← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ويتوجَّه جوازه في الأَنمُلة كالسِّن. وظاهره: يحرم عليه (١) يسيرُ ذلك منفرِدًا؛ كالأصبع والخاتم إجماعًا (٢). وعن بعض العلماء كراهته. وعن بعضهم إباحته. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ (٣) الذَّهَبِ) مطلقًا؛ لقوله: «نُهِيَ عن لُبْس الذَّهب إلاَّ مقطَّعًا» (٤). وقيل: يُباح في سلاحٍ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). وقيل: كلُّ ما أبيح تحليته بفضَّةٍ أبيح بذهبٍ، وكذا تحلية خاتم الفضَّة به. والصَّحيح التَّحريم كالكثير؛ للعموم، ولما (٦) روى أحمدُ من رواية شهر بن حَوشبٍ -وهو مختلَفٌ فيه- عن أسماءَ بنتِ يزيدَ قالت (٧): قال رسول الله ﷺ : «لا يَصلُح من الذَّهب شَيءٌ، ولا خَرْبَصِيصَةٌ» انتهى (٨)، وهي القِطعة من

стр. 1577

الحُلِيِّ بقدر عين الجرادة؛ ولأنَّ فيه سرَفًا (١). (وَيُبَاحُ للنِّسَاءِ (٢) كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ)؛ كالطَّوق في الحلق، والخلخال، والسِّوار، والقُرْط في الأذن، وظاهره: من ذهبٍ وفضَّةٍ، قال الأصحاب: وما في المخانِق والمقالِد من حرائز وتعاويذ (٣)، قال جماعة: والتَّاج وما أشبه ذلك؛ لقوله ﵇: «أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ للإناثِ مِنْ أمَّتِي، وحُرِّم على ذكورِها» (٤)، وهي محتاجةٌ إلى التَّجمُّل والتَّزيُّن لزوجها.

стр. 1578

وظاهره: أنَّ ما لم تَجرِ العادةُ بلُبسه، كالثياب المنسوجة بالذهب، والنِّعال الذهب؛ لا يُباح لهنَّ؛ لانتفاء التَّجمُّل، فلو اتَّخذته حرُم (١)، وفيه الزَّكاة. (قَلَّ أَوْ كَثُرَ)؛ لأنَّ الشَّارع أباح لهنَّ التَّحلِّي مطلقًا، فلا يجوز تقييده بالرَّأي والتَّحكُّم. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ؛ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ)؛ لما روى أبو عُبَيدٍ عن جابِرٍ (٢)، ورواه الشَّافعي عنه أيضًا (٣)، ولأنَّه سَرَفٌ وخُيَلاء، ولا حاجة إليه في الاستعمال، قال في «التَّلخيص»: إن بلغ ألفًا فهو كثيرٌ، فيَحرُم للسَّرف، ولعلَّ مراده عن الذَّهب، كما صرَّح به بعضُهم. وأباح القاضي ألفَ مِثقالٍ فما دون، ويعتبر (٤) مجموعُه لا مفرداتُه. وقال ابنُ عَقيلٍ: يُباح المعتاد، فإن بلغ الخَلْخال ونحوه خمسمائة دينارٍ؛ فقد خرج عن العادة، وتُحقِّق السَّرف، فلم يُبحْ. والأصح الأوَّلُ، وحديثُ جابِرٍ ليس بصريحٍ، بل يَدُلُّ على (٥) التَّوقُّف، ونقل الجوزجاني عنه (٦) أنَّه قال: «ليس في الحُلِيِّ زكاةٌ، وإن بلغ ألف مِثْقالٍ؛

стр. 1579

لأنَّه يُعارُ ويُلْبَسُ». فَرعٌ: يجوز للمرأة التحلية بدراهمَ أو دنانيرَ معراة، أو في مرسلة (١) في وجه، وعليها؛ تسقط (٢) الزَّكاة. مسألةٌ: يجوز للمرأة والرَّجل التَّحلِّي بالجوهر، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مُعدٌّ للاستعمال كثياب البِذلة، إلا أن يكون لتجارة، فيُقوَّمُ جميعُه تَبَعًا. وذكر أبو المعالي: يكره للرَّجل، قال في «الفروع»: (ولعلَّ مرادَه غير تختُّمه بذلك)، وهو ظاهِرٌ. فأمَّا تشبه الرَّجل بالمرأة، وعكسه فيَحرُم، واحتجَّ أحمدُ بلعن المتشبهات (٣) من النِّساء بالرجال (٤)، وجزم جماعةٌ بالكراهة مع جزمهم بتحريم (٥) اتِّخاذ أحدهما حلي الآخر ليلبسه (٦). وحكى ابن حزم (٧) الاتِّفاق على إباحة تحلِّي النِّساء بالجواهر والياقوت، واختلفوا في ذلك للرِّجال إلاَّ في الخاتم، فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ التَّختُّمَ لهم بجميع الأحجار مباحٌ (٨). ويُستحَبُّ بالعقيق؛ لقوله: «تختَّموا بالعقيق؛ فإنَّه مبارَكٌ»، وضعَّفه

стр. 1580

العُقَيلِيُّ، وفي دَعْوى ابنِ الجوزيِّ أنَّه من الموضوعات؛ نظر (١). ويُكرَه لهما خاتَمُ حديدٍ، وصُفر، ونحاسٍ، ورصاصٍ، نَصَّ عليه، نقل مُهَنَّى: أكرَهُ خاتم الحديد؛ لأنَّه حِلْيةُ أهلِ النَّار (٢).

стр. 1581

(بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ) هي (١) جمع عَرْضٍ، بإسكان الرَّاء، وهو ما عدا الأثمان والحيوان والنبات، وبفتحها فهو (٢) كثرة المال والمتاع، وسُمِّي عرْضًا؛ لأنَّه يَعرِض ثمَّ يزول ويَفنَى، وقيل: لأنَّه يُعرَض ليُباعَ ويُشتَرَى، تسميةً للمفعول باسم المصدر، كتسمية المعلوم علمًا. وفي اصطلاح المتكلِّمين: هو الذي لا يبقى (٣) زمانَين. وبوَّب عليه في «المحرَّر» و «الفروع»، تَبَعًا للخِرَقِيِّ: بزكاة التِّجارة، وهي أشمل؛ لدخول الأثمان (٤) في النَّقدين، وعدل المؤلِّف عنه؛ لأنَّه ترجم في أوَّل كتاب الزَّكاة بالعُروض. (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعَارج: ٢٤]، و ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبَة: ١٠٣]، ومال التجارة أعمُّ الأموال، فكانت أَولَى بالدُّخول، واحتجَّ الأصحابُ بما روى جعفرُ بن سعد بن سَمُرة بن جُندَبٍ، حدَّثني خُبَيب بن سليمان بن سَمُرة، عن أبيه قال: «أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ كان يأْمُرنا أن نُخرجَ الصَّدقةَ ممَّا نُعدُّه للبيعِ (٥)» رواه أبو داود، قال ابن حزمٍ: (جعفرٌ وخُبَيبٌ مجهولان)، وقال الحافظ عبد الغني: (إسنادُه مقارَبٌ) (٦)، وعن أبِي ذرٍّ مرفوعًا: «وفي البَزِّ صدقةٌ» رواه

стр. 1582

أحمدُ، ورواه الحاكم من طريقين، وصحَّح إسنادَهما، وقال: (إنَّه على شرط الشَّيخَين) (١)، واحتجَّ أحمدُ بقول عمر: «قَوِّمْها ثمَّ أدِّ زكاتَها» (٢).

стр. 1583

وقال المجْدُ: (هو إجماعٌ متقدِّمٌ)، وذكَر الشَّافعيُّ في القديم: أنَّ النَّاس اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم: لا زكاة، وقال بعضهم: تجب، قال: (وهو أحبُّ إلينا)، ومن أصحابه من أثبت له قولاً في القديم: لا تجب (١)، وحكاه أحمدُ عن مالكٍ (٢)، واحتجَّ بقوله ﵇: «عفوتُ (٣) لكم عن صدقة الخيل والرَّقيق» (٤)، ولأنَّ الأصلَ عدمُ الوجوب.

стр. 1584

والأول قولُ الجماهير، وادَّعاه ابنُ المنذر إجماعَ أهل العلم (١)، ولأنَّه مالٌ نامٍ، فوجبت فيه الزَّكاة كالسَّائمة، وخبَرهم المرادُ به زكاةُ العين لا القيمة، على أنَّ خبرنا خاصٌّ، وهو مقدَّمٌ على خبرهم العامِّ. (إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا) وحال عليها الحَول؛ لأنَّه مالٌ نامٍ، فاعتُبِر له ما ذكرنا كالماشية، فعلى هذا: لو نقصت قيمة النِّصاب في بعض الحول، ثمَّ زادت القيمة فبلغته؛ ابتدأ حينئذٍ؛ كسائر أموال الزكاة. (وَيُؤْخَذُ مِنْهَا)؛ أي: من القيمة؛ لأنَّها محلُّ الوجوب كالدَّين؛ رُبُع العُشر، وما زاد فبحسابه؛ لتعلُّقها بالقيمة، (لَا مِنَ العُرُوضِ)، إلاَّ أنْ نقولَ بإخراج القيمة، فيجوز بقدرها وقت الإخراج، وتتكرَّرُ الزَّكاة لكلِّ حَولٍ، نَصَّ عليه (٢). (وَلَا تَصِيرُ) العُروض (لِلتِّجَارَةِ) إلاَّ بشرطَين: أحدُهما: (أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ)، سواءٌ كان بعِوَضٍ كالبيع والنِّكاح، أو لا (٣) كالهِبة والغنيمة، هذا هو الأشهر، وأنَّه لا تعتبر المعاوَضةُ؛ لظاهر خبرِ سَمُرةَ، ولأنَّه ملكها بفعله. واختار في «المجرد»: أنَّه يعتبر (٤) المعاوضة، تمحَّضت كبيعٍ وإجارةٍ، أوْ

стр. 1585

لَا كنكاحٍ وخُلْعٍ وصُلْحٍ عن دمِ عمد، قال المجدُ (١): وهو نَصُّه في رواية ابنِ منصورٍ؛ لأنَّ الغنيمة والهبة (٢) ليس في جِهات التِّجارة كالموروث. وعنه: يُعتبَرُ كَونُ العوض نقدًا، ذكره أبو المعالي؛ لاعتبار النِّصاب بهما، فيُعتبَر أصل وجودهما. الثَّاني: ونبَّه عليه بقوله: (بِنِيَّةِ (٣) التِّجَارَةِ بِهَا) عند التَّملُّك؛ لأنَّ الأعمال بالنِّيَّة، والتِّجارةُ عملُه، فوجب اقتران النِّيَّة به كسائر الأعمال، ولأنَّها مخلوقةٌ في الأصل للاستعمال، فلا تصِيرُ للتِّجارة إلاَّ بنيَّتها، كعكسه. وتُعتبَر النِّيَّةُ في كلِّ الحَول؛ لأنَّه شرطٌ أمكن اعتبارُه في جميعه، فوجب كالنِّصاب. (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) ولو نواها، (أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ؛ لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ)، اختاره الخِرَقِيُّ والقاضي وأكثرُ الأصحاب؛ لأنَّ ما لا تتعلَّق به الزَّكاة من أصله لا يصير (٤) محلًّا بمجرَّد النِّيَّة؛ كالمعلوفة إذا نوى فيها إسامتها؛ ولأنَّ مجرَّد النِّيَّة لا ينقل عن الأصل؛ إذ الأصلُ فيها القُنيةُ. (وَإِنْ (٥) كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ؛ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ)، هذا ظاهر المذهب، وفي «الشَّرح»: أنَّه لا يَختلِف المذهبُ فيه؛ لأنَّ القنية (٦) هي الأصل، فيَكفِي في الرَّدِّ إليه مُجرَّد النِّيَّة، كما لو نوى بالحُلِيِّ التِّجارةَ، والمسافِرُ الإقامةَ، ولأنَّ نيَّة التِّجارة شرطٌ للوجوب فيها، فإذا (٧)

стр. 1586

نوى القُنْيةَ زالت نيَّة التِّجارة، ففات شرطُ الوجوب، بخلاف السَّائمة إذا نوى عَلَفَها، فإنَّ الشَّرطَ الإسامةُ دُونَ نيَّتها. (وَعَنْهُ: أَنَّ العَرْضَ يَصِيرُ (١) لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ)، نقلها صالِحٌ وغيرُه (٢)، واختارها أبو بكر وابنُ عَقيلٍ، وجزم بها في «التَّبصرة» و «الرَّوضة»؛ لعموم حديث سَمُرةَ (٣)؛ ولأنَّ نية القنية (٤) كافيةٌ بمجرَّدها، فكذا نيَّة التِّجارة، بل أولَى؛ إذ الإيجاب يَغلِب علَى الإسقاط احتياطًا. والفَرْقُ ظاهِرٌ، فعلَى الأوَّل لا شَيءَ فيها حتَّى تُباع، ويستقبل بثمنها حَولاً. فَرعٌ: إذا كان عنده ماشيةٌ للتِّجارة نصفَ حَولٍ، فنوى بها الإسامة، وقطع نيَّةَ التِّجارة؛ انقطع حولُها، واستأنَف حول السَّائمة؛ لأنَّ حول التِّجارة انقطع بنيَّة الاقتِناء، وحَولُ السَّائمة لا يَنْبنِي على حَول التِّجارة. قال المؤلف (٥): والأَشْبه بالدَّليل أنَّها متى كانتْ سائمةً في أوَّل الحَول؛ وجبت الزَّكاةُ فيها عند تمامه، وروي عن إسحاقَ. (وَتُقَوَّمُ (٦) العُرُوضُ عِنْدَ (٧) تمام (الحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ)؛ لأنَّ تقويمه لحظِّ الفقراء، فيُقَوَّمُ بالأحظِّ لهم، كما لو اشتراه بعَرْض قُنيةٍ وفي البلد نقدان تساويا في الغلبة يبلغ بأحدهما نصابًا، بخلاف المتلفات.

стр. 1587

وذكر الحلواني: يُقوَّم بنقد البلد (١) فإن تعدَّد؛ فبالأحظِّ. فإن كان اشتراه بنقدٍ؛ قُوِّمَ بجنس ما اشتراه به؛ لأنَّه الذي وجبت الزَّكاة بحوله، فوجب جنسه كالماشية؛ ولأنَّ أصله أقربُ إليه. وعنه: لا يُقوَّم نقدٌ بآخَرَ. وعلَى الأوَّل: إذا تساوت قيمة (٢) العُروض بكل (٣) منهما؛ خُيِّر؛ لقيام كلٍّ منها مقامَ الآخَر في حصول الغرض. وذكر القاضِي والمؤلِّف، وصحَّحه المجْدُ: يُقوَّم بالأنفع للفقراء؛ كأصل الوجوب. (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ) من عَينٍ أو وَرِقٍ قدْرًا ولا جِنْسًا، روي (٤) عن عمرَ (٥)؛ لأنَّ في تقويمها بما اشتُرِيتْ به إبْطالاً للتَّقويم بالأنفع، فعلى هذا: إذا بلغت قيمتُها نِصابًا بالدَّراهم؛ قُوِّمتْ به، وإن كان اشتراها بالذَّهب، وكذا عكسه. فَرعٌ: تُقوَّمُ المغنِّيةُ ساذَجةً، والخَصِيُّ بصفته (٦)، ولا عِبْرةَ بقيمة آنية ذَهَبٍ وفضَّةٍ، ويُضم بعض العُروض إلى بعضٍ، وإن اختلفت قيمةً ومُشتَرًى. (وَإِنِ (٧) اشْتَرَى) أوْ باع (عَرْضًا) للتِّجارة (بِنِصَابٍ مِنَ الأَثْمَانِ أَوْ مِنَ العُرُوضِ؛ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) أي: حول الأوَّل وِفاقًا (٨)؛ لأنَّ الزَّكاة في

стр. 1588

الموضِعَين تتعلَّق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يُبنى (١) حولُ بعضها على بعض، فلو (٢) قطع نيَّة التِّجارة في العُروض؛ بنَى حَولَ النَّقد على حولها؛ لأنَّ وضع التِّجارة للتقلب والاستبدال بثمنٍ وعرض (٣)، فلو لم يَبْنِ؛ بطلت زكاةُ التِّجارة. وإن لم يكن النَّقدُ نصابًا؛ فحولُه منذ كمُلت قيمتُه نصابًا، لا من شرائه (٤). (وَإِنِ اشْتَرَاهُ) أوْ باعَه (بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ؛ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ)؛ لاختلافهما في النِّصاب والواجب، إلاَّ أنْ يَشتَرِيَ نصاب سائمةٍ للتِّجارة بمثله للقُنْيةِ في الأصحِّ؛ لأنَّ السَّوم سببٌ للزَّكاة، قُدِّم عليه زكاة التِّجارة لقوَّته (٥)، فبزوال المعارض ثبت حكم السَّوم؛ لظهوره. (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ؛ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ)؛ لأن وضعها (٦) على التقلب، فهي تزيل (٧) سبب زكاة السَّوم، وهو الاقتِناء لطلب النَّماء معه، واقتصر في «المغني» و «الشَّرح» على التَّعليل بالأحظِّ، فلذلك وجبت، (دُونَ) زكاة (السَّوْمِ). وقيل: تَجِب زكاة السَّوم؛ لأنَّها أقوى؛ للإجماع، وتعلُّقها بالعَينِ. وقيل: يُعتبَرُ الأحظُّ منهما للفقراء، اختاره المجْدُ، ففي أربعين أو خمسين؛ حِقَّةٌ أوْ جَذَعةٌ أو ثنية (٨)، أو إحدى وستِّين؛ جذَعةٌ أو ثَنيَّةٌ، أو مائةٍ

стр. 1589

من الغنم؛ زكاةُ التِّجارة أحظُّ؛ لزيادتها بزيادة القيمة من غير وَقصٍ. وفي ستٍّ وثلاثين؛ بنتُ مخاضٍ أوْ بنتُ لَبونٍ زكاة السَّوم، وفي إحدى وستِّين؛ دون الجذَعة، أو خمسين؛ بنتُ مخاضٍ أو بنتُ لبون، أو خمسٍ وعشرين؛ حقَّةٌ، أو خمسٍ من الإبل يجب الأحظُّ من زكاة التِّجارة أو السَّوم. وفي «الرَّوضة»: يُزكِّي النِّصاب للعَين، والوَقص للقيمة. وهذا كلُّه سواء (١) اتفق (٢) حولاهما أو لا في وجهٍ، وهو ظاهر كلام أحمد (٣)، وجزم به المؤلِّف. وقيل: يقدم السَّابق، اختاره المجْدُ، لأنَّه وجد سبب زكاته بلا معارِضٍ. (وَإِنْ (٤) لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ) كمن ملك أربعين شاةً، قيمتها دون مائتي درهم (٥)؛ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) بغير خلافٍ (٦)؛ لوجود سبب الزَّكاة فيه بلا معارِضٍ. وقيل: يُغلِّب ما يَغلِب إذا اجتمع النِّصابان ولو سقطت، ذكره المجْدُ. وجزم جماعةٌ: بأنَّه إن نقص نصاب السوم؛ كمن ملك أربعًا من الإبل قيمتها مائتا درهم (٧)؛ وجبت زكاة التِّجارة، فأما (٨) إن سبق حول السَّوم؛ بأن (٩) كانت قيمتُه دون نصابٍ في بعض الحَول؛ فلا زكاة حتَّى يتمَّ الحَولُ من

стр. 1590

بلوغ النِّصاب في ظاهر كلام أحمدَ (١). قال القاضي: يتأخَّر وجوبُ الزكاة حتى يَتِمَّ حولُ التِّجارة؛ لأنَّه أنفع للفقراء. وفيه وجْهٌ: تجب زكاة السَّوم عند تمام حولها؛ لوجود مقتضيها؛ إذ لا يمكن إيجاب زكاتَينِ بكمالهما؛ لأنَّه يُفْضي إلى إيجاب زكاتَينِ في حَولٍ واحِدٍ بسبب واحِدٍ، فلم يجز، بخلاف زكاة التجارة والفطر (٢) في العبد الذي للتِّجارة؛ لأنَّهما يَجتمِعان بسبَبَينِ مختلِفَينِ. (وَإِنِ (٣) اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلاً لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الْأَرْضُ؛ فَعَلَيْه فِيهِمَا العُشْرُ)؛ أي: في الثَّمر والزَّرع بشرطه (وَيُزَكِّي الأَصْلَ)؛ أي: الأرض والنَّخل (لِلتِّجَارَةِ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّهما عَينان يجب في أحدهما زكاة العين، وهو أحظُّ للفقراء؛ إذ العُشر أحظُّ من رُبُعه. وفي الأخرى: زكاة القيمة حال الانفراد، فكذا عند الاجتماع، وحينئِذٍ فمراده إذا اتَّفق حولاهما، قاله في «الشَّرح». (وَقَالَ الْقَاضِي) وأصحابُه: (يُزَكِّي الجَمِيعَ زَكَاةَ القِيمَةِ) إذا تمَّ الحَولُ، نَصَّ عليه (٤)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وهو المذهبُ؛ لأنَّه مالُ تجارةٍ، فوجبت زكاتها كالسَّائمة، ولا شكَّ أنَّ الثمر والزرع جزءُ الخارج منه، فوجب أن يُقوَّم مع الأصل؛ كالسِّخال، والربح المتجدد إذا كانت الأصول (٥) للتجارة.

стр. 1591

(وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه لو وجب لاجتمع في مال واحدٍ زكاتان، وفيه ضرَرٌ بالمالِك؛ وهو منفِيٌّ شَرْعًا، (إِلاَّ أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ العُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ؛ فَيُخْرِجُهُ)؛ أيْ: فيُخرِج العُشْرَ؛ لوجود سببه من غير معارِضٍ، وهو أحظُّ للفقراء. وكان الأنسب (١) للمؤلِّف أنْ يُقدِّمَ ذلك على قول القاضِي، ولعلَّه أراد أن يَحكِيَ الخلافَ فيها، ثمَّ يَذكُر المستثْنَى؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ مَنْ أوجب في الجميع زكاةَ القِيمة؛ لم يُوجِب العُشْرَ، ولم يَعتبر سَبْقَ أحدهما. واعتراض ابن (٢) المنجَّى عليه: بأنَّه قدَّم غيرَ المذهب؛ اعتبارًا بما ذكره في «المغني» من إِيماءِ أحمدَ إليه؛ ليس بجيِّدٍ؛ إذ التَّقديمُ بحسب ما ظهر له من الدَّليل، ويَعضُده أنه (٣) قَولُ أكثرِ العلماء. وقيل: بِزكاة العُشْريِّ هنا؛ لكثرة الواجب؛ لعدم الوَقص، والخُلْف في اعتبار النصاب. تنبيهٌ: يُستأنَف حول التِّجارة علَى زرعٍ وثَمَرٍ من (٤) حصاد وجَذاذٍ؛ لأنَّ (٥) به ينتهي وجوبُ العُشْر الذي لولاه لجريا (٦) في حول التِّجارة. وقيل: لا يَستأْنِفه إلاَّ بثمنهما إنْ بِيعا؛ كمال القُنية. وإن اختلف وقت الوجوب، أوْ وُجِد نصابُ أحدهما؛ فكمسألة سائمة التِّجارة.

стр. 1592

وإنْ زرع بَذْر تجارةٍ في أرض قُنيةٍ؛ فهل يُزكِّي الزَّرع زكاةَ عُشْرٍ، أوْ قِيمةٍ؟ فيه خلاف. وفي بذر قنيةٍ العشرُ، وفي أرضه للتِّجارة؛ القيمة. وإن كان الثَّمر والزرع لا زكاة فيه؛ ضمَّ قيمة الثمرة (١) والأجرة إلى قيمة الأصل من الحَول؛ كربح ونتاج (٢) وقيل: لا. مسألةٌ: إذا اشترى ما يُصبَغ به ويبقَى، كزَعْفرانٍ ونيل ونحوه؛ فهو عرض (٣) تجارةٍ يُقوِّمه عند حوله؛ لاعتياضِه عن صبغٍ قائمٍ بالثوب، ففيه معنى التِّجارة، وكذا تجب فيما يشتريه دبَّاغٌ ليَدبَغ به؛ كعَفْص (٤)، وما يدهنه به، كسَمْنٍ ومِلْحٍ. وقيل: لا؛ لأنَّه لا يبقى له أثَرٌ، كما يشتريه قَصَّارٌ من قَلْيٍ وصابونٍ ونحوهما. ولا شَيءَ في آلات الصَّبَّاغ، وأمتعة التجار، وقوارير العطَّار، إلاَّ أنْ يريدَ بيعَها مع ما فيها. ولا زكاةَ في غير ما تقدَّم، ولا فِي قيمة ما أُعِدَّ للكِراء من عَقارٍ وحيَوانٍ، لكنْ مَنْ أكثرَ من شِراء عَقارٍ فارًّا من الزَّكاة؛ فقيل: يُزكِّي قيمتَه، وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ: لا (٥).

стр. 1593

(وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِه، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا؛ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ)؛ لأنَّه انعزَل من طريق الحكم بإخراج المالك زكاةَ نفسه، وكما لو عَلِم ثمَّ نَسِيَ، والعزلُ حكمًا؛ العِلْم وعدمُه سواءٌ، بدليل ما لو وكَّله في بيع عبدٍ، فباعه (١) الموكَّل أوْ أعتقه. (وَإِنْ (٢) أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا (٣) قَبْلَ الآخَرِ؛ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ الأَوَّلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ)؛ لأنَّ العزْلَ الحكمي (٤) لا يَختلِف بذلك، كما لو مات المالك. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ) بإخراج صاحبه، بناءً علَى أنَّ الوكيلَ لا يَنعزِلُ قَبْل العلم. وقيل: لا يَضمَنُ وإن قلنا: يَنعزِلُ، اختاره المؤلِّف؛ لأنَّه غرَّه، وكما لو وكَّله في قضاء دينه فقضاه المالك، ثمَّ الوكيلُ. والفرْقُ ظاهِرٌ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الرُّجوع على المالك، بخلاف الفقير؛ لأنَّها تَنقلِب تطوُّعًا، كمن دفع زكاةً يعتقِدها عليه، فلم تكن (٥). فأمَّا إنْ كان القابِضُ منهما السَّاعِي، ثمَّ علم الحال؛ فلا ضمان؛ لإمكان الرُّجوع عليه، والمرادُ مع بقائها بيد السَّاعي. فَرعٌ: إذا وكَّله في إخراج زكاته، فأخرجها الموكِّل ثمَّ الوكيل؛ فالخلافُ، ويُقبَل قوله إنَّه أخرجها قبل (٦) وكيله، وله الصَّدقةُ قبل إخراج زكاته.

стр. 1594

(بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) هو اسم مصدر من قولك: أفطر الصَّائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنهَّا تَجِبُ به، فهو من إضافة الشَّيء إلى سببه. والفِطرة: الخِلْقة؛ لقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠]، وهذه يُرادُ بها الصَّدقةُ عن البدَن والنَّفس، وبضم الفاء (١) كلمةٌ مولدة (٢)، وقد زعم بعضُهم (٣): أنَّه مِمَّا يلحن (٤) فيها العامَّةُ، وليست كذلك؛ لاستعمال الفقهاء لها. (وِهِيَ وَاجِبَةٌ)، قال إسحاقُ: (هو كالإجماع) (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، قال سعيد بن المسيِّب وعمر بن عبد العزيز: إنَّها زكاة الفطر (٦). ورُدَّ بقول ابن عبَّاسٍ: إنَّ المراد: «أنَّها تُطهِّر من الشِّرْك» (٧)، والسُّورةُ مكِّيَّةٌ، ولم يكن بها زكاةٌ ولا عِيدٌ. والمعتمَد عليه ما رَوَى ابنُ عمرَ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاةَ الفِطْر صاعًا مِنْ تَمْرٍ وصاعًا مِنْ شعيرٍ، علَى العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى، والصَّغير والكبير من المسلمين، وأمَر بها أنْ تُؤَدَّى قبل خروج النَّاس إلَى الصَّلاة» متَّفَقٌ

стр. 1595

عليه، ولفظه للبخاري (١). ودَعْوَى أنَّ «فَرَض» بمعنى: «قدَّر»؛ مردودٌ بأنَّ كلام الرَّاوي لا يُحمَل إلاَّ علَى الموضوع الشَّرعيِّ، بدليل الأمر بها في الصَّحيح أيضًا من حديثه. وتسمى فرضًا على الأصحِّ؛ لقول جمهور الصَّحابة (٢). وعنه: لَا، وفيه روايتا المضمضة (٣). وذهب الأصمُّ وابنُ عُليَّةَ وجماعةٌ: أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لما رَوَى أحمدُ عن قَيس بن سعدٍ قال: «أمَرَنا رسولُ الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تَنزِل الزَّكاة، فلمَّا نزلت الزَّكاة؛ فلم (٤) يأمرنا ولم يَنْهَنا، ونحن نفعله»، إسنادُه جيِّدٌ (٥). ولا حجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّه يَجِبُ استصحاب الأمر السَّابق مع عدم المانِع والمعارِض، وقد فرضها الشَّارع وأمر بها. والظَّاهِرُ أنَّ فرضَها مع رمضان في السَّنة الثَّانية من الهجرة. (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، وهو شامِلٌ للكبير والصغير، والذَّكر والأُنثى، والحُرِّ والعبد؛ لأنَّ لفظة «كلّ» إذا أضيفت إلى نكرةٍ فتقتضي (٦) عموم الأفراد، فعلى

стр. 1596

هذا تَجِبُ في مال اليتيم، نَصَّ عليه (١)، فخرج الكافِرُ مطلقًا؛ لأنَّ من شرطها النِّيَّةَ، ولا تصِحُّ منه. لكنْ يُستثْنَى منه: ما إذا هلَّ (٢) شوَّال على عبدٍ مسلمٍ لكافِرٍ، فالأظهرُ وجوبها على الكافِر. وقيل: لا تَجِب على غير مخاطَبٍ بالصَّوم. وعنه روايةٌ مخرَّجةٌ: تجب على مرتدٍّ. ولا فرْق بين أهل البوادي وغيرهم. (تَلْزَمُهُ (٣) مَؤُونَةُ نَفْسِهِ)؛ لقوله ﵇: «أدُّوا (٤) الفطرةَ عمَّنْ تَمُونُون» (٥)، وهو دالٌّ على عدم وجوبها على من لا يمون نفسَه؛ لأنَّه خاطب بالوجوب غيره، ولو وجب (٦) عليه لخاطبه به كسائر من تَجِب عليه. (إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ: صَاعٌ)؛ لأنَّ ذلك أهمُّ، فيجب تقديمه؛ لقوله ﵇: «ابدأْ بنفسِك، ثمَّ بمن (٧) تَعُولُ» (٨).

стр. 1597

وظاهِرُه: أنَّه لا يُعتبَر لوجوبها ملك نصاب (١)، وقاله الأكثرُ. (فَإنْ (٢) كَانَ مُكَاتَبًا)؛ فتجب (٣) عليه؛ لدخوله في عموم النَّصِّ؛ ولأنه (٤) مسلِمٌ تَلزَمه نفقتُه، فلزِمه فِطْرته كالحرِّ، لا على سيده (٥). (وَإِنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ) عن نفسه؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وكذا أطلقهما في «الفروع»، وقال: (التَّرجيحُ مختلِفٌ): إحداهما: يجب، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لقوله ﵇: «إذا أَمرتُكم بأمْرٍ فأتُوا منه ما استَطعتُم» (٦)، ولأنها طُهرةٌ، فهي كالطَّهارة بالماء. والثَّانية: لا تلزمه (٧)، اختارها ابنُ عَقِيلٍ، وهي ظاهر الخِرَقِيِّ و «الوجيز»؛ كالكفَّارة، والفرْق: أنَّ الكفَّارة لها بَدَلٌ. ويُعتبَر كون ذلك كلِّه بعدما يحتاجه لنفسه أو لمن تَلزَمه مؤْنتُه من مسكنٍ وعبدٍ ودابَّةٍ وثيابِ بذلة. وقال ابن حمدانَ: المذهب أنَّه لا (٨) يُعتبَر. وجزم المؤلِّف: أو له كُتُبٌ يحتاجها للنَّظَر والحفظ، أو للمرأة (٩) حلِيٌّ

стр. 1598

للُّبْس أو الكراء (١) وهي تحتاجه. (وَ) حيث لزمته (٢) فطرة نفسه؛ فإنَّه (تَلْزَمُهُ (٣) فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ)، فدخل فيه الزَّوجات والإماء والأقارب، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ للنَّصِّ، فدلَّ أنَّها لا تلزمه فطرة مَنْ يَمونُه من الكفَّار؛ لأنَّها طُهرةٌ للمُخرَج عنه؛ وهو لا يَقبَلُها؛ لأنَّه لا يُطهِّره إلاَّ الإسلام، ولو كان عبدًا، نص عليه (٤). وشَمِل ما إذا كان لزوجته خادِمٌ؛ فإنَّه يُخرِج عنه إن لزِمَتْه نفقةٌ. وكذا عبدُ عبدِه، وهو ظاهر كلام المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح». والأشهرُ فيه: أنَّه إن لم يملِك بالتَّمليك أدَّى عنه، وإن ملك فلا فطرةَ له؛ لعدم ملك السَّيِّد الأعلى ونقص (٥) ملك العبد؛ لأنَّه لا يلزمه عن نفسه، فغيره أَوْلَى. فأمَّا زوجة عبده؛ فذكر أصحابُنا المتأخِّرون: أنَّ فطرتها عليها إن كانت حرَّةً، وعلى سيِّدها إن كانت أمَةً. وقيل: تجب على سيِّد العبد، وهو ظاهر كلامه؛ كالنَّفقة، وكما لو زوَّج عبدَه بأمته. وكذا لو زوَّج قريبه، ولزمته نفقة امرأته فعليه فطرتها، لكن لا يلزمه فطرة أجيرٍ وظِئْرٍ استأجرهما بطعامهما، نَصَّ عليه (٦). ولا من وجبت نفقته في بيت المال، وفي الضَّيف؛ نقل عبد الله: تَجِب

стр. 1599

على مَنْ تَجِب عليه نفقته (١). (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ؛ بَدَأَ بِنَفْسِهِ)، وهي تَنْبنِي على النَّفقة، ونفقة نفسه مقدَّمةٌ، فكذا فطرته. (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ)؛ لوجوب نفقتها مطلقًا، بخلاف الأقارب، وقُدِّمت على غيرها لآكديَّتها، ولأنَّها معاوَضةٌ. وقيل: لا يلزمه فطرة زوجته الأمَة، فإن تسلَّمها ليلاً ففطرتها على سيِّدها؛ لقوَّة ملك اليمين في تحمُّلها؛ للإجماع عليه. وقيل: بينهما كالنَّفقة. (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ)؛ لوجوب نفقتهم مع الإعسار، وظاهره: ولو كان مرهونًا، ولا فرْق بين (٢) أن يكون للتِّجارة أو لا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحتمِل تقديمهم على الزَّوجة؛ لئلاَّ يسقط بالكُليَّة. (ثُمَّ بِوَلَدِهِ)؛ لوجوب نفقته في الجملة، وقيل: مع صغره، وجزم به ابن شهابٍ، وحمل ابن المنجَّى كلامَ المؤلِّف عليه، وليس بجيِّد. وقيل: يُقدَّم الولدُ على الزَّوجة، وقيل: الصَّغير يقدم عليها وعلى عبدٍ. (ثُمَّ بِأُمِّهِ)؛ لتقديمها على الأب في البِرِّ، (ثُمَّ بِأَبِيهِ)؛ للخبر (٣). وقيل: يقدَّم عليها، وحكاه ابن أبي موسى روايةً؛ لقوله ﵇: «أنتَ ومالُك لأبيكَ» (٤)، وقيل بتساويهما.

стр. 1600

وقدَّمهما في «الفروع» على الولد، وليس بظاهرٍ، والذي ذكره المؤلِّف؛ جزم به جماعةٌ، وقدَّمه آخرون، وذكره في «منتهى الغاية» ظاهِرَ المذهب. (ثُمَّ بِالأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فِي الْمِيرَاثِ)؛ لأنَّ الأقربَ أَوْلَى من غيره، فقُدِّم كالميراث. فَرعٌ: إذا استوى (١) اثنان فأكثر (٢)، ولم يَفضُل غيرُ صاعٍ؛ أَقْرَعَ بينهم. وقيل: يوزَّع. وقيل: يُخيَّر. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّ ظاهر الخبر أنَّ الصَّاع مُجزِئٌ مطلقًا، (وَلَا يَجِبُ)، ذَكَرَه ابنُ المنذِر قَولَ من يَحفَظ عنه من علماء الأمصار (٣)؛ لأنَّها لو تعلَّقت به قبل ظهوره؛ لتعلَّقت الزَّكاة بأجنَّة السَّوائم. وعنه: يَجب، اختارها أبو بكرٍ؛ لفعل عثمان (٤)، قال أحمد: (ما

стр. 1601

أحسنه (١) صار ولدًا) (٢)، ولأنه آدَمِيٌّ تصح الوصية له، وبه، ويَرِثُ، فيدخل (٣) في عموم الأخبار. قال في «المغني»: والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه لا يثبت له أحكامُ الدُّنيا إلاَّ في الإرث والوصيَّة، بشرط خروجه حيًّا. وأمَّا أمُّه (٤) فإن كانت بائنًا؛ فيَلزَمه فطرتُها إن قلنا: النَّفقةُ لها، وإن قلنا: للحمل؛ لم تجب (٥) على الأصحِّ، بناءً على وجوبها على الجنين. (وَمَنْ تَكَفَّلَ)؛ أيْ: تبرَّع (بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ فِي شَهْرِ (٦) رَمَضَانَ؛ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، وحَمَلا كلامَ أحمدَ على الاستحباب؛ لعدم الدَّليل، ولأن سبب الوجوب وجوبُ النَّفقة، وهي غير واجبةٍ هنا، فكذا فطرته، فعلَى هذا: فطرته على نفسه، كما لو لم يَمُنْهُ؛ إذ (٧) الحديث محمولٌ على مَنْ تَلزَمه مؤنتُه لا حقيقةُ المؤنة، بدليل وجوبها على الآبق (٨).

стр. 1602

(وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا تَلْزَمُهُ) (١) وهو قولُ أكثر أصحابنا، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لقوله ﵇: «عمَّن (٢) تَمُونُونَ» رواه أبو بكرٍ في «الشَّافي» من حديث أبي هريرة، والدَّارَقُطْنيُّ من حديث ابنِ عمر، وإسنادُهما ضعيفٌ (٣)، ولأنَّه شخصٌ مُنفَقٌ عليه، فلزمته فطرته كعبده. والمعتبَر جميع الشَّهر؛ تقويةً (٤) لنفقة التَّبرُّع. وقال ابن عقيل: قياس المذهب: يلزمه إذا مانَه آخِرَ ليلةٍ من الشَّهر؛ كمَن مَلَك عبدًا أوْ زوجةً قبل الغروب. فإنْ مَانَه جماعةٌ كلَّ الشَّهر أو إنسان بعضه؛ فقال في «المغني» -في الأُولَى-: لا أعلم فيها للأصحاب قولاً، وفي «الشَّرح» و «الفروع»: فيه احتمالان، أحدُهما: لا تَجِب على أحدٍ؛ لأنَّ سبب الوجوب المؤنة في جميع الشهر، ولم يوجد. والثَّاني: أنَّها تجب بالحِصَص، كعبدٍ مشتَرَكٍ. (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ؛ فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ)، اختاره الأكثرُ، وهو المذهب، وآخر قولَيْ أحمدَ (٥)؛ لأنَّ الشَّارع إنَّما أوجب عن الواحد صاعًا، فأجزأه؛ لظاهر الخبر، وكالنفقة (٦) وماء طهارته.

стр. 1603

(وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ)، قدَّمه الخِرَقِيُّ، واختاره أبو بكرٍ وجَمْعٌ؛ لأنَّها طُهرةٌ؛ ككفَّارة القتل. وكذا إذا ورثَه اثنان فأكثرُ. (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ)؛ لأنَّه (١) يُساوِي العبدَ المشترك معنًى، فوجب أنْ يُساويه حكمًا. واختار أبو بكرٍ: يلزم (٢) السَّيِّدَ بقدْر ملكه فيه، ولا شَيءَ على العبد. تنبيهٌ: لا تَدخل الفِطرة في المهايأة، ذكره القاضي وجماعة؛ لأنَّها حقٌّ لله كالصَّلاة، والمهايأة: معاوَضةُ كسْبٍ بكسب (٣). ومن عجز عمَّا عليه؛ لم يَلزَم الآخر قِسطُه، كشريكٍ ذمِّيٍّ لا يلزم المسلمَ قِسطُه. فإن كان يوم العيد نوبة (٤) العبد المعتق نصفه (٥)؛ اعتبر أن يفضل عن قوته نصف صاع، وإن كان نوبة سيِّده؛ لزم العبدَ نصفُ صاعٍ ولو لم يَملِك غيرَه؛ لأنَّ مُؤنتَه على غيره. وقيل: تدخل في (٦) المهايأة بناءً على دخول كسْبٍ نادِرٍ فيها كالنَّفقة، فلو كان يوم العيد نوبة العبد، وعجز عنها؛ لم يلزم السَّيِّدَ شَيءٌ؛ لأنَّه لا يلزمه (٧) نفقته، كمكاتبٍ عجز عنها. فَرعٌ: إذا ألحقت القافةُ ولدًا باثنين أو أكثر، فالحكم في فطرته

стр. 1604

كالعبد المشترك، جزم به الأصحاب. وقال ابنُ تميمٍ وابن حمدان: يلزم كلَّ واحدٍ صاعٌ وجهًا واحدًا. (وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا؛ فَعَلَيْهَا) إنْ كانت حرَّةً، (أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً فِطْرَتُهَا)؛ لأنَّه كالمعدوم. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا تَجِبَ) عليهما شَيءٌ؛ لأنَّها لم تَجِب على من وجد سبب الوجوب في حقِّه لعسرته، فلم تجب على غيره كفطرة نفسه، بخلاف النفقة لوجوبها مطلقًا. فعلى هذا: هل تبقى في ذِمَّته كالنَّفقة، أم لا كفطرة نفسه؟ يتوجه احتمالان. وعلى الأول: هل ترجع الحرة والسيد على الزوج كالنفقة، أم لا كفطرة القريب؟ (١) فيه وجهان. (وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ، أَوْ آبِقٌ)، أوْ مغصوبٌ، أوْ ضالٌّ؛ (فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ)؛ للعموم، ولوجوب نفقته، بدليل رجوع من ردَّ الآبِقَ بنفقته على سيِّده، بخلاف (٢) زكاة المال، وعليه: لا فرْق بين أن يرجُوَ رجعته أو يَيْأس منها، وسواءٌ كان مطلقًا أو محبوسًا أوْ لا، قاله في «الشَّرح». وعنه روايةٌ مخرَّجةٌ من زكاة المال: لا تجب ولو ارتجى عودَ الآبِق. وعلى الأوَّل: لا يَلزَمه إخراجُها حتَّى يعودَ إليه، زاد بعضهم: أو يَعلَم مكانَ الآبِق. (إِلاَّ أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ؛ فَتَسْقُطُ (٣)، نَصَّ عليه في رواية صالِحٍ (٤)؛ لأنَّه

стр. 1605

لا يُعْلم بقاؤه، والأصلُ براءةُ الذِّمَّة، والظَّاهر موتُه، وكالنَّفقة، ولأنَّه لو أعتقه عن كفارته لم يُجزِئْه. وذَكَر ابنُ شهابٍ: تلزمه؛ لئلاَّ يَسقُط بالشَّكِّ، والكفارة ثابتةٌ بيقينٍ، فلا تسقط (١) مع الشَّكِّ في حياته. (وَ) على الأول: (إِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى)؛ لأنَّه بان له وجود سبب الوجوب في الماضي، فوجب الإخراج؛ كمال غائبٍ بانت سلامتُه. وقيل: لا. وقيل: عن القريب كالنَّفقة. (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ) في الصَّحيح من المذهب؛ لعدم وجوب نفقتها، ففطرتها حينئذ (٢) عليها أو علَى سيِّدها، والمرادُ: إذا كان نشوزُها في وقتِ وجوب الفطرة. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ (٣)؛ لأنَّ الزَّوجيَّة ثابتة عليها، فلزِمَتْه فطرتها كالمريضة. وأجيب: بأنَّ المريضة لا تَحتاج نفقة (٤)، لا (٥) لخلل في المقتَضِي لها. وحكم كلِّ امرأةٍ لا نفقةَ لها، كغير المدخول بها إذا لم تُسلَّم إليه، والصَّغيرة التي لا يمكن الاستِمْتاع بها؛ يَجِبُ على الثَّاني لا الأوَّل. (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ أي: بغير إذن مَنْ تَلزَمه، زاد في «الانتصار»: ونيَّته؛ (فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): ظاهر المذهب: الإجزاء؛ لأنَّه أخرج عن نفسه، فأجزأه؛ كمن وجبت عليه.

стр. 1606

والثَّانِي: لا؛ لأنَّه أدَّى الواجِبَ عن غيره بغير إذنه، فلم يَصِحَّ، كما لو أدَّى عن غيره. وهما مبنيان: هل يكون متحمِّلاً عن الغير لكونها طُهرةً له، أو أصيلاً؛ لأنَّه المخاطب بها؟ وفيه وجهان. فلو لم يُخرِج مع قدرته؛ لم يلزم الغيرَ شَيءٌ، وله مطالبته بالإخراج، جزم به الأصحاب؛ كنفقته، لكن لو أخرج العبد بلا إذن سيِّده؛ لم يُجزِئْه. وقيل: إن ملَّكه سيِّده مالاً، وقلنا: يملكه؛ ففطرته عليه ممَّا في يده، فعلى هذا: يخرج العبد عن عبده منه. وظاهر ما سبق: أنَّه إذا أخرج بإذنه أنَّه يجزئه، فلو أخرج عمَّن لا تلزمه فطرته بإذنه؛ أجزأ، وإلاَّ فلا، قال الآجُرِّيُّ: هذا قول فقهاء المسلمين. مسألةٌ: من لزِمه فطرةُ حرٍّ أوْ عبدٍ؛ أخرجها مكانَهما، كمالٍ مزكًّى في غير بلدِ مالكِه، ونَصَّ: على أنَّه يخرجها مكانَه (١)؛ كفطرة نفسه. فَرعٌ: مَنْ أُنفِق عليه من بيت المال؛ لم تلزم (٢) فطرتُه؛ لأنَّ ذلك ليس بإنفاق، وإنَّما هو إيصال المال في حقِّه، قاله القاضي، أو لأنَّه لا مالكَ له معيَّن، كعبيد (٣) الغنيمة قبل القسمة والفَيْء ونحو ذلك. (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ)؛ لتأكُّدها، بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكلِّ مسلمٍ قَدَرَ على إخراجها، فجرى مَجرَى النَّفقة، بخلاف زكاة المال، فإنَّها تَجِب بالملك، والدَّين يُؤثِّر فيه، والفطرة تَجِب على البدن، وهو غير مؤثِّر فيه.

стр. 1607

(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) فيَمنَع في ظاهر المذهب، نَصَّ عليه (١)، واختاره الأكثر؛ لوجوب أدائه عند المطالبة، وتأكده بكونه حق آدمي لا يسقط بالإعسار، أشبه من لا فضل عنده. وعنه (٢): يمنع مطلقًا، وقاله أبو الخطَّاب، كزكاة المال. وقال ابن عقيل: عكسه؛ لتأكُّدها؛ كالنَّفقة والخراج. (وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ)؛ لقول ابنِ عبَّاسٍ: «فَرَضَ رسولُ الله ﷺ صدقةَ الفِطْر طُهْرةً للصَّائم من اللَّغْو والرَّفَث، وطُعْمةٌ للمَساكِينِ» رواه أبو داود، والحاكِمُ، وقال: (على شرطِ البخاريِّ) (٣)، فأضاف الصَّدقة إلى الفطر، فكانت واجبةً به؛ لأنَّ الإضافة تقتضي الاختصاص والسببيَّة، وأول فطر (٤) يقع في جميع رمضان بمغيب الشَّمس من ليلة الفطر. (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أيْ: بعد الغروب، (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا، أَوْ زَوْجَةً، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ؛ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ)، نقله الجماعةُ (٥)؛ لعدم وجود سبب الوجوب. وعنه: يَمتدُّ وقتُ الوجوب إلى طلوع الفجر الثَّانِي من يوم الفطر. وعنه: تجب بطلوع الفجر منه. وعنه: ويَمتدُّ (٦) إلى أنْ يُصلِّيَ العِيدَ.

стр. 1608

(وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ وَجَبَتْ)؛ لوجود السَّبب، فالاِعتبارُ بحال الوجوب، فلو كان مُعسِرًا وقتَ الوُجوب ثمَّ أيْسَر؛ فلا فطرة على الأصحِّ، وعكسُه: لا يَسقُط، وكذا لو مات قبل الغروب؛ فلا فطرة، ولو كان بعده؛ لم تسقط، وذكره المجْدُ إجماعًا في عتق عبدٍ. والفطرة في عبدٍ مَوْهوبٍ ومُوصًى به؛ على المالك وقتَ الوجوب، وكذا المبيع في مدَّة الخِيَار. وفي ملك عبد (١) دون نفعه أَوْجُهٌ، ثالثُها: أنَّها في كسبه؛ كالنَّفقة. (وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لقول ابنِ عمرَ: «كانوا يُعطُون قبل الفطر بيومٍ أو يومين» رواه البخاريُّ (٣)، والظَّاهر: بقاؤها أو بقاءُ بعضها إليه، وإنما لم يجز (٤) بأكثر؛ لفوات (٥) الإغناء المأمور به في قوله: «أغْنُوهم عن الطَّلب هذا اليوم» رواه الدَّارَقُطْنيُّ من رواية أبِي مَعْشَرٍ-وفيه كلامٌ- من حديث ابن عمر (٦)، بخلاف زكاة المال، ولأنَّ الفطر سببها، أو

стр. 1609

أقوى جزأي سببها؛ كمنعِ (١) التَّقديم على النِّصاب. قال في «الفروع»: والأَوْلَى الاقتصارُ على الأمر بالإخراج في الوقت الخاصِّ، خرج منه التَّقديم باليومين؛ لفعلهم، وإلاَّ فالمعروفُ منعُ التَّقديم على السَّبب الواحد، وجوازه على أحد السَّبَبَينِ. وعنه: يجوز تقديمها بثلاثة، جزم به في «المستوعب» بأيام. وقيل: بخمسة عشر؛ جعلاً للأكثر كالكل. وقيل: بشهر لا أكثر؛ لأنَّ سببها الصوم، والفطر منه (٢) كزكاة المال. (وَالْأَفْضَلُ إِخْراجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أوْ قدرِها؛ لأنَّه ﵇: «أَمَر بها أن تؤدَّى قبل خروج النَّاس إلَى الصَّلاة» من حديث ابن عمر (٣). وقال جَمْعٌ: الأفضلُ أنْ يُخرِجها إذا خرج إلى المصلَّى. وفي الكراهة بعده وجهان. وقيل: تَحرُم بعد الصَّلاة، فعليه يكون قضاءً، جزم به ابنُ الجَوزيِّ، واستدَلَّ الأصحابُ بحديث ابن عبَّاس السَّابق، وتمامُه: «فمَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاة فهي (٤) زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أدَّاها بعدَ الصَّلاة؛ فهي صدقةٌ مِنَ الصَّدقات» (٥).

стр. 1610

(وَيَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ)؛ لحصول الإغْناء بها فيه، إلاَّ أنَّه تَرَك الأفضلَ، (فَإِنْ أَخَّرَها عَنْهُ أَثِمَ)؛ لتأخيره (١) الواجب عن وقته، ولمخالفة الأمر (٢). (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لأنَّها عبادةٌ، فلم تَسقُط بخروج الوقت كالصَّلاة، وعنه: لا يأثَمُ، نقل الأثرم: أرجو أنْ لا بأْسَ. وقيل له في رواية الكحَّال: فإنْ أخرها؟ قال: إذا أَعدَّها لقومٍ.

стр. 1611

(فَصْلٌ) (وَالوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ: صَاعٌ) بصاعِ النَّبيِّ ﷺ ، وهو أربع حفنات بكفَّيْ رجلٍ معتَدِلِ القامة، وحِكمتُه: كفاية الصَّاع للفقير في أيَّام العِيد، (مِنَ البُرِّ وَالشَّعِيرِ) إِجْماعًا (١)، (ودَقِيقِهِمَا، وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) إجْماعًا (٢)، (وَمِنَ الْأَقِطِ)، وهو شَيءٌ يُعمَلُ من اللَّبَن المَخِيض، وقيل: من الإبل فقطْ، (فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا المذهب، جزم به أكثرُ الأصحاب؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ الخُدْريُّ قال: «كُنَّا نُخرِج زكاةَ الفطر إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ صاعًا من طعام، أوْ صاعًا من شعيرٍ، أوْ صاعًا من تَمْرٍ، أوْ صاعًا من زبيبٍ، أوْ صاعًا من أَقِطٍ» متَّفقٌ عليه (٣). وصريحُه: إجزاء الدَّقيق، وهو الطَّحين والسَّويق، وهو قمحٌ أوْ شَعِيرٌ يُقْلَى ثمَّ يُطحَن، نَصَّ عليه (٤)، واحتجَّ (٥) بزيادةٍ انفرد بها ابنُ عُيَيْنَةَ من حديث أبِي سعيدٍ: «أوْ صاعًا من دقيقٍ»، قيل لابنِ عُيَيْنةَ: إنَّ أحدًا لا يَذكُره فيه، قال: بل هو فيه، رواه الدَّارَقُطنيُّ (٦).

стр. 1612

قال المجد: بل (١) أَولَى بالإجزاء؛ لأنَّه كُفِيَ مُؤنتَه، كتَمْرٍ نُزِع حبُّه. ويُعتبَر صاعُه بوزن حبِّه، نَصَّ عليه (٢)؛ لتفرُّق الأجزاء بالطَّحْن. وظاهره: يُجزئُ بلا نَخْلٍ، وفيه وجْهٌ، كما لا يُكَمَّلُ تمرٌ بنواه المنزوع. وعنه: لا يُجزِئُ فيهما، اختاره صاحبُ «الإرشاد» و «المحرَّر» في السَّوِيق؛ لأنَّ الزِّيادة أُنكِرتْ على سفيانَ فتركها. وفي كلام المؤلِّف نَظَرٌ؛ لأنَّه لو قدَّم ذكر التَّمر والزَّبيب، ثمَّ ذكر البُرَّ والشَّعيرَ والأَقِط؛ لرجع الخلافُ إلى ذلك. والثَّانية: لا يُجزِئُ الأَقِط، اختاره أبو بكر؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه كاللحم. وعنه: لا يجزئ إلا لمن هو قوته، اختاره الخرقي (٣)، فظاهِرُه: يُجزِئُ وإنْ وُجِد غيرُه، وخصَّصه الخِرَقِيُّ بأهل البادية؛ نظرًا إلى الغالب. فعلَى الأوَّل: هو أصلٌ بنفسه، وهو طريقة الأكثر. وفي اللَّبَن غيرِ المخِيض والجُبْن أوْجُهٌ، ثالثُها: يُجزِئُ اللَّبَنُ فقط، ورابِعُها: يُجزِئان مع عدم الأَقِط، ويحتمل أنَّه (٤) يجزئ الجبن، لا (٥) اللبن (٦) وحدَه؛ لأنَّه بلغ حالة الادِّخار. وظاهِرُه: أنَّه لا يُجزِئُ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، نَصَّ عليه (٧)، لحديث أبِي

стр. 1613

هريرة: «أوْ صاعٌ مِنْ قَمحٍ»، وهو من رواية سُفيانَ بن حُسَين عن الزهري، وليس بالقويِّ (١). واختار (٢) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣): الإجزاء (٤)، وأنَّه قياس المذهب في الكفَّارة، ويقتضيه ما نقله الأثرمُ، وفيه شَيءٌ؛ لأنَّ في رواية الأثرم: (صاعٌ من كلِّ شَيءٍ) (٥)، ولأحمدَ وغيره من حديث الحسَنِ عن ابن عبَّاس: «نِصفُ صاعٍ من برٍّ»، وفيه مقالٌ؛ لأنَّ الحسنَ لم يَسمَع منه، قاله ابن المديني وابنُ مَعينٍ (٦). (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ)؛ أيْ: غيرُ الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها؛ كالدبس والمصل (٧). وقيل: يجزئ كلُّ مَكيلٍ مطعومٍ.

стр. 1614

واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): يُجزِئُ قوتُ بلده، مثل الأرز ونحوه، وأنَّه قولُ أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، وجزَم به ابنُ رَزِينٍ. (إِلاَّ أَنْ يَعْدِمَهُ فَيُخْرِجُ ممَّا يُقْتَاتُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ)؛ كلحم ولَبَنٍ. وقيل: لا يعدل عنهما؛ لأنَّ المقصود من المنصوص عليها (٢): الاِقْتِياتُ، وحصول الغِنَى عن (٣) الطَّلَب، وهو حاصِلٌ بذلك. (وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)، وهو أشْبهُ بكلام أحمدَ، وظاهر الخِرَقِيِّ، وقدَّمه الشَّيخانِ في «الكافي» و «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»: (يُخْرَجُ) صاعٌ (مِمَّا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ) من كلِّ حبٍّ؛ كذرة ودُخْنٍ، أوْ ثَمَرٍ يُقتاتُ؛ كتِينٍ يابِسٍ ونحوه؛ لكونها (٤) أشْبَهَ بالمنصوص عليها، فكانت أَوْلَى، زاد بعضهم: بالبلد غالِبًا. وقيل: يُجزِئُ ما يَقومُ مقامها (٥) وإن لم يكن مَكِيلاً. (وَلَا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا)؛ كمُسوِّسٍ ومبْلولٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]، ولأنَّ السُّوس يأكُلُ جوفَه، والبَلَلَ يَنفُخُه، فالمخرِج (٦) لصاعٍ منه ليس هو الواجبَ شَرْعًا. فإن خالَطَ الجيِّدَ ما لا يُجزِئ؛ فإن كثر لم يُجزِئْه، وإن قلَّ زاد بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا؛ لأنَّه ليس عَيبًا؛ لقِلَّة مشقَّة تنقِيَته، قال: أحبُّ تنقية

стр. 1615

الطَّعام، وحكاه عن ابنِ سِيرِين (١)؛ ليكونَ أكملَ. (وَلَا خُبْزًا)؛ لأنَّه خرج عن الكَيل والاِدِّخار، وفيه شَبَهٌ بإخراج القيمة. وقال ابنُ عَقيلٍ: يُجزِئُ. (وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ كلًّا منها يجوز منفرِدًا، فكذا مع غيره؛ لتفاوُت مقصودها أوِ اتِّحادِه، وقاسه في «المغني» و «الشَّرح» على فطرة عبدٍ مشتَرَكٍ إذا أخرج كلُّ واحدٍ من جنسٍ. وفي «الفروع»: يتوجَّه تخريجٌ من (٣) الكفَّارة: لا تُجزِئُ؛ لظاهر الأخبار، إلاَّ أنْ نقولَ بالقيمة. (وَأَفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ) مطلقًا، نَصَّ عليه (٤)؛ لفِعْلِ ابنِ عمرَ، رواه البُخاريُّ (٥)، وقال له (٦) أبو مِجْلَزٍ: إنَّ الله قد أوسعَ، والبُرُّ أفضلُ، فقال: «إنَّ أصحابِي سلكوا طريقًا، فأنا أُحِبُّ أنْ أسلكَه» رواه أحمدُ واحتجَّ به (٧)، ولأنَّه قوتٌ وحلاوةٌ، وأقربُ تناولاً، وأقلُّ كُلْفَةً، ولا عبرةَ بوزنه، بل يُحتاطُ في الثَّقيل؛ ليَسقُط الفرضُ. (ثُمَّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ)، إذِ القصدُ الاِقْتِياتُ، وحصولُ الإغناء به عن الطَّلَب.
следующие страницы →