← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وعتيقٍ ومعتِقِه، وأخوَين لأحدهما ابن؛ فالوارِث منهما تَلزَمُه النَّفقةُ على الأصحِّ، وفي دَفْع الزَّكاة إليه الخلافُ، وعكسه الآخر. فأمَّا ذوو الأرحام؛ فالأصحُّ أنَّه يُدفَع إليهم وإن ورثوا؛ لضعف قرابتهم، وفي الإرث بالرَّدِّ الخلاف. وعلى المنْع؛ يعطى قريبه لعمالة، وتأليفٍ، وغَزْوٍ، وغُرْمٍ لذات البين. وظاهر ما سبق: لو تبرَّع بنفقة قريبٍ أو يتيمٍ، وضمَّه إلى عياله؛ جاز الدَّفْع إليه، واختاره الأكثرُ؛ لوجود المقتضِي. ونقل جماعةٌ (١)، واختاره في «التنبيه» و «الإرشاد» (٢): لا (٣)، رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٤)، ولأنَّه يُذَمُّ على تَرْكه، فيكون قد وقى بها ماله وعرضه، ولهذا لو دَفَع إليه شيئًا في غير مُؤْنته التي عوَّده إيَّاها تبرعًا (٥) جاز، نص عليه (٦). الثَّانِيَةُ: يجوز دَفْع الزَّكاة إلى الزَّوج في رواية، اختارها القاضي وأصحابه والمؤلف (٧)، وجزم بها في «الوجيز»؛ لحديث زَيْنبَ امرأةِ ابنِ مسْعودٍ لمَّا سألتِ النَّبيَّ ﷺ : أيُجزِئُ عنِّي أنْ أُنْفِق علَى زَوْجِي وأيْتامٍ في حِجْري؟ فقال:

стр. 1682

«لَها أجْرانِ» رواه البخاريُّ (١). والثَّانية، واختارها الخِرَقِيُّ وأبو بكرٍ والمجْدُ، وحكاه عن أبي الخطَّاب: لا يجوز؛ قياسًا لأحَدِ الزَّوجين على الآخَر، ولأنَّ النَّفْع يعود إليها؛ لتمكُّنها من أخذ نفقة المُوسِرين منه، أو من أصل النَّفقة مع العَجْز الكلي (٢)، وحديث زَينبَ تأوَّله أحمدُ في (٣) رواية ابن مشيش على غير الزَّكاة (٤). وجوابه: بأنَّ الاعتبار بعموم اللَّفظ، ولم يَسْتَثْنِ جماعةٌ شيئًا. وقيل: يجوز في الزَّوجَينِ لغرمٍ لنفسه وكتابةٍ؛ لأنَّه لا يَدفَع عنه نفقةً واجبةً؛ كعمودَيْ نسبه. الثَّالِثَةُ: يَجوزُ دَفْعُها إلى بني (٥) المُطَّلب في روايةٍ اختارها الخِرَقِيُّ والشَّيخان وغيرُهم؛ لعموم آية الصَّدَقات، خرج منه بنو هاشِمٍ بالنَّصِّ، فيَبْقَى ما عداهم على الأصل، ولأنَّ بني المطَّلب في درجة بَنِي أُميَّةَ، وهو (٦) لا تحرم الزَّكاة عليهم، فكذا هم، وأقْرَبُ إلى النَّبيِّ ﷺ إليه (٧) بنُو هاشِمٍ، ومشاركة (٨) بني المطَّلِب لهم (٩) في خُمس الخُمُس ما استحقُّوه بمجرَّد القرابة، بل بالنُّصرة، أو بهما جميعًا، بدليل منْع بني عبد شمسٍ ونَوفلٍ من خمس الخُمُس مع مساواتهم لهم في القرابة.

стр. 1683

والثَّانيةُ: نقلها عبدُ الله (١)، واختارها القاضِي وأصحابُه، وجزم بها في «الوجيز»، وصحَّحها ابن المنجَّى: المنْعُ؛ لما رَوى جُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ مرفوعًا قال: «بَنُو المُطَّلب وبَنُو هاشِمٍ شيءٌ وَاحِدٌ» رواه البخاريُّ (٢)، ولأنهم (٣) يَسْتحِقُّون من خُمُس الخُمُس، فمُنِعُوا؛ كبَنِي هاشِمٍ. وظاهره: ولو مُنِعوا من الخُمُس، ولا يَبعُد أن يتأتَّى الخلاف هنا، بل هو أَولَى بالجواز. ولم يتعرَّض المؤلِّفُ لموالِيهم، قال القاضِي: لا نعرف فيه روايةً، ولا يَمْتَنِع أنَّ حكمهم (٤) كموالِي بني هاشمٍ، وهو ظاهر الخبر والقياس، وجزم في «الوجيز» بالمنْع، وسُئل في رواية الميموني عن مولى قريشٍ: يأخذ الصَّدقةَ؛ قال: ما يعجبني، قيل له: فإن كان مَولَى مَولًى؟ قال: هذا أبعد (٥)، فيحتمل التَّحريم. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا)؛ كبني هاشِمٍ والعبيد، (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ)؛ أيْ: جاهِلاً بحاله، (ثُمَّ عَلِمَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) روايةً واحدةً، قاله في «الشَّرح»، وفي «الفروع»: في الأشهر؛ لأنَّه ليس بمُسْتَحِقٍّ، ولا يَخفَى حالُه غالبًا، فلم يُعذَر بجَهالته؛ كدَين الآدَمِيِّ، وجزم به بعضُهم في الكُفْر؛ لتقصيره؛ لظُهوره غالِبًا، فعلَى ذلك: يُسْتَرَدُّ بزِيادته مطلقًا، ذَكَرَه أبو المعالِي. وشَمِل ما لو كان المدفوعُ إليه قريبًا، قاله أصحابُنا، وأطلَق فيها في «الرِّعاية»، وفي مسألة الغِنَى روايتَينِ، ونَصُّ أحمدَ:

стр. 1684

يُجزِئُه (١)، اختاره المجْدُ؛ لخروجها عن ملكه، بخلاف ما إذا صَرَفَها وكيلُ المالك إليه وهو فقيرٌ فلم يَعلَمَا؛ لا تُجزئُ؛ لعدم خروجها عن ملكه. (إِلاَّ الغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا)، فإنَّه يُجزِئُه (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اختاره أكثرُ الأصحاب، وجزم به في «الوجيز» للمشقَّة؛ لخَفاء ذلك عادةً، فلا يَملِكُها الآخِذُ؛ لتحريم الأَخْذِ. والثَّانية، واختارها الآجُريُّ والمجْدُ وغيرُهما: لا يُجْزئُه كما لو بان (٢) كافِرًا، ولحقِّ الآدَمِيِّ، فيرجع (٣) على الغَنِيِّ بها أو بقيمتها إن تَلِفَت يوم تَلَفِها إذا عَلِم أنَّها زكاةٌ، روايةً واحدةً، ومن مَلَك الرُّجوع فمات؛ قام وارثُه مقامَه. وظاهِرُ ما سبق: أنَّه إذا دَفَع صدقةَ التَّطوُّع إلى فقيرٍ فبان غَنِيًّا؛ أنَّه يُجزِئُه، قاله ابن شهابٍ؛ لأنَّ المقصود في الزَّكاة إبراء الذِّمَّة، ولم يحصل فملك الرُّجوع، وفِي التَّطوُّع الثَّوابُ، ولم يفت (٤). فَرعٌ: إذا دَفَع الإمامُ أو السَّاعي الزَّكاةَ إلَى مَنْ ظَنَّه أهلاً فبان غيرَه؛ فرواياتٌ، ثالثُها: لا يَضْمَن إذا بان غنِيًّا، ويضمن غيرَه، قال في «الفروع»: وهو أشْهرُ. وجزم المجْدُ: لا يضمن مع الغِنَى، وفي غيره روايتان. تنبيهٌ: يُشتَرَط تمليكُ المعطَى، لكن للإمام قضاءُ دَين مديونٍ حيٍّ، والذَّكَر والأنثى فيها سواءٌ، والصَّغير كالكبير. وعنه: إن أكل الطَّعام وإلاَّ لم يجز.

стр. 1685

فعلى المذهب: يصرف ذلك في أجرة رضاعه وكسوته وما (١) لا بُدَّ منه، ويَقبَلُ ويقبض (٢) له من يلِي مالَه، وكذا الهبة والكفَّارة، قال ابن (٣) منصورٍ: قلت لأحمدَ: قال سُفْيانُ: لا يَقبِض للصَّبيِّ إلاَّ الأبُ أو وصِيٌّ أو قاضٍ، قال أحمد: جيِّدٌ (٤). وذكر المؤلِّف احتمالاً: أنَّه (٥) يصح (٦) قبض من يليه (٧) من أمٍّ أو قريب وغيرهما عند عدم الولِيِّ؛ لأنَّ حفظَه عن الضَّياع والهلاك أولَى من مراعاة الولاية، وقد نَصَّ عليه في رواية جماعةٍ (٨).

стр. 1686

(فَصْلٌ) (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ) في كلِّ وقتٍ إجْماعًا (١)؛ لأِنَّه تعالَى أَمَرَ بها، وحثَّ عليها، ورغَّب فيها فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٤٥]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ تصدَّق بعِدْل تمرة (٢) من كسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَصعَد إليه إلاَّ طيِّبٌ (٣)؛ فإنَّ الله يَقبَلها بِيَمينِه، ثمَّ يربِّيها لصاحبها حتَّى تكون (٤) مِثْلَ الجبلِ» متَّفقٌ عليه من حديث أبِي هُرَيرةَ (٥). وأفضلُها أن تكون (٦) سِرًّا، بطِيبِ نَفْسٍ، في الصِّحَّة؛ للأخبار (٧). (وَهِيَ أَفْضَلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)؛ لحديثِ أنَسٍ مرْفوعًا: أيُّ الصَّدقة

стр. 1687

أفضلُ؟ قال: «صَدقةُ رمَضانَ» رواه التِّرمذيُّ وغرَّبه (١)، ولِمُضاعَفة الحسنات، وفيه إعانةٌ على أداء الصَّوم المفروض، وكذا كلُّ زمانٍ أو مكانٍ فاضِلٍ؛ كالعَشْر والحَرَمَينِ. (وَأَوْقَاتِ الحَاجَةِ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ الآية [البَلَد: ١٤]، ورَوَى أبو سعيدٍ مرفوعًا قال: «مَنْ أطْعَمَ مؤمنًا جائعًا؛ أطْعَمَه الله من ثِمَار الجنَّة، ومن سَقَى مؤمِنًا على ظَمَأ؛ سقاه الله (٣) من الرَّحيق المختوم يوم القيامة» (٤). ويبدأ (٥) بمن هو أشدُّ حاجةً. (وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)؛ لقوله ﵇: «الصَّدقةُ على المسكين (٦) صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم صدقةٌ وصِلةٌ» رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ وحسَّنه من حديث سَلْمَانَ (٧)، لا سِيَّما مع عداوته؛ لقوله: «أفضلُ الصَّدقةِ الصَّدقةُ على ذي الرِّحم الكاشِحِ» رواه أحمدُ (٨)، والجارُ مثلُه.

стр. 1688

وهي عليهم أفضلُ من العتق، نقله حربٌ (١)، والعتقُ أفضلُ من الصَّدقة على الأجانب إلاَّ زَمَنَ الغَلاء والحاجة، نقله بكرُ بن محمَّدٍ (٢). واختُلِف هل حجُّ التَّطوُّع أفضلُ من الصَّدقة مع الحاجة، أمْ مَعَها علَى القريب، أمْ علَى القريب مطلقًا؟ فيه رواياتٌ أربَعٌ، وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الحجَّ أفضلُ، وأنَّه مذْهَبُ أحمدَ (٣). (وَيُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البَقَرَة: ٢١٩]، قال المفسِّرون: هو الفاضل عن حاجته وحاجة عِيَاله (٤)، ولأِنَّ النَّفس تَطِيبُ به، ولقوله ﵇: «خَيرُ الصَّدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى، وابْدأْ بمن تَعُولُ» رواه البُخاريُّ من حديث أبِي هُرَيرةَ (٥). وأطلَقَ المؤلِّف الكفايةَ تبعًا لغَيره، والمرادُ: دائِمًا، كما ذكره في «الشَّرْح» وغيرِه، بمَتْجَرٍ أو غلَّة ملْكٍ أو وقفٍ أو صنعةٍ، وذَكَر بعضُهم: أنَّه لا يَكْفِي فِي الأخِيرَينِ. (وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ [مُؤْنَةَ] (٦) مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ؛ أَثِمَ)؛ لقوله ﵇:

стр. 1689

«كَفَى بالمرْء إثْمًا أن يُضيِّع مَنْ يَعُول» رواه أحمد وأبو داود (١)، ولمسلمٍ معناه من حديث عبد الله بن عمرو (٢)، وإثْمُه؛ لتركه الواجِبَ. قال الأصحاب: وكذا إنْ أضَرَّ بنفسه أو بغريمه أو بكَفالته. وظاهِرُ كلام جماعةٍ: إن لم يَضُرَّ فالأصلُ الاِستحبابُ. وجزم في «الرِّعاية» وغيرها: أنَّه يُكرَه التَّصدُّق قبل الوفاء والإنفاق الواجب. (وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) وكان مُنْفَرِدًا، (وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ)، وهو عبارةٌ عن الثِّقة بما عِنْدَ الله، واليَأْسِ عمَّا في أيْدِي النَّاس، (وَالصَّبْرَ عَنِ (٣) الْمَسْأَلَةِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)، وحكاه عِياضٌ عن جمهور العلماء (٤) وأئمَّة الأمصار؛ لقوله تعالى (٥): ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحَشر: ٩]، وجاء أبو بكْرٍ بجميع ما عِندَه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «ما أبْقَيتَ لأهلك»، فقال: اللهَ ورسولَه (٦)، فكان هذا فضيلةً في حقِّ الصِّدِّيق؛ لقوَّة

стр. 1690

يقينه (١) وكمالِ إيمانه، وهذا يقتَضِي الاسْتِحبابَ. وعن عمرَ: ردُّ جميعِ صدقته (٢). ومذهبُ أهل الشَّام: يَنفُذ في الثُّلث. وعن مَكْحُولٍ: في النِّصف. (وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ)، ذَكَره أبو الخطَّاب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما رَوَى جابرٌ مرفوعًا قال: «خَيرُ الصَّدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى» رواه أبو داودَ (٣)، فيُمنَعُ من ذلك ويُحجَرُ عليه. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه يُكرَه. فإنَّ كان له عائلةٌ، ولهم كفايةٌ، أو يكفيهم (٤) بمكسبه؛ جاز؛ لِقِصَّة الصِّدِّيق (٥).

стр. 1691

(وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ)، ولا عادةَ له به، (أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنِ (١) الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ التقتير والتَّضييق مع القدرة؛ شُحٌّ وبخل نهى الله عنه، وتعوَّذ النَّبيُّ ﷺ منه (٣)، وفيه سوء الظن بالله تعالَى. وظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّ الفقيرَ لا يَقترِض ويتصدق (٤)، لكن نَصَّ أحمدُ في فقيرٍ لقريبه وليمةٌ: يستقرض (٥) ويُهدِي له (٦)، وهو محمولٌ إذا ظنَّ وفاءً. مسألةٌ: يَحرُم المنُّ بالصَّدقة وغيرِها، وهو كبيرةٌ علَى نصِّ أحمدَ فيها (٧)، ويَبْطُلُ الثَّوابُ بذلك، وللأصحاب فيه خلافٌ، وفي بُطْلان طاعةٍ بمعصيةٍ، واختار الشيخ تقي الدين (٨): الإحباط (٩) بمعْنَى الموازَنةِ، وأنَّه قولُ أكْثَرِ السَّلَف (١٠). وإذا أخْرَج شَيئًا يَتَصدَّقُ به، أو وكَّل في ذلك، ثمَّ بدا له؛ استُحِبَّ أنْ يمضيه، ولا يجب (١١).

стр. 1692

وعنه: أنَّه حَبيسٌ، وقد صحَّ عن عَمْرِو بنِ العَاصِ: «أنَّه كان إذا أخْرَج طعامًا لسائلٍ فلم يَجِدْه؛ عزَله حتَّى يَجِيءَ آخَرُ» (١)، وقاله الحَسَنُ. ومَنْ سَأَل فأُعطي، فسخِطَه؛ لم يُعطَ لغيرِه في ظاهر كلام العلماء.

стр. 1693

(كِتَابُ الصِّيَامِ) هو والصَّوم مَصْدَرَا صام، وفي (١) اللُّغة: عبارة عن الإمساك، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا﴾ [مَريَم: ٢٦]. وقولُ الشَّاعر (٢): خيلٌ صِيامٌ وخَيلٌ غَيرُ صائمةٍ … تحْتَ العَجَاجِ وأخْرَى تَعلُك اللُّجُما لإمْساكها عن الصَّهيل في مَوضِعه. ويقال: صامت الرِّيحُ: إذا أمْسَكَتْ عن الهُبُوبِ. وفي الشَّرع: إمساكُ جميعِ النَّهار عن المُفطرات من إنسانٍ مخصوصٍ مع النِّيَّةِ. (يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ)؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام … ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]، وقولِه ﵇: «بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ … »، فذَكَر منها: «صَوم رمضانَ» (٣)، والإِجْماعُ منعقد علَى وجوبه. وفُرِض في السَّنة الثَّانية من الهجرة، فصام ﵇ تِسْعًا. والمستحَبُّ قَولُ: شهرِ رَمَضانَ، كما صرَّح به؛ تبَعًا لِلنَّصِّ (٤)، ولا يُكرَه بإسقاط (شهر) في قول أكثر العلماء. وذَكَر المؤلِّف: أنَّه يُكرَه إلاَّ مع قرينة

стр. 1694

الشَّهر، وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجْهًا: يُكرَه (١). وفي «المنتخب»: لا يجوز؛ لخبرٍ، وقد ضُعِّف، وقال ابن الجوزي: هو موضوع (٢). وسُمِّي رَمَضَانَ؛ لحرِّ جَوفِ الصَّائم فيه ورَمْضِه، والرَّمْضاء: شدَّة الحَرِّ. وقيل: لمَّا نَقَلُوا أسْمَاءَ الشُّهور عن اللُّغة القديمة، فوافَقَ شدَّة الحَرِّ. وقيل: لأنَّه (٣) يُحرِق الذُّنوبَ. وقيل: موضوعٌ لغير معنًى كبقية الشُّهور. وقيل فيها معانٍ أيضًا. (بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ)؛ لقوله ﵇: «صُومُوا لِرُؤْيته» (٤). (فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ؛ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا)، بغير خلافٍ (٥) وصَلَّوا التراويح كما لو رَأَوْهُ. ويُستحَبُّ تَرَاءِي الهلالِ احتياطًا للصَّوم، وحِذارًا من الاِخْتِلاف، وقد روت عائشةُ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يتحفَّظ من شعبانَ ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم لرؤية رمضان» رواه الدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ صحيح (٦).

стр. 1695

(وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ)؛ أيْ: مَطلَعِه (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلةَ الثَّلَاثِينَ؛ وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، اختاره الخِرَقِيُّ وأكثَرُ شيوخ أصحابنا، ونصوص أحمدَ عليه (١)، وهو مذهب عُمَرَ (٢)، وابْنِه (٣)، وعمْرِو بن العاص (٤)، وأبِي هُرَيرةَ (٥)، وأنَسٍ (٦)،

стр. 1696

ومُعاويةَ (١)، وعائشةَ (٢) وأسْمَاءَ بِنْتَيْ أبِي بكرٍ (٣)، وقاله جَمعٌ من التَّابعين؛ لما رَوَى ابنُ عُمَرَ مرفوعًا قال: «إذا رأَيْتُموه فصُومُوا، وإذا رأَيْتُموه فأَفْطِروا، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدُروا له (٤)» متَّفقٌ عليه (٥). ومعنى «فاقدُروا له»: أيْ ضَيِّقوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطّلَاق: ٧]؛ أي: ضُيِّق، وهو أن يُجعَل شعبان تسعةً وعشرين يومًا.

стр. 1697

ويجوز أن يكون معناه: اقدُروا زمانًا يَطلُع في مثله الهلالُ، وهذا الزمان يصحُّ وجودُه فيه. أو يكون معناه: فاعْلَمُوا من طريق الحُكم أنَّه تَحْتَ الغَيم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النَّمل: ٥٧]؛ أي: علمناها. مع أن بعض المحقِّقين قالوا: إنَّ الشهر (١) أصلُه تِسْعٌ وعشرون (٢). يُؤيِّده ما رواهُ أحمدُ، عن إسماعيلَ، عن أيُّوب، عن نافعٍ قال: «كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعةٌ وعشرون يومًا؛ بعث من يَنْظُرُ له، فإن رآه فذاك، وإن لم يَرَهُ ولم يحل دون مَنظَرِه سَحابٌ ولا قتر؛ أصبح مُفْطِرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قترٌ؛ أصبح صائمًا» (٣)، ولا شك أنَّه راوي الخبرِ، وأعلَمُ بمعناه، فيتعيَّن المصير إليه، كما رُجِع إليه في تفسير خيار المتبايعين (٤). يؤكده (٥): قولُ عليٍّ وأبي هُرَيرةَ وعائشةَ: «لَأنْ أصوم يومًا مِنْ شَعبانَ أحبُّ إلي من أن (٦) أُفْطِرَ يومًا من رَمَضانَ» (٧)، ولأِنَّه يُحتاطُ له، ويَجِبُ بخبَرِ الواحِدِ.

стр. 1698

فعلَى هذا: يَصومُه حُكْمًا ظَنِّيًّا بوجوبه احتياطًا، ويجزئه إذا بان منه، قيل للقاضِي: لا يَصِحُّ إلاَّ بنية (١)، ومع الشَّكِّ فيها لا يُجزَمُ بها، فقال: لا يَمنَعُ التَّردُّدُ فيها للحاجة؛ كالأسير، وصلاةٍ من خمس. وفي «الانتصار»: يُجزِئُه إن لَم تُعتَبَر نيَّةُ التَّعيين، وإلاَّ فلا. وظاهِرُه: أنَّها لا تُصلَّى التَّراويحُ ليلتئذٍ، واختارَهُ التميميون (٢)؛ اقتصارًا علَى النَّصِّ، واختار جماعةٌ عكْسَه، قال المجْدُ: هو أشْبَهُ بكلام أحمدَ: (القِيامُ قَبْل الصيام). وعنه: ينويه حكمًا جازمًا بوجوبه، وقاله بعضُ أصحابنا، وجزم به في «الوجيز»، فعليه: تُصلَّى التَّراويحُ إذِنْ. ولا تَثْبُت بقيَّة الأحكام من حلول الآجال، ووقوع المعلَّقات، وانقضاء العدة، وغير ذلك. وذكر القاضِي احتِمَالاً: يَثبُت كما يَثبُت الصَّوم وتوابِعُه؛ من النِّيَّة، وتَبْيِيتِها، ووجوبِ الكفَّارة بالوَطْء فيه، ونحو ذلك. (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ) صومُه قبل رؤية هلاله أو إكمال (٣) شعبان، اختاره فِي «التَّبصِرَة» والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال: (هو مذهبُ أحمدَ المنصوصُ الصَّريحُ عنه، وقاله أكْثَرُ العلماءِ) (٤)؛ لما روى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «صُومُوا لِرُؤْيتِه،

стр. 1699

وأفْطِرُوا لِرُؤْيته، فإنْ غُمَّ عليكم فأكْمِلُوا عدَّة شَعبانَ ثَلاثِينَ يومًا» متَّفقٌ عليه، ولفظه لِلْبُخاريِّ (١)، ولأِنَّه يومُ شكٍّ، وهو منهيٌّ عن صومه، والأصْلُ بقاءُ الشَّهر، فلا يُنتقَل عنه بالشَّكِّ. وأُجِيبَ: بأنَّ خبرَ أبِي هُرَيرةَ يَرْويه محمَّدُ بنُ زيادٍ، وقد خالَفَه سعيدُ بن المسيِّب فرواه عن أبِي هُرَيرة: «فَإِنْ غُمَّ عليكم؛ فصُومُوا ثلاثِينَ» (٢)، وروايته (٣) أَوْلَى؛ لِإمامته واشتهار (٤) ثقته وعدالته (٥)، وموافقته لرأْيِ أبِي هُرَيرة، وقال الإسْمَاعيلِيُّ: (ذِكْرُ شَعبانَ فيه من (٦) تفسير ابن أبِي إِيَاسٍ) (٧)،

стр. 1700

وليس هو بيوم شكٍّ كمَا يأتِي. (وَعَنْهُ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا)، وإنْ أَفْطَر أفْطَرُوا وُجوبًا، وهو قول الحسَنِ وابن سِيرينَ؛ لقوله ﵇: «الصَّومُ يومَ تَصُومُون، والفِطْرُ يومَ تُفْطِرونَ» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ من حديث أبِي هُرَيرةَ (١). فمَعْناهُ: أنَّ الصَّومَ والفِطْرَ مع الجماعة وعُظْمِ النَّاس واجبٌ، وقال أحمدُ: (السُّلطانُ في هذا أحوطُ، وأنْظَرُ للمسلمين، وأشدُّ تفَقُّدًا، ويدُ الله على الجماعة) (٢)، فيتحرَّى في كثرة كمال الشُّهور قبلَه ونقْصِها، وإخبارِه بمَنْ لا يُكتفى (٣) به، وغيْر ذلك من القرائن. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُعمَل بعادةٍ غالبةٍ؛ كمُضيِّ شهرَينِ كامِلَينِ فالثَّالث ناقصٌ، وهو معْنَى التَّقدير.

стр. 1701

وعنه: صومُه منهيٌّ عنه، اختاره أبو القاسم بن مَنْدَه (١)، وأبو الخطَّاب وابنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّه يومُ شكٍّ، وفيه نَظَرٌ. فقيل: يكره. وقيل: يحرم. وإذا لم يَجِبْ صومُه؛ وجب أداء الشَّهادة بالرُّؤية وإن لم يُسأَلْ عنها. فَرعٌ: إذا نواه احتياطًا بلا مستنَدٍ شرعِيٍّ فبان منه؛ لم يُجزِئْه في روايةٍ. وعنه: بلى. وعنه: يجزئه ولو اعتُبِرت نيَّةُ التَّعْيِين. ولا يُحكَم بطلوع الهلال بنجومٍ أو حسابٍ، ولو كَثُرَتْ إصابتهما. (وَإِذَا رَأَى الهِلَالَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ؛ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)، هذا هو المشهور، وقاله أكثر العلماء؛ لما رَوَى أبو وائلٍ قال: «جاءنا كتابُ عمرَ: أنَّ الأهلَّة بعضُها أكْبر مِنْ بعضٍ، فإذا رأيتم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى تُمْسُوا، أو يَشهَدَ رجلان مُسْلِمَان أنَّهما رأياه بالأمس عَشِيَّةً» رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٢) فعلَى هذا: لا يَجِبُ به صومٌ، ولا يُباحُ به فِطْرٌ. ورُؤْيتُه نهارًا مُمْكِنَةٌ لعارِضٍ يَعْرِضُ في الجوِّ يَقِلُّ به ضَوءُ الشَّمس أو يكون (٣) قَوِيَّ النَّظَرِ. وعنه: بَعْدَ الزَّوال للمقبلة، وقبلَه للماضية، اختاره أبو بكرٍ والقاضِي، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ للقُرْب من كلِّ واحدةٍ منهما. وعنه: بعد الزوال آخِرَ الشَّهر للمقبلة احتياطًا. وعنه: آخر الشَّهر للمقبلة مطلقًا.

стр. 1702

فائدة: يُقال من الصباح إلى الزَّوال: رأيت اللَّيلة، وبعده يقال: رأيت البارحة، قاله ثعلبٌ (١)، هذا باعتبار الحقيقة، ومَنْعُ ذلك مطلقًا لا وجه له. (وَإِنْ (٢) رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ؛ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ)؛ للعموم، ولأنَّ الشَّهر فِي الحقيقة ما بين الهلالَينِ، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليومَ منه في جميع الأحكام، فكذا الصَّوم. وظاهِرُه: لا فَرْق بين قرب المكان أو بُعده، وأنَّه يَجِبُ ولو اخْتَلفت المطالع، نَصَّ عليه (٣). وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّها تختلف باتِّفاق أهل المعرفة (٤)، لكن قال أحمد: (الزَّوال في الدُّنيا واحدٌ) (٥). واخْتارَ في «الرِّعاية»: البُعد (٦) مسافة قَصْرٍ، ولا يَلزَمه الصَّومُ. وعن كُرَيبٍ قال: قَدِمْتُ الشَّامَ واسْتَهَلَّ علَيَّ هلالُ رمضان وأنا بالشَّام، فرأيْناه ليلةَ الجمعة، ثمُّ قَدِمْتُ المدينةَ في آخِر الشَّهْر، فسألني ابنُ عبَّاسٍ، فأخبرْتُه فقال: «لكِنَّا رَأَيْناه ليلةَ السَّبت، فلا نَزالُ نصومُ حتَّى نُكمِل ثلاثين أوْ نَراه»، فقلت: ألَا تَكتفِي بِرُؤْية مُعاويةَ وصيامِه؟ فقال: «لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ » رَواهُ مسلمٌ (٧)، فدلَّ على أنَّهم لا يُفطِرون بقول كُرَيبٍ وحدَه، ونحن نقول به، وإنَّما مَحلُّ الخلاف وجوبُ قضاء اليوم الأوَّل، وليس هو في الحديث، والفطر إنَّما هو إذا صِيم بشهادته ليكون فِطرُهم مَبْنِيًّا على صومهم

стр. 1703

بشهادته، وهنا ليس كذلك. فعلَى المذهب، واختياره في «الرِّعاية»: لوْ سافَر من بلدِ الرُّؤية ليلةَ الجمعة إلَى بلدِ الرُّؤية ليلة السَّبت، فبَعُدَ وتمَّ شهره ولم يَرَوُا الهلالَ؛ صام معهم، وعلَى المذهب: يُفْطِر خُفْيةً، قاله المجْدُ. وإن شهد به وقُبِل قولُه؛ أفْطَروا معه على المذهب. وإن سافر إلى بلد الرُّؤية ليلةَ الجمعة من بلد الرُّؤية ليلة السَّبت، وبَعُدَ؛ أفطر معهم، وقضَى يومًا على المذهب ولم يفطر على الثَّانِي. (وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ)، نَصَّ عليه (١)، وحكاه التِّرمذيُّ عن أكثر العلماء (٢)، لأنَّه «﵇ صَوَّمَ النَّاسَ بقول ابن (٣) عمر» رواه أبو داودَ والحاكِمُ، وقال: (على شَرْط مُسِلِمٍ) (٤)، ولقَبولِه خبرَ الأعرابِيِّ به، رواه أبو داود والتِّرْمذِيُّ من حديث ابنِ عبَّاسٍ (٥)، ولأِنَّه خبرٌ دِينِيٌّ، وهو

стр. 1704

أحْوطُ، ولا تُهَمةَ فيه، بخلاف آخِرِ الشَّهر، ولاختلاف حال الرَّائي والمَرْئِيِّ، ولهذا لو حكم حاكمٌ بشهادة واحدٍ؛ وجب العمل بها. وظاهره: لا فَرْق بين الغَيم والصَّحْو، ولا بين المصر وخارجه. وقال أبو بكرٍ: إن جاء من (١) خارج المصر، أوْ رآه فيه، لا فِي جماعةٍ؛ قُبل واحد (٢). وشَذَّ في «الرِّعاية» فقال: وقيل: يُقبَل قولُ واحدٍ حتَّى مع غَيمٍ أو قَتَرٍ. وعنه: يُعتبَر عَدْلان كبقيَّة الشهور. فعلَى المذهب: هو خبرٌ، فتُقبَل المرأةُ والعبد (٣)، ولا يختص بحاكِمٍ، فيَلزَم الصَّومُ مَنْ سَمِعَه من عَدْلٍ، زاد بعضهم: ولو ردَّ الحاكمُ قولَه. ولا يُعتبَرُ لفظُ الشَّهادة. وقيل: بلَى، فتَنْعكِس الأحكام. وفي المستور والمميِّز الخلاف، وفِي «المستوعب»: لا يُقبَل صبيٌّ. وإذا ثَبَتَ بقول الواحد؛ ثبتت (٤) بقيَّةُ الأحْكامِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلاَّ عَدْلَانِ)، حكاه التِّرمذيُّ إجْماعًا (٥)؛ أي: رجلان؛ لقول ابنِ عمرَ وابن عبَّاسٍ: «كان رسول الله ﷺ لا يُجيزُ علَى شهادة الإفطار إلاَّ شهادةَ رجلَين» (٦)، ولأنَّه ليس بِمَالٍ، ولا يُقصَد به المالُ، ولا

стр. 1705

احتياط فيه، أشبه (١) الحدودَ. وعنه: يُقبَل فيه واحدٌ كأبِي ثَور (٢)، وكأوَّلِه (٣)، وقيَّدها في «الرِّعاية»: بمَوضِعٍ ليس فيه غيرُه. وظاهِرُه: لا يقبل رجلٌ وامرأتان، ولا (٤) النِّساءُ المفرَداتُ؛ لأِنَّه مِمَّا يطَّلِع عليه الرِّجالُ. ولا يُعتبَر التَّواتُر في العِيدَين مع الغَيم. (وَإِنْ (٥) صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الهِلَالَ؛ أَفْطَرُوا) وجْهًا واحدًا، قاله في «الشَّرح»؛ لحديث عبد الرَّحمن بن زَيد بن الخطَّاب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وإنْ شَهِد شاهدان؛ فصُوموا وأفطروا» رواه النَّسائي (٦). وقيل: لا مع صَحْوٍ، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأنَّ عدمَ الهلال يقينٌ، فيُقدَّم على الظَّنِّ وهي الشَّهادة. (وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وقيل: هما روايتان: أحدهما (٧): لا يُفْطِرون، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه فِطْرٌ (٨) لم يَجُز أن

стр. 1706

يَسْتَنِدَ إلَى واحدٍ، كما لَوْ شَهِد بشوال. والثَّانِي، وجزم به في «الوجيز»: أنَّهم يُفطِرون؛ لثبوته تَبَعًا، كالنَّسَب لا يَثْبُت بشهادة النِّساء، وتَثْبُتُ بها الولادة. وقيل: لا فِطْر مع الغَيم. (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الغَيْمِ لَمْ يُفْطِرُوا (١) وجهًا واحدًا، قاله في «الشَّرح»؛ لأِنَّ الصَّوم إنَّمَا كان احْتِياطًا، فمع موافقته للأصل -وهو بقاءُ رمضان- أَوْلَى. وقيل: بلى، قال في «الرِّعاية»: إن صاموا جَزْمًا مع الغَيم أفْطَروا، وإلاَّ فلا. فعلَى الأوَّل: إن غُمَّ هلالُ شعبانَ ورمضانَ فقد يصوم اثْنَينِ وثلاثينَ يومًا حَيْثُ نَقَصْنا رجبًا وشعبانَ وكانا كاملَينِ، وكذا الزِّيادةُ إن غُمَّ هلالُ رمضانَ وشوَّال وأكْمَلْنا شعبانَ ورمضان وكانا ناقصَينِ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عن العلماء: أنَّه لا يَقَعُ النَّقصُ متواليًا في أكثر من أربعة أشْهُرٍ (٢). فَرعٌ: إذا صاموا ثمانيةً وعشرين يومًا ثمَّ رأوْا هلالَ شوَّال؛ قضَوْا يومًا فقطْ، نَقَلَه حنبلٌ، واحتجَّ بقول علِيٍّ (٣)، ولبُعْد الغَلَط بيومين. قال في «الفروع»: ويتوجَّه تخريجٌ.

стр. 1707

(وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِمَانِعٍ؛ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) وحكمُه؛ للعموم، وكعِلْمِ فاسقٍ بنجاسة ماءٍ، أو دَين علَى موروثه، ولأنَّه يَتَيَقَّنُ أنَّه من رمضان، فلزم (١) صومُه كما تلزم (٢) الأحكامُ التي هي من خصائص الرَّمَضانيَّة، بخلاف غيرِه من الناس. ونقل حنبلٌ: لا يلزمه (٣) الصَّومُ (٤)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥)، ورُوِيَ عن الحسَنِ وابنِ سِيرينَ؛ لأِنَّه محكومٌ أنَّه من شَعبانَ، أشْبَهَ التَّاسِع والعِشْرين، وكذا قال: لا يَلزَمُه شَيءٌ من أحكامه. وعلى الأوَّل: هل يُفطِر يوم الثَّلاثينَ من صيام النَّاس؟ فيه وجْهانِ، ويَتَوَجَّه عليهما وقوعُ طلاقه، وحلُّ دَينه المُعَلَّقَينِ به. (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ؛ لَمْ يُفْطِرْ)، نَقَلَه الجماعةُ (٦)؛ للخبر السَّابق (٧)، وقاله عمرُ وعائشةُ (٨)، ولاِحْتِمَال خَطَئِه وتُهَمته، فَوَجَب

стр. 1708

الاِحْتِياطُ، وكما لا يُعَرِّف ولا يُضحِّي وحدَه، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين، قال: (والنِّزاعُ مَبْنِيٌّ على أصل وهو: أنَّ الهلالَ هل هو اسمٌ لما يَطلُع فِي السَّمَاء وإن لم يَشْتَهِر ولم يظهر، أو أنَّه لا يُسمَّى هلالاً إلاَّ بالظُّهور والاشتهار؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد) (١). وقال أبو حكيمٍ: يتخرَّج أن يفطر (٢)، اختاره أبو بكرٍ، قال ابنُ عَقِيلٍ: يجب أن يفطر (٣) سرًّا؛ لأِنَّه يتيقنه (٤) يومَ العيد. تنبيهٌ: إذا رآه عدْلانِ ولَم يَشهَدا عند الحاكم، أو شَهِدا فَرَدَّهما لجهله

стр. 1709

بحالهما؛ لم يَجُز لأحدهما ولا لمن عرف عدالتهما الفطر بقولهما في قياس المذهب؛ لأنَّ ردَّهما ليس بحكمٍ، وإنَّما هو توقُّفٌ لعَدَم علمِه. وفي «المغني» و «الشرح»: الجوازُ؛ لقوله: «فإنْ شَهِدَ شاهدان؛ فصُومُوا وأفْطِرُوا» رواه النَّسائي (١). (وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَشْهُرُ عَلَى الأَسِيرِ)، والمَطْمُور (٢)، ومن بمَفازةٍ ونحوِهم؛ (تَحَرَّى)، وهو أن يَجْتَهِدَ في معرفة شهر رمضان؛ لأنَّه أمْكَنه تأديةُ فرضه بالاجتهاد، فلزمه؛ كاستقبال القبلة، (وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا (٣) بَعْدَهُ؛ أَجْزَأَهُ) كالصَّلاة، وكما لو (٤) لم يَنكَشِفْ له الحالُ؛ لتأدية فرضه بالاِجْتِهاد، ولا يَضُرُّ التَّردُّد في النِّيَّة؛ لِمكَان الضَّرورة. فلو وافَقَ رمَضانَ السَّنةَ القابِلةَ؛ فقال المجْدُ: قياسُ المذهب: لا يُجزِئُه عن واحدٍ منهما إنِ اعْتبرْنا نيَّة التَّعيين، وإلاَّ وقع عن الثَّاني، وقَضَى الأوَّلَ. ويُعتبَر أن يكونَ ما صامه بعدد أيام (٥) شهره الذي فاته، سواءٌ وافَق ما بين الهلالَينِ أوْ لَا، ذكره في «المغني» و «الشَّرح». وظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه متَى وافق شهرًا بعده؛ أجزأه وإن كان ناقصًا ورمضانُ تامًّا، قاله القاضِي وصاحبُ «التَّلخيص»، وأورده المجْدُ مذهبًا كالنَّذر. وفرَّق في «الشَّرح»: بأنَّ النَّذر مطلَقٌ، فيُحمَل على ما تناوَلَه الاِسْمُ، والقضاء يَجِبُ أن يكون بعدد (٦) المتروك.

стр. 1710

(وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه أتى بالعبادة قبل وقتها، فلم تُجْزِئْه كالصَّلاة، فلو وافق بعضُه رمضانَ؛ فما وافَقَه أو بعدَه أجْزَأَه، دون ما قبله. ولو صامَ شعبان ثلاثَ سِنينَ متواليةً، ثمَّ عَلِمَ؛ صام ثلاثةَ أشهرٍ، شهرًا بعد شهرٍ كالصلاة إذا فاتته، نقله مُهنَّى (٢). وإن ظنَّ أنَّ الشَّهرَ لم يَدخُل فصام؛ لم يُجْزِئْه. (وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلاَّ عَلَى المُسْلِمِ، البَالِغِ، العَاقِلِ، القَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ) إجْماعًا (٣). (وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) مطلقًا؛ لأِنَّه عبادةٌ مَحْضةٌ تَفتقِر إلَى النِّيَّة، فكان من شرطها الإسلامُ كالصَّلاة. (وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا صَبِيٍّ)؛ لعدَم تكليفهما، ورَفْع القلم عنهما، (لَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ؛ لِيَعْتَادَهُ)، كذا قاله الأكثرُ؛ أي: يجب على الولي ذلك (٤)، ذَكَرَه جماعةٌ. وعنه: يَجِب عليه إذا أطاقه، اختاره أبو بكرٍ وابنُ أبِي موسى، وقاله عطاءٌ والأوزاعيُّ، والمرادُ به المميِّزُ، وحدَّ (٥) ابن أبي موسى طاقته: بصيام ثلاثة أيَّامٍ متواليةٍ من غير ضَرَرٍ؛ لقوله ﵇: «إذا أطاق الغلامُ صيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ؛ وجب عليه صيامُ رمضانَ» رواه ابنُ جريج عن محمَّد بن عبد الرَّحمن (٦)،

стр. 1711

ولأنَّها عبادةٌ بَدَنِيَّةٌ أشبهت الصَّلاةَ. وعنه: يَلزَم من بَلَغ عشْر سنين وأطاقه، قال الخِرَقِيُّ: يُؤخَذ به إذنْ. والمذهب الأوَّل، قال القاضِي: هو عندي روايةٌ واحدةٌ، وحَمَلَ ما رُوِيَ عن أحمدَ علَى الاِسْتحباب، وكالحجِّ، وحديثُهم مرسَل، ويُحمَل على النَّدب، وسماه (١) واجبًا تأكيدًا، وفيه جمعٌ بين الأدلة. وأمَّا كَونُ القدرة من شروطه؛ فلأنَّ العاجِز عن الشَّيء لا يُكلَّفُ به؛ للنَّصِّ. (وَإِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ (٢)؛ لَزِمَهُمُ الإِمْسَاكُ)؛ لتعذُّر إمساك الجميع، فوجب أن يأتوا بما يقدِرون عليه، وكما لو تعمَّدوا الأكلَ في يومٍ آخَر منه، (وَالقَضَاءُ)؛ فلثبوته من رمضانَ، ولم يأتوا فيه بصومٍ صحيحٍ؛ فلَزِمَهم قَضاؤه لِلنَّصِّ. وذكر أبو الخطَّاب روايةً: لا يَلزَم الإمساكُ كالمسافِر إذا قَدِم، وغلَّط المؤلِّفُ ناقلَها. وخرَّج في «المغْنِي» على قَول عَطاءٍ: من ظنَّ أنَّ الفجر لم يَطلُع وقد طَلَع. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يُمسِك ولا يَقْضِي (٣)، وكما لو لم يَعلَمْ بالرؤية

стр. 1712

إلاَّ بعد الغروب. (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنونٌ، أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ؛ فَكَذَلِكَ)، أي: إذا صار في أثْناء يومٍ منه أهلاً للوجوب؛ لزِمَه إمساكُ ذلك اليوم وقضاؤه في ظاهر المذهب، وجزم به فِي «الوجيز»؛ لأِمْره ﵇ بإمساك يوم عاشوراء (١)، ولحرمة الوقت، ولقيام البيِّنة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا من (٢) وقته كالصَّلاة. (وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ)، أي: لا إمساكَ؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «من أكل أوَّل النَّهار فلْيَأْكُل آخِرَه» (٣)؛ ولأنَّه أُبِيحَ لهم فِطْرُ أوَّله ظاهرًا وباطنًا، فكان لهم الاستدامة، كما لو دام العُذْر، ولا قَضاءَ؛ لعدَم إدراكهم من الوقت ما يسع (٤) العبادة، أشْبَهَ ما لو زال عُذْرُهم بعد خروج الوقت. وإن قلنا: يَجِب على الصَّبيِّ؛ عَصَى بالفطر، وأمسك، وقَضَى كالبالغ. وعُلم: أنَّهم يستقبلون من الشَّهر ما عدا اليوم، وأنَّه لا يَلزَمُهم قضاءُ ما مَضَى. (وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ) بالسِّنِّ أو الاحْتِلامِ (صَائِمًا)، بأنْ نواه من اللَّيل؛ (أَتَمَّ) صَومَه بغيرِ خلافٍ، (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي)؛ لأِنَّه نواه من اللَّيل فأجْزَأَه

стр. 1713

كالبالِغ، ولا يَمْتَنِع أن يكون أوَّلُه نفلاً وباقيه فرْضًا، كنذْره إتْمام النَّفل. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، وهو ظاهر «الوجيز»: (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ)؛ أيْ: قضاءُ ذلك اليوم؛ كقيام البيِّنة يوم الثَّلاثينَ، وهو (١) في نفلٍ معتادٍ، وكبلوغه في صلاةٍ أوْ حجٍّ، ولأِنَّ ما مضى منه نفلٌ، فلم يُجْزِ عن الفرض، كما لو نَذَر صَومَ يومَ يَقدَم زيدٌ فَقَدِم والنَّاذِرُ صائمٌ، فإنَّه يلزمه (٢) القَضاءُ. والخلافُ مبنيٌّ على وجوب القضاء عليه إذا بلغ مفطِرًا، وأمَّا إذا لم يَجِب فلا قضاءَ هنا وجهًا واحدًا. (وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ، أَوْ قَدِمَ المُسَافِرُ)، أوْ أقام (مُفْطِرًا؛ فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ) إجْماعًا (٣)، وكمريضٍ إذا صحَّ في أثْناء النَّهار مُفْطِرًا، (وَفِي الإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ)، كذا أطْلقهما جماعة، الأصح لزومه، وكمقيمٍ تعمد الفطر، سافَرَ أو حاضت المرأةُ أو لا، نقله ابن القاسم وحَنْبَلٌ (٤)، ويُعايا بها. والثَّانية: لا إمساك (٥) عليهم؛ لقول ابنِ مسعودٍ (٦)؛ لأِنَّ كلَّ من (٧) ذُكِر يُباحُ له الأكلُ أوَّلَ النَّهار ظاهِرًا وباطنًا. ويَتوجَّه: لَا إمساك (٨) مع حَيضٍ، ومع السَّفر الخلافُ. وإذا لم يَجِب الإمساكُ، فقدِم مسافِرٌ مُفْطِرًا، فوجَد امرأتَه طَهُرت من حَيضِها؛ له أن يَطَأَها.

стр. 1714

ولو علِم مسافِرٌ أنَّه يَقدَم غدًا؛ لزِمَه الصَّوم، كمن نذر صَومَ يومِ يَقدَم فلان (١)، وعلم قدومه في (٢) غدٍ، بخلاف الصَّبيِّ يَعلَم أنَّه يبلُغ في غدٍ؛ لأنَّه غير مكلَّفٍ. مسألةٌ: إذا برِئَ مريضٌ، أو قدِم مسافِرٌ أو أقام صائمًا؛ لزِمه الإتمامُ وأجْزَأ، كمُقيمٍ صائِمٍ مرِض (٣) ثمَّ لَم يُفطِر حتَّى عُوفِيَ، ولو وطئا فيه كَفَّرَا، نَصَّ عليه (٤)؛ كمُقيمٍ وطِئَ ثمَّ سافَر، ذَكَرَه في «الفروع». (وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وهو الْهِمُّ والهِمة (٥)، (أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ أَفْطَرَ)، أي: له ذلك إجْماعًا (٦)، (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ (٧) يَوْمٍ مِسْكِينًا)؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ فِي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]: «لَيستْ بمنسوخة (٨)، هي للشيخ (٩) الكبير والمرأة الكبيرة لا يَستطيعان الصَّوم، فيُطْعِمَانِ مكان كلِّ يومٍ مِسْكِينًا» رواه البُخاريُّ (١٠)، ومعناه عن ابن أبِي ليلَى عن معاذ، ولم يُدْرِكْه، رواه أحمدُ (١١).

стр. 1715

والمرادُ بالإطعام: ما يُجزئ في الكفَّارة، فلو كان الكبيرُ مسافِرًا أوْ مريضًا فأَفْطَر، فلا فدية عليه، ذكره في «الخلاف»، ولا قضاء؛ للعجز عنه، ويُعايا بها. وإنْ أطْعَم، ثمَّ قَدَر علَى القضاء؛ فكمعضوب (١) (٢) حُجَّ عنه (٣) ثمَّ عُوفِيَ، ذَكَره المجْدُ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ القَضاءُ، بل يَتعيَّنُ الإطعامُ. (وَالمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، وَالمُسَافِرُ)، وهو من له القصر (٤)؛ (اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرَ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]؛ أي: فأفطر، وقد رَوَى التِّرمذيُّ مرفوعًا: «إنَّ اللهَ وضَعَ

стр. 1716

عن المسافِر الصَّومَ»، وقال: حديثٌ حسَنٌ (١)، ولأِنَّ فيه قَبولَ الرُّخصة مع التَّلبُّس بالأخفِّ؛ لقوله ﵇: «ما خُيِّرتُ بين أمْرَينِ إلاَّ اخْتَرْتُ أيْسرَهُما» (٢). ويُشترَط له (٣) أن يَخافَ زيادةَ المرض، أو بُطْءَ برئه (٤)، فإن لم يتضرَّر به لم يُفطِر، وجزم به في «الرِّعاية» في وَجَع رأس وحُمَّى، ثُمَّ قال: إلاَّ أن ينضر، قيل لأِحمدَ: متى يُفْطِر المريض (٥)؟ قال: إذا لم يستطع، قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأيُّ مَرَضٍ أشدُّ من الحمَّى! (٦). فلو (٧) خاف تلَفًا بصومه؛ كُرِه، وجزم جماعةٌ: بأنَّه يَحرُم، ولم يَذْكُروا خِلافًا في الإجزاء. (وَإِنْ (٨) صَامَا أَجْزَأَهُمَا) نقله الجماعةُ. ونقل حنبلٌ في المسافِر: لا يُعجِبُني (٩)، واحتجَّ بقوله ﵇: «ليس من

стр. 1717

البِرِّ الصوم في السَّفَرِ» (١)، وعمر وأبو هريرة يأمرانه (٢) بالإعادة (٣). والسُّنَّة الصَّحيحة تَرُدُّ هذا القولَ، وحَمْلُها على رواية الجماعة أَوْلَى من عدم الإجزاء. وظاهره: أنَّه يُجزئ من غير كراهةٍ، وقد سأله إسحاقُ بن إبراهيم عن الصَّوم فيه لمن قوي (٤)، فقال: لا يصوم (٥)، وحكاه المجْدُ عن الأصحاب، قال: وعندي لا يُكرَه لمن قَوِيَ، واختاره الآجُرِّيُّ، وليس الصَّومُ فيه أفضلَ، وفرَّق بينه وبين رُخْصة القَصْر: أنَّها مُجمَعٌ عليها تبرأ بها (٦) الذِّمَّة. ورُدَّ: بصوم المريض.

стр. 1718

(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ)، من قضاءٍ ونذْرٍ وغيرهما؛ لأِنَّ الفِطْرَ أُبِيح تخفيفًا ورُخصةً، فإذا لم يُرِدْه؛ لَزِمَه الإتْيانُ بالأصل؛ كالجمعة، وكالمقيم الصَّحيح، ولأنه لو قَبِل صومًا من المعذور لقَبِله من غيره كسائر الزَّمان المتضيِّق للعبادة. فلو نوى صومًا غير رمضان؛ فهل يَقَعُ باطلاً، أم يَقَعُ ما نواه (١)؟ هي مسألة تعيين النِّيَّة. تنبيه: إذا خاف مَنْ به شَبَقٌ تشقُّق (٢) أُنْثيَيْه، أو به مرضٌ يَنتفِع فيه بوطءٍ؛ ساغ له الوَطْءُ، وقضى بلا كفَّارة، نقله الشَّالَنْجِيُّ (٣)، إن لم تندفع شهوتُه بغيره، وإلا لم يَجُز، وكذا إن أمكنه ألاَّ يُفسد صومَ زوجته لم يَجُز، وإلا جاز للضَّرورة، فوطء صائمةٍ أَوْلَى من حائضٍ. وقيل: يتخيَّر، وإن (٤) تعذَّر قضاؤه لدوام شبقه؛ فككبيرٍ عَجَز عنه. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ؛ فَلَهُ الفِطْرُ)؛ لفطره ﵇ كما رُوِي في الأخبار الصَّحيحة (٥). وظاهِرُه: ولو بالجِمَاع، لأنَّ مَنْ لَه الأكْلُ له الجِماعُ؛ كمن لم يَنوِ، وذكر جماعةٌ: أنَّه يُفطِر بنيَّة الفطر، فيقع الجِماع بعدَه. وعنه: لا يجوز بالجماع؛ لأنَّه لا يُقوِّي على السَّفر، فعليها: إنْ جامَعَ كفَّر، والمذهب: لا، قال في «الفروع»: وهو أظهر (٦).

стр. 1719

(وَإِنْ نَوَى الحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَلَهُ الفِطْرُ)؛ لظاهِرِ الآية والأَخْبار الصَّريحة، منها ما رَوى (١) عُبَيد بن جُبَيرٍ قال: ركِبْتُ مع أبِي بَصْرَةَ الغِفاريِّ من الفُسْطاط في شهر رمضان، ثمَّ قرَّب غداءَه، فقال: «اقْترِب»، قلت: ألستَ ترى البيوتَ؟ قال: «أتَرْغَب عن سنَّة رسول الله ﷺ ؟ فأكل» رواه أبو داود (٢)، ولأِنَّ السَّفَر مبيحٌ للفِطْر، فأباحه فِي أثْناء النَّهار كالمرض (٣) الطَّارِئ، ولو بِفِعْله، والصَّلاة لا يَشُقُّ إتمامُها، وهي آكَدُ؛ لأِنَّها متى وجب إتْمَامُها لم تُقصَر (٤) بحالٍ. وترك (٥) الفطر أفضلُ، سواءً سافَرَ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ذَكَرَه جماعةٌ، فيُعايا بها. وليس له الفطر قبل خروجه، لأنَّه لَيس بِمُسافِرٍ. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ)، وقالَه أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ الصَّومَ عبادةٌ تَختَلِفُ بالسَّفَر والحَضَر، فإذا اجْتَمَعا؛ غُلِّب حكمُ الحضَر كالصَّلاة. وعنه: لا يجوز بجِماعٍ؛ لآكديَّته (٦)، فعلَى المنْع: يُكفِّر من وَطِئ، وجَعَلَها بعضُهم كمَنْ نَوَى الصَّوم في سفره ثمَّ جامَع.

стр. 1720

(وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) الضَّرَرَ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا)؛ كُرِه لهما الصَّومُ، ويُجزِئُ، فإن (أَفْطَرَتَا؛ وقَضَتَا (١) بغير خلافٍ نعلمه (٢)، كالمريض إذا خاف على نفسه، ولقدرتهما عليه بخلاف الكبير، قال أحمدُ: أقولُ بقَول أبِي هُرَيرةَ، لا بقول ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ في مَنْع القضاء (٣). وظاهره: أنَّه لا إطْعام معه؛ لأنَّه فِطْرٌ أبيح لعُذْرٍ، فلم تجب (٤) به كفَّارةٌ؛ كالمريض، وذَكَر بعضُهم رواية. (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيهِمَا (٥)؛ أَفْطَرَتَا)؛ لأِنَّ خوفَهما خوفٌ علَى آدَمِيٍّ، أشْبَهَ خوفَهما علَى أنفسهما، (وَقَضَتَا)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وكسائر المرضى (٦)، (وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ (٧) يَوْمٍ مِسْكِينًا)، ما
следующие страницы →