ المُسْلِمِينَ)؛ كاسم النَّبيِّ ﷺ ، أو أحدٍ من خلفاء المسلمين، أو آيةٍ من القرآن العظيم، (أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ (٣) عَلَامَةٌ)؛ كالحُلِيِّ والسَّبائك والآنية؛ (فَهُوَ لُقَطَةٌ)؛ أيْ: لا يُملَك إلاَّ بعد التَّعريف؛ لأنَّه مالُ مسلمٍ لم يُعلَم زواله عنه، وتغليبًا لحكم دار الإسلام. إلاَّ أن يجده في ملك انتقل إليه (٤)، فيدَّعيه المالك قبله بلا بينة (٥) ولا صفةٍ؛ فهل يُدفَع إليه؟ على روايتَينِ حكاهما في «المحرَّر»، ونقله في «الشَّرح» عنه: إحداهما: لا يُدفع إليه (٦)؛ كاللُّقطة. والثَّانية: بلَى؛ لأنَّه تَبَعٌ للملك.

стр. 1557

(بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ) (وَهِيَ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ)، فدلَّ أن الفلوس الرَّائجة لا تُسمَّى به، ونضَّ (١): لهما خاصَّةً. والأصلُ في وجوبها: الإجماعُ، وسنَدُه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ … ﴾ الآيةَ [التّوبَة: ٣٤]، والسُّنَّةُ مستفيضةٌ بذلك. (وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً، فَيَجِبُ فِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ)؛ لما رَوَى ابن عمر وعائشةَ مرفوعًا: «أنَّه كان يأخذ من كلِّ عشرين مثقالاً: نصفَ مثقالٍ (٢)» رواه ابنُ ماجَهْ (٣)، وعن عليٍّ نحوُه (٤). فالمِثقالُ: دِرهمٌ وثلاثةُ أسباع درهمٍ، وهو ثنتان وسبعون حبَّة شعيرٍ متوسِّطةً، وهو لم يتغيَّر في جاهلية ولا إسلامٍ. (وَلَا فِي الفِضَّةِ (٥) حَتَّى تَبْلُغَ) وزن (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ)؛ لما في «الصَّحيحَين»

стр. 1558

من حديث أبِي سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليسَ فِيما دُون خَمْس أواقٍ صدقةٌ» (١)، فيجب فيها خمسة دراهم؛ لما روَى أنسٌ: أنَّ النبي ﷺ قال (٢): «وفي الرِّقَة ربعُ العشر» متَّفقٌ عليه (٣)، وعن علِيٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كانت مائتيْ درهمٍ؛ ففيها خمسةُ دراهمَ» (٤). والاِعتبارُ بالدِّرهم الإسلاميِّ الذي وزنه ستَّة دوانيق (٥)، والعشرةُ سبعةُ مثاقيلَ؛ لأنَّها كانت في صدر الإسلام سَوداء، وزن الدِّرهم منها: ثمانية دوانيق (٦) وطبرية، الدرهم منها (٧): أربعة دوانيق، فجمعتْها بنو أُميَّة، وقسمتها على اثنين، فصار الدِّرهم منها ستة دوانيق (٨)، وذَكَره النَّوويُّ إجماعَ العصر الأوَّلِ (٩). وقد سُئِل في رواية المرُّوذِيِّ عن دراهمَ صغار فقال: (تُرَدُّ إلى المثاقيل) (١٠)، فالدِّرهمُ نصفُ مِثقالٍ، وخُمُسُه، وهو خمسون (١١) حبَّةً وخُمُسا حبَّةٍ. فنصاب الذَّهب: ثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعةُ أسباع درهمٍ، وقَدْرُه:

стр. 1559

خمسةٌ وعشرون دينارًا وسُبُعا دينارٍ، وتُسُعُه على التَّحديد الذي زنته درهمٌ وثُمُن درهمٍ. لكن قال الأثرم: قد اصطلح النَّاسُ على دراهمنا، فيزكي المائتي درهمٍ من دراهمنا هذه، فيُعطِي منها خمسة دراهمَ. والأوَّل المذهب. قال القاضي عِياضٌ: (لا يصح أن تكون (١) الأوقيَّة والدَّراهم مجهولةً زمن النَّبيِّ ﷺ ، وهو يوجب الزَّكاة في أعداد منها، وتقع (٢) بها البياعات (٣) والأنكحة كما في الأخبار الصَّحيحة، وهو يبين أن قول من (٤) يزعم أنَّ الدراهم لم تكن معلومةً إلى زمن عبد الملك، وأنَّه جمعها برأي العلماء، وجعل وزن الدِّرهم منها ستة دوانيق (٥)؛ قولٌ باطلٌ، وإنما معنى ما نقل من ذلك: أنَّه لم يكن منها (٦) شَيءٌ من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف (٧)، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم) (٨). (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهِمَا (٩) حَتَّى يَبْلُغَ (١٠) قَدْرُ مَا فِيهِ) من النَّقد الخالِصِ (نِصَابًا)؛ للنُّصوص الدَّالَّة علَى اعتبار النِّصاب.

стр. 1560

وذكَر ابن حامِدٍ وجهًا: إنْ بلَغَ مضروبُه نصابًا؛ زكَّاه، وظاهره: ولو كان الغِشُّ أكثرَ. وقال أبو الفرج: يُقوَّم مضروبه (١) كالعُروض. (فَإِنْ شَكَّ فِيهِ)؛ أي: في بلوغ قدرِ ما في المغشوش من النقد نصابًا؛ (خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ)؛ ليَعلَم قدْرَ ما فيه، (وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ)؛ أي: يستظهر ويخرج؛ ليسقط الفرض بيقينٍ. فعلَى هذا: إذا سَبَكه فظهَر نِصابًا فأكثرَ؛ أخرج رُبُعَ عُشُرِه؛ لأنَّه الواجب، وإن كان دونه فلا. وإن استظهر؛ فيخرج ما يُجزِئه بيقينٍ. وقيل: لا زكاةَ. وإن وجبت الزَّكاةُ، وشكَّ في زيادةٍ؛ استظهر، فألفٌ ذهبٌ وفضَّةٌ؛ ستُّمائةٍ من أحدهما: يُزكِّي ستمائة ذهبًا، وأربعمائة فضَّةً، وإن لم يجزئ ذهبٌ عن فضَّةٍ؛ زكَّى ستمائة ذهبًا، وستمائةٍ فضةً. وظاهره: أنَّه إذا عَلِم قدر الغشِّ؛ بأن يكون في كلِّ دينارٍ سُدسُه؛ جاز أن يخرج منها؛ لأنَّه يكون مخرِجًا لرُبُع العشر. وإن اختلَف قدْرُ الغِشِّ، أو لم يعلم؛ لم يجزئه إلا أن يستظهر، فيخرج قدر الزَّكاة بيقينٍ، وإن أخرج عنها ما لا غِشَّ فيه؛ فهو أفضلُ. وذكر الأصحاب: إن زادت قيمة المغشوش بصنعة الغِشِّ؛ أخرج ربع عشره، كحُليِّ الكِراء إذا زادت قيمته بصناعته. فائدةٌ: يُعرَف قدْرُ غشِّه (٢) بوضع ذهبٍ خالِصٍ زنة مغشوشٍ في ماءٍ، ثمَّ فضَّةٍ كذلك، وهي أضخمُ، ثمَّ مغشوش، ويُعلِمُ علوَّ الماء، ويَمسَح بين كلِّ

стр. 1561

علامتَين، فمع استواء الممسوحين نصفه ذهبٌ، ونصفه فضَّةٌ، ومع زيادةٍ ونقصٍ بحسابه. تذنيبٌ: يُكرَه ضرب نقدٍ مغشوشٍ واتخاذه، نَصَّ عليه. وعنه: يَحرُمُ، قال في رواية محمَّد بن عبيد الله المنادِي: ليس لأهل الإسلام أن يضربوا إلاَّ جيِّدًا (١). ويُكرَه الضَّرب لغير السلطان، قاله ابن تميم، وقال في رواية جعفر بن محمد (٢): لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان (٣)؛ لأنَّ النَّاس إن رُخِّص لهم ركبوا العظائم. (وَيُخْرِجُ عَنِ الجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِنْ جِنْسِهِ)؛ لأِنَّ إخراج غير ذلك خبيثٌ، فلم يَجُزْ، وكالماشية، ويُخرِج عن الرَّديء من جنسه؛ لأنَّها مواساةٌ. فإن كان المالُ أنواعًا متساويةَ القيمة؛ جاز إخراجها من أحدها، وإن اختلفت القيمة؛ أخذ من كلِّ نَوعٍ بحِصَّته. وجزم المؤلف في «المغني» و «الشَّرح»: إن شقَّ لكثرة الأنواع فمن الوسط؛ كالماشية. وإن أخرج بقدر الواجب من الأعلى؛ كان أفضلَ، وإن أخرج عن الأعلى من الأدنى أو الوسط، وزاد قدْرَ القيمة جاز، نَصَّ عليه (٤)، وإن أخرج من الأعلى بقدر القيمة دون الموزون (٥)؛ لم يَجُزْ. (فَإِنْ أَخْرَجَ) أي: عن الصِّحاح (مُكَسَّرًا، أَوْ) أخرج عن الجِياد (بَهْرَجًا)

стр. 1562

أي: رديئًا؛ وهو المغشوش، أو أخرج سودًا عن بيض (١)؛ (زَاَد قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)، وجزم به أكثرُهم؛ لأنه أدَّى الواجب عليه قِيمةً وقَدْرًا، وكما لو أخرج من عينه. وظاهره: أنَّه لا يُجزِئُ مطلقًا. وقيل: يجب المثل، اختاره أبو الخطَّاب والقاضي في «المجرد» في غير مكسَّرٍ عن صحيحٍ؛ لأنَّ سبب الوجوب جيِّدٌ صحيحٌ، فلم يُجزِئْ ضده (٣)، كالمريضة عن الصِّحاح، فإذا تساوى الواجب والمُخرَج في القيمة والوزن؛ جاز، بخلاف سائر الأموال، فالقصد (٤) منها الانتفاعُ بعينها. (وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أَوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الآْخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٥): يُكمَّل نِصابُ أحدهما بالآخَرِ، اختارها (٦) الخَلاَّلُ والخرَقِيُّ والقاضي وأصحابه، وصاحب «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ مقاصدهما (٧) وزكاتهما متَّفقةٌ، فهما كنوعي الجنس الواحد، فعليها: لا فرق بين الحاضر والدَّين إذا كان فيه الزَّكاةُ. والثَّانيةُ: لا ضَمَّ، قال المجْدُ: يُروى أنَّ أحمد رجع إليها أخيرًا (٨)، اختارها أبو بَكرٍ، وقدَّمها في «الكافي» و «الرِّعاية» وابنُ تميمٍ؛ لقوله: «ليس

стр. 1563

فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صدقةٌ» (١)، ولأنَّهما مالان يختلف نصابهما، فلم يَجُز الضَّمُّ كأجناس الماشية، قال ابن المنجَّى: وهذه أصحُّ؛ لأنَّها أقوى دليلاً وأصحُّ تعليلاً. وأجيب: بأنَّ الخبرَ مخصوصٌ بعَرْض التِّجارة، فيَصِحُّ القياس. ونَقَل الأثرمُ عنه: الوقْفَ (٢)، فيكون قولاً ثالثًا. وأمَّا إخراجُ أحدهما عن الآخَر؛ فيجوز، صحَّحها في «المغني» وغيره؛ لأنَّ المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر، فهو كأنواع الجنس. والثَّانية: لا يجوز، اختارها أبو بكرٍ؛ لأنَّهما جنسان، فيمتنع؛ كسائر الأجناس. وعلى الأولى: لا يجوز الإبدالُ في موضع يَلحَقُ الفقيرَ ضَرَرٌ. فإن اختار المالك الدَّفع من جنس الواجب، وأراد الفقير من غيره ولو لضَررٍ يَلحَقُه؛ لم يَلْزَم المالكَ إجابتُه؛ لأنَّه أدَّى ما فُرِض عليه، فلم يُكلَّفْ سواه. وقيل: اختلاف الرِّوايتَين مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإن قيل بجوازه جاز، وإلاَّ فلا. (وَ) على القول بجواز الضَّمِّ؛ (يَكُونُ الضَّمُّ بِالأَجْزَاءِ) على المنصوص (٣)، وجزم به الأكثر؛ لأنَّه لو انفرد لاعتبر بنفسه، فكذا إذا ضُمَّ إلَى غيره كالمواشي، ولأنَّ الضَّمَّ بالأجزاء مُتيَقَّنٌ، بخلاف القيمة، فإنَّه ظَنٌّ وتَخمينٌ، كما لو كان ملكُه عشرةَ دنانيرَ ومائةَ درهمٍ، فكلٌّ منهما نصفُ نِصابٍ، فمجموعهما نصاب، وكذا لو كان الثُّلُث أو بقية الأجزاء من أحدهما،

стр. 1564

والباقي من الآخَر. (وَقِيلَ: بِالقِيمَةِ)، قاله أبو الخَطَّاب، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (١)؛ لأنَّ كلَّ نصابٍ ضُمَّ، فإنَّه بالقيمة؛ كنصاب السَّرقة. (فِيمَا فِيهِ الحَظُّ لِلمَسَاكِينِ)؛ لأنَّ أصل الضَّمِّ إنَّما شُرِع لأجل (٢) الحظِّ، فإذا كان له تسعة دنانيرَ قيمتها مائة درهمٍ، وله مائةٌ أخرى؛ ضُمَّا. وعلى الأجزاء: لا. وظاهره: أنَّ الأحظَّ مفرَّعٌ على القول بالقيمة فقط؛ لانقطاعه عمَّا قبله، وليس كذلك، بل هو راجِعٌ إليهما، فلهذا (٣) في «الفروع»: (وعنه: يُكمَّل أحدُهما بالآخَرِ بالأحظِّ للفقراء من الأجزاء أو القيمة، ذكرها القاضي وغيره). وعنه: بالقيمة إلى وزن الآخَر، فيقوم الأعلى بالأدنى. وعنه: يُضَمُّ الأقلُّ إلى الأكثر، ذكرها في «منتهى الغاية». فرعٌ: يُضمُّ جيِّدُ كلِّ جنسٍ إلى رديئه، ومضروبه إلى تبره (٤). (وَتُضَمُّ (٥) قِيمَةُ العُرُوضِ)؛ أي: عروض التِّجارة (إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، بغير خلافٍ نعلمه (٦)، كمن له عشرةُ دنانيرَ، ومتاعٌ قِيمتُه عشرةٌ أخرى، أو له مائة درهمٍ ومتاعٌ قيمتُه مثلُها؛ لأنَّ الزَّكاة إنِّما تجب في قيمة العروض، وهي تُقوَّم بكلٍّ منهما، فكانا مع القيمة جنسًا واحدًا، فلو كان ذهبٌ وفضَّةٌ وعروضٌ؛ ففي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يُضَمُّ الجميعُ في تكميل النِّصاب.

стр. 1565

(فَصْلٌ) (وَلَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ المُبَاحِ المُعَدِّ للاِسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)؛ لما رَوى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِي الحُلِيِّ زَكاةٌ» رواه الطبري (١)، وهو قولُ ابنِ عمرَ وعائشةَ وأسماءَ بِنتَيْ أبِي بكرٍ وجماعةٍ من التَّابعين (٢)، ولأنَّه

стр. 1566

مُرصَدٌ للاستعمال (١) المباح، فلم يجب؛ كالعواملِ وثيابِ القُنية، قال جماعةٌ: معتاد، ولم يذكره آخرون، لرجلٍ أو امرأةٍ، إن أُعِدَّ للُبْس مباحٍ أو إعارة، ولو من يَحرُم عليه؛ كرجلٍ يتَّخذ حلي النساء لإعارتهن، أو امرأةٍ تتَّخذ حلِيَّ الرِّجال لإعارتهم، ذكره جماعةٌ. والثَّانية: تجب إذا لم يُعَرْ ولم يُلبَس، قاله في «الأحكام السُّلطانيَّة»، نقل ابنُ هانئ: (زكاته عاريَّتهُ) (٢)، وقال: (هو قول خمسةٍ من الصَّحابة) (٣). وعنه: مطلقًا؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لامرأةٍ في يدها سواران من ذهب: «هل تُعطِينَ زكاةَ هذا؟»، قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أن يُسوِّركِ الله بسِوارَين من نارٍ». وجوابُه: بأنَّه ضعيفٌ، قاله أبو عُبَيدٍ والتِّرمذيُّ (٤).

стр. 1567

ولما صحَّ من قوله: «وفي الرِّقة ربع العشر» (١). وجوابه: بأنَّها هي الدَّراهم المضروبة، قال (٢) أبو عبيد: (لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلاَّ على الدَّراهم المضروبة ذات السكة السَّائرة بين النَّاس) (٣)، وعلى التَّقدير: الشمول (٤) يكون مخصوصًا بما ذكرنا. ويُستثْنَى منه: إذا كان الحلِيُّ ليتيمٍ لا يلبسه؛ فلوليِّه إعارته، فإن فعل؛ فلا زكاةَ، وإن لم يُعِرْه؛ وجبت، نَصَّ على ذلك (٥)، ذكره جماعةٌ. (فَأَمَّا الحُلِيُّ المُحَرَّمُ)؛ لأنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ، فلم يخرج به (٦) عن أصله، وكذا

стр. 1568

قال أحمدُ: (ما كان على سَرْجٍ ولجام) (١)، ويُلحَق به: الآنيةُ من النَّقدَين؛ لأنَّ الصِّناعةَ لمَّا كانت لمحرَّم جعلت كالعدم، ولا يلزم من جواز الاتِّخاذ جواز الصَّنعة، كتحريم تصوير ما يُداس مع جواز اتِّخاذه. (وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ)، بكسر الكاف والمدِّ فقط، فنَصَّ على وجوبها (٢)، سواءٌ حلَّ له لُبسه أوْ لا؛ لأنَّ الأصل في جنسه الزَّكاة، وكما لو أعد لتجارةٍ؛ كحلِيِّ الصَّيارف. (أَوِ النَّفَقَةِ؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ)؛ لأنَّه إنَّما سقطت مما أُعِدَّ للاستعمال بصرفه عن جهة النَّماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل، وقيَّدها في «المحرَّر» و «الشَّرح»: بالاحتياج إليه. قال (٣) في «الفروع»: أو لم يقصد ربه (٤) شيئًا. (إِذَا بَلَغَ) كلُّ واحدٍ (نِصَابًا، وَالاِعْتِبَارُ) في نصاب الكلِّ (بِوَزْنِهِ)، هذا المذهب؛ لعموم: «ليس فيما دُونَ خَمْس أواقٍ صدقةٌ» (٥)، ولو زادت قيمتُه؛ لأنَّها حصلت بواسطة صَنعةٍ محرَّمةٍ يجب إتلافها شرعًا، فلم يعتبر. وحكى أبو الخطَّاب وجهًا: باعتبار قيمته إذا كانت صناعتُها مباحةً، كمن عنده حُلِيٌّ للكراء وزنُه مائةٌ وخمسون درهمًا، قيمتُه مائتان. وقيل: تعتبر (٦) القيمة مطلقًا، وحُكِيَ روايةً، بِناءً على أنَّ المحرَّم لا يحرم (٧) اتِّخاذه، ويضمن صنعتَه بالكسر.

стр. 1569

(إِلاَّ مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ)؛ كحُلِيِّ التِّجارة، (فَإِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِي الإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ)، هذا قولٌ؛ لأنَّه لو أخرج رُبُع عُشْرِه لوقعت القيمة المقوَّمة شرعًا لا حظَّ فيها للفقراء، وهو ممتَنِعٌ. فعلَى هذا: إذا كان وزنه مائتين وقيمته ثلاثمائةٍ؛ فعليه قدْرُ ربع عُشْره (١) وزنًا وقيمةً؛ لأنَّها بغير محرَّمٍ، أشبه زيادة قيمته لنفاسة (٢) جوهره. وإن أخرج رُبُعَ عُشُره مُشاعًا، أو مثله وزنًا مِمَّا يُقابِل جودتَه زيادة الصَّنعة؛ جاز، وإن (٣) جبر (٤) زيادة الصَّنعة بزيادةٍ في المُخرَج، فكمكسَّرة عن صحاحٍ، فإن أراد كسره (٥) مُنِع؛ لنقص قيمته. وقال ابنُ تميمٍ: (إن أخرج من غيره بقدره جاز، ولو من غير جنسه، وإن لم تعتبر القيمة لم يُمنَع من الكسر، ولم يخرج من غير الجنس). لكنْ ذكر أبو الخطَّاب: أنَّ ظاهر كلام أحمد أنَّه تعتبر القيمة في الإخراج إن اعتبرت في النِّصاب، وإن لم تعتبر (٦) في النِّصاب لم تعتبر (٧) في الإخراجِ؛ لما فيه من سوء المشاركة، أو تكليفه أجود ليقابل الصنعة. فإن كان مُعَدًّا للتِّجارة؛ فتجب (٨) الزَّكاة في قيمته؛ كالعروض. (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الخَاتَمُ)؛ لأنَّه «﵇ اتَّخذ خاتَمًا من وَرِقٍ» متَّفقٌ عليه (٩).

стр. 1570

قال أحمد في خاتم الفضة للرجل: (ليس به بأس) (١)، واحتج: بأن «ابن عمر كان له خاتم» رواه أبو داود (٢). وظاهر ما نُقل عن أحمد (٣): أنَّه لا فضلَ فيه (٤)، وجزم به في «التَّلخيص» وغيره. وقيل: يُستحَبُّ، قدَّمه في «الرِّعاية». وقيل: يُكرَه لقصد الزِّينة، جزم به ابنُ تميمٍ. والأفضلُ جعل فَصِّه (٥) مما يَلِي كفَّه، وله جعل فصِّه منه ومن (٦) غيره. والمنقول: أنَّه يجعله في يساره (٧)؛ لأنَّه أثْبتُ، وضعَّف في رواية الأثرم التَّختُّم في اليمين (٨).

стр. 1571

وقيل: اليمينُ أفضلُ؛ لأنَّها أحقُّ بالإكرام. ويُكرَه في السَّبابة والوسطى؛ للنَّهي عنه (١)، قال أبو المعالي: والإبهام مثلهما، فالبِنْصر مثله ولا فرْق. فائِدةٌ: يُسنُّ أن يكون دون (٢) مثقالٍ، قاله في «الرِّعاية»، وظاهر كلام أحمد والمؤلِّف: لا بأس بأكثر من ذلك؛ لضعف خبر بريدة (٣)، والمراد: ما لم يخرج عن العادة، وإلاَّ حَرُم؛ لأنَّه الأصلُ. ويُكرَه أن يُكتَب عليها ذكرُ الله تعالَى، قرآنٌ أو غيرُه، وفي «الرِّعاية»: أو رسوله، وفي «الفروع»: يتوجَّه احتمال لا يُكرَه، وقاله أكثر العلماء؛ للنَّصِّ الصَّريح (٤). فَرعٌ: لو (٥) اتَّخذ لنفسه عدَّة خواتيم؛ لم تسقط الزَّكاة فيما خرج عن العادة، إلاَّ أن يتَّخذ ذلك لولده أو عبده. وظاهر كلامِ جماعةٍ: لا زكاةَ.

стр. 1572

(وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ)؛ لقول أنَسٍ: «كانت قبيعةُ سيفِ النَّبيِّ ﷺ فضَّةً» رواه الأثرم (١)، والقبيعة: ما يُجعَل على طرف القَبضة، وعبارة الخِرَقِيِّ أعمُّ (٢)، وهي (٣) مقتضى كلام أحمد، وعليه اعتمد الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في «شرحه» (٤)، قال هشام: (كان سيفُ الزُّبير محلًّى بالفضَّة) رواه الأثرم (٥)، ولأنَّها حِلْيةٌ معتادةٌ للرجل، أشبهت الخاتَمَ.

стр. 1573

(وَفِي حِلْيَةِ المِنْطَقَةِ)، وهي ما شدَدْتَ به وسَطَك، قاله الخليل (١)، وتسمِّيها العامَّة: الحياصة؛ (رِوَايَتَانِ): أصحُّهما: أنَّه يُباحُ؛ لأنَّ الصَّحابة اتَّخذوا المناطِقَ محلاَّةً بالفضَّة (٢)، وهي كالخاتم. والثَّانية: لا؛ لما فيه من الفخر والخُيَلاء، ولأنَّها تُشعِرُ بالتَّخنُّث والاِنْحِلال، أشبه الطَّوق والدُّمْلُج. (وَعَلَى قِيَاسِهَا): حِلْيَة (الجَوْشَنِ) وهو الدِّرْع، (وَالخُوذَةِ) وهي البَيضة، (وَالخُفِّ والرَّانِ (٣) وهو شَيءٌ يُلبَسُ تحت الخُفِّ معروفٌ، (وَالحَمَائِلِ)، واحدتها حِمالةٌ، قاله الخليل (٤)، وذلك كلُّه يساوي المِنطَقة معنًى، فوجب أن يساويَها حُكمًا، قاله الأصحابُ، وعلَّله المجْدُ: بأنَّه يسير (٥) فضَّة في لباسه، وجزم في «الكافي» بإباحة الكلِّ. ونَصُّ أحمدَ في الحمائل بالتَّحريم (٦).

стр. 1574

وظاهر كلام بعضهم: أنَّ الخلاف أيضًا في المِغْفَر والنَّعل ورأس الرُّمح وشعيرة السِّكِّين، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١): وتِركاش النَّشَّاب والكلاليب؛ لأنه يسيرٌ تابِعٌ. ولا يُباح غير ذلك؛ كتحلية المراكبِ ولباس الخيلِ؛ كاللُّجم، وتحلية الدَّواة، والمِقلمة، والمرآة، والكمران، والمشط، والمكحلة، والمِيل، والقنديل. (وَ) يُباح للرجل (مِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ)؛ لأنَّ «عمرَ كان له سيفٌ فيه سبائك (٢) من ذهبٍ»، و «عثمان بن حُنيف كان في سيفه مِسْمارٌ من ذهَبٍ»، ذكرهما (٣) أحمد (٤)، وقيَّدها باليسير، مع أنَّه ذكر أنَّ قبيعة سيف النَّبيِّ ﷺ كان وزنُها ثمانيةَ مثاقِيلَ (٥)، فيَحتَمِل أنَّها كانت ذهبًا وفضَّةً، وقد رواه التِّرمذيُّ كذلك (٦).

стр. 1575

وعنه: يَحرُم، قال الأثرم: سألتُ أبا عبد الله: يَخاف عليه أن يسقُط يجعل فيه مسمارًا من ذهبٍ؟ قال: (إنَّما رُخِّص في الأسنان) (١). (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ؛ كَالْأَنْفِ)، وإن أمكن اتخاذه من فضَّةٍ؛ لأنَّ «عرفجة بن أسعد قُطِع أنفُه يوم الكُلاب، فاتَّخذ أنفًا من فضَّة، فأنْتَن عليه، فأمره النَّبيُّ ﷺ ، فاتخذ أنفًا من ذَهَبٍ» رواه أبو داود وغيرُه، وصحَّحه الحاكم (٢)، والحكمةُ في الذَّهب: لا يصدأ، بخلاف الفضَّة. (وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ) لِمَا رَوى الأثْرمُ عن موسى بنِ طلحةَ، وأبي جمرة الضُّبَعي، وأبي رافِعٍ، وثابِتٍ البُنَانِيِّ، وإسماعيل بن زيد بن ثابتٍ، والمغيرة بن عبد الله: (أنَّهم شَدُّوا أسنانَهم بالذَّهب)؛ وهي ضرورةٌ، فأبيح (٣)؛ كالقبيعة، بل أَولَى.

стр. 1576

ويتوجَّه جوازه في الأَنمُلة كالسِّن. وظاهره: يحرم عليه (١) يسيرُ ذلك منفرِدًا؛ كالأصبع والخاتم إجماعًا (٢). وعن بعض العلماء كراهته. وعن بعضهم إباحته. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ (٣) الذَّهَبِ) مطلقًا؛ لقوله: «نُهِيَ عن لُبْس الذَّهب إلاَّ مقطَّعًا» (٤). وقيل: يُباح في سلاحٍ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). وقيل: كلُّ ما أبيح تحليته بفضَّةٍ أبيح بذهبٍ، وكذا تحلية خاتم الفضَّة به. والصَّحيح التَّحريم كالكثير؛ للعموم، ولما (٦) روى أحمدُ من رواية شهر بن حَوشبٍ -وهو مختلَفٌ فيه- عن أسماءَ بنتِ يزيدَ قالت (٧): قال رسول الله ﷺ : «لا يَصلُح من الذَّهب شَيءٌ، ولا خَرْبَصِيصَةٌ» انتهى (٨)، وهي القِطعة من

стр. 1577

الحُلِيِّ بقدر عين الجرادة؛ ولأنَّ فيه سرَفًا (١). (وَيُبَاحُ للنِّسَاءِ (٢) كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ)؛ كالطَّوق في الحلق، والخلخال، والسِّوار، والقُرْط في الأذن، وظاهره: من ذهبٍ وفضَّةٍ، قال الأصحاب: وما في المخانِق والمقالِد من حرائز وتعاويذ (٣)، قال جماعة: والتَّاج وما أشبه ذلك؛ لقوله ﵇: «أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ للإناثِ مِنْ أمَّتِي، وحُرِّم على ذكورِها» (٤)، وهي محتاجةٌ إلى التَّجمُّل والتَّزيُّن لزوجها.

стр. 1578

وظاهره: أنَّ ما لم تَجرِ العادةُ بلُبسه، كالثياب المنسوجة بالذهب، والنِّعال الذهب؛ لا يُباح لهنَّ؛ لانتفاء التَّجمُّل، فلو اتَّخذته حرُم (١)، وفيه الزَّكاة. (قَلَّ أَوْ كَثُرَ)؛ لأنَّ الشَّارع أباح لهنَّ التَّحلِّي مطلقًا، فلا يجوز تقييده بالرَّأي والتَّحكُّم. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ؛ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ)؛ لما روى أبو عُبَيدٍ عن جابِرٍ (٢)، ورواه الشَّافعي عنه أيضًا (٣)، ولأنَّه سَرَفٌ وخُيَلاء، ولا حاجة إليه في الاستعمال، قال في «التَّلخيص»: إن بلغ ألفًا فهو كثيرٌ، فيَحرُم للسَّرف، ولعلَّ مراده عن الذَّهب، كما صرَّح به بعضُهم. وأباح القاضي ألفَ مِثقالٍ فما دون، ويعتبر (٤) مجموعُه لا مفرداتُه. وقال ابنُ عَقيلٍ: يُباح المعتاد، فإن بلغ الخَلْخال ونحوه خمسمائة دينارٍ؛ فقد خرج عن العادة، وتُحقِّق السَّرف، فلم يُبحْ. والأصح الأوَّلُ، وحديثُ جابِرٍ ليس بصريحٍ، بل يَدُلُّ على (٥) التَّوقُّف، ونقل الجوزجاني عنه (٦) أنَّه قال: «ليس في الحُلِيِّ زكاةٌ، وإن بلغ ألف مِثْقالٍ؛

стр. 1579

لأنَّه يُعارُ ويُلْبَسُ». فَرعٌ: يجوز للمرأة التحلية بدراهمَ أو دنانيرَ معراة، أو في مرسلة (١) في وجه، وعليها؛ تسقط (٢) الزَّكاة. مسألةٌ: يجوز للمرأة والرَّجل التَّحلِّي بالجوهر، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مُعدٌّ للاستعمال كثياب البِذلة، إلا أن يكون لتجارة، فيُقوَّمُ جميعُه تَبَعًا. وذكر أبو المعالي: يكره للرَّجل، قال في «الفروع»: (ولعلَّ مرادَه غير تختُّمه بذلك)، وهو ظاهِرٌ. فأمَّا تشبه الرَّجل بالمرأة، وعكسه فيَحرُم، واحتجَّ أحمدُ بلعن المتشبهات (٣) من النِّساء بالرجال (٤)، وجزم جماعةٌ بالكراهة مع جزمهم بتحريم (٥) اتِّخاذ أحدهما حلي الآخر ليلبسه (٦). وحكى ابن حزم (٧) الاتِّفاق على إباحة تحلِّي النِّساء بالجواهر والياقوت، واختلفوا في ذلك للرِّجال إلاَّ في الخاتم، فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ التَّختُّمَ لهم بجميع الأحجار مباحٌ (٨). ويُستحَبُّ بالعقيق؛ لقوله: «تختَّموا بالعقيق؛ فإنَّه مبارَكٌ»، وضعَّفه

стр. 1580

العُقَيلِيُّ، وفي دَعْوى ابنِ الجوزيِّ أنَّه من الموضوعات؛ نظر (١). ويُكرَه لهما خاتَمُ حديدٍ، وصُفر، ونحاسٍ، ورصاصٍ، نَصَّ عليه، نقل مُهَنَّى: أكرَهُ خاتم الحديد؛ لأنَّه حِلْيةُ أهلِ النَّار (٢).
следующие страницы →