← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

(فَصْلٌ) (وَالوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ: صَاعٌ) بصاعِ النَّبيِّ ﷺ ، وهو أربع حفنات بكفَّيْ رجلٍ معتَدِلِ القامة، وحِكمتُه: كفاية الصَّاع للفقير في أيَّام العِيد، (مِنَ البُرِّ وَالشَّعِيرِ) إِجْماعًا (١)، (ودَقِيقِهِمَا، وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) إجْماعًا (٢)، (وَمِنَ الْأَقِطِ)، وهو شَيءٌ يُعمَلُ من اللَّبَن المَخِيض، وقيل: من الإبل فقطْ، (فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا المذهب، جزم به أكثرُ الأصحاب؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ الخُدْريُّ قال: «كُنَّا نُخرِج زكاةَ الفطر إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ صاعًا من طعام، أوْ صاعًا من شعيرٍ، أوْ صاعًا من تَمْرٍ، أوْ صاعًا من زبيبٍ، أوْ صاعًا من أَقِطٍ» متَّفقٌ عليه (٣). وصريحُه: إجزاء الدَّقيق، وهو الطَّحين والسَّويق، وهو قمحٌ أوْ شَعِيرٌ يُقْلَى ثمَّ يُطحَن، نَصَّ عليه (٤)، واحتجَّ (٥) بزيادةٍ انفرد بها ابنُ عُيَيْنَةَ من حديث أبِي سعيدٍ: «أوْ صاعًا من دقيقٍ»، قيل لابنِ عُيَيْنةَ: إنَّ أحدًا لا يَذكُره فيه، قال: بل هو فيه، رواه الدَّارَقُطنيُّ (٦).

стр. 1612

قال المجد: بل (١) أَولَى بالإجزاء؛ لأنَّه كُفِيَ مُؤنتَه، كتَمْرٍ نُزِع حبُّه. ويُعتبَر صاعُه بوزن حبِّه، نَصَّ عليه (٢)؛ لتفرُّق الأجزاء بالطَّحْن. وظاهره: يُجزئُ بلا نَخْلٍ، وفيه وجْهٌ، كما لا يُكَمَّلُ تمرٌ بنواه المنزوع. وعنه: لا يُجزِئُ فيهما، اختاره صاحبُ «الإرشاد» و «المحرَّر» في السَّوِيق؛ لأنَّ الزِّيادة أُنكِرتْ على سفيانَ فتركها. وفي كلام المؤلِّف نَظَرٌ؛ لأنَّه لو قدَّم ذكر التَّمر والزَّبيب، ثمَّ ذكر البُرَّ والشَّعيرَ والأَقِط؛ لرجع الخلافُ إلى ذلك. والثَّانية: لا يُجزِئُ الأَقِط، اختاره أبو بكر؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه كاللحم. وعنه: لا يجزئ إلا لمن هو قوته، اختاره الخرقي (٣)، فظاهِرُه: يُجزِئُ وإنْ وُجِد غيرُه، وخصَّصه الخِرَقِيُّ بأهل البادية؛ نظرًا إلى الغالب. فعلَى الأوَّل: هو أصلٌ بنفسه، وهو طريقة الأكثر. وفي اللَّبَن غيرِ المخِيض والجُبْن أوْجُهٌ، ثالثُها: يُجزِئُ اللَّبَنُ فقط، ورابِعُها: يُجزِئان مع عدم الأَقِط، ويحتمل أنَّه (٤) يجزئ الجبن، لا (٥) اللبن (٦) وحدَه؛ لأنَّه بلغ حالة الادِّخار. وظاهِرُه: أنَّه لا يُجزِئُ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، نَصَّ عليه (٧)، لحديث أبِي

стр. 1613

هريرة: «أوْ صاعٌ مِنْ قَمحٍ»، وهو من رواية سُفيانَ بن حُسَين عن الزهري، وليس بالقويِّ (١). واختار (٢) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣): الإجزاء (٤)، وأنَّه قياس المذهب في الكفَّارة، ويقتضيه ما نقله الأثرمُ، وفيه شَيءٌ؛ لأنَّ في رواية الأثرم: (صاعٌ من كلِّ شَيءٍ) (٥)، ولأحمدَ وغيره من حديث الحسَنِ عن ابن عبَّاس: «نِصفُ صاعٍ من برٍّ»، وفيه مقالٌ؛ لأنَّ الحسنَ لم يَسمَع منه، قاله ابن المديني وابنُ مَعينٍ (٦). (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ)؛ أيْ: غيرُ الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها؛ كالدبس والمصل (٧). وقيل: يجزئ كلُّ مَكيلٍ مطعومٍ.

стр. 1614

واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): يُجزِئُ قوتُ بلده، مثل الأرز ونحوه، وأنَّه قولُ أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، وجزَم به ابنُ رَزِينٍ. (إِلاَّ أَنْ يَعْدِمَهُ فَيُخْرِجُ ممَّا يُقْتَاتُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ)؛ كلحم ولَبَنٍ. وقيل: لا يعدل عنهما؛ لأنَّ المقصود من المنصوص عليها (٢): الاِقْتِياتُ، وحصول الغِنَى عن (٣) الطَّلَب، وهو حاصِلٌ بذلك. (وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)، وهو أشْبهُ بكلام أحمدَ، وظاهر الخِرَقِيِّ، وقدَّمه الشَّيخانِ في «الكافي» و «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»: (يُخْرَجُ) صاعٌ (مِمَّا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ) من كلِّ حبٍّ؛ كذرة ودُخْنٍ، أوْ ثَمَرٍ يُقتاتُ؛ كتِينٍ يابِسٍ ونحوه؛ لكونها (٤) أشْبَهَ بالمنصوص عليها، فكانت أَوْلَى، زاد بعضهم: بالبلد غالِبًا. وقيل: يُجزِئُ ما يَقومُ مقامها (٥) وإن لم يكن مَكِيلاً. (وَلَا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا)؛ كمُسوِّسٍ ومبْلولٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]، ولأنَّ السُّوس يأكُلُ جوفَه، والبَلَلَ يَنفُخُه، فالمخرِج (٦) لصاعٍ منه ليس هو الواجبَ شَرْعًا. فإن خالَطَ الجيِّدَ ما لا يُجزِئ؛ فإن كثر لم يُجزِئْه، وإن قلَّ زاد بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا؛ لأنَّه ليس عَيبًا؛ لقِلَّة مشقَّة تنقِيَته، قال: أحبُّ تنقية

стр. 1615

الطَّعام، وحكاه عن ابنِ سِيرِين (١)؛ ليكونَ أكملَ. (وَلَا خُبْزًا)؛ لأنَّه خرج عن الكَيل والاِدِّخار، وفيه شَبَهٌ بإخراج القيمة. وقال ابنُ عَقيلٍ: يُجزِئُ. (وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ كلًّا منها يجوز منفرِدًا، فكذا مع غيره؛ لتفاوُت مقصودها أوِ اتِّحادِه، وقاسه في «المغني» و «الشَّرح» على فطرة عبدٍ مشتَرَكٍ إذا أخرج كلُّ واحدٍ من جنسٍ. وفي «الفروع»: يتوجَّه تخريجٌ من (٣) الكفَّارة: لا تُجزِئُ؛ لظاهر الأخبار، إلاَّ أنْ نقولَ بالقيمة. (وَأَفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ) مطلقًا، نَصَّ عليه (٤)؛ لفِعْلِ ابنِ عمرَ، رواه البُخاريُّ (٥)، وقال له (٦) أبو مِجْلَزٍ: إنَّ الله قد أوسعَ، والبُرُّ أفضلُ، فقال: «إنَّ أصحابِي سلكوا طريقًا، فأنا أُحِبُّ أنْ أسلكَه» رواه أحمدُ واحتجَّ به (٧)، ولأنَّه قوتٌ وحلاوةٌ، وأقربُ تناولاً، وأقلُّ كُلْفَةً، ولا عبرةَ بوزنه، بل يُحتاطُ في الثَّقيل؛ ليَسقُط الفرضُ. (ثُمَّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ)، إذِ القصدُ الاِقْتِياتُ، وحصولُ الإغناء به عن الطَّلَب.

стр. 1616

لكنْ جزم في «المغني» و «الشَّرح» و «الوجيز»: أنَّ الأفضلَ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ، فيَحتَمِل أن يكون مرادًا هنا (١)؛ لأنَّ الاِعتماد في تفضيل التمر (٢) اتِّباعُ الصَّحابة وسلوك طريقتهم (٣)، ولهذا قال أبو مِجْلَزٍ: «والبُرُّ أفضلُ»، وأقرَّه عليه؛ لأنه (٤) أنْفَعُ في الاِقتياتِ، وأبلغُ في دَفْع حاجة الفقير. وقيل: الزبيب (٥)، جزم به أبو الخطَّاب، وعزاه ابن المنجَّى للأصحاب؛ لمشاركته له (٦) في القُوت والحَلاوة. وفي «المحرَّر»: أفضلُها التَّمرُ، ثمَّ الزَّبيبُ، ثمَّ البُرُّ، ثمَّ الشَّعيرُ، ثمَّ الأَقِطُ. وعنه: الْأَقِطُ أفضلُ لأهل البادية إنْ كان قوتَهم. وقيل: أفضلُها ما كان أغْلَى قِيمةً، وأكثرَ نفعًا. (وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٧)، إذا أعطى من كلِّ صنفٍ ثلاثةً؛ لأنَّه دَفَع الصَّدقة إلَى مُستحقِّها. (وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَماعَةَ)، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّها (٩) صدقةٌ لغَير معيَّنٍ، فجاز صرفها إلى واحد؛ كالزَّكاة. والأفضلُ أنْ لا يَنقُصَ الواحدَ عن مدِّ بُرٍّ أوْ نصفِ صاعٍ من غَيرِه.

стр. 1617

وعنه: الأفضلُ تَفرِقةُ الصَّاع، جزَم به جماعةٌ؛ للخروج من الخلاف. وعنه: الأفضلُ أن لا يَنقُصَ الواحدَ عن صاعٍ للمشقَّة. ويصرف في أصناف الزَّكاة، لا في غيرهم. وفي «الفنون» عن بعض أصحابنا: تدفع إلَى مَنْ لا يَجِدُ ما يَلزَمه. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): لا تدفع إلاَّ لمَنْ يَستحِقُّ الكفَّارةَ، وهو من يأخذ لحاجته، لا (٢) في المؤلَّفة والرِّقاب، وغير ذلك. فَرعٌ: إذا دفعها إلى مستحقِّها فردَّها إليه عن نفسه، أو جُمِعتْ عند الإمام فقسَمها على أهل السُّهمان، فعاد إلى إنسانٍ ذلك؛ جاز، أشْبَهَ ما لو عادت إليه بميراثٍ. وقال أبو بكرٍ: مذهبُ أحمدَ: أنَّه لا يحل له أخْذُها؛ لأِنَّها طُهرةٌ، فلم يَجُز له أخذها؛ كشِرائها؛ لحديث عمرَ ﵁ (٣).

стр. 1618

(بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ) (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ)؛ أي: مع القدرة، نَصَّ عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعَام: ١٤١]، والمرادُ الزَّكاةُ، والأمْرُ المطلَقُ للفور (٢)، بدليل: أنَّ المؤخِّر (٣) يستحِقُّ العقاب، ولو جاز التأخير (٤) لكان إمَّا إلى غايةٍ، وهو منافٍ للوجوب، وإمَّا إلَى غيرها، ولا دليلَ عليه، بل ربُّمَا يُفْضِي إلى سقوطها إمَّا بموته أو تلف (٥) المال فيتضرر (٦) الفقير، فيختَلُّ المقصود من شَرعها، ولأِنَّها للفور بطلَب السَّاعي، فكذا بطلب الله تعالى؛ كعَينٍ مغصوبةٍ، وفي «المغني» و «الشَّرح»: لو لم يكن الأمرُ للفور لَقُلْنا به هنا، ولأنَّها عبادةٌ تُكَرَّر (٧)، فلم يَجُزْ تأخيرها (٨) إلى دخول وقت مثلها؛ كالصَّلاة. وقيل: لا يلزمه على الفورِ؛ لإطلاق الأمْر؛ كالمكان. وعلَى الأوَّل: يَضمَنُ إذا تَلِف المالُ أو بعضُه لتعدِّيه. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يمكنه الإخراجُ، كمن مُنِع من التَّصرُّف في ماله، أو لم يَجِدِ المستحِقَّ، أو كان مالُه غائبًا ونحوه؛ فيجوز له التَّأخيرُ.

стр. 1619

وكلامُه مُشعِرٌ بجواز تأخيرها عن غير وقت وجوبها، وهو كذلك بلا نِزاعٍ. (إِلاَّ لِضَرَرٍ)، فيجوز له (١) تأخيرها، نَصَّ عليه (٢)، (مِثْلُ أَنْ يَخْشَى رُجُوعَ السَّاعِي عَلَيْهِ) إذا أخرجَها هو بنفسه، (وَنَحْوُ ذَلِكَ)؛ كما إذا خاف على نفسه أو ماله؛ لما في ذلك من الضَّرَرِ، وإذا جاز تأخير دَين الآدَمِيِّ؛ فهي أَوْلَى. ويجوز تأخيرها لحاجة المالك إليها، نَصَّ عليه (٣)، ولمَن حاجتُه أشدُّ، نقله يعقوبُ (٤). وقيَّده جماعةٌ: بزمَنٍ يسيرٍ للحاجة، وإلاَّ لم يَجُزْ تَرْكُ واجبٍ لمندوبٍ، وظاهر كلام جماعةٍ: المنْعُ. وكذا يجوز تأخيرها لقريبٍ في الأشهَر، وجارٍ (٥)، ولم يذكره الأكثرُ. وعنه: له أن يُعطِيَ قريبَه كلَّ شهرٍ شَيئًا، وحَمَلَها أبو بكرٍ على تعجيلها. قال المجْدُ: هو خلاف الظَّاهِر. وينبغِي أن يُقيَّد الكلُّ: بما لم يَشْتدَّ ضَررُ الحاضِرِ. فَرعٌ: يجوز للإمام والسَّاعي تأخيرُها عند ربِّها؛ لعُذْر قحط (٦) ونحوِه، احتجَّ أحمدُ (٧) بفِعْل عمرَ (٨).

стр. 1620

(فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَها جَهْلاً) به (١) ومثلُه يَجهَلُه؛ كقريب (٢) العهد بالإسلام، والنَّاشِئِ بباديةٍ بعيدةٍ تَخْفَى عليه؛ (عُرِّفَ ذَلِكَ)؛ أيْ: عُرِّفَ وجوبَها ليَرْجِعَ عن الخطأ، ولم يُحكَم بكُفْره؛ لأنه معذور. (فَإِنْ أَصَرَّ)، أوْ كان عالِمًا به؛ (كَفَرَ) إجْماعًا (٣)؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لله ولرسوله، وظاهِرُه: ولوْ أخْرَجها، (وَأُخِذَتْ مِنْهُ)؛ لوجوبها قبلَ كفره، فلم تَسقُط به؛ كالدَّين، قال في «الفروع»: إنْ كان وجبت ولا يُحتاجُ إليه؛ لأنَّها مفروضةٌ فيه. (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا)؛ كالمرتَدِّ، (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ؛ قُتِلَ)؛ لقوله ﵇: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ الناسَ حتَّى يَقولوا: لَا إلهَ إلاَّ اللهُ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ»، وقال أبو بكرٍ ﵁: «لَأُقاتِلنَّ مَنْ فرَّق بَينَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ». متَّفَقٌ عليهما (٤). (وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلاً بِهَا (٥) أوْ تهاوُنًا؛ (أُخِذَتْ مِنْهُ)؛ قَهْرًا كدَين الآدَمِيِّ، وكما يُؤخَذُ منه العُشْرُ، ولأنَّ للإمام طلَبَه به، فهو كالخراج، بخلاف الاستِنابة

стр. 1621

في الحجِّ، والتَّكفير بالمال. وظاهِرُه: أنَّه لا يُحبَس حتى يُؤدِّيَ؛ لعدم النِّيَّة في العبادة من الممتَنِع. (وَعُزِّرَ)؛ لتَرْكِه الواجبَ عليه، ولأنَّها معصيةٌ لا حدَّ فيها ولا كفَّارةَ. والمرادُ: إذا كان عالِمًا بتحريم ذلك. وقيل: إن كان مالُه باطنًا (١) عزَّره إمامٌ أو محتسِب. وذَكَر القاضِي وابنُ عَقِيلٍ: إنْ فَعَلَه لفِسْقِ الإمام؛ لكونه لا يضعها مواضعها (٢) لم يُعزِّرْه، وجزم به جماعةٌ. (فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ)؛ أيْ: غلَّه، (أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا)، فإنْ كان في قبضة الإمام؛ (أُخِذَتْ) الزَّكاة (مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) عليها، وهو قول أكثر العلماء (٣)؛ لأنَّ الصِّدِّيق مع الصَّحابة لَمَّا مَنَعَتْهُ العربُ الزَّكاةَ؛ لم يُنقَلْ أنَّه أخذ منهم زيادةً عليها، ولأنَّه لا يُزادُ على أخذ الحقوق من الظَّالِم، وكسائر الحقوق. وعنه: تؤخذ منه ومثلها، ذَكَرها ابنُ عَقِيلٍ، وقاله في «زاد المسافر»؛ تغليظًا عليه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ)؛ أيْ: مع شطْرِ ماله الزَّكَوِيِّ، وهذا روايةٌ، وقدمها (٤) الحُلْوانِيُّ؛ لما رَوَى بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ عن أبِيه عن جدِّه مرفوعًا: «فِي كلِّ إبِلٍ سائمةٍ في كلِّ أربعين ابنةُ لَبونٍ، لا يفرق إبل (٥) عن حسابها، مَنْ أعطاها مؤتَجِرًا؛ فله أجرها، ومن مَنَعها؛ فإنَّا آخِذوها وشطرَ

стр. 1622

إبله، عَزْمةً مِنْ عَزمات ربِّنا، لا يَحِلُّ لآِل محمَّدٍ منها شَيءٌ»، رواه أحمدُ والنَّسائيُّ وأبو داودَ، وقال: «شطر ماله»، وهو ثابِتٌ إلَى بَهْزٍ، وقد وثَّقه الأكثرُ (١). وجوابُه: بأنَّه (٢) كان في بَدْءِ الإسلام، حيث كانت العقوبات في المال، ثمَّ نسخ؛ لأنَّ الظاهر (٣) إيجاب بنت لَبون في كلِّ أربعين مطلقًا، والمستقَرُّ عليه في النُّصب (٤) والأسنان حديث الصِّدِّيق، وفيه: «ومَن سُئِل فَوقَ ذلك؛ فلا يعطه» (٥). قال في «الشَّرح»: (وانعقد الإجماع على ترْك العمل به في المانِعِ غَيرِ الغَالِّ)، وليس كذلك. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) بالتَّغيِيب أوْ غيرِه؛ (اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّها من مبانِي الإسلام، فيُسْتَتابُ تاركُها؛ كالصَّلاة، (فَإِنْ تَابَ (٦) وَإِلاَّ قُتِلَ) إذا لم يَتُبْ؛

стр. 1623

لاِتِّفاق الصَّحابة على قتال مانِعِها، (وَأُخِذَتْ مِنْ (١) تَرِكَتِهِ) من غير زيادةٍ؛ لأنَّ القتْلَ لَا يُسقِطُ دَينَ الآدَمِيِّ، فكذا الزَّكاة. وإذا قُتل؛ فيكون (٢) حدًّا على الأصحِّ؛ لظاهر الكتاب والسُّنَّة، وأنَّه لا تسبى لهم ذرية؛ لأنَّ الجناية من غيرهم. وظاهِرُه: أنَّه لا يُكَفَّرُ بمقاتلة الإمام له في ظاهر المذهب؛ لأنَّ الصَّحابةَ لَم يَعتقِدُوا كفرهم حين امتَنَعُوا. (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ الآيةَ [التّوبَة: ٥]، ولأنَّ أبا بكرٍ لَمَّا قاتلهم قالوا: نؤدِّيها، قال: «لا أقْبلُها حتَّى تشهَدوا أنَّ قتلانا في الجنَّة، وقتلاكم في النَّار» (٣)، ولم (٤) ينقل عن أحدٍ من الصَّحابة إنكارُه، فدلَّ على كفرهم، قال ابنُ مسعودٍ: «ومَا تارِكُ الزَّكاة بمسلِمٍ» (٥). وجوابه: بأنَّه يَحتَمِل أنَّهم جحدوا وجوبَها، ويَحتمِلُ غيرَ ذلك، فلا يجوز الحكم به في محلِّ النِّزاع، ولا يلزم من الحكم بالنَّار؛ الحكمُ بالكفر، بدليل العُصَاة من (٦) هذه الأمَّة.

стр. 1624

وقال القاضِي: الصَّحيحُ من المذهب: أنَّه لا يَكفُر بترك شَيءٍ من العبادات سوى الصَّلاة؛ لتعذُّر النِّيابة فيها، والمقصود الأعظمُ من الزَّكاة دَفْعُ حاجة الفقير، وهو حاصِلٌ بأدائها مع القتال. (وَإِنْ) طُولِبَ بالزَّكاة، فادَّعَى أداءَها، أو (ادَّعَى مَا يَمْنَعُ الوُجُوبَ (١) مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ)؛ بأنْ قال: بِعْتُه ثمَّ اشتريْتُه؛ (قُبِلَ قَوْلُهُ)؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّته، (بِغَيْرِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)، وظاهِرُه: لا يُشْرَعُ، نَقَل حَنبَلٌ: لا يَسأَلُ المتصدِّقُ عن شَيءٍ ولا يَبحَثُ، إنَّمَا يأخذ ما أصابَه مجتمِعًا (٣)، ولأنَّها عِبادةٌ مُؤْتَمَنٌ عليها، فلا يُستحلَف؛ كالصَّلاة والكفَّارة، بخلاف الوصيَّة للفقراء بمالٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُستحلَف في ذلك كلِّه. وفي «الفروع»: يتوجَّه احتمالٌ إنِ اتُّهِمَ. وفي «الأحكام السُّلطانيَّة»: إن رأى العامِلُ أن (٤) يَستحلِفَه؛ فَعَل. وإنْ نَكَل لم يُقْضَ عليه بنُكولِه. وقيل: بلَى. وكذا الحكمُ إنْ مَرَّ بعاشِرٍ، وادَّعى أنَّه عَشَرَهُ آخَرُ. فَرعٌ: إذا أقرَّ بقدْر زكاته، ولم يَذكُر قدْرَ ماله؛ صُدِّق، ويَجْرِي الخلافُ السَّابقُ فِي اليمين. (وَالصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ) تَجِبُ الزَّكاةُ في مالِ كلٍّ منهما إذا كان حُرًّا مسلمًا تامَّ الملك، وقد مر؛ لِما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مرفوعًا: «من ولِيَ مالَ يَتيمٍ؛ فلْيَتَّجِرْ

стр. 1625

به، ولا يَترُكه حتَّى تأكلَه الصَّدقةُ» (١)، ورُوي موقوفًا (٢) على عمرَ (٣)، فدلَّ على وجوبها؛ لأنَّ الولي (٤) ليس له أن يَتَبرَّع بمال اليتيم، ولأن من وجَبَ العُشْرُ في زَرْعه؛ وجب رُبُعُ العُشْرِ في ورِقِه (٥)، كالبالِغ العاقِلِ، والصَّلاةُ والصَّومُ مُختصَّةٌ بالبَدَن، فإنَّ نيَّةَ الصَّبِيِّ ضعيفةٌ، والمجنون لا يتحقَّق منه نيتها، بخلاف الزَّكاة فإنَّها تتعلَّق بالمال؛ كنفقة الزَّوجات والأقارِب وأرْش الجنايات. فعلَى هذا: (يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا) من مالهما؛ لأنَّه حقٌّ واجِبٌ عليهما، فوجب على الولِيِّ أداؤُه عنهما، كنفقة قريبه، وتعتبر (٦) النِّيَّة منه في الإخراج؛ كربِّ المال. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ) إن كان أمينًا، وهو أفضلُ مِنْ دَفْعها إلَى الإمام، نَصَّ عليه (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ (٢٧١)﴾ الآيةَ [البَقَرَة: ٢٧١]، وكالدَّين، ولأنَّ القابِضَ رشيدٌ، قَبَض ما يَستحقُّه، وليكون على ثِقةٍ من إيصالها إلى مستحقِّها. وظاهره: لا فرق بين الأموال الظَّاهرة والباطنة. وقيل: يَجِب دَفْع زكاة

стр. 1626

المال الظاهر إلى الإمام. (وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي)؛ لما رَوَى سُهَيلُ بن أبِي صالِحٍ عن أبيه قال: أتَيتُ سعدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ فقلت: لي مالٌ، وأريد إخراجَ زكاته، فما تأمُرُنِي؟ فقال: «ادفعها إليهم»، فأتَيتُ ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ وأبا سعيدٍ فقالوا مثل ذلك، رواه سعيدٌ (١)، ولأنَّه نائِبٌ عن مستحقِّها؛ فجاز الدَّفع إليه؛ كولِيِّ اليتيم. وظهر: أنَّ له دفْعَها إلى الإمام، ولو كان فاسِقًا، قال أحمدُ: (الصَّحابة يأمرون بدَفْعها، وقد علِموا فيما ينفقونها) (٢). وفي «الأحكام السُّلطانيَّة»: يَحرُم إن وضعها في غير أهلها، ويجب كتمها إذِنْ. وبالجملة فتجزئ مطلقًا؛ لما رَوَى أحمدُ عن أنَسٍ مرفوعًا: «إذا أدَّيتها إلى رسولِي فقَد بَرِئْتَ منها إلَى الله ورسولِه، فلَكَ أجرُها، وإثْمُها علَى مَنْ بدَّلَها» (٣). وللإمام طلَبُها من الأموال مطلقًا إذا وضعها في أهلها. وقيل: يجب

стр. 1627

دفْعها إذِنْ، وقيل: لا يجب دَفْع الباطنة، ذَكَره بعضُهم وجهًا واحدًا. وعلى الأوَّل: ولو من بلدٍ غَلَبَ عليه الخوارجُ، فلم يؤدِّ أهلُه الزَّكاة، ثمَّ غَلَبَ عليهم الإمامُ؛ لأنَّهم وقت الوجوب ليسوا تحتَ حمايته. (وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهُ العُشْرَ)؛ لاختلافهم (١) فيه، فذهب قومٌ إلَى أنَّه مَؤونةُ (٢) الأرض، يتولاَّه الإمامُ أوْ نائبه. وعنه: يدفع إلَى السُّلطان صدقة الفطر. وعنه: دفع الظَّاهِر أفْضَلُ. (وَيَتَوَلَّى) المالكُ (تَفْرِيقَ الباقي)؛ كالمواشِي ونحوها، فيضعها مَوضِعَها. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: دَفْعُهَا إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ)، واختاره ابنُ أبي موسى؛ للخروج من الخلاف، وزوالِ التُّهمة. تنبيهٌ: للإمام طَلَبُ نذْرٍ وكفَّارةٍ في وجْهٍ، نَصَّ عليه في كفَّارة الظِّهار (٣). وما أخذه البغاة والخوارِجُ من الزَّكاة؛ فإنَّها تُجزِئُ عن مالكها، وحمَلَه القاضي على أنَّهم خرجوا بتأويلٍ، وفي موضِعٍ آخَرَ: أنَّهم إذا نصبوا إمامًا، وفي «الأحكام السُّلطانيَّة»: لا يُجزِئُ الدَّفْعُ إليهم اختيارًا. وعنه: الوقْفُ فيما أخذه الخوارج من الزكاة. (وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يُجزِئُ (إِخْرَاجُهَا إِلاَّ بِنِيَّةٍ)؛ لقوله: «إنَّمَا الأعمالُ بالنِّيَّة» (٤)، ولأنَّها عبادةٌ، فافْتقَرَتْ إليها كالصَّلاة، ومصرِفُ المال إلى الفقير له جِهاتٌ، فلا يتعيَّن إلا بتعيينٍ، فينوي الزَّكاة، أو الصدقة الواجبةَ، أوْ صدقةَ المالِ، أو الفطر، فلو نوى صدقة مطلقة؛ لم تُجزئْه، ولو تصدَّق بجميع ماله كصدقته بغير النِّصاب من جنسه.

стр. 1628

ولا يُعتبَرُ نية الفرض، ولا المالُ المزكَّى عنه. وفي تعليق القاضِي وجْهٌ: يُعتبر نيَّة التَّعيين إذا اختلف المالُ، كشاةٍ عن خمسٍ من (١) الإبل، وأخرى عن أربعين من (٢) الغنم. فعلَى الأول (٣): إن نوى زكاةَ ماله الغائبِ، فإن كان تالِفًا فعن الحاضر، أجْزَأَ عنه إن كان الغائبُ تالِفًا، بخلاف الصَّلاة؛ لاعتبار التعيين (٤) فيها. وإنْ أدَّى قَدْرَ زكاة أحدهما؛ جَعَلَه لأيِّهما شاء؛ كتعيينه ابتداءً (٥)، وإن لم يُعيِّنْه أَجْزَأَ عن أحدهما. ولو نَوَى عن الغائب فبان تالِفًا؛ لم يكن له (٦) صرفُه إلى غيره؛ كعِتْقٍ في كفَّارةٍ مُعيَّنةٍ فلم يكن. وإنْ نَوَى عن الغائب إنْ كان سالِمًا، أوْ نَوَى وإلاَّ فنفْلٌ؛ أَجْزَأَ؛ لأنَّه حكم الإطلاق، فلم يَضُرَّ التَّقييدُ. وقال أبو بكرٍ: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه لم يُخلِص النِّيَّةَ للفرض. والأَوْلَى مقارنتها للدَّفْع، وله تقديمُها بزمَنٍ يسيرٍ؛ كالصَّلاة. وفي «الرَّوضة»: تعتبر (٧) عند الدَّفع، ولو عزَلَها لم تكف (٨) النِّيَّةُ. (إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا)، قاله الخِرَقِيُّ، وجزم به في «الوجيز»؛ فإنَّها تُجْزِئُ بغير نيَّة ربِّ المال في الظَّاهر بلا تَردُّدٍ، بمعنى: أنَّه لا يُؤمَر

стр. 1629

بأدائها ثانِيًا. وظاهره: أنَّها تجزئ في الباطن، وهو أحدُ الوجوه؛ لأنَّ له ولايةً علَى المُمْتَنِع، فقامتْ نيَّتُه مقامَ نيَّة المالك، كولِيِّ الصَّبِيِّ ونحوه. والثاني، وقاله القاضي: إنَّها تجزئ إذا أخذها طَوعًا أوْ كَرْهًا؛ لأنَّ أخذَه كالقسمة بين الشُّركاء. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ)، وابن عَقِيلٍ، وهو ظاهر «المحرَّر»، واختاره حفيدُه (١): (لَا تُجْزِئُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ)؛ لأنَّ الإمام إمَّا وكيلُه، أو وكيلُ الفقراء، أو وكيلُهما، فتُعتبَر نيَّةُ ربِّ المال، وكالصَّلاة. فعلَى هذا: يَقَعُ نفلاً من الطَّائع ويطالب بها، وتجزئ للمكرَه ظاهرًا لا باطِنًا؛ كالمصلِّي مكرَهًا. وأجيب: بأنَّه والٍ على المال، ولا يَصِحُّ إلحاقُ الزَّكاة بالقسمة؛ لأنَّها ليست عبادة، ولا تعتبر لها نية، بخلاف الزكاة. وقال القاضي في موضع: لا يحتاج الإمام إلى نية منه، ولا من رب المال (٢). فَرْعٌ: لَوْ غاب المالكُ أوْ تعذَّر إذنه لحبس ونحوه، فأخذ السَّاعي من ماله؛ أجزأ مطلقًا؛ لأنَّ (٣) له وِلايةَ أَخْذها إذن، ونيَّة المالك متعذِّرة بما تعذَّر عليه، كصرف الولِيِّ زكاة موليه. (فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلِهِ) المسلمِ الثِّقةِ، نَصَّ عليه (٤)، وقال القاضِي: يجوز

стр. 1630

أن يكون كافرًا على خلاف فيه، كما لو (١) استناب ذمِّيًّا في ذبح أضحيَّته، وجزم في «منتهى الغاية» بجوازه كالمسلم. وفي مميِّزٍ وجهان، ومقتضاه صحَّة التَّوكيل في إخراجها اتِّفاقًا (٢). (اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي المُوَكِّلِ)؛ لأنَّها واجبةٌ عليه، فاعْتُبِرتْ من جهته، وظاهره (٣) الإجزاء ولو تطاوَل زمنُ الإخراج، اختاره أبو الخطَّاب، (بِدُونِ نِيَّةِ الوَكِيلِ (٤)، كما لو تقارَب الدَّفْعُ. وقيَّده القاضِي وابن عَقِيلٍ وصاحب «الشَّرح» و «الوجيز»: بالزَّمَن اليَسيرِ. فعلَى هذا: لو تطاوَل فلا بُدَّ من نيَّة الوكيل أيْضًا؛ لئلاَّ يَخْلُوَ الأداء إلى المستحقِّ عن نيَّة مقارِنَةٍ أوْ مُقارِبَةٍ. ويُستثْنَى منه: ما لو دَفَعَها إلى الإمام ناويًا، ولم يَنْوِ الإمامُ حالَ الدَّفْع؛ جاز وإن طالَ الزَّمن؛ لأنَّه وكيل الفقراء. وظاهِرُه: أنَّه إذا نوى الوكيلُ وحده؛ أنَّه لا يُجزِئُ؛ لأنَّ نيَّتَه لم يؤذن له (٥) فيها، فتقع نفلاً، ولو أجازها. وكذا مَنْ أخرج من ماله زكاةً عن حيٍّ بلا إذنه؛ لم يُجزِئْه ولو أجازها؛ لأنَّها ملك المتصدِّق، فوقعتْ عنه. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا)؛ لخبر أبِي هُريرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أَعطَيتُم الزَّكاةَ؛ فلا تَنسَوا ثوابَها أن تقولوا: اللَّهُمَّ اجْعَلَها مغنَمًا، ولا تَجْعلْها مَغْرَمًا» رواه ابن ماجه من رواية

стр. 1631

البَختَرِيٍّ بن عبيد، وهو ضعيفٌ (١)، ومعناه: الدُّعاء، كأنَّه قال: اللهم اجعلها مثمرة لا مُنقصةً له؛ لأنَّ التَّثمير كالغنيمة، والتَّنقيص كالغرامة، ويَحمَدُ الله على توفيقه لأدائها. (وَيَقُولُ الآْخِذُ: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طُهُورًا)؛ لأنَّه مأمورٌ به في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبَة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم، قال عبدُ الله بن أبِي أَوْفَى: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم (٢) قال: اللَّهُمَّ صَلِّ على آل فلانٍ، فأتاه أبِي بصَدَقته، فقال: اللَّهُمَّ صَلِّ على آل أَبِي أَوْفَى» متَّفقٌ عليه (٣)، وهو محمولٌ على النَّدْب، ولهذا لم يَأمُر سُعاتَه بالدُّعاء. وذهبت الظَّاهريَّة إلَى وجوبه (٤)؛ لأنَّ «علَى» للإيجاب. ويُستحَبُّ إظهارُها في الأصحِّ، وقيل: إن منعها أهلُ بلدةٍ اسْتُحِبَّ، وإلاَّ فلا. فإنْ عَلِمه أهلاً لها؛ كُرِه إعلامه بها (٥)، نَصَّ عليه (٦). وفي «الرَّوضة»: لا بُدَّ من إعلامه.

стр. 1632

وإنْ عَلِمَه أهلاً، ويعلَم من عادته لا يأخذ زكاةً فأعطاه (١) ولم يُعْلِمْهُ (٢)؛ لم يُجزِئْه في قياس المذهب. (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيهِ (٣) الصَّلَاةُ)، نَصَّ عليه (٤)، وجَزَم به الأكثرُ؛ لقوله ﵇ لمُعاذٍ حين بعثَه إلَى اليمن: «أخْبِرْهم أنَّ عَلَيهِم صَدَقَةً تُؤخَذُ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائِهم» متَّفَقٌ عليه (٥)، وقال سعيدٌ: ثنا سُفْيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طَاوس، عن أبيه قال: «كان في كتاب مُعاذٍ: من أخرج من مِخْلافٍ إلَى مِخْلافٍ؛ فإنَّ صدقتَه وعُشْرَه ترد إلى مِخْلافه» (٦). وذَكَر القاضي في تعليقه وابن البَنَّاء: يُكرَه. وعنه: يَجُوز نقلها إلى الثغر. وعنه: وغَيرِه. والأول (٧): المذهب، وعليه: لا فَرْقَ بين أن يكون لرحِمٍ وشِدَّة حاجة أوْ لَا، والسَّاعي وغيرُه سَواءٌ، نَصَّ على ذلك (٨).

стр. 1633

وعُلِم منه: أنَّه يجوز نقْلُ الكفَّارة والنَّذْر والوصيَّة المطْلَقة في الأصحِّ، ونقلها إلَى دون مسافة قصر (١)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه في حكم بلدٍ واحدٍ، بدليل أحكام رُخَص السَّفَر. (فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يُجزِئُ، اختاره الخِرَقِيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضِي وجماعةٌ؛ كصَرْفها في غَيرِ الأصناف. والثَّانيةُ، واختارها أبو الخطَّاب والمؤلِّف وصاحبُ «الوجيز»: الإجزاءُ؛ للعُموماتِ، ولأنَّه دَفَعَ الحقَّ إلَى مستحقِّه، فبَرِئَ كالدَّين. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لَا فُقَرَاءَ فِيهِ) بالكُلِّيَّة، أوْ كانوا وفَضَلَ عنهم؛ لأنَّ مُعاذًا بعث إلَى عُمَرَ صدقةً من اليمن، فأنكر عمر ذلك، وقال: «لم أبعثْك جابِيًا، ولكن بعثتك لتأخُذَ من أغنياء النَّاس فتَرُدَّها في فقرائهم»، فقال مُعاذٌ: «ما بعثْتُ إليك بشيء وأنا أَجِدُ من (٣) يأخذه مني (٤)» رواه أبو عُبَيدٍ (٥)، فينقُلُها، نَصَّ عليه (٦)، ومُؤْنةُ نقْلها على المالك؛ كالكَيل ونحوِه. (فَيُفَرِّقُهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ)؛ لأنَّهم أَولَى، وحُكْمُ أهل البادية كذلك، ولو عبر «بموضع»؛ لكان أشمل. ويُستثْنَى من الأول: ما لو كان نصابٌ من السَّائمة متفرِّقًا في بلدَينِ، فإنَّه

стр. 1634

يجوز أن يُخرِج في أحدهما؛ لئلاَّ يُفْضِي إلَى التَّشْقيص في ظاهر كلام أحمدَ (١). والثَّانِي: يَلزَمه في كلِّ بلدٍ بقدْر ما فيه من المال؛ لئلا ينقلها (٢). (وَإذا (٣) كَانَ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي آخَر؛ أَخْرَجَ زَكَاةَ المَالِ فِي بَلَدِهِ)؛ أي: بلدِ المال، نَصَّ عليه (٤)؛ لئلاَّ تُنقَلَ الصَّدقةُ عنه، ولأنَّ المال سببُ الزَّكاة، فوجب إخراجُها حيث وُجِد السَّببُ، وإن كان متفرِّقًا زكَّى كلَّ مالٍ حيثُ هو. فَرعٌ: السَّفَّار بالمال يُزكِّي في مَوضِعِ أكثرِ إقامة المال (٥) فيه، نقله الأكثرُ (٦)؛ لتعلُّق الأطماع به غالِبًا، ونقل (٧) محمد بن الحَكَم: يُفرِّقه في البلدان الذي كان بها في الحول (٨). وقال القاضِي: يُفرِّق زكاتَه حيثُ حال حولُه؛ لئلاَّ يُفْضِي إلى تأخيرها. (وَ) أخرج (فِطْرَتَهُ فِي الْبَلَدِ الذِي هُوَ فِيهِ)؛ لأنَّه سببُها، فوجب إخراجُها حيث وُجِدَ السَّبب. (وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ؛ اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الْإِبِلِ) والبقر (فِي أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ في آذَانِهَا)؛ لما رَوَى أنَسٌ قال: «غدوتُ إلَى النَّبيِّ ﷺ بعبد الله بنِ أبِي طَلْحَةَ لِيُحنِّكَه، فوافَيتُه في يدهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدقة» متَّفقٌ عليه (٩)، ولأِحمدَ وابنِ ماجَهْ: «وهو يَسِمُ غَنَمًا في آذانها»، وإسنادُه

стр. 1635

صحيحٌ (١)، ولأنَّ الحاجة تدعو إليه ليَتميَّزَ عن الضَّوالِّ، ولتُرَدَّ إلَى مواضعها إذا شردت (٢). وخُصَّ الموضعان؛ لخِفَّة الشعر فيهما (٣)، ولقِلَّة ألَم الوَسْم، ويتوجَّه: يَحرُم في الوجه. (فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً كَتَبَ: للهِ، أوْ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَتْ جِزْيَةً كَتَبَ: صَغَارًا، أَوْ جِزْيَةً)؛ لأنه أقل ما تتميز (٤) به، وذكر أبو المعالي: أنَّ الوسم بحِنَّاء أوْ قَيْرٍ أفضلُ، وفيه شَيءٌ. تنبيهٌ: إذا أخرج زكاتَه فتَلِفَتْ قبل أن يَقبِضها الفقيرُ؛ لزمه (٥) عِوَضُها كما قبل العزل؛ لعدم تعيِينها؛ لأنَّه يجوز العَودُ فيها إلى غيرها ولم يَمْلِكها المستحِقُّ، كمالٍ معزولٍ لوفاء رب الدين (٦)، بخلاف الأمانة. والتَّالِف إن كان من مال الزَّكاة؛ سقط قدْرُ زكاته إن قلنا بالسُّقوط بالتَّلَف، وفي سقوطها عن الباقي إن نقص عن نصاب الخلافُ. ويُشتَرَط لملك (٧) الفقير لها وإجزائها؛ قبضُه، ولا يَصِحُّ تصرفه قبلَه،

стр. 1636

نَصَّ عليه (١). ولو قال الفقير: اشتر لي بها ثوبًا، ولم يقبضه؛ لم يجز، ولو اشتراه كان له، ولو تلِف فمن ضمانه.

стр. 1637

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ)، جزَم به الأصحابُ؛ لما رَوَى علِيُّ بن أبِي طالِبٍ: «أنَّ العبَّاس سأل النَّبيَّ ﷺ في (١) تعجيل صدقتِه قبل أن تحلَّ (٢)، فرخَّص له في ذلك» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وقد تُكلِّم في إسناده، وذكر أبو داود: أنَّه رُوِيَ عن الحسن بن مسلمٍ مرسَلاً، وأنَّه أصحُّ (٣)، ولأنه (٤) حقُّ مالٍ أُجِّل للرِّفق، فجاز تعجيلُه قبل أجله كالدَّين، ونقل جماعةٌ: (لا بأْسَ به) (٥)، قال الأثرم: هو مِثْلُ الكفَّارة قبل الحِنْث، فيصير من تقديم الحكم بعد وجود سببه وقبل (٦) وجود شرطه (٧). وفي كلام القاضِي والمجْدِ: أنَّهما سببان، فقُدِّم (٨) على أحدهما. وفي كلام المؤلِّف شرطان. وظاهر كلامهم: أن ترك التَّعجيل أفضلُ. وفي «الفروع»: يتوجه

стр. 1638

احتمال (١): تعتبر (٢) المصلحةُ. ولا خلاف عندنا أنَّه يجوز تقديمها بعامٍ واحدٍ. ويُستثنَى منه: ولِيُّ ربِّ المال (٣)، فإنَّه ليس (٤) له تعجيلها في وجْهٍ. (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أيْ: قبل كمال النِّصاب بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، قاله في «المغني»؛ لأنَّه سبَبُها، فلم يَجُزْ تقديمها عليه، كالتَّكفير قبل الحلف. (وَفِي تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ)، أطلقَهُما تَبَعًا لأبِي الخطَّاب: إحداهما: لا يجوز، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِد بتعجيلها لأكثرَ من حَولٍ، فاقْتُصر عليه. والثَّانيةُ: يجوز، قدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ في حديث عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أمَّا العبَّاسُ فهي عليَّ، ومثلُها معها» متَّفقٌ عليه (٥)، وكتقديم الكفَّارة قبل الحِنْث بأعوامٍ. لكنْ قيَّدها ابنُ الزَّاغونِيِّ والمجْد: بعامَينِ، ونَصُّ أحمد وَرَد عليه (٦). فعلى (٧) الأولى: لا يجوز لثلاثة أعوامٍ فأكثر، قال ابنُ عَقيلٍ: لا تختلف الرِّواية فيه؛ اقتصارًا على ما ورد. وعنه: يجوز؛ لما سَبَقَ. وإذا قلنا: يعجل (٨) لعامَينِ، فعجَّل عن أربعين شاةً شاتَينِ من غيرها؛

стр. 1639

جاز، [ومنها] (١) لا يجوز عنهما (٢) وينقطع الحَولُ. وإن عجَّل واحدةً منها وأخرى من غيرها؛ جاز، جزم به في «منتهى الغاية». وقال المؤلِّف: تُجزِئُ واحدةٌ عن الحول الأوَّل. (وَإِنْ) مَلَك نصابًا، ثمَّ (عَجَّلَهَا (٣) عَنِ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ، أَجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ)؛ لما تقدَّم، (دُونَ الزِّيَادَةِ) نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّه عجَّل (٥) زكاة ما (٦) ليس في ملْكه، فلم يُوجَد السَّبَبُ كما في النِّصاب الأوَّل. وعنه: تُجزِئُ عنها (٧)؛ لوجود سبب الزَّكاة في الجملة. وفي «الفروع»: يتوجه منها (٨) احتِمال تخريج (٩): بضمه (١٠) إلى الأصل في (١١) حول الوجوب، فكذا في التَّعجيل. واختار في «الانتصار»: يُجزِئُ عن المستفاد (١٢) من النِّصاب فقطْ. وقيل به إن لم يَبلُغ المستفادُ نصابًا؛ لأنَّه يَتْبعُه في الوجوب والحَول

стр. 1640

كموجودٍ، وإذا بلَغَه استقلَّ بالوجوب (١) في الجملة لو لم يُوجَد الأصل. ولو عجَّل عن خمسَ عشرةَ وعن نِتاجها بنتَ مَخاضٍ؛ فنُتِجَتْ مثلَها؛ فالأشهر: لا تُجزِئه ويَلزَمه بنتُ مُخاضٍ، وهل له أن يَرتَجِع المعجلة؟ على وجْهَينِ. فإن جاز، فأخذَها (٢) ثمَّ دَفَعَها إلى الفقير؛ جاز، وإنِ اعْتدَّ بها قبل أخْذِها؛ فلا؛ لأنَّها على ملك الفقير. ولو عجَّل مُسِنَّةً عن ثلاثينَ بقرةً ونتاجها (٣)؛ فالأشهرُ: لا تجزئه عن الجميع، بل عن ثلاثين، وليس له ارتِجاعُها، ويُخرِج للعشر رُبُعَ مُسنَّةٍ. وعلى قول ابنِ حامِدٍ: يُخيَّرُ بين ذلك وبين ارْتِجاع المُسنَّة، ويُخرِجها أو غيرها عن الجميع. ولو عجَّل عن أربعين شاةً شاةً، ثُمَّ أبدلها بمثلها، أو نُتِجت أربعين سَخْلةً ثمَّ ماتت الأمات (٤)؛ أجزأ المعجَّل عن البدل وعن السِّخال؛ لأنَّها تُجزِئُ مع بقاء الأمات (٥) عن الكلِّ، فعن أحدهما أَوْلَى. وذكر أبو الفرَج وجهًا (٦): لا يُجزِئُ؛ لأنَّ التَّعجيل كان لغيرها. (وَإِنْ (٧) عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمْرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لأِنَّه تقديمٌ لها قبل وجود سببها، وظاهره: أنَّه إذا عجَّلها بعْد الطُّلوع أنَّها تُجزِئُ،

стр. 1641

واختاره أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ وجود ذلك كالنِّصاب، والإدراك كالحَول. وحُكمُ الزَّرع كذلك. وقيل: يَجوزُ بعد ملك الشَّجَر، ووضْع البذْر في الأرض؛ لأنَّه لم يَبْقَ للوجوب إلاَّ مُضِيُّ الوقت عادةً، كالنِّصاب الحَولِيِّ. واختار في «الانتصار» و «منتهى الغاية»: أنَّه لا (١) يَجوزُ حتَّى يَشْتَدَّ الحَبُّ ويَبْدُوَ صلاحُ الثَّمَرة؛ لأنَّه السبب. (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ، فَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ نَاقِصٌ قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ (٢)؛ جَازَ)؛ لأِنَّ ما عجَّله حكمُه حكمُ الموجود في ملْكِه حقيقةً أوْ تقديرًا، ولهذا يَتِمُّ به النِّصاب، ويُجزِئُه عن ماله. وقال أبو حَكيمٍ (٣): لا يُجزِئُه، ويكون نفْلاً، ويكون كتالِفٍ. فعلَى الأوَّل: لو مَلَك مائةً وعشرين شاةً، ثمَّ نُتِجت قبل الحول واحدةٌ؛ لزِمه شاةٌ أخرى، وعلى الثَّانِي: لا. وظاهره (٤): أنَّه إذا نقص أكثر مِمَّا عجَّله؛ أنَّه يَخرُج بذلك عن كونه سببًا للزَّكاة، فإذا زاد بعد ذلك إمَّا بِنِتاج أو شراء ما يتمُّ به النِّصاب؛ استُؤنِف (٥) الحولُ من حين كَمل النِّصابُ، ولم يُجزِئْه ما عجَّله، ذكره في «الشَّرح». (وَإِنْ (٦) عَجَّلَ زَكَاةَ المِائَتَيْنِ فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةٌ؛ لَزِمَهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ)؛

стр. 1642

لما ذكر من أنَّ المعجَّلَ حكمُه كالموجود، فيكون ملْكُه مِائتَينِ وواحدةً، وفرضُ ذلك ثلاثُ شِياهٍ، فإذا أدَّى اثنتين (١) بَقِي عليه واحدةٌ. فلو نُتج المال ما يُغيِّر (٢) الفرض؛ كتبيعٍ عن ثلاثين بقرةً، فنُتِجتْ عشرًا؛ فقيل: لا يُجزِئُه المعجَّل لشَيءٍ؛ لتبيُّن أنَّ الواجبَ غيرُه، وهل له ارْتِجاعه؟ فيه وجهان. وقيل: يجزئه عمَّا جعله عنه، ويلزمه للنِّتاج رُبُع مسنَّة؛ لئلاَّ يَمتَنِع المالكُ من التعجيل غالِبًا. (وَإِنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ) قابِضُها، (أَوِ ارْتَدَّ، أَوِ اسْتَغْنَى) من غيرها قبل الحَول؛ (أَجْزَأَتْ عَنْهُ) في الأصحِّ؛ كما لو استغنى منها (٣)، أوْ عُدِمتْ عند الحَول؛ لأنَّه يُعتبَرُ وقت القَبض، ولئلاَّ يَمْتَنِع التَّعجيل. وفُهِم منه: أنَّه إذا بَقِيَ على صفة الاِسْتحقاق عند تمام الحَول؛ الإجزاء من (٤) باب أَولَى. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ)؛ لأِنه لَم يَدفَعْها إلَى مستحقِّها، أشْبَهَ ما لو لم يَفتقِرْ. (وَإِنْ عَجَّلَهَا، ثُمَّ هَلَكَ المَالُ)؛ أي: النِّصابُ أوْ بعضُه، أو مات المالك أو ارتَدَّ (قَبْلَ الْحَوْلِ)؛ فقد بان أنَّ الْمُخرَجَ ليس بزكاةٍ؛ لانقطاع الوجوب بذلك، فإذا أراد الوارِثُ الاحتِسابَ بها عن زكاةِ حوله؛ لم يَجُزْ. وذكر القاضِي وجهًا: يجوز؛ بِناءً على ما لو عجَّل عن عامَينِ. والفَرْق: أنَّ التَّعجيل وُجِد من نفسه مع حول ملكه، وهنا أخرجها غيره عن نفسه بلا ولايةٍ ولا نيابةٍ؛ فلم يَجُزْ.

стр. 1643

(وَلَمْ (١) يَرْجِعْ عَلَى المِسْكِينِ) في روايةٍ ذكرها أبو الحُسَين، واختارها أبو بكرٍ وغيرُه، قال القاضي: وهي المذهبُ، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّها دفعت إلَى مستحقِّها، فلم يَملِك اسْترجاعَها؛ لوقوعها نفلاً، بدليل ملك الفقير لها. وظاهره: لا فرْقَ بين إعلامِ الآخِذِ أنَّها معجَّلةٌ أو لا. والثَّانيةُ: يَملِك الرُّجوع فيه، اختارها ابنُ حامِدٍ وابنُ شِهابٍ وأبو الخطَّاب، كما لو عجَّل الأجرةَ ثمَّ تَلِف المأجورُ، وكعِتْقه عن كفَّارةٍ لَم تَجِبْ، فلم تجب (٢) كما لو كانت بيد السَّاعي عند التَّلف. وبنى جماعةٌ عليها: إن كان الدَّافعُ ولِيَّ ربِّ المال رجع مطلقًا، وإن كان ربُّ المال ودفع إلى السَّاعي مطلقًا رجع فيها (٣) ما لَم يَدْفَعْها إلى الفقير، وإن كان دفَعَها إليه؛ فهو كما لو دَفَعَها إليه ربُّ المال. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِي)؛ رجع (٤) مطلقًا؛ لقوله: (أَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّها زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه دَفَعَها عمَّا يَستحقُّه القابِضُ في الحال (٥) الثَّانِي، وإذا طرأ ما يَمنَع الاِسْتِحْقاقَ؛ وجَبَ ردُّه، كما لو كفَّر عن القتل بعد الجُرح فاندمل (٦)، ولم يَمُت المجروحُ. فيحتمل أنَّ الضَّمير عائدٌ إلَى ربِّ المال، وهو الذي في «الشَّرح»، فيصير (٧) التَّقدير: أو أَعْلم ربُّ المال السَّاعِيَ بالتَّعجيل

стр. 1644

ودفع (١) إلى الفقير؛ رجع عليه، أعلمه (٢) السَّاعي أو لا، وجزم به جماعةٌ عن ابن حامِدٍ. ويَحتَمِل أن يعود الضَّمير إلى الدَّافع، فعلى هذا تقديره: إذا أعلَم الدَّافِعُ الفقيرَ بأنَّها مُعجَّلةٌ؛ رجع (٣) عليه، وإلا فلا، وهذا (٤) قولٌ في المذهب. ومتى كان ربُّ المال صادِقًا؛ فله الرُّجوع باطنًا، أعْلَمه بالتَّعجيل أو لا (٥)، لا ظاهرًا مع الإطلاق؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهر. وعلَى القول بالرُّجوع: إن كانت العينُ باقيةً؛ أخذَها بزيادتها المتَّصلةِ فقطْ. وقيل: يَرجِع بالمنفصلة؛ كرجوع بائِعِ المُفلِس المستَرِدِّ عَينَ ماله بها. وإن كانت ناقصةً؛ ضَمِن نَقصَها في الأصحِّ؛ كجملتها، وإن تَلِف؛ ضَمِن مثلَها أو قيمتها يوم التعجيل (٦)، والمراد ما قاله المجْدُ: يوم التَّلَف على صفتها يوم التَّعجيل. فَرعٌ: إذا اختلفا في ذكر التَّعجيل؛ صُدِّق الآخِذُ؛ عَمَلاً بالأصل، ويَحلِف في الأصحِّ، ولو مات وادعى عِلْمَ (٧) وارثِه؛ ففي يمينه على نفي العلمِ الخلافُ.

стр. 1645

(بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاة) وأهلُها هم الذين جَعَلَهُم الشَّرع مَحلًّا لدَفْعها إليهم. (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ) الذين سمَّاهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (٦٠)﴾ الآيةَ [التّوبَة: ٦٠]، قال أحمدُ: (إنَّمَا هي لِمَنْ سمَّى الله تعالَى) (١)، قال الأصحابُ: إنَّما تفيد الحَصْر؛ أي (٢): تُثْبِتُ المذكورَ وتنفي (٣) ما عداه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النِّسَاء: ١٧١]، قال في «منتهى الغاية»: وكذلك تعريف الصَّدَقات بالألف واللاَّم، فلو جاز صَرْف شَيءٍ منها إلى غير الثَّمانية؛ لكان لهم بعضُها لا كلُّها، وهذا إجماعٌ (٤). (الْفُقَرَاءُ)، بدأ بهم؛ اتِّباعًا للنَّصِّ، ولشدَّة حاجتهم، وهم غير المساكين؛ لأنَّهم (٥) إذا اجتمعا (٦) افترقا وبالعكس، (وَهُمُ الذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ)، فالفقير الذي لا يَجِد شيئًا (٧) أصلاً، أو لا يَجِدُ نصفَ كِفايتِه، كدِرهمَينِ من عشرةٍ، ومثَّله الخِرَقِيُّ وتَبِعه في «الشَّرح»: بالزَّمِن والأعمى؛ لأنَّهما غالبًا لا قُدرةَ لهما على اكتساب ما يَقَع مَوْقِعًا من كفايتهم، أوْ لا قُدْرةَ لهما على شَيءٍ بالكُلِّيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٢٧٣)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٧٣].

стр. 1646

(الثَّانِي: المَسَاكِينُ، وَهُمُ الذِينَ (١) يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ) أوْ نِصفَها؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسمَّاهم مساكِينَ ولهم سفينةٌ، وقد سأَلَ النبيُّ ﷺ المسكنة (٢)، واستعاذَ من الفَقْر فقال: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأَمِتْنِي مسكينًا، واحْشُرْنِي في زُمْرَة المساكِينِ» رواه التِّرمذيُّ (٣)، ولا يجوز أنْ يَسألَ شدَّة الحاجة، ويَستعِيذ من حالةٍ أصلحَ منها، فدلَّ علَى أنَّ المسكين أحسنُ حالاً من الفقير؛ لكونه يَجِد ما ذكرنا. وعنه: أنَّه فقير (٤) والأوَّلُ مِسْكِينٌ، وأنَّ المسكينَ أشدُّ حاجة (٥) من الفقير، وقاله الفَرَّاء وابنُ قُتَيبةَ وثَعْلبٌ (٦) من أصحابنا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البَلَد: ١٦]، وهو المطروح على التُّراب لشدَّة حاجته.

стр. 1647

وأُجِيب: بأنَّه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقًا، وأنَّ هذا النعتَ لا يَستحقُّه بإطلاق اسم المَسْكَنَة. (وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَالاً يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ؛ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ)؛ لقوله ﵇ فِي حديث قَبِيصةَ: «فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيشٍ، أوْ سَدادًا مِنْ عَيشٍ» رواه مسلمٌ (١)، والسّدادُ: الكفاية. ولا فَرْق في ذلك بين ما لا تَجِبُ الزَّكاة فيه كالعَقَار ونحوه، قال أحمدُ في رواية محمَّد بن الحَكَم: (إذا كان له عَقارٌ يَستغِلُّه أوْ ضَيعةٌ يَستغِلُّها عشرة آلاف أو أكثر لا تُقيمُه (٢) -يعني: لا تَكفيه-؛ يأخذ من الزَّكاة) (٣)، وبين ما تجب فيه؛ كالمواشي والحبوب، نقل الميمونِيُّ عن أحمدَ: فقلت: الرَّجلُ يكون عنده الإبلُ والغنمُ تجب فيها الزَّكاة، وهو فقيرٌ يُعطَى من الصدقة (٤)؟ قال: (نعم) (٥)، ولأنَّه يَملِك ما لَا يُغنِيه، ولا يَقدِر على كسْب ما يَكفِيه، فجاز له الأخْذُ منها كغيره. ويأخذ تَمام كِفايته سنةً. وعنه: يأخذ تمامها دائمًا بمَتْجَرٍ وآلة صنعة (٦)، ولا يأخذ ما يصير به غنيًّا. وظاهره (٧): أنَّه إذا كان يقوم بكفايته؛ كمن (٨) له مَكسَبٌ أوْ أُجْرة عَقارٍ أو

стр. 1648

غيره، فإنَّه غَنِيٌّ، ويُمنَع من أَخْذها. (وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَثْمَانِ)، وهو لا يقوم بكفايته، قال في «الوجيز»: وكفاية عياله؛ (فَكَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نقله مُهنَّى (١)، وهو المذهب؛ لأنَّه ﵇ جَعَل عدم الكفاية غاية (٢) حِلِّ المسألة، ولم توجد (٣). (وَالْأُخْرَى: إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ؛ فَهُوَ غَنِيٌّ) نقلَها واختارها الأكثرُ (٤)؛ لما رَوَى عبدُ الله بن مسعودٍ مرفوعًا: «مَنْ سأل وله ما يُغنِيه؛ جاءت مسألتُه يومَ القيامة خُدوشًا، أوْ كُدُوشًا في وجهه»، قالوا: يا رسول الله، وما غِناهُ؟ قال: «خمسون درهمًا، أوْ حسابها من الذَّهب» رواهُ الخمسةُ (٥). وأُجِيب: بضعف الخبر، فإنَّه يَرويه حكِيم بن جُبَيرٍ، عن محمَّد بن عبد الرَّحمن، عن أبيه عنه، وشُعبةُ لا يَروِي عن حكيمٍ، مع أنه قد ضعَّفه جماعةٌ، ولو سُلِّم فهو محمول (٦) على المسألة، فتَحرُم المسألةُ، ولا يَحرُم الأخْذُ، قاله في «المغني» و «الشَّرح».

стр. 1649

وحمله المجْدُ: على أنَّه ﵇ قاله في وقتٍ كانت الكِفايةُ الغالِبةُ فيه بخمسين، ولذلك جاء التَّقدير عنه بأربعين، وبخمس (١) أواق، وهي مائتان، ويُعتبَرُ الذَّهب بقيمة الوقت؛ لأنَّ الشرع لم يَحُدَّه. وظاهِرُه: أنَّه لَيس المانِعُ من أخْذِها ملْكَه نصابًا أوْ قِيمتَه فاضِلاً عمَّا يَحتاجُه فقطْ، أوْ ملكه كفايته. فَرعٌ: عِيالُه مثلُه، فيَأخُذُ لكلِّ واحدٍ منهم خمسين خمسين، أوْ قدر كفايته على الخلاف. (الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا)؛ لِلنَّصِّ، (وَهُمُ: الجُبَاةُ لَهَا وَالحَافِظُونَ (٢)؛ كالكاتب والقاسِم ونحوِهما؛ لدخولهم في مسمَّى العامِلِ. (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْعَامِلِ): مكلَّفًا، (أَمِينًا)، وِفاقًا (٣). وفي «الفروع»: ومرادهم بها العدالةُ، وفيه نَظَرٌ. (مُسْلِمًا) في روايةٍ، وهي المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]، ولأنَّها وِلايةٌ، ولاِشتراط الأمانة أشْبَهَ الشَّهادة، وهي تَفتقِر إلَى العلم بالنصب، ومقادير الزَّكاة، وقبول قولهم (٤) في المأخوذ منه، والكافر ليس أهلاً لذلك، قال عمرُ: «لا تأمنوهم، وقد خَوَّنهم الله» (٥).

стр. 1650

ويجوز أنْ يكونَ حاملُها وراعيها ونحوهما (١) كافِرًا. (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى)، هذا وجْهٌ، وفي ابن المنجَّى: أنَّه المذهب، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ الفضلَ بنَ عبَّاسٍ، والمطلب بن ربيعة سألا النَّبيَّ ﷺ العمالةَ على الصدقات، فقال: «إنَّ الصَّدقة لا تَحِلُّ لِمحمَّدٍ، ولا لآِل محمَّدٍ» (٢)، وهو نَصٌّ فِي التَّحريم، فلا تجوز مخالفتُه، إلاَّ أنْ تُدفَع إليه أجرتُه من غَير الزَّكاة، قاله في «المغني» و «الشَّرح». (وَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ)؛ لأِنَّه يَحصُل منه المقصود كالحرِّ. وفيه وجْهٌ: تُشترَط؛ لكماله. وقيل: تشترط (٣) في عمالة تفويضٍ لا تنفيذٍ. (وَفَقْرُهُ (٤)؛ إجْماعًا (٥)؛ لأِنَّه ﵇ أرسل عمرَ عامِلاً وكان غنِيًّا (٦)، ولأن ما يأخذه أجرة. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ (٧) إِسْلَامُهُ) في روايةٍ، واختارها (٨) الأكثرُ؛ لأنَّه يأخذه بحقِّ جبايته (٩)، ولهذا قال ابنُ عَقِيلٍ وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ: يَصِحُّ أنْ يُوكِّله الوصِيُّ في مال اليتيم بَيعًا وابْتِياعًا، وليس بظاهِرٍ.
следующие страницы →