← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(الثَّانِي: المَسَاكِينُ، وَهُمُ الذِينَ (١) يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ) أوْ نِصفَها؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسمَّاهم مساكِينَ ولهم سفينةٌ، وقد سأَلَ النبيُّ ﷺ المسكنة (٢)، واستعاذَ من الفَقْر فقال: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأَمِتْنِي مسكينًا، واحْشُرْنِي في زُمْرَة المساكِينِ» رواه التِّرمذيُّ (٣)، ولا يجوز أنْ يَسألَ شدَّة الحاجة، ويَستعِيذ من حالةٍ أصلحَ منها، فدلَّ علَى أنَّ المسكين أحسنُ حالاً من الفقير؛ لكونه يَجِد ما ذكرنا. وعنه: أنَّه فقير (٤) والأوَّلُ مِسْكِينٌ، وأنَّ المسكينَ أشدُّ حاجة (٥) من الفقير، وقاله الفَرَّاء وابنُ قُتَيبةَ وثَعْلبٌ (٦) من أصحابنا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البَلَد: ١٦]، وهو المطروح على التُّراب لشدَّة حاجته.

стр. 1647

وأُجِيب: بأنَّه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقًا، وأنَّ هذا النعتَ لا يَستحقُّه بإطلاق اسم المَسْكَنَة. (وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَالاً يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ؛ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ)؛ لقوله ﵇ فِي حديث قَبِيصةَ: «فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيشٍ، أوْ سَدادًا مِنْ عَيشٍ» رواه مسلمٌ (١)، والسّدادُ: الكفاية. ولا فَرْق في ذلك بين ما لا تَجِبُ الزَّكاة فيه كالعَقَار ونحوه، قال أحمدُ في رواية محمَّد بن الحَكَم: (إذا كان له عَقارٌ يَستغِلُّه أوْ ضَيعةٌ يَستغِلُّها عشرة آلاف أو أكثر لا تُقيمُه (٢) -يعني: لا تَكفيه-؛ يأخذ من الزَّكاة) (٣)، وبين ما تجب فيه؛ كالمواشي والحبوب، نقل الميمونِيُّ عن أحمدَ: فقلت: الرَّجلُ يكون عنده الإبلُ والغنمُ تجب فيها الزَّكاة، وهو فقيرٌ يُعطَى من الصدقة (٤)؟ قال: (نعم) (٥)، ولأنَّه يَملِك ما لَا يُغنِيه، ولا يَقدِر على كسْب ما يَكفِيه، فجاز له الأخْذُ منها كغيره. ويأخذ تَمام كِفايته سنةً. وعنه: يأخذ تمامها دائمًا بمَتْجَرٍ وآلة صنعة (٦)، ولا يأخذ ما يصير به غنيًّا. وظاهره (٧): أنَّه إذا كان يقوم بكفايته؛ كمن (٨) له مَكسَبٌ أوْ أُجْرة عَقارٍ أو

стр. 1648

غيره، فإنَّه غَنِيٌّ، ويُمنَع من أَخْذها. (وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَثْمَانِ)، وهو لا يقوم بكفايته، قال في «الوجيز»: وكفاية عياله؛ (فَكَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نقله مُهنَّى (١)، وهو المذهب؛ لأنَّه ﵇ جَعَل عدم الكفاية غاية (٢) حِلِّ المسألة، ولم توجد (٣). (وَالْأُخْرَى: إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ؛ فَهُوَ غَنِيٌّ) نقلَها واختارها الأكثرُ (٤)؛ لما رَوَى عبدُ الله بن مسعودٍ مرفوعًا: «مَنْ سأل وله ما يُغنِيه؛ جاءت مسألتُه يومَ القيامة خُدوشًا، أوْ كُدُوشًا في وجهه»، قالوا: يا رسول الله، وما غِناهُ؟ قال: «خمسون درهمًا، أوْ حسابها من الذَّهب» رواهُ الخمسةُ (٥). وأُجِيب: بضعف الخبر، فإنَّه يَرويه حكِيم بن جُبَيرٍ، عن محمَّد بن عبد الرَّحمن، عن أبيه عنه، وشُعبةُ لا يَروِي عن حكيمٍ، مع أنه قد ضعَّفه جماعةٌ، ولو سُلِّم فهو محمول (٦) على المسألة، فتَحرُم المسألةُ، ولا يَحرُم الأخْذُ، قاله في «المغني» و «الشَّرح».

стр. 1649

وحمله المجْدُ: على أنَّه ﵇ قاله في وقتٍ كانت الكِفايةُ الغالِبةُ فيه بخمسين، ولذلك جاء التَّقدير عنه بأربعين، وبخمس (١) أواق، وهي مائتان، ويُعتبَرُ الذَّهب بقيمة الوقت؛ لأنَّ الشرع لم يَحُدَّه. وظاهِرُه: أنَّه لَيس المانِعُ من أخْذِها ملْكَه نصابًا أوْ قِيمتَه فاضِلاً عمَّا يَحتاجُه فقطْ، أوْ ملكه كفايته. فَرعٌ: عِيالُه مثلُه، فيَأخُذُ لكلِّ واحدٍ منهم خمسين خمسين، أوْ قدر كفايته على الخلاف. (الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا)؛ لِلنَّصِّ، (وَهُمُ: الجُبَاةُ لَهَا وَالحَافِظُونَ (٢)؛ كالكاتب والقاسِم ونحوِهما؛ لدخولهم في مسمَّى العامِلِ. (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْعَامِلِ): مكلَّفًا، (أَمِينًا)، وِفاقًا (٣). وفي «الفروع»: ومرادهم بها العدالةُ، وفيه نَظَرٌ. (مُسْلِمًا) في روايةٍ، وهي المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]، ولأنَّها وِلايةٌ، ولاِشتراط الأمانة أشْبَهَ الشَّهادة، وهي تَفتقِر إلَى العلم بالنصب، ومقادير الزَّكاة، وقبول قولهم (٤) في المأخوذ منه، والكافر ليس أهلاً لذلك، قال عمرُ: «لا تأمنوهم، وقد خَوَّنهم الله» (٥).

стр. 1650

ويجوز أنْ يكونَ حاملُها وراعيها ونحوهما (١) كافِرًا. (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى)، هذا وجْهٌ، وفي ابن المنجَّى: أنَّه المذهب، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ الفضلَ بنَ عبَّاسٍ، والمطلب بن ربيعة سألا النَّبيَّ ﷺ العمالةَ على الصدقات، فقال: «إنَّ الصَّدقة لا تَحِلُّ لِمحمَّدٍ، ولا لآِل محمَّدٍ» (٢)، وهو نَصٌّ فِي التَّحريم، فلا تجوز مخالفتُه، إلاَّ أنْ تُدفَع إليه أجرتُه من غَير الزَّكاة، قاله في «المغني» و «الشَّرح». (وَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ)؛ لأِنَّه يَحصُل منه المقصود كالحرِّ. وفيه وجْهٌ: تُشترَط؛ لكماله. وقيل: تشترط (٣) في عمالة تفويضٍ لا تنفيذٍ. (وَفَقْرُهُ (٤)؛ إجْماعًا (٥)؛ لأِنَّه ﵇ أرسل عمرَ عامِلاً وكان غنِيًّا (٦)، ولأن ما يأخذه أجرة. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ (٧) إِسْلَامُهُ) في روايةٍ، واختارها (٨) الأكثرُ؛ لأنَّه يأخذه بحقِّ جبايته (٩)، ولهذا قال ابنُ عَقِيلٍ وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ: يَصِحُّ أنْ يُوكِّله الوصِيُّ في مال اليتيم بَيعًا وابْتِياعًا، وليس بظاهِرٍ.

стр. 1651

وفي «الأحكام السُّلطانيَّة»: يجوز أن يكونَ كافِرًا في زكاة خاصَّة عُرِف قدرُها. (وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) في أشْهر الوجهينِ، قال المجْدُ: هو ظاهر المذهب؛ كقرابة ربِّ المال من والدٍ وولدٍ، وكجباية الخراج، والحديث محمولٌ على التَّنزيه، قاله ابن المنجَّى، وفيه نظر. وقيل: بلَى إنْ مُنِعُوا الخُمُسَ. وظاهِرُه: أنَّه لا تشترط (١) ذكوريته، قال في «الفروع»: (وهذا متوجه (٢)، وفيه نَظَرٌ من جهة أنَّه لم يَرِدْ ما يَدُلُّ عليه، ومن تعليلهم بالولاية. ولا فِقهُهُ. واشترط في «الأحكام السُّلطانيَّة»: إن كان من عمَّال التَّفويض، وإن كان منفِّذًا فلا؛ لأِنَّ الإمامَ عيَّنَ له ما يأخذه. وأطلَق جماعةٌ: أنَّه لا يُشتَرَط إذا كَتَب له ما يأخذه، كسُعاة النَّبيِّ ﷺ . (وَإِنْ تَلِفَتِ (٣) الزَّكَاةُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ)؛ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أَمينٌ، (أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ)؛ لأنَّه من مصالح المسلمين، وهذا مِنْها. وقيل: لا يُعطَى شَيئًا، قال ابنُ تميمٍ: واختاره صاحب «المحرَّر». وظاهِرُه: أنَّها إذا لم تَتْلَفْ؛ أُعْطِيَ أُجرتَه منها وإن جاوز الثُّمُن؛ لأن ما يأخذه العاملُ أُجرةٌ في المنصوص (٤). وعنه: له الثُّمُن مِمَّا يَجْبِيهِ، قال المجد: فعليها (٥) إنْ جاوَزتْ أُجرتُه

стр. 1652

الثُّمُنَ؛ أُعطيَه من المصالح. ويُقدَّم بأجرته على غيره، وله الأخذ وإن تطوَّع بعمله؛ للخبر (١). والأصحُّ: أنَّه إذا جُعِل له جُعْلٌ على عمله (٢)؛ لم يَستحِقَّ شيئًا قبل تكميله (٣)، وإن عَقَدَ له إجارة (٤) وعيَّنَ له أجرةً مما يأخذه؛ فلا شَيءَ له عند تَلَف ما أخذه، وإن لم يُعيَّنْ، أو بعثه الإمامُ ولم يسم له شَيئًا؛ أُعْطِيَ من بيت المال. تنبيهٌ: إذا ادَّعى المالِكُ دَفْعَها إلَى العامل فأنكر؛ صُدِّقَ المالك بلا يمينٍ، وحلَف العامل وبَرِئَ. ويُقبَل قولُ العامل في الدَّفع إلى الفقير، وكذا إقراره بقبضها، ولو عُزِل. ولا يَلزَمه رفع (٥) حساب ما تولاَّه إذا طُلِب منه، جزم به ابن تميمٍ. وقيل: بلى (٦). وقيل: مع تهمة (٧). وتُقبَل شهادة أرباب الأموال عليه في وضعها غيرَ مَوضِعها، لا في أخذها منهم. وإن شهد به بعضهم لبعض (٨) قبل التَّخاصم؛ قُبِل، وغَرم العامِلُ، وإلاَّ فلا.

стр. 1653

وإن شهِد أهلُ السُّهمان عليه، أوْ له؛ لَم يُقبَل. وإنْ عمِل إمامٌ أو نائبُه عليها؛ لَم يستحقَّ منها شيئًا. (الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ)؛ لِلنَّصِّ، والمذهبُ: بقاءُ حكمهم؛ لأنَّه ﵇ أعطى المؤلفةَ من المسلمين والمشركينَ (١). (وَهُمُ السَّادَةُ)؛ أي: الرُّؤساء (المُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ)، ولا يُقبَل قولُه: إنَّه مُطاعٌ، إلاَّ بِبَيِّنةٍ. وهم ضربان (٢): كُفَّارٌ ومُسلِمون، والكُفَّارُ علَى ضَرْبَيْنِ: أحدهما: (مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ)، فيُعطَى منها لتَقْوَى نيته (٣) في الإسلام، وتَمِيلَ نفسُه إليه فيُسلِمَ؛ لأنَّه ﵇ أعطَى صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ يومَ فَتْح مكَّة الأَمان، واستصبره أربعةَ أشهر ليَنظُر في أمره، وخرج معه إلى حُنَيْنٍ، فلمَّا أعطى النَّبيُّ ﷺ العطايا قال صفوانُ: ما لِي؟ فأشار إلى وادٍ فيه إبِلٌ مُحمَّلةٌ، فقال: «هذا (٤) لك»، فقال صفوان: هذا عطاءُ من لا يَخشَى الفقرَ (٥). وأُجِيبَ: بأنَّه كان من مال الفَيء، لا الزَّكاة. الثَّانِي: مَنْ يُرجَى بعَطيَّته كفُّ شَرِّه وشَرِّ غيرِه، فقال: (أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ)؛

стр. 1654

لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ قومًا كانوا يأتون النَّبيَّ ﷺ ؛ فإنْ أعطاهم مَدَحوا الإسلامَ، وإنْ مَنَعَهم ذَمُّوا وعابوا» (١). والمسلمون علَى أربعة أَضْرُبٍ: (١) (أَوْ (٢) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ) ومناصَحته فِي الجهاد؛ لأِنَّه ﷺ لَمَّا بعث إليه علِيٌّ بِذُهَيْبةٍ في تُرْبتها فقسمها (٣) بين أربعة نفر (٤): الأقرعِ بنِ حابِسٍ، وعُيَيْنةَ بنِ بدْرٍ، وعَلْقمةَ بنِ عُلاثَةَ ثُمَّ أحدِ بنِي كِلابٍ، وزيدِ الخَيرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أحدِ بَنِي نَبْهانَ، قال: فغَضِبتْ قُريشٌ، وقالوا: يُعطِي صناديدَ نَجْدٍ ويَدَعُنا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّمَا فعلتُ ذلك لأتألَّفهم (٥)» متَّفَقٌ عليه من حديث أبِي سعيدٍ (٦). ويُقبَل قولُه في ضعف إسلامه بلا بيِّنةٍ. (٢) (أَوْ إِسْلَامُ (٧) نَظِيرِهِ)؛ أي: أنَّهم ساداتٌ من المسلمين لهم نُظَراءُ من المشركين إذا أعطوا (٨) المسلمين رَغِب نظراؤهم في الإسلام؛ لأنَّ أبا بكرٍ أعطى عَدِيَّ بن (٩) حاتِمٍ والزِّبْرِقانَ بنَ بدْرٍ مع إسلامهما، وحُسْن نِيَّاتِهمَا (١٠).

стр. 1655

(٣) (أَوْ جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إلاَّ أن يخاف. (٤) (أَوِ الدَّفْعُ عَنِ المُسْلِمِينَ)؛ كمَنْ هو فِي طَرَف بلاد الإسلام، إذا أُعْطُوا دفعوا (١) عمن يليهم من المسلمين (٢). فهؤلاء يُعطَونَ من الزَّكاة؛ لدخولهم في مسمَّى المؤلَّفة. (وَعَنْهُ: أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ)؛ نَقَلَها حنْبَلٌ عنه (٣)؛ لأنَّ الصَّحابة لم يُعطُوا شيئًا من ذلك، ولأنَّ (٤) الله تعالى قد أظهر الإسلام وأعلى كلمة الإيمان، فلم يُحتَجْ إليهم، والحكمُ يَزولُ بزوال علته. وعنه: يَنقَطِع مع كفرهم؛ لقول عمرَ وقد جاءه مُشرِكٌ يَلتَمِس منه مالاً فلم يُعطِهِ، وقال: «من شاء فليؤمِنْ، ومن شاء فلْيَكفُرْ» (٥)؛ أي: يَستَمِرُّ على كفره.

стр. 1656

وعليهما: يُرَدُّ سهمُهم على بقيَّة الأصناف، أوْ يُصرَفُ في مصالح المسلمين، نَصَّ عليه (١)، وظاهر كلامِ جماعةٍ: يُرَدُّ على بقيَّة الأصناف فقط. (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ)؛ لِلنَّصِّ، (وَهُمُ المُكَاتَبُونَ)، واحده: مكاتَبٌ، ولا يَختلِف المذهب أنَّهم من الرِّقاب، بدليل قوله: أعْتقْتُ رِقابِي، فإنَّه يَشمَلُهم، وفي قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية [النُّور: ٣٣]، إشعار به، ولأنَّه يَملِك المالَ على سيِّده، ويصرف إليه أرش جنايته، فكان (٢) له الأخذ منها إن لم يجد وفاءً كالغريم. فإن عَتَقَ بأداءٍ أو إبراء؛ فما فضل معه فهل هو (٣) له (٤) كما لو فَضَل معه شَيءٌ من صدقة التَّطوُّع، أوْ للمُعطِي؟ فيه وجهان. ويُعطَى قبل حلولها؛ لئلاَّ يُؤدِّي إلى فسخها، ولو مع القوة (٥) والكَسْب، نَصَّ عليه (٦)، وقيل: إذا حَلَّ نجمٌ. قال (٧) جماعةٌ: وكذا من علَّق عتقَه بمجيء المال. ويُسْتَثْنَى منه: المُكاتَبُ كِتابةً فاسِدةً، والكافِرُ؛ لأنَّه ليس من مَصْرِف الزَّكاة.

стр. 1657

فَرعٌ: لا يُدْفَع إلَى المُكاتَب بحكم الفقر شَيء؛ لأنَّه عبْدٌ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بها أَسِيرًا مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ (١)، اختاره جماعةٌ؛ لأنَّه (٢) فكُّ رقبةٍ من الأَسْر أشْبَهَ المكاتَبَ، والحاجةُ داعيةٌ إليه؛ لأنَّه يُخافُ عليه القَتلُ أو الرِّدَّة لحَبْسه في أيْدِي العَدُوِّ، فهو أشدُّ من حبس القِنِّ فِي الرِّقِّ. وعنه: لا، قدَّمه غيرُ واحدٍ؛ وهو قولُ أكثر العلماء. وقال أبو المعالِي: وكذا لو دُفِع إلى فقيرٍ مسلمٍ غرَّمه السُّلطانُ مالاً؛ ليَدفَع جَورَه. (وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إِحْدَاهُمَا: يَجوزُ، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لظاهِرِ الآية، فإنَّ الرَّقبةَ إذا أطلقت تَنصَرِف إليه، فجاز صَرْفُها فيه كالمكاتَب، وشرطُها: أن يكون مِمَّنْ لا يَعتِقُ عليه بالملْك، وكلامُه مُشْعِرٌ بذلك. والثَّانية: لا يجوز، قال في رواية أبِي طالبٍ: (كنتُ أقولُ: يُعتِقُ من زكاة ماله، ولكن أَهابُه؛ لأنَّه يَجُرُّ الولاء) (٣)، ولأنَّ ظاهر الآية يَقتَضِي الدَّفع إلَى الرِّقاب؛ كقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦٠] المرادُ بها: الدَّفْعُ إلَى الغُزاة، والدَّفْعُ إلَى العبد لا يَلزَم منه فك الرَّقَبة. وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ فادَّعى أنَّ أحمدَ رجَعَ عن الأُولَى لظاهر هذه الرواية (٤)، وليس هو كذلك، بل علَى سبيل الوَرَع؛ لأنَّ ما رَجَع من الولاء رُدَّ في مثله، فلا يَنتفِع إذًا بإعتاقه من (٥) الزَّكاة.

стр. 1658

وعنه: الرِّقابُ عَبِيدٌ يُشتَرَوْن من الزَّكاة، ويُعتَقُون خاصَّةً. وعنه: لا يُعتِقُ منها رقبةً كاملةً، بل يُعِين (١) في ثمنها. فإنْ جاز؛ فأعتق عبده (٢) أو مكاتبه عن زكاته؛ ففي الجواز وجهانِ. ولو علق العِتْقَ بشَرطٍ ثُمَّ نواه من الزَّكاة عند الشَّرط؛ لم يُجزِئْه. فَرعٌ: يجوز الدَّفْعُ إلَى سيِّد المكاتَب بلا إِذْنِه، قال الأصحاب: وهو الأَوْلَى، كما يجوز ذلك للإمام، فإن (٣) رَقَّ لعجزه؛ أُخِذتْ من سيِّده، ولو تَلِفت الزَّكاة بيد المكاتَب؛ أجزأَتْ، ولم يَغْرَمْها، عَتَق أوْ رَدَّ رقيقًا. (السَّادِسُ: الغَارِمُونَ)؛ لِلنَّصِّ، (وَهُمُ الْمَدِينُونَ)، كذا فسَّره الجَوهَرِيُّ (٤)، (وَهُوَ (٥) ضَرْبَانِ): (ضَرْبٌ: غَرِمَ لإصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفَال: ١]؛ أيْ: وصلكم، والبَين: الوصل، والمعنى: كونوا مجتمِعين على أمر الله تعالى، والمرادُ: أنْ يَقَع بينهم عداوةٌ وضغائِنُ يتلف بها نفسٌ أو مالٌ، فيتحمَّل إنسانٌ حَمالةً -بفتح الحاء- لإطْفاء الفتنة وسكون النار التي كانت بينهم، ثمَّ يَخرُج في القبائل فيَسألُ حتَّى يُؤدِّيَها، فورد الشَّرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصَّدقة، وحديث قَبيصةَ شاهِدٌ بذلك (٦). وظاهره: أنَّ الغارِمَ يأخذ وإن لم يَحُلَّ دَينُه، وإن كانوا كُفَّارًا. وفِي «العُمْدة» و «ابنِ تميمٍ» و «الرِّعاية الكبرى»: من المسلمين.

стр. 1659

(وَضَرْبٌ: غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ)؛ كمَن اسْتدان في نفقة نفسه وعياله أو كسوتهم، وقيَّده بالمباح؛ ليَخرُج ما استدان وصرفَه في معصيةٍ؛ كشِرب الخمر والزِّنى. ودَخَل فيه: ما إذا اشترى نفسَه من الكُفَّار؛ فيُعطَى قدْره مع فقره. وظاهره: ولو كان من ذَوِي القُرْبَى، وذكَر المؤلِّف احتمالاً بالمنْع، وكما لا يُدفَع إلَى الغارِم الكافِر، ذَكَره في «الشَّرح». وكذا لا يُقضى منها (١) دَين ميتٍ غَرِمَه لمصلحة نفسه أو غيره؛ لعدم (٢) أهليَّته لقَبولها، كما لو كفَّنه منها. وحكى الشَّيخ تقيُّ الدِّين رواية (٣) بالجَواز؛ لأنَّ الغارِم لا يُشتَرَط تمليكُه؛ لأنَّه (٤) تعالى قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التّوبَة: ٦٠]، ولم يقل: للغارمين (٥)، وفيه نَظَرٌ. ومن تَحمَّل بسبَبِ إتْلاف مالٍ أوْ نَهْبٍ؛ أَخَذَ من الزَّكاة، وكذا إن ضَمِن عن غيره مالاً، وهما معسِرانِ؛ جاز الدَّفع إلَى كلٍّ منهما. مسائِلُ: منها: إذا اجتمع الغُرْمُ والفقرُ؛ أُعْطِيَ بهما، فإنْ أُعطِيَ للفقر؛ فله صَرْفُه فِي الدَّيْن، وإنْ أُعْطِيَ للغُرْم؛ لم يَصْرفْه في غيره، قاله بعضُهم. ومنها: إذا دَفَع المالكُ إلى الغريم بلا إِذْن الفقير؛ فعنه: يَصِحُّ؛ كدَفْعها للفقير (٦). وعنه: لا؛ لأنَّ الدَّين علَى الغارِم، فلا يصح قضاؤه إلاَّ بتوكيله،

стр. 1660

ذَكَره في «المغني» و «الشَّرح»، وهذا خلافُ المذهب. وإن كان الإمامُ دافِعَها؛ لم يَفتقِر إلَى وكالةٍ؛ لولايته عليه في إيفائه، ولهذا يجبره عليه إذا امتَنَع. ومنها: إذا أبرأ ربُّ المال (١) غريمَه من دَينه بنيَّة الزَّكاة؛ لم تسقط، نَصَّ عليه (٢)، سواءٌ كان المخرَج عَينًا أوْ دَينًا. ويتوجَّه تخريجٌ لقول الحَسَنِ وعَطاءٍ: في أنَّها تسقُط؛ بناءً على أنَّه هل هو تمليكٌ أمْ لَا؟ وقيل: يُجزِئُه من زكاة دَينه؛ لأنَّها مُواساةٌ، ولا تَكفِي الحَوالة بها، جزم به ابن تميمٍ، بناءً هل الحَوالة وفاءٌ؟ وذَكَر المؤلِّف أنَّها بمنزلة القَبْض، وإلاَّ كان بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ لِلنَّصِّ، (وَهُمُ الْغُزَاةُ)؛ لأنَّ السبيل عند الإطلاق هو الغَزْو؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ١٦٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصَّف: ٤] إلى غير ذلك من النُّصوص، ولا خلافَ في استحقاقهم وبقاء حكمهم (٣)، بشَرْط أن يكونوا متطوِّعةً، وهذا مرادُه بقوله: (الذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ)؛ أيْ: لا حقَّ لهم في الدِّيوان؛ لأنَّ من له رِزْقٌ راتِبٌ يَكفِيه؛ فهو مُستغْنٍ به (٤)، فيُدفع إليهم كفايةُ غزوهم وعَودهم. ولا يجوز أنْ يَشتَرِيَ من الزَّكاة فرَسًا يصير حبيسًا (٥) في الجهاد، ولا دارًا وضَيْعةً للرِّباط، أو يقفها على الغُزاة، ولا غَزْوه على فرسٍ أخرجه من زكاته،

стр. 1661

نَصَّ عليه (١)، لا (٢) إذا اشتَرَى الإمامُ بزكاة رَجُلٍ فرَسًا؛ فله دَفْعُها إليه يغزو (٣) عليها، كما له أن يَرُدَّ عليه زكاته لفقره. (وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ) (٤) في روايةٍ اختارها في «المغني»، وصحَّحها في «الشَّرح»، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأنَّ سبيل الله حَيثُ أُطلِق ينصَرِف إلَى الجهاد غالبًا، والزَّكاة لا تُصرَف إلاَّ لِمُحتاجٍ إليها كالفقير، أو مَنْ يحتاجه المسلمون كالعامِلِ، والحجُّ لا نفع فيه للمسلمين، ولا حاجةَ بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمَّته فيُسقِطه، وإن أراد به التَّطوُّع فتوفيرُ هذا القدر على ذوي الحاجة أو صَرْفها في مصالح المسلمين أَوْلَى. (وَعَنْهُ: يُعْطَى الْفَقِيرُ)، فهو من السَّبيل، نَصَّ عليه (٥)، وهو المذهب، رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ (٦) وابنِ عمَرَ (٧)، لما رَوَى أبو داود: أنَّ رجلاً جعل ناقته

стр. 1662

في سبيل الله، فأرادت امرأتُه الحجَّ؛ فقال لها النبي ﷺ : «اركَبِيها، فإنَّ الحجَّ في سبيل الله» (١). ويُشترُط له (٢): الفقرُ، ومعناه: أن يكون ليس له بالحجِّ به (٣) سواها. وقيل: لا، وهو ظاهر «الوجيز»، فتجوز للغَنيِّ؛ كوصيَّته بثُلثه في السَّبيل، ذَكَره أبو المعالِي. (قَدْرَ (٤) مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ)، جزم به غيرُ واحِدٍ؛ لأنَّه يحتاج (٥) إلى إسقاط الفرض، والتَّطوُّعُ له عنه مَنْدوحةٌ. ولكنْ ذَكَر القاضِي: جوازَه في النَّفل كالفرض، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٦) والخِرَقِيِّ، وصحَّحه بعضُهم؛ لأنَّ كُلًّا من سبيل الله، والفقيرُ لا فَرْض عليه، فهو منه كالتَّطوُّع. فعلَى هذا: يُدْفَعُ إليه (٧) ما يَحُجُّ به حجَّةً كاملةً، وما (٨) يعينه (٩) في حجِّه.

стр. 1663

وعُلِم منه: أنَّه لا يجوز أنْ يَحُجَّ من زكاة نفسه، كما لا يجوز أن يغزوَ بها. فَرعٌ: العمرةُ في ذلك كالحجِّ، نقل جعفَرٌ: العُمْرةُ فِي سبيل الله (١). (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ)؛ لِلنَّصِّ، والسَّبيلُ: الطَّريقُ، وسُمِّيَ المسافِرُ ابنًا له؛ لمُلازَمته، كما يقال: ولد الليل، إذا كان يُكثِرُ الخروجَ فيه. (وَهُوَ المُسَافِرُ) سفَرًا مُباحًا، وفي سَفَر النُّزْهة خِلافٌ، وعلَّله جماعةٌ: بأنَّه ليس بمعصية، فدلَّ علَى أنَّه يُعطَى في سفَرٍ مكروهٍ، قال في «الفروع»: هو نظيرُ إباحة الرُّخَص فيه، لا سفَرَ معصيةٍ. وقيل: يُشترَط أن يكون سَفَر طاعةٍ، جزَم به في «الرِّعاية الصُّغرى»، وهو بعيدٌ. (المُنْقَطِعُ بِهِ)؛ أي: لَيْس له ما يَرجِع به إلى بلده، (دُونَ المُنْشِئِ للسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ)؛ لأنَّ الاِسمَ لا يتناوَلُه حقيقةً، وإنَّما يصير ابنَ سبيلٍ في ثانِي الحال، فلا يكون مرادًا. وعنه: بلَى؛ لأنَّه يريد السَّفر لغير معصيةٍ، أشْبَه الأوَّلَ. ويُصدَّق في إرادة السَّفر بلا يمينٍ. (فَيُعْطَى) -هذا تفريعٌ على ما ذَكَره- (قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ)؛ لأنَّ المجوِّز لِأًخْذها هو التَّوصُّل إلَى بلده، فلم يَجُزْ أن يُدفَع إليه أكثر من ذلك؛ كالفقير، وظاهِرُه: أنَّه يُعطَى، ولو كان ذا يَسارٍ في بلده. فإن كان يريد غيرَ بلده؛ فظاهِرُه: أنَّه لا (٢) يُعطَى، وذَكَره المجْدُ ظاهِرَ رواية صالِحٍ وغيرِه، وظاهر كلامِ أبِي الخَطَّاب؛ لأنَّ الشَّرع جوَّز الدَّفع إليه

стр. 1664

للرُّجوع إلَى بلده؛ لأنَّه أمْرٌ مهم لا غناء له (١) عنه، فلا يَجوز إلحاقُ غيرِه به. وعنه، واختاره الأصحابُ: يُدفَع إليه ما يَكفيه لمنتهى قصده وعَوده إلَى بلده؛ لأنَّ فيه إعانةً على بلوغ الغَرَض الصَّحيح. وظاهِرُ كلامِ الْأَصحابِ: أنَّه يُعطَى ولو وَجَد من يُقرِضُه، ذَكَره صاحِبُ «الشَّرحِ»، خلافًا للمَجْدِ. (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ)؛ أي: يُغْنِي كلَّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ الدَّفع للحاجة، فيُقدَّر بقدْرها، وهو مَبنِيٌّ علَى ما سبق. وشَرَطَ الخِرَقِيُّ: أن يكون المدفوعُ لا يُخرِج المدفوعَ إليه إلَى الغِنَى؛ لأنَّ الغِنَى لو سَبَق الدَّفْع لم يَجُزْ، فكذا إذا قارَن؛ كالجمع بين الأخْتَينِ. (وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ)؛ لأنَّ الذي يَأخُذُه بسبب العمل، فوجب أن يكون بمقداره. (وَالمُؤَلَّفُ: (٢) مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ)؛ لأِنَّه المقصودُ. (وَالْغَارِمُ وَالمُكَاتَبُ: مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ حاجَتَهما إنَّما تندفع (٣) بذلك. (وَالغَازِي (٤): مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لغَزْوِهِ)؛ من سلاحٍ وفرسٍ إن كان فارِسًا، وحُمولته (٥)، وجميعِ ما يَحتاجُه له ولعَوده، (وَإِنْ كَثُرَ)؛ لأنَّه إنَّما يَحصُل بذلك، ونبَّه عليه المؤلَّف؛ لئلاَّ يُتوهَّم أنه (٦) لا يجوز أن يكون قدْرَ نِصابٍ؛ لأنَّ سببَ الدَّفع الحاجة.

стр. 1665

(وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ)؛ لأِنَّ الدَّفْع للحاجة، فيَتقيَّدُ بها. (وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ؛ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ)؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلَى ذلك؛ كالأخْذ لنفسه. (وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى)؛ لقوله ﵇: «لا تحلُّ الصَّدقةُ لغَنِيٍّ، ولا ذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» رواه أبو داود، والترمذي من حديث عَمْرو بن العاصِ (١). فائِدةٌ: المِرَّةُ: القُوَّة والشِّدَّة، والسَّوِيُّ: المستَوِي الخَلْق التَّامُّ الأعضاءِ. (إِلاَّ أَرْبَعَةً: الْعَامِلُ) بغير خلافٍ نعلمه (٢)، (وَالمُؤَلَّفُ)؛ لأِنَّ إعطاءَهم لمَعنًى يَعُمُّ نفعُه؛ كالغازي، (والغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ)، ما لم يكن دَفَعَها من ماله، (وَالْغَازِي)؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ مرفوعًا: «لَا تَحِلُّ الصَّدقةُ لِغَنِيٍّ، إلاَّ لغاز في سبيل الله، أو لعاملٍ (٣) عليها، أو لغارمٍ (٤)» رواه أبو داودَ (٥)،

стр. 1666

ولأنَّه تعالى (١) جعل الفقراء والمساكين صِنْفَينِ، وعَدَّ بعْدَهما بقيَّة الأصناف، ولم يشرط (٢) فيهم الفقرَ، فدلَّ على جواز الأخْذ مع الغِنَى، وخالَف ابنُ عَقِيلٍ فِي الغارِم، والمذهبُ ما ذكره المؤلِّفُ. وظاهِرُه: أنَّ الباقين يُشتَرَط فيهم الحاجةُ، وابنُ السَّبيل وإن كان له مالٌ في بلده؛ فهو الآن كالمعدوم. (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالمُكَاتَبِ)، حتَّى ولو سقط ما عليهما ببراءةٍ أو غيرها، (وَالغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ؛ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ)؛ لأِنَّ السَّببَ زال، فيَجِب ردُّ الفاضِلِ؛ لزوال الحاجة، فهؤلاء أخْذُهم مُراعًى. وعُلِم منه: أنَّهم إذا لم يَصرِفوه في حاجتهم أنَّه يُستَرجَع منهم بكلِّيَّته؛ لبُطْلان وجود الاِسْتحْقاق، وإن تَلِف في أيديهم بغير تفريطٍ؛ فلا رجوعَ عليهم. وعنه: لا تُستَرَدُّ منهم، وتبقى لهم كسائر أموالهم؛ لاستِحْقاقهم وقتَ الأخْذ، فمَلَكوها كالبواقي، قال في «المحرر»: (إلاَّ في (٣) عَجْز المكاتَب، فإنَّها تكون لسيِّده) انتهى، وسيأتي. (وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا)؛ لأِنَّهم مَلَكوها ملكًا مستقِرًا. والفرق: أنَّ هؤلاء حصل المقصود بأخْذهم، وهو غِنَى الفقير والمسكين -مثلاً- بخِلاف ما سَبَقَ.

стр. 1667

(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي المُكَاتَبِ (١): أَنَّهُ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا)؛ أيْ: فلا يَرُدُّ ما فضَلَ؛ لأِنَّه إذا عجَز ورُدَّ فِي الرِّق؛ فما فِي يده لسيِّده، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه مُستحِقٌّ عند أخْذِها، فلم يَجِب ردُّها؛ كما لو استغْنَى الفقيرُ. وعنه: يَرُدُّه في المكاتَبِين. وقيل: للمُعْطِي. قال أبو بكرٍ والقاضِي: ولو كان دَفَعَها إلَى سيِّده اسْتَرْجَعَه المعطِي. وقيل: لا، كما لو قَبَضها منه ثُمَّ أعْتقَه. (وَإِنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى)؛ لَم يُقْبَل إلاَّ ببَيِّنةٍ؛ لقوله ﵇ في خبر قَبِيصةَ قال: «لا تَحِلُّ المسألةُ إلاَّ لِأَحَد ثلاثةٍ: رجلٍ أصابتْه فاقةٌ حتَّى يَشهَدَ له ثلاثةٌ من ذَوِي الحِجى من قومه: لقد أصابتْ فلانًا فاقةٌ؛ فحلَّت له المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أوْ سَدادًا مِنْ عَيشٍ» رواه مسلِمٌ (٣)، ولأِنَّ الأصلَ بقاءُ الغِنَى. ونَصَّ أحمدُ أنَّه لا يُقبَل فيه إلاَّ ثلاثةٌ (٤)، وجزم به في «الوجيز». وقال جماعةٌ: يُقبَل اثنان؛ كدَين الآدَمِيِّ. وأجاب المؤلِّف وغيرُه عن خبر قَبِيصةَ: أنَّه في حِلِّ المسألة؛ فيُقتصَر عليه. (أَوِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوْ غَارِمٌ (٥)، أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ؛ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأِنَّ الأصلَ عدَمُ ما يدَّعيه وبراءة الذِّمَّة. وفي قوله: إنَّه ابن (٦) سبيل (٧)، وجْهٌ: يُقبَل قوله.

стр. 1668

(وَإِنْ صَدَّقَ المُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أَوِ الغارِمَ غَرِيمُهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: يُقبَل؛ لأِنَّ الحقَّ في العبد للسيِّد، فإذا أقرَّ بانتقال حقِّه عنه؛ قُبِل، والغريم في معناه. والثَّانِي: لا يُقبَل إلاَّ ببيِّنةٍ؛ لجواز تواطُئِهما على أخْذ المال. وقدَّم في «الفروع» فِي المكاتَب: أنَّه لا يُقبَل إلاَّ ببيِّنةٍ، وهو غريبٌ. (وَإنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى؛ قُبِلَ قَوْلُهُ)؛ لأِنَّ الأصلَ اسْتِصْحابُ الحال السَّابقة، والظَّاهِرُ صِدْقُه ولو كان متجمِّلاً، ذَكَرَه في «الشَّرح»، ويُخبِرُه بأنَّها (١) زكاةٌ. (وَإِنْ رَآهُ جَلْدًا)؛ أيْ: شديدًا قويًّا، (وَذَكَرَ أَنَّه لَا كَسْبَ لَهُ؛ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) وِفاقًا (٢)؛ لأنَّه ﵇ لم يُحلِّفْ على ذلك، (بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ) على سبيل الإيجاب (٣): (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ)؛ لما رَوَى عُبيد الله بن عَدِيِّ بن الخِيار: أنَّ رجلَينِ أتَيَا النَّبيَّ ﷺ فسألاه شَيئًا، فصَعَّدَ فيهما (٤) النَّظَرَ فرآهما جَلْدَين، فقال: «إنْ شِئْتُما أعْطَيتُكما، ولا حظَّ فيها لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكتَسِبٍ» رواه أبو داودَ (٥). لكنْ إذا تفرَّغ للعلم وتعذَّر الجمْعُ، لا (٦) إن تفرَّغ للعبادة.

стр. 1669

فإنْ رآه ظاهِرَ المسكنة؛ أعطاه منها ولم يبين له (١)، قاله أحمدُ (٢). فَرْعٌ: إذا سأله مَنْ ظاهِرُه الفقرُ أنْ يُعطيَه شيئًا، فأعطاه؛ فقيل: يُقبَل قولُ الدَّافِع في كونها قرضًا؛ كسؤاله مقدَّرًا؛ كعشرة دراهم. وقيل: لا يُقبَل؛ كقوله: شيئًا؛ إني فقيرٌ، قاله أبو المعالِي. (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالاً؛ قُلِّدَ وَأُعْطِيَ)، قاله الأكثرُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُه، ويشق إقامةُ البيِّنة، لا سيَّما على الغريب (٣)، وكما يُقلَّد في حاجة نفسه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ (٤) إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)، وقاله ابنُ عَقِيلٍ؛ لأِنَّ الأصلَ عدَمُ العِيال، بخلاف ما إذا ادَّعى أنَّه لا كَسْبَ له؛ لموافقته الأصلَ. (وَمَنْ غَرِمَ)؛ أيْ: في معصيةٍ؛ كشراء خمرٍ ونحوه، (أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ)؛ كقطْع طريقٍ؛ (لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ)؛ أي: قبل التَّوبة؛ لأنَّه إعانة علَى المعصية. (فَإِنْ تَابَ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصحهما: أنه (٥) يُدفَع إليه؛ لأنَّ تفريغ الذِّمَّة من الدَّين واجب، والإعانةُ عليه قُرْبَةٌ، أشْبَهَ ما لو تلف ماله (٦) في المعصية حتَّى افْتقَرَ، فإنَّه يُصرَف إليه مِنْ (٧) سَهْم الفقراء بشَرطه، وعَود ابنِ السَّبيل إلى بلده ليس بمعصيةٍ، بل ربَّما كان إقلاعًا عنها، كالعاقِّ يريد الرُّجوع إلَى أبَوَيهِ. والثَّانِي: لا؛ لكونه استدامةً للمعصية، فلم يُدفَع إليه، كما لو لم يَتُبْ،

стр. 1670

ولأِنَّه متَّهَمٌ في إظهار التَّوبة لأجل قضاء دينه (١)، ثمَّ يعود. وكذا لو سافر في مكروهٍ أوْ نُزْهةٍ. (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا)؛ أي: الثَّمانية، لكلِّ صِنفٍ ثُمُنُها إنْ وُجِد، حيث وجب الإخراجُ، أوْ فيمن أمْكَن منهم؛ لأنَّ في ذلك خُروجًا من الخلاف، وتحصيلاً للإجزاء يَقِينًا. (وَإِنِ (٢) اقْتَصَرَ عَلَى إِنْسَانٍ وَاحِدٍ) من الأصناف؛ (أَجْزَأهُ) في قول جماهير العلماء، ونَصَّ عليه (٣)، واختاره الأصحابُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٢٧١)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٧١]، ولحديث مُعاذٍ (٤)، وقوله لقَبيصةَ: «أقِمْ حتَّى تأتيَنا الصَّدقةُ فنَأْمُرَ لك بها» (٥)، وأمر بَنِي زُرَيق (٦) بدَفْع صدقتهم إلى سَلَمة بن صخْرٍ (٧)، ولو وجب الاسْتِيعابُ؛ لم يَجُزْ صَرْفُها إلَى واحِدٍ، ولأنَّه لا يَجِبُ إذا فرَّقها السَّاعِي، فكذا المالكُ، ولما فيه من العسر (٨)، وهو منفِيٌّ شَرْعًا، والآيةُ إنَّما سِيقَتْ لبيان من تصرف إليه، لا

стр. 1671

لتعميمهم، وكالوصيَّة لجماعةٍ لا يُمكِن حصرُهم. وشرطه: إذا لم يُوصِلْه إلى الغِنَى، ذَكَره الخِرَقِيُّ، فظاهره (١): لا بُدَّ أن يُنقَصَ منه، ونَصَّ أحمدُ (٢) وأكثر الأصحاب على خلافه، لكن لا يزيد عليه. ونَصُّ المؤلِّف على جواز الدَّفع إلى واحِدٍ؛ دليلٌ علَى جوازه إلى الصنف (٣) من باب أَوْلَى. (وَعَنْهُ): يَجِب الاِسْتِيعابُ، اختاره أبو بكرٍ وأبو الخَطَّاب؛ لأنَّ الله تعالَى أضافها إليهم بلام التَّمليك، وشرَّك بَيْنهم، فلم يَجُزِ الاِقْتصارُ على بعضهم إلاَّ لضرورةٍ؛ كأهل الخُمُس. وعليها: لا تَجِبُ التَّسويةُ بين الأصناف؛ كالصِّنف الواحدِ، وكالوصيَّة للفقراء (٤). فعلى هذه: (لَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ (٥) ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ)؛ لأِنَّهم أقلُّ الجمع، فعلَى هذا: إنْ دَفَعَ إلى اثْنَينِ؛ ضَمِن نصيب الثَّالثِ. وهل يَضمَنه بالثُّلث؛ لأِنَّه القَدْر المستحَبُّ، أوْ بأقلِّ جزءٍ منه؛ لأنَّه المجزِئُ؟ فيه وجهان، كالأضحية إذا أَكَلَها. وعنه: يُجزِئُ واحِدٌ، اختاره في «الانتصار» وصاحب «المحرَّر»؛ لأنَّه لمَّا تعذَّر الاِسْتِغراقُ؛ حُمِل علَى الجنس، كقوله: لا تزوَّجْتُ النِّساء. (إِلاَّ الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا) وِفاقًا (٦)، مع أنَّه ذُكِر بلفظ

стр. 1672

الجَمْع؛ لأِنَّ ما يأخذه أُجْرةً، ويَسقُط سهمه (١) إن فرَّقها ربُّ المال بنفسه، فتبقى سبعة. فَرعٌ: مَنْ كان فيه سببان؛ أخَذَ بهما على الرِّوايتين؛ كالميراث، ولا يَجُوزُ أنْ يُعطَى بأحدهما لا بعَينِه؛ لاخْتِلاف أحكامِهما في الاِسْتِقرار، وإنْ أُعْطِيَ بهما وعُيِّنَ لكل سببٍ قَدْرٌ، وإلاَّ كان بينهما نِصفَيْن، وتظهر (٢) فائدتُه: لو وُجِد ما يوجب (٣) الرَّدَّ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمالِك (صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الذِينَ لَا تَلْزَمُه (٤) مُؤْنَتُهُمْ)؛ لِقَولِه ﵇: «صدقتُك علَى ذِي القَرابةِ؛ صَدقةٌ وصِلَةٌ» رواهُ التِّرْمذِيُّ والنَّسائيُّ (٥)، ولا يرثه بفرضٍ أو تعصيب (٦)، ولا تلزمه (٧) نفقتُه (٨).

стр. 1673

وإذا أحضرَ ربُّ المال إلى العامِل مِنْ أهله من لا يَلزَمه نفقتُه ليدفع إليهم زكاتَه؛ دفعَها قبل خلطها بغيرها، وبعدَه؛ هو كغَيرهم، ولا يُخرجُهم منها؛ لأنَّ فيها ما هم به أخصُّ، ذَكَره القاضِي. (وَتَفْرِيقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ)؛ لأنَّها مراعاةٌ، ويُقدِّم الأقربَ والأحوجَ، فإنْ كان الأجنبيٌّ أحوجَ (١)؛ أعْطَى الكلَّ، ولم يُحابِ بها قريبَه. والجارُ أَولَى من غيره، والقريبُ أَولَى منه، نَصَّ عليه (٢)، والعالِمُ والدَّيِّنُ يُقدَّمان على ضدِّهما. (وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ)؛ نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه معه كالأجنبيِّ في (٤) جَرَيان الرِّبا بَيْنَهما، ولأنَّ الدَّفعَ تمليكٌ، وهو من أهله، فإذا ردَّه إلى سيِّده بحكم الوفاء جاز؛ كوفاء الغريم، وقيَّده في «الوجيز» وغيره: بأن لا يكون حيلةً. ونَقَل حَنْبلٌ عن أحمدَ أنَّه قال: قال سفيانُ: لا تُعْطِ مكاتبًا لك من الزَّكاة، وأنا أرى مثلَه (٥)، واختاره القاضِي، قال المَجْدُ: وهو أقْيَسُ؛ لأنَّ تعلُّق حقِّه بماله أشدُّ من تعلُّق حقِّ الوالد بمال الولد. (وَإِلَى غَرِيمِهِ)؛ لأنَّه من جملة الغارِمين، وسواءٌ دَفَعها إليه ابتداءً، أوِ اسْتَوْفَى حقَّه ثُمَّ دَفَع إليه لِيَقضِيَ به دَين المقرِض، نصَّ على ذلك، وقال: إن كان حيلةً فلا يُعجِبُنِي، ونقل عنه (٦) ابنُ القاسِمِ: إنْ أراد الحيلةَ لم يصلح ولا

стр. 1674

يجوز (١)، وبه جزم في «الوجيز». وذَكَر القاضِي وغيرُه: أنَّ المرادَ بالحيلة: أن يُعطِيَه بشرْط أن يردها عليه من دَينه، فلا يُجزِئُه؛ لأنَّ من شرطها تمليكًا صحيحًا، وهو مُنتفٍ مع الشَّرْط. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه حصل من كلام أحمد إذا قَصَد بالدَّفْع إحْياء ماله واسْتِيفاء دَينه لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزَّكاة حقُّ الله، فلا يَجوز صَرْفُها إلَى نفعه.

стр. 1675

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ) إجْماعًا (١)، وحديثُ معاذٍ نَصٌّ فيه (٢)، ولأِنَّها مواساةٌ تَجِبُ على المسلم، فلم تَجِبْ للكافِرِ؛ كالنَّفقة. ويُستثْنَى منه: إذا كان مؤلَّفًا، أوْ عامِلاً على روايةٍ، زاد في «المستوعب»: أوْ غارِمًا لذات البَين، أوْ غازِيًا. (وَلَا عَبْدٍ)؛ أيْ: كامِل الرِّقِّ؛ لأنَّ نَفَقَتَه واجبةٌ على سيِّده، فهو غنِيٌّ بغِناه، وما يُدفَع إليه لا يَملِكه، وإنما يملكه (٣) سيِّده، فكأنَّه دَفْعٌ إليه. ويُستثْنَى منه: ما إذا كان عامِلاً. وظاهِرُه: لا يُدفَع إليه وإن كان سيِّدُه فقيرًا، وذكر القاضِي في «تعليقه» في العبد بين اثْنَين فكاتَبَه أحدُهما: يجوز، وما قبضه من الصَّدقات فنصفُه يُلاقِي نصفَه المكاتَب، وما يُلاقِي نصفَ السيِّد الآخَرِ إن كان فقيرًا؛ جاز في حصَّته، وإن كان غنِيًّا؛ لم يَجُز. قال المجْدُ: ومثلُه إذا كاتَبَ بعضَ عبده. وكلامه شامِلٌ للمدبَّر، وأمِّ الولد، والمعلَّقِ عتقُه بصفةٍ، فإن كان بعضُه حُرًّا؛ أَخَذ بقدره بنسبته من خمسين أو من (٤) كفايته على الخلاف. (وَلَا فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ)؛ لغِناها بدَينها عليه، وكولدٍ صغيرٍ فقيرٍ أبوه مُوسِرٌ، بل أَوْلَى؛ للمُعاوَضة وثبوتِها في الذمة.

стр. 1676

وكما لا يجوز دَفْعُها إلَى غنيٍّ بنفقةٍ لازِمةٍ، اختاره الأكثر، وأطلَق في «التَّرغيب» وجهَينِ، وجوَّزه فِي «الكافي»؛ لأنَّ استحقاقَه للنفقة مشروطٌ بفقره، فيَلزَم من وجوبها له وجودُ الفقر، بخلاف الزَّوجةِ. ويُستثْنَى منه: ما (١) إذا تعذَّرت النَّفقة منه لغَيبةٍ أو امْتِناعٍ، فإنه يجوز لها الأخْذُ، نصَّ عليه (٢)، كمن غُصِب ماله، أو تَعطَّلتْ منفعةُ عَقاره. (وَلَا إِلَى الوَالِد وَإِنْ عَلَا، وَلَا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ)؛ لاتِّصال منافِع الملك بينهما عادةً، فيكون صارِفًا لنفسه، بدليل عدم قَبول شهادة أحدهما للآخَر. وظاهره: لا فَرْق بين الوارث وغيره، حتَّى وَلَدِ البنت، نَصَّ عليه (٣). وعلَّل في «الشَّرح» بما يقتضي اقتصارَه بوجوب النَّفقة، وأطْلَق في «الواضح» في جَدٍّ وابنِ ابنٍ مَحْجُوبَينِ وجهَينِ. وظاهره: أنَّه لا يُعطِي عَمودَيْ نسبه لغُرْمٍ لنفسه أوْ كِتابةٍ، نصَّ عليه (٤). وقيل: يجوز، اختاره الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٥)، وذَكَر جَدُّه في ابن سبيل (٦) كذلك، وسبق كونُه عامِلاً. (وَلَا إِلَى الزَّوْجَةِ) إجْماعًا (٧)؛ لأنَّها مُسْتغْنِيةٌ بنفقتها عليه فلم يَجُزْ، كما لو دَفَعها إليها على سبيل الإنْفاق عليها، وظاهرُه: ولو كانت ناشِزةً، ذكره في «الانتصار» و «الرِّعاية».

стр. 1677

وقيل: بلى (١) مطلقًا. (وَلَا لِبَنِي (٢) هَاشِمٍ)، نَصَّ عليه (٣)، كالنَّبيِّ ﷺ ؛ لقوله: «إنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ» رواه أحمدُ ومسلِمٌ (٤)، وله أيضًا مرفوعًا: «إنَّ الصَّدقةَ لا تَنْبغِي لآِلِ محمَّدٍ، إنَّما هِيَ أوْساخُ النَّاس» (٥). وسواءٌ أُعْطُوا من خُمُس الخُمُس أو لا؛ لعموم النُّصوص، ولأِنَّ مَنْعَهم لشرفِهم (٦)، وهو باقٍ. وقيل: يَجوز إنْ مُنِعُوا الخُمُسَ، اختاره القاضِي يعقوبُ والآجُرِّيُّ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٧)؛ لأِنَّه محلُّ حاجةٍ وضرورةٍ. ويُستثْنى منه: ما لم يكونوا غُزاةً، أوْ مؤلَّفةً، أو غارِمِين لذات البَيْنِ، وسبقَ كونه عامِلاً. أصلٌ: بَنُو هاشِمٍ من كان من سُلالته، ذَكَره القاضِي وأصحابُه، وجزم في «الرعاية» بقول بعضهم: هم آلُ عبَّاسٍ، وآلُ علِيٍّ، وآلُ جعفَرٍ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ الحارِثِ بن عبد المطَّلِب. (وَلَا مَوَالِيهِمْ)، جَمعُ مَوْلًى، وهو مَنْ أَعْتقَه هاشِمِيٌّ، نَصَّ عليه (٨)؛ لحديث أبِي رافِعٍ مرفوعًا: «إنَّ الصَّدقةَ لا تَحِلُّ لنا، وإنَّ مولَى القَوْمِ منْ أنْفُسِهم» رواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذِيِّ وصحَّحه (٩)، ولأِنَّه بمنزلة النَّسب في

стр. 1678

الإِرْث والعَقْل والنَّفقة، فغُلِّب الحَظْرُ. وأومأ أحمدُ في رواية يعقوبَ إلى الجَواز (١)، وحكاه في «الشَّرح» عن أكثر العلماء؛ لأنَّهم ليسوا (٢) من آلِ محمَّدٍ، وكمَوالِي موالِيهِمْ. فَرعٌ: لا تَحرُمُ الزَّكاةُ على أزواجه ﵇ فِي ظاهر كلامِ أحمدَ (٣) والأصحاب، كمواليهن؛ للأخبار (٤). وفي «المُغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّ خالِدَ بن سعيد بن العاص أرسل إلَى عائشةَ بسُفْرةٍ من الصَّدقة فردَّتها، وقالت: «إنَّا آلَ محمَّدٍ لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ» رواه الخلاَّل (٥)، فهذا يَدلُّ على تحريمها عليهِنَّ، ولم يَذكُرا ما يُخالِفه، مع أنَّهم لم يَذكُروا هذا (٦) فِي الوصيَّة والوقْف، وهذا يَدُلُّ على أنهن (٧) من أهل بيته في تحريم الزَّكاة. وذكر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه يَحرُم عليهن (٨) الصَّدقةُ، وأنَّهن من أهل بيته في أصحِّ الرِّوايتَينِ (٩)، وردَّه الجَدُّ رحمه الله تعالى. (وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ)؛ نَصَّ عليه (١٠)، وجَزَم به

стр. 1679

الأكثرُ؛ لقوله ﵇: «كُلُّ معْروفٍ صدَقَةٌ» (١)، ولأِنَّ محمَّدَ بنَ علِيٍّ كان يَشْرَبُ مِنْ سِقَاياتٍ بَيْنَ مكَّةَ والمدينةِ، ويَقولُ: «إنَّمَا حُرِّمتْ علينا الصَّدقةُ المفروضةُ» (٢). ولا خِلافَ في جواز اصْطِناع المعروف إليهم (٣)، والمرادُ به: الاِستحبابُ إجْماعًا، فلا وَجْه لقول ابنِ حمدان: قلت: يُستحَبُّ، وإنَّمَا عَبَّرُوا بالجَواز؛ لأنَّه أصلٌ لما اختُلِف في تحريمه. ونقل المَيمونِيُّ عنه: لا (٤)، لِعمومِ ما سَبَقَ. وأجيبَ: بأنَّ المراد به الصَّدقةُ المفروضةُ؛ لأنَّ الطَّلَب كان لها، فاللام فيه للعهْدِ. (وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ)، نَصَّ عليه (٥)، (وَالنَّذْرِ)؛ لأنَّه لا يَقَعُ عليهما (٦) اسمُ الزَّكاة والطُّهرة والوجوب من الآدَمِيِّ، أشْبَهَ الهِبَة. ويُؤخَذُ من نَقْل المَيمونِيِّ: المنْعُ. وجزم في «الرَّوضة»: بتحريم النَّفل على بني هاشِمٍ ومواليهم. (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ)، المذهبُ: أنَّه لا يَجوزُ؛ لوجوبها بالشَّرع كالزَّكاة. والثَّانِي: بلَى؛ لأنَّها لَيستْ أوْساخَ النَّاس، أشْبهتْ صدقةَ التَّطوُّع. تنبيهٌ: كلُّ مَنْ حَرُم دفعُ الزَّكاة إليه؛ جاز دَفْعُ التَّطوُّع له، وله أخْذُها، حتَّى

стр. 1680

كافِرٌ وغنِيٌّ، نَصَّ عليه (١). فأمَّا النَّبيُّ ﷺ ؛ فيَحرُم عليه، وإن لم يَحرُم التَّطوُّعُ علَى بَنِي هاشِمٍ، وإن حَرُم عليهم فهو أَوْلَى؛ لأنَّ اجْتِنابَها كان من دلائل النُّبوَّة، فلم يَكُنْ ليخلَّ به. ونَقَلَ جماعةٌ (٢): لا تحرم (٣) عليه، واختاره القاضي؛ كاصْطِناع أنواع المعروف إليه ﵇. (وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ إلى الزَّوْجِ، أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وفِيهِ مَسائِلُ: الأُولَى: ظاهِرُ المذهب، وقدَّمه في «الفروع»: أنَّه يجوز دفْعُها إلى غير عَمودَيْ نسبه ممَّن يَرِثه بفرضٍ أوْ تعْصيبٍ، كالأُخْت أو الأخ؛ لقوله ﵇: «وَالصَّدقةُ علَى ذِي الرَّحِم صدقةٌ وصِلةٌ» (٤)، فلم يُفرِّق بين الوارِث وغيرِه، ولأِنَّه مقْبولُ الشَّهادة له كالأجنبيِّ، وكما لو تعذَّرت النَّفقة، وحُكْمُ الإرث بالولاء كذلك. وإذا قبل زكاةً دَفَعها إليه قريبه فلا نفقةَ، وإن لم يَقبَلْ، وطالَبَ بنفقته الواجبة؛ أُجبِر، ولا يُجزئُه في هذه الحال جَعْلُها زكاةً. والثَّانيةُ: المنعُ، اختارها الخِرَقِيُّ وصاحب «التَّلخيص» والقاضِي، وذَكَر أنَّها الأشهرُ؛ لغِناه بوجوب النَّفقة، ولأنَّ نَفعَها يعود إلى الدَّافع؛ لكونه يُسقِط النَّفقةَ عنه كعبده. وظاهره: أنَّ القريب إذا لم تَلْزَمْه؛ أنَّه يجوز دَفْعُها إليه بلا رَيبٍ؛ لأنَّه لا ميراثَ بينهما، أشْبَهَ الأجنبيَّ، فلو وَرِث أحدُهما الآخَرَ، كعمَّةٍ وابن أخيها،

стр. 1681

وعتيقٍ ومعتِقِه، وأخوَين لأحدهما ابن؛ فالوارِث منهما تَلزَمُه النَّفقةُ على الأصحِّ، وفي دَفْع الزَّكاة إليه الخلافُ، وعكسه الآخر. فأمَّا ذوو الأرحام؛ فالأصحُّ أنَّه يُدفَع إليهم وإن ورثوا؛ لضعف قرابتهم، وفي الإرث بالرَّدِّ الخلاف. وعلى المنْع؛ يعطى قريبه لعمالة، وتأليفٍ، وغَزْوٍ، وغُرْمٍ لذات البين. وظاهر ما سبق: لو تبرَّع بنفقة قريبٍ أو يتيمٍ، وضمَّه إلى عياله؛ جاز الدَّفْع إليه، واختاره الأكثرُ؛ لوجود المقتضِي. ونقل جماعةٌ (١)، واختاره في «التنبيه» و «الإرشاد» (٢): لا (٣)، رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٤)، ولأنَّه يُذَمُّ على تَرْكه، فيكون قد وقى بها ماله وعرضه، ولهذا لو دَفَع إليه شيئًا في غير مُؤْنته التي عوَّده إيَّاها تبرعًا (٥) جاز، نص عليه (٦). الثَّانِيَةُ: يجوز دَفْع الزَّكاة إلى الزَّوج في رواية، اختارها القاضي وأصحابه والمؤلف (٧)، وجزم بها في «الوجيز»؛ لحديث زَيْنبَ امرأةِ ابنِ مسْعودٍ لمَّا سألتِ النَّبيَّ ﷺ : أيُجزِئُ عنِّي أنْ أُنْفِق علَى زَوْجِي وأيْتامٍ في حِجْري؟ فقال:

стр. 1682

«لَها أجْرانِ» رواه البخاريُّ (١). والثَّانية، واختارها الخِرَقِيُّ وأبو بكرٍ والمجْدُ، وحكاه عن أبي الخطَّاب: لا يجوز؛ قياسًا لأحَدِ الزَّوجين على الآخَر، ولأنَّ النَّفْع يعود إليها؛ لتمكُّنها من أخذ نفقة المُوسِرين منه، أو من أصل النَّفقة مع العَجْز الكلي (٢)، وحديث زَينبَ تأوَّله أحمدُ في (٣) رواية ابن مشيش على غير الزَّكاة (٤). وجوابه: بأنَّ الاعتبار بعموم اللَّفظ، ولم يَسْتَثْنِ جماعةٌ شيئًا. وقيل: يجوز في الزَّوجَينِ لغرمٍ لنفسه وكتابةٍ؛ لأنَّه لا يَدفَع عنه نفقةً واجبةً؛ كعمودَيْ نسبه. الثَّالِثَةُ: يَجوزُ دَفْعُها إلى بني (٥) المُطَّلب في روايةٍ اختارها الخِرَقِيُّ والشَّيخان وغيرُهم؛ لعموم آية الصَّدَقات، خرج منه بنو هاشِمٍ بالنَّصِّ، فيَبْقَى ما عداهم على الأصل، ولأنَّ بني المطَّلب في درجة بَنِي أُميَّةَ، وهو (٦) لا تحرم الزَّكاة عليهم، فكذا هم، وأقْرَبُ إلى النَّبيِّ ﷺ إليه (٧) بنُو هاشِمٍ، ومشاركة (٨) بني المطَّلِب لهم (٩) في خُمس الخُمُس ما استحقُّوه بمجرَّد القرابة، بل بالنُّصرة، أو بهما جميعًا، بدليل منْع بني عبد شمسٍ ونَوفلٍ من خمس الخُمُس مع مساواتهم لهم في القرابة.

стр. 1683

والثَّانيةُ: نقلها عبدُ الله (١)، واختارها القاضِي وأصحابُه، وجزم بها في «الوجيز»، وصحَّحها ابن المنجَّى: المنْعُ؛ لما رَوى جُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ مرفوعًا قال: «بَنُو المُطَّلب وبَنُو هاشِمٍ شيءٌ وَاحِدٌ» رواه البخاريُّ (٢)، ولأنهم (٣) يَسْتحِقُّون من خُمُس الخُمُس، فمُنِعُوا؛ كبَنِي هاشِمٍ. وظاهره: ولو مُنِعوا من الخُمُس، ولا يَبعُد أن يتأتَّى الخلاف هنا، بل هو أَولَى بالجواز. ولم يتعرَّض المؤلِّفُ لموالِيهم، قال القاضِي: لا نعرف فيه روايةً، ولا يَمْتَنِع أنَّ حكمهم (٤) كموالِي بني هاشمٍ، وهو ظاهر الخبر والقياس، وجزم في «الوجيز» بالمنْع، وسُئل في رواية الميموني عن مولى قريشٍ: يأخذ الصَّدقةَ؛ قال: ما يعجبني، قيل له: فإن كان مَولَى مَولًى؟ قال: هذا أبعد (٥)، فيحتمل التَّحريم. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا)؛ كبني هاشِمٍ والعبيد، (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ)؛ أيْ: جاهِلاً بحاله، (ثُمَّ عَلِمَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) روايةً واحدةً، قاله في «الشَّرح»، وفي «الفروع»: في الأشهر؛ لأنَّه ليس بمُسْتَحِقٍّ، ولا يَخفَى حالُه غالبًا، فلم يُعذَر بجَهالته؛ كدَين الآدَمِيِّ، وجزم به بعضُهم في الكُفْر؛ لتقصيره؛ لظُهوره غالِبًا، فعلَى ذلك: يُسْتَرَدُّ بزِيادته مطلقًا، ذَكَرَه أبو المعالِي. وشَمِل ما لو كان المدفوعُ إليه قريبًا، قاله أصحابُنا، وأطلَق فيها في «الرِّعاية»، وفي مسألة الغِنَى روايتَينِ، ونَصُّ أحمدَ:

стр. 1684

يُجزِئُه (١)، اختاره المجْدُ؛ لخروجها عن ملكه، بخلاف ما إذا صَرَفَها وكيلُ المالك إليه وهو فقيرٌ فلم يَعلَمَا؛ لا تُجزئُ؛ لعدم خروجها عن ملكه. (إِلاَّ الغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا)، فإنَّه يُجزِئُه (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اختاره أكثرُ الأصحاب، وجزم به في «الوجيز» للمشقَّة؛ لخَفاء ذلك عادةً، فلا يَملِكُها الآخِذُ؛ لتحريم الأَخْذِ. والثَّانية، واختارها الآجُريُّ والمجْدُ وغيرُهما: لا يُجْزئُه كما لو بان (٢) كافِرًا، ولحقِّ الآدَمِيِّ، فيرجع (٣) على الغَنِيِّ بها أو بقيمتها إن تَلِفَت يوم تَلَفِها إذا عَلِم أنَّها زكاةٌ، روايةً واحدةً، ومن مَلَك الرُّجوع فمات؛ قام وارثُه مقامَه. وظاهِرُ ما سبق: أنَّه إذا دَفَع صدقةَ التَّطوُّع إلى فقيرٍ فبان غَنِيًّا؛ أنَّه يُجزِئُه، قاله ابن شهابٍ؛ لأنَّ المقصود في الزَّكاة إبراء الذِّمَّة، ولم يحصل فملك الرُّجوع، وفِي التَّطوُّع الثَّوابُ، ولم يفت (٤). فَرعٌ: إذا دَفَع الإمامُ أو السَّاعي الزَّكاةَ إلَى مَنْ ظَنَّه أهلاً فبان غيرَه؛ فرواياتٌ، ثالثُها: لا يَضْمَن إذا بان غنِيًّا، ويضمن غيرَه، قال في «الفروع»: وهو أشْهرُ. وجزم المجْدُ: لا يضمن مع الغِنَى، وفي غيره روايتان. تنبيهٌ: يُشتَرَط تمليكُ المعطَى، لكن للإمام قضاءُ دَين مديونٍ حيٍّ، والذَّكَر والأنثى فيها سواءٌ، والصَّغير كالكبير. وعنه: إن أكل الطَّعام وإلاَّ لم يجز.

стр. 1685

فعلى المذهب: يصرف ذلك في أجرة رضاعه وكسوته وما (١) لا بُدَّ منه، ويَقبَلُ ويقبض (٢) له من يلِي مالَه، وكذا الهبة والكفَّارة، قال ابن (٣) منصورٍ: قلت لأحمدَ: قال سُفْيانُ: لا يَقبِض للصَّبيِّ إلاَّ الأبُ أو وصِيٌّ أو قاضٍ، قال أحمد: جيِّدٌ (٤). وذكر المؤلِّف احتمالاً: أنَّه (٥) يصح (٦) قبض من يليه (٧) من أمٍّ أو قريب وغيرهما عند عدم الولِيِّ؛ لأنَّ حفظَه عن الضَّياع والهلاك أولَى من مراعاة الولاية، وقد نَصَّ عليه في رواية جماعةٍ (٨).
следующие страницы →