← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عن المسافِر الصَّومَ»، وقال: حديثٌ حسَنٌ (١)، ولأِنَّ فيه قَبولَ الرُّخصة مع التَّلبُّس بالأخفِّ؛ لقوله ﵇: «ما خُيِّرتُ بين أمْرَينِ إلاَّ اخْتَرْتُ أيْسرَهُما» (٢). ويُشترَط له (٣) أن يَخافَ زيادةَ المرض، أو بُطْءَ برئه (٤)، فإن لم يتضرَّر به لم يُفطِر، وجزم به في «الرِّعاية» في وَجَع رأس وحُمَّى، ثُمَّ قال: إلاَّ أن ينضر، قيل لأِحمدَ: متى يُفْطِر المريض (٥)؟ قال: إذا لم يستطع، قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأيُّ مَرَضٍ أشدُّ من الحمَّى! (٦). فلو (٧) خاف تلَفًا بصومه؛ كُرِه، وجزم جماعةٌ: بأنَّه يَحرُم، ولم يَذْكُروا خِلافًا في الإجزاء. (وَإِنْ (٨) صَامَا أَجْزَأَهُمَا) نقله الجماعةُ. ونقل حنبلٌ في المسافِر: لا يُعجِبُني (٩)، واحتجَّ بقوله ﵇: «ليس من

стр. 1717

البِرِّ الصوم في السَّفَرِ» (١)، وعمر وأبو هريرة يأمرانه (٢) بالإعادة (٣). والسُّنَّة الصَّحيحة تَرُدُّ هذا القولَ، وحَمْلُها على رواية الجماعة أَوْلَى من عدم الإجزاء. وظاهره: أنَّه يُجزئ من غير كراهةٍ، وقد سأله إسحاقُ بن إبراهيم عن الصَّوم فيه لمن قوي (٤)، فقال: لا يصوم (٥)، وحكاه المجْدُ عن الأصحاب، قال: وعندي لا يُكرَه لمن قَوِيَ، واختاره الآجُرِّيُّ، وليس الصَّومُ فيه أفضلَ، وفرَّق بينه وبين رُخْصة القَصْر: أنَّها مُجمَعٌ عليها تبرأ بها (٦) الذِّمَّة. ورُدَّ: بصوم المريض.

стр. 1718

(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ)، من قضاءٍ ونذْرٍ وغيرهما؛ لأِنَّ الفِطْرَ أُبِيح تخفيفًا ورُخصةً، فإذا لم يُرِدْه؛ لَزِمَه الإتْيانُ بالأصل؛ كالجمعة، وكالمقيم الصَّحيح، ولأنه لو قَبِل صومًا من المعذور لقَبِله من غيره كسائر الزَّمان المتضيِّق للعبادة. فلو نوى صومًا غير رمضان؛ فهل يَقَعُ باطلاً، أم يَقَعُ ما نواه (١)؟ هي مسألة تعيين النِّيَّة. تنبيه: إذا خاف مَنْ به شَبَقٌ تشقُّق (٢) أُنْثيَيْه، أو به مرضٌ يَنتفِع فيه بوطءٍ؛ ساغ له الوَطْءُ، وقضى بلا كفَّارة، نقله الشَّالَنْجِيُّ (٣)، إن لم تندفع شهوتُه بغيره، وإلا لم يَجُز، وكذا إن أمكنه ألاَّ يُفسد صومَ زوجته لم يَجُز، وإلا جاز للضَّرورة، فوطء صائمةٍ أَوْلَى من حائضٍ. وقيل: يتخيَّر، وإن (٤) تعذَّر قضاؤه لدوام شبقه؛ فككبيرٍ عَجَز عنه. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ؛ فَلَهُ الفِطْرُ)؛ لفطره ﵇ كما رُوِي في الأخبار الصَّحيحة (٥). وظاهِرُه: ولو بالجِمَاع، لأنَّ مَنْ لَه الأكْلُ له الجِماعُ؛ كمن لم يَنوِ، وذكر جماعةٌ: أنَّه يُفطِر بنيَّة الفطر، فيقع الجِماع بعدَه. وعنه: لا يجوز بالجماع؛ لأنَّه لا يُقوِّي على السَّفر، فعليها: إنْ جامَعَ كفَّر، والمذهب: لا، قال في «الفروع»: وهو أظهر (٦).

стр. 1719

(وَإِنْ نَوَى الحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَلَهُ الفِطْرُ)؛ لظاهِرِ الآية والأَخْبار الصَّريحة، منها ما رَوى (١) عُبَيد بن جُبَيرٍ قال: ركِبْتُ مع أبِي بَصْرَةَ الغِفاريِّ من الفُسْطاط في شهر رمضان، ثمَّ قرَّب غداءَه، فقال: «اقْترِب»، قلت: ألستَ ترى البيوتَ؟ قال: «أتَرْغَب عن سنَّة رسول الله ﷺ ؟ فأكل» رواه أبو داود (٢)، ولأِنَّ السَّفَر مبيحٌ للفِطْر، فأباحه فِي أثْناء النَّهار كالمرض (٣) الطَّارِئ، ولو بِفِعْله، والصَّلاة لا يَشُقُّ إتمامُها، وهي آكَدُ؛ لأِنَّها متى وجب إتْمَامُها لم تُقصَر (٤) بحالٍ. وترك (٥) الفطر أفضلُ، سواءً سافَرَ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ذَكَرَه جماعةٌ، فيُعايا بها. وليس له الفطر قبل خروجه، لأنَّه لَيس بِمُسافِرٍ. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ)، وقالَه أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ الصَّومَ عبادةٌ تَختَلِفُ بالسَّفَر والحَضَر، فإذا اجْتَمَعا؛ غُلِّب حكمُ الحضَر كالصَّلاة. وعنه: لا يجوز بجِماعٍ؛ لآكديَّته (٦)، فعلَى المنْع: يُكفِّر من وَطِئ، وجَعَلَها بعضُهم كمَنْ نَوَى الصَّوم في سفره ثمَّ جامَع.

стр. 1720

(وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) الضَّرَرَ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا)؛ كُرِه لهما الصَّومُ، ويُجزِئُ، فإن (أَفْطَرَتَا؛ وقَضَتَا (١) بغير خلافٍ نعلمه (٢)، كالمريض إذا خاف على نفسه، ولقدرتهما عليه بخلاف الكبير، قال أحمدُ: أقولُ بقَول أبِي هُرَيرةَ، لا بقول ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ في مَنْع القضاء (٣). وظاهره: أنَّه لا إطْعام معه؛ لأنَّه فِطْرٌ أبيح لعُذْرٍ، فلم تجب (٤) به كفَّارةٌ؛ كالمريض، وذَكَر بعضُهم رواية. (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيهِمَا (٥)؛ أَفْطَرَتَا)؛ لأِنَّ خوفَهما خوفٌ علَى آدَمِيٍّ، أشْبَهَ خوفَهما علَى أنفسهما، (وَقَضَتَا)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وكسائر المرضى (٦)، (وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ (٧) يَوْمٍ مِسْكِينًا)، ما

стр. 1721

يجزئ في الكفَّارة؛ لظاهِرِ قوله تعالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ الآية [البَقَرَة: ١٨٤]، وهو قول ابن عمر وأبِي هُرَيرة وابن عبَّاسٍ (١)، ولا يعرف لهم مُخالِفٌ، ولأِنَّه إفطار بسبب نفسٍ عاجزةٍ عن الصَّوم من طريق الخِلْقة؛ كالشَّيخ الهِمِّ (٢). ويَلحَق بهذا: الظِّئْرُ التي تُرضِع وَلَدَ غيرِها، ذَكَرَه الأصحابُ؛ لأِنَّ السَّبب المبيحَ مستوٍ (٣) فيه، كالسَّفر لحاجته وحاجة غيره. وفي «الرِّعاية» قولٌ: لا تفطر (٤) الظِّئْرُ إذا خافت على رضيعها. والإطعامُ علَى الأمِّ، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه تَبَعٌ لها، ولهذا وجب كفَّارةٌ واحدةٌ. ويَحتَمِل أنَّه بينها وبين من تَلزَمه نفقتُه من قريبٍ أو من ماله؛ لأنَّ الإرْفاق لهما. والمذهب: أنَّ الإطعامَ علَى مَنْ يَمُونُه. ويُصرَف إلى مسكينٍ واحدٍ جملةً واحدة (٥). وظاهره: أنَّه علَى الفور؛ لوجوبه (٦)، وهو أقْيَسُ. وذَكَرَ المجْدُ: أنَّه إنْ أتى به مع القضاء جاز؛ لأنَّه كالتَّكملة له. تنبيهٌ: لا يَسقُط الإطعامُ بالعَجْز، ذَكَرَه في «المستوعب»، وهو ظاهر كلام أحمدَ (٧)، اختاره المجْدُ؛ كالدَّين. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ والمؤلِّف: أنَّه يَسقُطُ. وذَكَرَ القاضِي وجماعةٌ: أنَّها تَسقُط فِي الحامل والمرضِع؛ ككفَّارة

стр. 1722

الوطْءِ، بل أَوْلَى؛ للعُذْر هنا، ولا تسقط عن الكبير والمأْيوس؛ لأِنَّها بدَلٌ عن نفس الصَّوم الواجب الذي لا يَسقُط بالعجز، فكذا بدَلُه، وكذا إطْعامُ مَنْ أخَّر قضاءَ رمضان وغيرِه غير كفَّارة الجماع. (وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ؛ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ)؛ لأِنَّ الصَّومَ عبارةٌ عن الإمساك مع النِّيَّة، فلم يُوجَد الإمساكُ المضاف إليه، دلَّ عليه قولُه: «إنَّه تَرَكَ طعامَه وشرابَه من أجلِي» (١)، فلم تعتبر (٢) النِّيَّة مُنفَرِدةً عنه. (وَإِنْ أَفَاقَ)؛ أي: المُغْمَى عليه (جُزْءًا مِنْهُ؛ صَحَّ صَوْمُهُ)؛ كقَصْده الإمساكَ فِي جُزْءٍ من النَّهار، فأجزأ؛ كما لو نام بقيَّة يومه. وظاهِرُه: أنَّه لا يتعيَّن جزء للإدراك، ولا يُفسِد قليلُ الإغماء الصَّومَ، والجنونُ كالإغماء، وقيل: يَفسُد الصَّومُ بقليله كالحيض، بل أَولَى؛ لعدم تكليفه. وأجيب: بأنَّه زوال عقلٍ في بعض اليوم، فلم يَمنَع صِحَّتَه كالإغماء، ويُفارِق الحيضَ، فإنَّه لا يَمنَع الوجوبَ، وإنَّما يَمنَع صحَّتَه، ويُحرِّم فِعْلَه. (وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ؛ صَحَّ صَوْمُهُ)؛ لأِنَّه معتادٌ، ولا يُزيل الإحساسَ بالكُلِّيَّة، وخالف فيه الإصْطَخْريُّ (٣)، وهو شاذٌّ. (وَيَلْزَمُ المُغْمَى عَلَيْهِ) إذا لم يصحَّ صومُه؛ (القَضَاءُ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه مرضٌ، وهو مغطٍّ علَى العقل غير رافِعٍ للتَّكليف، ولا تَطُول مدَّتُه، ولا تَثْبُتُ

стр. 1723

الولاية علَى صاحبه، ويدخل على الأنبياء ﵈. وعنه: لا يقضي (١) كالجُنون. (دُونَ المَجْنُونِ)، فلا يَلزَمه قضاءٌ؛ لعدم تكليفه، سواءٌ فات بالجنون الشَّهْرُ أو بعضه. وعنه: يَقضِي؛ لأنَّه معنًى يُزيل العقلَ، فلم يَمنَع وجوبَ الصَّوم كالإغماء. وعنه: إن أفاق فِي الشَّهر قضى ما مضى، وإن أفاق بعده فلا، كما لو جُنَّ فِي أثنائه، وكما لو أفاق في جزءٍ من اليوم (٢)، لكن إذا جُنَّ في صوم قضاءٍ وكفَّارةٍ، فإنَّه يقضيه بالوجوب السَّابق.

стр. 1724

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ) إلاَّ بنيَّةٍ، ذَكَرَه بعضُهم إجْماعًا (١)؛ كالصَّلاة والحجِّ، (وَاجِبٌ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ)؛ لما رَوَى ابنُ عمر عن حفصةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من لم يُجمِع الصِّيامَ قَبْلَ الفَجْر؛ فلا صِيامَ له» رواه الخمسةُ، قال التِّرمذيُّ والخطَّابِيُّ: رفَعَه عبدُ الله بن أبِي بكرِ بن عمرو بن حزْمٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، وعمرٌو من الثِّقات (٢)، ووافقه على رَفْعِه ابنُ جُرَيجٍ عن الزُّهْريِّ، رواه النَّسائيُّ، ولم يُثْبِتْ أحمدُ رَفْعَه، وصحَّح التِّرمذيُّ أنَّه مَوقوفٌ علَى ابن عُمَرَ (٣)، وعن عائشةَ مرفوعًا: «مَنْ لم يُبيِّت الصِّيامَ قبل طلوع الفَجْر؛ فلا صيامَ له» رواه الدَّارَقُطْنيُّ، وفي لفظٍ للزهري (٤): «من لم يُبيِّت الصِّيامَ من اللَّيل فلا صيامَ له» (٥).

стр. 1725

لا يُقال: قد ورد في صوم عاشوراء بنيَّةٍ من النَّهار؛ لأنَّ وجوبَه كان نَهارًا؛ كمَن صام تطوُّعًا ثمُّ نذره، على أنَّ جماعةً ذكروا أنَّه ليس بواجبٍ، ولأنَّ النِّيَّة عند ابتداء العبادة كالصَّلاة. وظاهره: أنَّه في أيِّ وقتٍ من اللَّيل نَوَى أجزأه؛ لإطْلاق الخبرِ، وسواءٌ وُجِد بعدَها ما يُبطل الصَّوم؛ كالجماع والأكل، أو لا، نَصَّ عليه (١)، فلو بَطَلَتْ فات محلُّها. وقال ابن حامدٍ: تبطل إذا أتى بالمنافي، كما لو فَسَخَ النِّيَّةَ، أوْ نسيَها، أو أُغمِيَ عليه حتَّى طَلَع الفجرُ. وإن نَوَتِ الحائضُ صومَ الغَدِ، وقد عَرَفت الطُّهر ليلاً؛ فوجهان. وظاهره (٢): أنَّه لا يَصِحُّ في نهار يومٍ لصوم غدٍ، وكنِيَّته من اللَّيل صومَ بعْدِ غدٍ. وعنه: يصح ما لم يَفسَخْها، وحملها القاضِي: على أنَّه استصحبها إلَى اللَّيل، وهو ظاهر. ويعتبر لكلِّ يومٍ نية مفرَدةٌ؛ لأنَّها عباداتٌ، بدليلِ: أنَّه لا يَفسُدُ يومٌ بفسادِ آخَرَ، وكالقضاء (٣).

стр. 1726

وعنه: يجزئ من أوَّل رمضان نيةٌ واحدةٌ لكلِّه، نَصَرها أبو يَعْلَى الصَّغيرُ، وعلى قياسه النَّذْرُ المعيَّنُ ونحوُه. فلو أفطر يومًا بعُذْرٍ أو غيرِه؛ لم يَصِحَّ صيامُ الباقي بتلك النِّيَّة، جزم به في «المستوعب» وغيره. وقيل: يَصِحُّ مع بقاء التَّتابُع، قدَّمه في «الرِّعاية». (مُعَيَّنًا)؛ أي: لا بُدَّ أن يَعتَقِد أنَّه يصومُ من رمضان، أو مِنْ قضائه، أو نَذْره، أو كفَّارته، نَصَّ عليه (١)، واختاره الأصحابُ؛ لقوله: «إنَّمَا الأَعمالُ بالنية (٢)، وإنَّمَا لامرئ ما نَوَى» (٣)، وكالقضاء والكفَّارة، ولأنَّ التَّعيينَ مقصودٌ في نفسه، فلو خَطَرَ بقلبه ليلاً أنَّه صائمٌ غدًا؛ فقد نَوَى، قال بعض أصحابنا: الأكلُ والشُّرب بنيَّة الصَّوم عندنا نيَّةٌ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هو حين يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى (٤) عَشاءَ مَنْ يريد الصَّومَ، بدليل ليلة العيد من غيرها (٥). (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ)؛ لأِنَّ التَّعيينَ يُرادُ للتَّمييز، وهذا الزَّمان متعين (٦)، وكالحجِّ، فعليها: يصح بنية (٧) مطلَقةٍ، ونيَّةِ نَفْلٍ، ونيَّة فَرْضٍ تردد فيها. واختار المجْدُ: صحَّته بنية (٨) مطلقةٍ؛ لتعذُّر صَرْفه إلى غير رمضان. واختار حفيدُه: يصِحُّ مطلقًا مع الجهل (٩)، فإن كان عالمًا فلا؛ كمَنْ دَفَع

стр. 1727

وديعةَ رجُلٍ إليه على طريق (١) التَّبرُّع، ثمَّ تبيَّن أنَّه كان حقَّه، فإنَّه لا يَحتاج إلَى إعطاءٍ ثانٍ. (وَلَا يَحْتَاجُ) مع التَّعيين (إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ)؛ لأنَّ الواجِبَ لا يكون إلاَّ فرْضًا؛ فأجزأ التَّعيينُ عنه. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ)؛ كالصَّلاة. (وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي)؛ أي (٢): الذي فرضه الله علَيَّ، (وَإِلاَّ فَهُوَ نَفْلٌ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) علَى المشهور من المذهب؛ لأنَّه لم يُعيِّن (٣) الصَّوم من رمضان جَزْمًا. وعلَى الثَّانية: يُجزِئُه. ونَقَل صالِحٌ (٤): أنَّه يصح (٥) بالنِّيَّة المتردِّدة والمطْلَقة مع الغَيم دون الصَّحو؛ لوجوب صَومه، فلو نَوَى إن كان غدًا من رمضان فصَومي عنه، وإلاَّ فهو عن واجِبٍ عيَّنه بنيَّته؛ لم يُجزِئْه عن ذلك الواجب، وفي إجزائه عن رمضان الروايتان إذا بان منه، وإن قال: وإلاَّ فأنا مُفطِرٌ؛ لم يصِحَّ. وإِنْ نَوَى الرَّمَضانيَّة بلا مستَنَدٍ شَرعِيٍّ؛ فعلَى الخلاف إذا بان منه، وإن كان عن (٦) مستَنَدٍ شَرْعِيٍّ؛ أجزأه كالمجْتَهِد في الوقت. فَرعٌ: إذا قال: أنا صائِمٌ غدًا إن شاء الله؛ فإنْ قَصَد بالمشيئة الشَّكَّ والتَّردُّد فِي العزْم والقَصْد؛ فسَدتْ نيَّتُه، وإلاَّ لَم تَفسُد، ذَكَره في «التَّعليق» و «الفنون»؛ لأِنَّه إنَّما قصد أنَّ فِعْلَه للصَّوم بمشيئة الله وتوفيقه وتَيْسيرِه، كما لا يَفسُد الإيمانُ به غير متردِّدٍ في الحال، وطَرَده القاضي في سائر العبادات:

стр. 1728

بأنَّها لا تَفْسُد بذِكْر المشيئة في نيَّتها. (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ أَفْطَرَ)، نَصَّ عليه (١)، وفي «الشَّرح»: هو ظاهِرُ المذهب؛ لأِنَّه عبادةٌ مِنْ شَرْطه النِّيَّة، ففسد (٢) بنيَّة الخروج كالصَّلاة، ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ النِّيَّة في جميع أجزاء العبادة، لكنْ لما شقَّ اعْتِبارُ حقيقتها؛ اعتُبِر بقاءُ حكمها، وهو ألاَّ يَنْوِيَ قطعَها، فإذا نواه؛ زالتْ حقيقةً وحكْمًا. وقال ابنُ حامِدٍ: لا تبطل (٣)؛ كالحجِّ، مع بُطْلان الصَّلاة عندَه. وأُجِيبَ: بأنَّ الحجَّ يصحُّ بنيَّةٍ مطلَقةٍ ومبهَمةٍ. وقوله: (أفْطَرَ)؛ أي: صار كَمَنْ لم يَنْوِ، لا كمن أَكَلَ، فلو كان في نَفْلٍ فقَطَعَه ثمَّ نواه؛ جاز، نَصَّ عليه (٤). وكذا لو كان في نذْرٍ أو كفَّارةٍ أو قضاءٍ، فقطع نيته (٥)، ثمَّ نَوَى نَفْلاً؛ جاز، ولو قَلَبَ نيَّةَ نذرٍ وقضاءٍ إلَى النفل؛ فكَمَن انتقل من فرضِ صلاةٍ إلَى نفلها. وعلَى المذهب: لو تردَّد في الفطر، أوْ نَوَى أنَّه سيُفْطِر ساعةً أخرى، أوْ إن وَجَدتُ طعامًا أكَلْتُ وإلاَّ أتممت؛ فكالخلاف في الصَّلاة. (وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ)، نَصَّ عليه (٦)، واختاره أكثرُ الأصحاب، منهم القاضِي في أكثر تصانيفه؛ لما رَوَتْ عائشةُ قالت: دَخَل علَيَّ النَّبيُّ ﷺ ذات يومٍ فقال: «هَلْ عِندَكم شَيءٌ؟» قُلْنا: لا،

стр. 1729

قال: «فإنِّي إذًا صَائِمٌ» رواه مسلمٌ (١)، ويدُلُّ عليه حديثُ عاشوراءَ (٢)، ولأِنَّ الصَّلاة خُفِّف نفلُها عن فَرْضِها، فكذا الصَّومُ، ولما فيه من تكثيره؛ لكونه (٣) يَعِنُّ له من النَّهار، فعُفِيَ عنه. (وَقَالَ القَاضِي) في «المجرد»، وتَبِعَه ابنُ عَقِيلٍ: (لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ لأِنَّ فِعْلَه ﵇ إنَّما هو في الغَداء، وهو قبل الزَّوال، ولأِنَّ النِّيَّة لم تَصْحَب العبادةَ في مُعظَمِها، أشْبَهَ ما لو نَوَى مع الغروب. وأُجيب: بأنَّه نَوَى في جزءٍ منه فصحَّ (٤) كأوَّله، وجميعُ اللَّيل وقْتٌ لنيَّة الفرض، فكذا النَّهارُ. وشرطُه: ألاَّ يكون فَعَل ما يُفطِره قبل النِّيَّة، فإن فَعَلَ؛ فلا يُجزِئُه الصَّومُ بغَيرِ خلافٍ نعلمه، قاله في «الشَّرح» (٥)، وخالف فيه (٦) أبو زَيدٍ الشَّافِعِيُّ (٧). ويُحكَم بالصَّوم الشرعي المُثَاب عليه من (٨) وقت النِّيَّة في الأظْهَر. وفِي «المجرد» و «الهداية»: من أوَّل النَّهار، وقاله حمَّادٌ وإسحاقُ إن نواه قبل الزَّوال.

стр. 1730

فعلَى الأوَّل: تطوَّعُ (١) حائضٍ طَهُرت، وكافرٍ أسلم في يَومٍ ولم يأكُلا بصوم بقيَّة اليوم. وعلى الثَّانِي: لا؛ لاِمْتِناع تبعيض صَومِ اليوم. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: يَحتَمِل ألاَّ يَصِحَّ عليهما؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منهما صومٌ.

стр. 1731

(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ) المُفْسِدُ للصَّوم: كلُّ ما يُنافِيه من أكلٍ أو شرب ونحوِهما، (وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ) (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) فقد أفْطَرَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية [البَقَرَة: ١٨٧]، فأباحهما إلى غايةٍ، وهي تبيُّن الفجر، ثمَّ أمر بالإمساك عنهما إلَى اللَّيل؛ لأِنَّ حُكْمَ ما بعد الغاية يُخالِف ما قبلها، وقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ له إلاَّ الصَّوم، فإنَّه لِي وأنا أجْزي به، إنَّه تَرَكَ طعامَه وشرابَه من أجْلِي» متَّفقٌ عليه (١). وظاهِرُه: لا فرْق بين مغذٍّ وغيرِه، ولا بَيْنَ القليل والكثير. (أَوِ اسْتَعَطَ) في أنْفِه بدُهْنٍ أو غيرِه، فوصل (٢) إلى حَلْقه أو دِماغِه، قال فِي «الكافي»: (أو خَياشِيمه)؛ لنهْيِه ﷺ الصَّائمَ عن المبالَغة فِي الاِسْتِنشاق (٣). (أَوِ احْتَقَنَ) في دُبُره؛ لأنه (٤) يَصِلُ إلَى الجوف، ولأنَّ غير المعتاد كالمعتاد فِي الواصِلِ، ولأِنَّه أبْلغ وأَوْلَى من الاِسْتِعاط. (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ)؛ لأِنَّه أوصل (٥) إلى جَوفه شَيئًا باخْتِياره، أشْبَه ما لو أَكَلَ. (أَوِ اكْتَحَلَ) بكُحْلٍ، أو صَبِرٍ، أو ذَرُورٍ، أوْ إِثْمِدٍ مُطيَّبٍ، (بِمَا يَصِلُ إِلَى

стр. 1732

حَلْقِهِ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ النبي ﷺ أمر بالإِثْمِد المُرَوَّح عند النَّوم، وقال: «لِيَتَّقِه الصَّائمُ» رواه أبو داود والبخاري في «تاريخه» من حديث عبد الرَّحمن بن النُّعمان بن معبد بن هوذة (٢) عن أبيه عن جدِّه، قال ابنُ مَعِينٍ: حديثٌ منكَرٌ، وعبد الرَّحمن ضعيفٌ، وقال أبو حاتِمٍ: صدوقٌ، ووثَّقه ابنُ حِبَّان (٣). واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا يُفطِر (٤)؛ لأنَّها ليْستْ منفَذًا، فلم يُفطِر به، كما لَوْ دَهَنَ رأسَه. وأجيب: بأنَّ العين منفَذٌ، لكنَّه ليس بمعتادٍ، وكالواصِل من الأنف. (أَوْ دَاوَى المَأْمُومَةَ، أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ مَا (٥) يَصِلُ دِمَاغَهُ)؛ لأِنَّ الدِّماغ أحدُ الجَوفَين، فالواصِلُ إليه يغذِّيه، فأفسد الصَّومَ كالآخَر. (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ)، وهو من عَطْفِ العامِّ علَى الخاصِّ، وهو شامِلٌ إذا طَعَن نفسَه، أوْ طَعَنَه غَيرُه بإِذْنِه بشَيءٍ في جَوفِه، فغاب هو أو بعضُه فيه، أو ابْتَلَع خَيطًا، ويُعتبَر العلمُ بالواصل، وجزم في «منتهى الغاية»: بأنَّه يكفي الظَّنُّ. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا يُفطِر بمداواة جائفةٍ ومأمومة، ولا بحقنة (٦). (أَوِ اسْتَقَاءَ)؛ أي: اسْتدْعَى القَيءَ فَقَاء؛ لخبَر أبِي هُرَيرةَ المرفوعِ: «مَنْ

стр. 1733

ذَرَعه القَيءُ فليس عليه قضاءٌ، ومن استَقاء عَمْدًا فلْيَقْضِ» رواه الخمسةُ، وقال التِّرمذيُّ: (حسَنٌ غريبٌ)، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ، وقال: (إسنادُه كلُّهم ثِقاتٌ) (١). وظاهرُه: لا فَرْق بين القليل والكثير، قال المؤلِّف: هو ظاهر المذهب، وذكر المجْدُ أنَّه أصحُّ الرِّوايات؛ كسائِر المُفَطِّرات. وعنه: يُفْطِرُ بِمِلْءِ الفَمِ، اختاره ابنُ عَقِيلٍ، ويُقدَّر بما لا يمكنه الكلامُ معه. وعنه: أو نصفه؛ كنقض الوضوء. وعنه: إن فَحُشَ، وقاله القاضِي، وذكر ابن هُبَيرةَ: أنَّه الأشهر. وبالغ ابنُ عَقِيلٍ فقال: إذا قاء بنظره إلى ما يُغْثِيه (٢) فإنَّه يُفطِر، كالنَّظر والفِكْر. وفيه احتمالٌ: لا يُفْطِرُ مطلقًا، وذَكَرَه البخاريُّ عن أبِي هُرَيرةَ (٣)، ويُروَى عن ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ (٤)، وخَبَرُ أبِي هريرة السَّابقُ ضعَّفه أحمدُ والبُخاريُّ.

стр. 1734

(أَوِ اسْتَمْنَى)؛ أي: اسْتدْعَى خروجَ المنِيِّ؛ لأِنَّه إذا فَسَد بالقُبْلة المقترِنةِ بالإنْزال؛ فلَأنْ يَفسُدَ به بطريق أولى، لكن لو اسْتَمْنَى بيده ولم يُنزِل؛ فقد أَتَى مُحرَّمًا، ولا يَفسُد به. فأمَّا إن أنزل بغير (١) شهوةٍ فلا؛ كالبَول. (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ؛ فَأَمْنَى)؛ لما روى أبو داود عن عمر أنَّه قال: هَشِشْت فقبَّلت وأنا صائمٌ، فقلت: يا رسول الله إنِّي فعلت أمرًا عظيمًا، قبَّلْتُ وأنا صائمٌ، قال: «أرأيتَ لو تمضْمَضْتَ من إناءٍ وأنت صائمٌ»، قلت: لا بأس به (٢)، قال: «فَمَهْ؟!» (٣)، فشبَّه القُبلةَ بالمضمضة من حيثُ إنَّها من مقدِّمات

стр. 1735

الفِطْر، فإنَّ (١) المضمضة إذا كان معها نزولٌ أفْطَرَ، وإلاَّ فلا، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ غايته أنَّها قد تكون وسيلةً وذريعةً إلى الجماع. وفيه احتمالٌ: لا يُفطِر، وقاله داودُ، وضعَّف الخبرَ السابق (٢)، وقال: هو ريح (٣). (أَوْ أَمْذَى)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه إنزال بمباشَرةٍ أشْبَهَ المنِيَّ. واختار الآجُرِّيُّ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥): لا يُفطِر، قال فِي «الفروع»: (وهو أظْهَرُ؛ عَمَلاً بالأَصْل، وقياسُه على المنِيِّ لا يَصِحُّ؛ لظهور الفَرْق). وقيل: يَبطُل بالمباشَرة دون الفرْج فقطْ. وإن اسْتَمْنى فأمْنَى أو مذى (٦) فكذلك على الخلاف. وقوله: (فأمنى أو أمذى) راجِعٌ إلى الاِسْتِمْناء وما بعدَه. وعُلِم منه: أنَّه لا فطر (٧) بدون الإنزال؛ لقَول عائشةَ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُقبِّل وهو صائمٌ، وكان أملككم لإربه» رواه البخاريُّ (٨)، رُوِيَ بتحريك الرَّاء وسكونها، ومعناه: حاجة النَّفْس ووطرُها، وقيل: بالتَّسْكينِ: العُضْوُ، وبالتَّحْريك: الحاجةُ.

стр. 1736

(أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ)؛ أي: منيًّا؛ لأنَّه إنزالٌ بفِعْلٍ يُلْتذُّ به، ويُمكِن التَّحرُّز منه، أشبه الإنزال باللَّمس. وقال الآجُرِّيُّ: لا يُفطِر؛ كالإنزال بالفكر. فلو أنزل مَذْيًا؛ لم يُفطِر على المذهب؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، والقياس لا يصِحُّ. وقيل: يُفطِر به، قال في «الفروع»: (وهو أقْيَسُ على المذهب؛ كاللَّمس)، وكلامُ المؤلِّف يَحتَمِله كالخِرَقِيِّ؛ لأنَّه خارِجٌ بسبب الشَّهوة كالمنِيِّ، ولأِنَّ الضَّعيف إذا تكرَّر قَوِيَ، كتَكْرار الضَّرْب بصغيرٍ في القود (١). لكن في «الكافِي»: وسواءٌ في هذا كلِّه إنزال المنِيِّ أو المذْي، إلاَّ في تَكْرار النَّظَر، فلا يُفطِر إلاَّ بإنزال المنِيِّ. وظاهره: لا فطر (٢) بعدم الإنزال بغير خلافٍ، ولا إذا لم يكرِّر النَّظَر؛ لعدم إمكان التَّحرُّز منه. وقيل: يُفْطِرُ. ونَصَّ أحمدُ: أنَّه يُفْطِرُ بالمنِيِّ لا المذْيِ (٣)، ويُلْحَق به ما ذَكَرَه في «الإرشاد» احْتِمَالاً فيمن هاجَتْ شهوتُه فأمْنَى أو مذَّى (٤)؛ أنَّه يُفْطِر. فَرعٌ: يفطر بالموت، فيطعم من تركته في نذْرٍ وكفَّارةٍ. وبالرِّدَّة؛ لأنَّ الصَّومَ عبادةٌ مَحْضةٌ، فنافاها الكفر كالصَّلاة. (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ) نَصَّ عليه (٥)، وقاله الأصحابُ؛ لقول رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجِمُ والمحجومُ» رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ من حديث رافعِ بنِ خَديجٍ، ورواه أحمدُ أيضًا من حديث ثَوبانَ، وشدَّاد بن أَوْسٍ، وعائشةَ،

стр. 1737

وأسامةَ بن زَيْدٍ، وأبِي هريرة، ومعقِل بن سِنانٍ، وهو لأبِي داودَ من حديث ثوبان، ولابن ماجه من حديث شدَّادٍ وأبِي هُرَيرةَ، وهذا يزيدُ على رتبة المستفيض، قال ابن خزيمة: (تَثبُت الأخبار عن النَّبيِّ ﷺ بذلك)، وقال أحمد: (فيه غير حديثٍ ثابتٍ، وأصحُّها حديث رافعٍ)، وقال ابن المَدِينِيِّ: (أصحُّ شَيءٍ في هذا الباب حديثُ ثوبانَ وشدَّادٍ)، وصحَّحهما أحمدُ والبخاريُّ (١).

стр. 1738

وعنه: إن عَلِما النَّهيَ. وقد كان جماعةٌ من الصَّحابة يَحْتَجِمون لَيْلاً (١).

стр. 1739

ورخَّص فيها أبو سعيدٍ الخدريُّ وابنُ مسعودٍ (١)، وقاله أكثرُ العلماء؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو صائمٌ» رواه البخاري (٢)، ولأنَّه دمٌ خارجٌ من البَدَن أشْبَه الفَصْد. وجوابُه: أنَّ أحْمدَ ضَعَّف روايةَ ابْنِ عباسٍ في روايةِ الأثْرَم؛ لأِنَّ الأنصاريَّ ذَهَبت كُتُبُه في فتنةٍ (٣)، فكان يُحدِّثُ من كُتُبِ غلامه أبِي حَكِيمٍ. ثمَّ لو صحَّ فيجوز أن يكون صَومُه تطوُّعًا، ويَحتَمِل أن يكون لعذْرٍ، ويَعضُدُه ما رَوَى أبو بَكْرٍ بإسناده عن ابْن عبَّاسٍ قال: «احتجم النَّبيُّ ﷺ من (٤)

стр. 1740

شَيءٍ كان وَجَدَه» (١)، فهذه تُسقِطُ الاِسْتِدلال. ولو سُلِّم التَّساوِي؛ فأحاديثنا أكثرُ، واعتضدت (٢) بعَمَل الصَّحابة، ولو سُلِّم فحديثُهم فِعْلٌ، وتلك قولٌ، وهو مقدَّم؛ لعدَم عموم الفعل، واحْتِمَالِ أنَّه خاصٌّ به. ونسْخُ حديثِهم أَولَى؛ لأنَّه موافِقٌ لحكم الأصْل، فنسخُه يَلزَم منه مخالَفة الأصل مرَّةً واحدةً، بخلاف نسخ حديثنا؛ لأِنَّه يلزم مخالَفة الأصل مرَّتَين. وذكر الخِرَقيُّ: (احْتَجَم)، ولم يذكر: (حجم)، والمذهب: التَّسويةُ؛ للخبَر، ولعلَّ مرادَه: أنه يُفطِر الحاجِمُ إن مَصَّ القارُورةَ. والحَجْم في السَّاق كالحجم في القَفا، نَصَّ عليه (٣). وظاهِرُ كلامِ أحمدَ ومُعْظَمِ الأصْحابِ: لا فِطْرَ إن لم يَظْهَر دمٌ. واختار ابنُ عَقِيلٍ وجمْعٌ: أنه يُفطِر. ولو جَرَح نفسَه لا للتَّداوِي بَدَل الحِجامة؛ لم يُفطِرْ. وظاهره: لا يُفطِر بالفصْد؛ لأنَّ القياسَ لا يقتضيه. والثَّانِي: بلَى، وصحَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٤)، فعلَى هذا: في الشَّرط احْتِمَالان. ولا فِطْرَ بغير ذلك، واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه يُفطِر إذا أخرج دمَه برُعافٍ وغيرِه (٥)، وقاله الأَوْزاعِيُّ في الرُّعاف. ([عَامِدًا] (٦)؛ أي: قاصِدًا للفِعْل؛ لأِنَّ مَنْ لم يَقْصِدْ فهو غافل غيرُ

стр. 1741

مكلَّفٍ، وإلا يَلْزَم تكليفُ ما لا يطاق، (ذَاكِرًا)؛ أيْ: غيرَ ناسٍ (لِصَوْمِهِ؛ فَسَدَ صَوْمُهُ) في الصور (١) السَّابقة كلِّها، ويجب القضاء إن كان واجبًا. (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا (٢)؛ لَمْ يَفْسُدْ) صَومُه، وأجزأه؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لِأُمَّتي عن (٣) الخَطَأ والنِّسيان وما اسْتُكرِهوا عَلَيهِ» (٤)، ولحديث أبِي هُريرةَ مرفوعًا: «مَنْ نَسِيَ وهو صائِمٌ فأَكَلَ أو شَرِب؛ فليُتمَّ صومَه، فإنَّما أطْعَمَه الله وسقاه» متَّفقٌ عليه (٥)، وللدَّارَقُطْنيِّ معناه وزاد: «ولا قضاءَ» (٦)، وللحاكِمِ، وقال علَى شَرْط مُسْلِمٍ: «مَنْ أَكَل في رَمَضان ناسيًا؛ فَلَا قَضاءَ عليه ولا كفَّارةَ» (٧). وظاهِرُه: أنَّه لا فرق بين الوعيد والإلجاء، نَصَّ عليه (٨)، كالناسي بل أَولَى، بدليل الإتْلاف، ويدخُل فيه النَّائم إذا فُعِل به شَيءٌ، بل هو كالنَّاسي؛ لعدَم قَصْدِه.

стр. 1742

وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحتَمِل عِنْدِي أنَّه يُفطِر بالوعيد؛ لأنَّه فعل دفْعًا للضَّرَر عن نفسه فيه كالمريض. ولو أوجِر المغمَى عليه معالَجةً؛ لم يُفطِر. وقيل: بلَى؛ لرضاه به ظاهرًا، فكأنَّه قَصَدَه، وكالجاهِلِ بالتَّحريم، نَصَّ عليه في الحِجامة (١)، وكالجَهْل بالوقت، والنِّسيان يَكْثُر. وفي «الهداية» و «التبصرة»: لا فِطْرَ؛ لِعدَم تعمده المفسِدَ كالنَّاسِي، وجَمَعَ بينهما في «الكافي»: بعدم التأثيم. فَرعٌ: من أراد الفِطْرَ فيه (٢) بأكل (٣) أو شرب وهو ناسٍ أو جاهلٌ، فهل يجب إعلامُه؟ فيه وجهان، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه ثالثٌ: إعلامُ جاهِلٍ لا ناسٍ)، وفيه شَيءٌ. (وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ)؛ لم يُفطِر، خلافًا للحَسَن بن صالِحٍ، (أَوْ غُبَارٌ) من طريقٍ أو دقيقٍ أو دخانٍ؛ فكالنَّائم. وقيل: في حقِّ الماشِي. وقيل: في حق النَّخَّال والوقَّاد. (أَوْ قَطَّرَ فِي إِحْلِيلِهِ) دُهْنًا، نَصَّ عليه (٤)؛ لعدم المنفَذ، وإنَّمَا يَخرُج البَولُ (٥) رشحًا (٦)؛ كمداواة جرحٍ عميقٍ لم يَنفُذ إلى الجوف. وقيل: بينهما منفذ؛ كمن وَضَع فِي فيه ماءً لم يُتحقَّق نزولُه في حَلْقه. وقيل: يُفطِرُ إن وصل مثانته (٧)، وهي العضو الذي يجتمع فيه البَوْل.

стр. 1743

(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لأمتي (١) ما حدَّثت به أنفُسَها ما لم تَعْمَل أو تتكلم به» (٢)، ولأِنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجماعَ، وقياسه على تكرار النَّظَر لا يصِحُّ؛ لأِنَّه دونه فِي اسْتِدْعاء الشَّهوة، وإفضائه إلى الإنزال، وسواءٌ أنزل مَنِيًّا أو مَذْيًا. واختار أبُو حَفْصٍ العُكْبَريُّ وابنُ عَقِيلٍ: أنَّه يَفسُد؛ لأنَّ الفِكْرةَ تُستَحْضَر، فتَدخُل تحت الاِخْتِيار، أمَّا لو خَطَر بقَلْبه صورةٌ (٣). فِي مباشرته نهارًا لم يُفْطِر. وظاهره: ولو وَطِئَ قُرْبَ الفجر، ويشبهه من اكْتَحَل إِذَنْ. (أَوْ ذَرَعَهُ القَيْءُ)؛ للخَبَر (٤)، ولخروجه بغير اخْتِيارٍ، أشْبَه المكرَه، ولو عاد إلَى جوفه بغير اخْتِياره. ولو أعاده عمْدًا ولم يَمْلَأ الفمَ، أو قاءَ ما لا يُفْطِر به ثمَّ أعاده عمْدًا؛ أفْطَر، كبَلْعه بعد انْفِصاله عن الفَمِ. (أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ)؛ أي: رَمَاهُ؛ لعدَم إمْكان التَّحرُّز منه، ولا يَخْلو منه صائِمٌ غالبًا، فإنْ شَقَّ رمْيُه، فبلعِه مع ريقه بغَير قصْدٍ، أو جَرَى ريقُه ببقيَّة طعامٍ تعذَّر رميُه، أوْ بَلِع ريقَه عادةً؛ لم يُفطِر. وإنْ أمْكَنَه لَفْظُه؛ بأن تَمَيَّزَ عن ريقِه فبَلعَه عَمْدًا؛ أفْطَر ولو دُون الحِمِّصَة. (أَوِ اغْتَسَلَ)؛ لأنَّه ﵇ «كان يُدْرِكه الفجْرُ وهو جُنُبٌ مِنْ أهْلِه، ثمَّ يَغتَسِل ويَصومُ» متَّفقٌ عليه من حديث عائِشةَ وأمِّ سَلَمةَ (٥)، ولأِنَّ الله أباح الجِماعَ

стр. 1744

وغيرَه إلى طلوع الفجر، فيَلزَم جَوازُ الإصباحِ جُنُبًا، احتجَّ به ربيعةُ والشَّافعيُّ (١)، ولكن يسن له أنْ يَغتَسل قَبْلَ الفجر، وعليه يحمل نَهْيُه ﵇ (٢)، أوْ أنَّه منسوخٌ، ولِهَذا لمَّا أُخبِر بقول عائشةَ وأمِّ سَلَمَةَ فقال (٣): «هما أعلمُ بذلك، إنَّما حدَّثَنِيهِ الفضلُ بن عبَّاسٍ» متَّفقٌ عليه (٤)، قال سعيدُ بن المُسَيِّب: رَجَعَ أبو هُرَيرةَ عن فُتْياه. فإن أخَّره يومًا صحَّ وأثِمَ. والحائضُ كالجُنُب إذا انقطع دمُها ليلاً ونَوَتْه، ونقل صالِحٌ في الحائض: تؤخِّره بعد الفجر، قال: تقضي (٥)، وهو قريبٌ من قول عُرْوةَ وطاوُس في الجُنُبِ. فائدةٌ: لا يُكرَه للصَّائم أن يَغتسِل، قال المجْدُ: لأنَّ فيه إزالةَ الضَّجَر من العبادة، كالجلوس في الظِّلِّ البارد، وغوصه (٦) في الماء؛ كصبِّه عليه، ونقل حنبلٌ: لا بأْسَ به إذا لم يَخَفْ أنْ يَدخُل الماء حَلْقَه أوْ مَسامِعَه (٧). (أَوْ تَمَضْمَضَ، أَوِ اسْتَنْشَقَ) في الوضوء، (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ)؛ لأِنَّه واصِلٌ بغَير قصْدٍ، أشْبَه الذُّبابَ، فإن كان (٨) لنجاسة؛ فكالوضوء، (لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ)؛ لما ذَكَرْنا.

стр. 1745

(وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) فِي أحدهما، (أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا) فدخَل الماءُ حلقَه؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الكافي» و «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: لا يُفطِر، جَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه واصِلٌ بغير اخْتِياره. والثَّانِي: بلَى؛ لأِنَّه فَعَل مكروهًا تَعرَّض به إلى إِيصال الماء إلَى حلقه، أشْبَه الإنزال بالمباشَرة. واخْتار المجْدُ: تبطُل بالمبالَغة؛ للنَّهي الخاص (١)، وعدم نُدْرة الوصول (٢) فيها، بخِلاف المُجَاوَزَة، وأنَّه ظاهِرُ كلام أحمد (٣) في المجاوزة: يُعجِبُني أن يُعِيدَ (٤). فإنْ تَمَضْمَضَ أو اسْتَنشَق عبَثًا، أو لِحَرٍّ أو عَطَشٍ؛ كُرِه، نَصَّ عليه (٥)، وفي الفطر به الخلافُ في الزَّائد على الثلاث. وكذا إنْ غاص في الماء من (٦) غَير غسْلٍ مشْروعٍ، أو أسْرف، أو كان عابِثًا؛ حكمُه حكمُ الدَّاخِل في الحَلْق من المبالَغة والمجاوَزَة. وقال المجْدُ: إنْ فَعَلَه لغَرَضٍ صحيحٍ؛ فكالمضْمَضة المشروعةِ، وإنْ كان عبَثًا؛ فكمُجاوَزةٍ. (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الفَجْرِ)، ولم يتبيَّنْ له الحالُ؛ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ)؛ لِظاهِر الآية، ولأِنَّ الأصلَ بقاءُ اللَّيل، فيكون زمان الشَّكِّ منه، وله الأَكْلُ حتَّى يَتَيقَّنَ طلوعَ الفجر، نَصَّ عليه (٧).

стр. 1746

فلو أَكَل يَظُنُّ طلوعَ الفجر، فبان ليلاً، ولم يجدد نية صومه (١) الواجب؛ قضى (٢)، جزم به بعضُهم. (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ)، ودامَ شكُّه، أوْ أَكَل يظن (٣) بقاءَ النَّهار؛ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ)؛ لأِنَّ الأصلَ بقاءُ النَّهار، فإن بان ليلاً لم يَقْضِ. وكذا إنْ أكَلَ يَظُنُّ الغروبَ، ثمَّ شكَّ بعد الأَكْل ولم يَتَبَيَّنْ؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ يقين (٤) أزال (٥) الظَّنَّ الذي بنى عليه؛ كالصَّلاة. (وَإِنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا) أوْ ظانًّا (أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا) في أوَّله أو آخره، كمَنْ يَعتقِد أنَّ الشَّمسَ غابَتْ ولم تَغِب، أوْ أنَّ الفجر لم يَطلُع وقد طَلَع؛ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ)، وفاقًا (٦)؛ لأنَّ الله تعالَى أمر (٧) بإتمام الصوم (٨)، ولم يُتِمَّه، وقالَتْ أسْماءُ: «أفْطَرْنا علَى عهد رسول الله ﷺ في يومِ غَيمٍ، ثمَّ طَلَعت الشَّمس»، قيل لهشامِ بنِ عُرْوةَ -وهو راوِي الحديث-: أُمروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء، رواه أحمدُ والبخاريُّ (٩)، ولأِنَّه جَهِل وقتَ الصَّوم؛ كالجهل بأوَّل رمضانَ. وعنه: لا قَضاءَ علَى مَنْ جامَع جاهِلاً بالوقت، واختاره (١٠) الشَّيخُ تقيُّ

стр. 1747

الدِّين، وقال: هو قياسُ أُصولِ أحمدَ وغَيرِه (١)، فيتوجَّه هنا مثلُه. فَرعٌ: إذا أكل ناسيًا، وظنَّ أنَّه قد أفْطَرَ، فأَكَل عمْدًا؛ فيتوجَّه أنَّها مسألةُ الجاهِل بالحكم، فيه الخلاف السَّابق، فلو جامع بعده نِسْيانًا، واعتقد الفِطْرَ به؛ فكالناسي (٢) والمخْطِئِ، إلاَّ أنْ يَعتَقِدَ وُجوبَ الإمساك، فيُكفِّر في الأشهر.

стр. 1748

(فَصْلٌ) (وَإِذَا (١) جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الفَرْجِ، قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُرًا (٢)؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا)، وفِيهِ أُمُورٌ: الأُولَى: أنَّ الجِماعَ فِي نهار رمضانَ بلا عُذْرٍ مُفْسِدٌ له؛ لقوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ … ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] الآية، فدَّلت أنَّ الصِّيامَ المأْمورَ بإتْمَامِه: تَرْكُ الوطْء والأَكْل، فإذا وُجِد فيه الجِمَاعُ لم يَتِمَّ، فيَكونُ باطِلاً. والمكرَه كالمختار في ظاهِرِ المذْهَب. وشَرْطُه: أنْ يكونَ بذَكَرٍ أصْلِيٍّ، في فرْجٍ أصلِيٍّ، قُبُلاً كان أوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أوْ أنثى، حيٍّ أو ميِّتٍ، أَنزَل أو لا؛ لأِنَّه في مَظِنَّة الإِنزال، أوْ لأِنَّه باطِنٌ كالدُّبُر. فلو أَوْلَج خُنْثَى مُشكِلٌ ذَكرَه في قُبُل خُنْثَى مُشْكِلٍ، أوْ قُبُلِ امْرأَةٍ، أوْ أَوْلَجَ رجلٌ ذكرَه في قُبُل خُنْثَى مشكل؛ لم يَفسُد صومُ واحِدٍ منهما إلاَّ أنْ يُنزِلَ؛ كالغُسْل. وكذا إذا أنْزَلَ مَجْبوبٌ أوِ امْرَأَتانِ بِمُساحَقَةٍ. الثَّانيةُ: أنَّه يَجِب عليه القضاءُ عن كلِّ يومٍ مثلُه في قول أكثر العلماء؛ لقوله ﵇ للمُجامِع: «وصُمْ يومًا مكانَه» رواه أبُو داودَ والأثرم (٣)، وكما لَوْ

стр. 1749

أفْسَدَه بالأكْلِ. الثَّالِثةُ: عليه الكفارة؛ لحديث الأَعْرابِيِّ (١). وقال النَّخَعيُّ وغيرُه: لا كفَّارة عليه؛ لأِنَّها عبادةٌ لا تَجِبُ الكفارة بإفساد قضائها، فلم تَجِبْ بإفساد أدائها كالصَّلاة. وجوابُه: بأنَّ الأداء يتعلَّق بزمَنٍ مخصوصٍ يتعيَّن به، والقضاء محلُّه (٢) الذِّمَّةُ، والصَّلاة لا يَدخُل في جُبْرانها المالُ، بخلافه (٣) هنا. الرَّابعة: السَّاهِي كالعامِد في وجوب ذلك، نقله الجماعةُ (٤)، وهو اخْتِيارُ أكْثرِ الأصحاب؛ لأنَّه ﵇ لم يَسْتَفْصِل الأعرابِيَّ بَينَ أنْ يَكُونَ ساهِيًا أوْ

стр. 1750

عامدًا، ولو اخْتَلَف الحكمُ لَاسْتفْصله، وبذلك استدلَّ أحمدُ، ولأِنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يَجُوزُ، والسُّؤالُ معادٌ في الجواب، كأنَّه قال: إذا واقعتَ (١) في صوم رمضانَ فكَفِّرْ، ولأِنَّه عبادةٌ يَحرُم الوطْء فيه، فاستوى عمدُه وسهوُه كالحجِّ. (وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ)، اخْتاره ابنُ بَطَّة؛ للخبَر فِي العَفْو عن ذلك (٢)، ولأِنَّ الكفَّارةَ لرَفْع الإثْم، وهِيَ مُنحطَّةٌ عَنْهُمَا. وعنه: ولا يقضي، اختاره الآجُرِّيُّ، وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، وحكاه فِي شَرْح مسلمٍ قولَ جمهور العلماء (٤)؛ كالأكْل. تنبيهٌ: إذا جامَع يَعتقِدُه لَيلاً فبان نهارًا؛ فجزم (٥) الأكْثَرُ بوجوب القضاء. وعنه: عكْسُه، اختارها الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)، وتأتي (٧) روايةُ ابنِ القاسِم. واختار الأصحاب: أنَّه يُكَفِّر، قال المجْدُ: وإنَّه قياسُ مَنْ أوْجَبَها علَى النَّاسِي وأَولَى. والثَّانية: لا يُكَفِّر، وقالَها أكثرُ العلماء، وعليها: إنْ عَلِم فِي الجِمَاع أنَّه نهارٌ، ودام (٨) عالِمًا بالتَّحريم؛ لزِمَتْه الكفَّارة، فلو جامع ليلاً، وطلع عليه الفجرُ وهو مجامِعٌ واستدام؛ فعليه القضاءُ والكفَّارةُ، وإن نَزَعَ في الحال مع

стр. 1751

أوَّل طُلُوعه، فكذلك، اخْتارَهُ ابْنُ حامِدٍ والقاضِي؛ لأِنَّ النَّزْعَ جِماعٌ يُلتَذُّ به كالجِماع. واخْتار أبو حَفْصٍ: عكسَه. وقال ابْنُ أبِي موسى: يقضِي قولاً واحدًا، وفِي الكفَّارة خلافٌ. (وَلَا يَلْزَمُ المَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ)؛ كالإكراه والنِّسيان؛ لأِنَّها مَعْذورةٌ، ولعموم ما سَبَقَ. وذَكَر القاضِي وغيرُه: أنَّها إذا جَامَعَتْ ناسيةً؛ أنَّ حكمَها حكمُ الرَّجُل. وعنه: أنَّها تكفِّر، وخرَّجها القاضِي من الحجِّ. وعنه: ترجع بها علَى الزَّوْج؛ لأِنَّه المُلْجِئُ لَهَا إلَى ذلك. وعُلِم منه: أنَّه يَفسد صومُها، ويجب عليها القضاءُ، قال في «الشَّرح»: (بغير خلافٍ نَعْلَمُه في المذهب؛ لأِنَّه نوعٌ من المُفْطِرات، فاسْتَوَى فيه الرَّجل والمرأةُ، كالأكْل)، نَصٌّ عنه (١) في المكرَهة (٢). وعنه: لا. وقيل: يَفسُد إنْ فَعَلَتْ، لا (٣) المقهورةُ والنَّائمةُ. وأفْسَدَ ابْنُ أبِي موسى صَومَ غيرِ النَّائمة؛ لحصول مقصود الوطْء لها. قال في «الفروع»: ويَتخرَّج ألاَّ يَفسُد صومُها مع النِّسْيان وإن فَسَدَ صومُه، وكذا الجاهِلَةُ ونحوُها. (وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: إحْداهُما: تلزمها الكفَّارةُ، اختارها أبو بكْرٍ، وقدَّمها في «الفروع»، وهي أصح؛ لأِنَّها هَتَكَتْ صوم رمضانَ بالجِماع، فلَزِمَتْها الكفَّارةُ كالرَّجُل.

стр. 1752

والثَّانية: لا، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّ الشَّارع لم يأمرها بها، وكفِطْرها بتغييب (١) بعض الحَشَفَة فقد (٢) سبق جِماعَها المعتبَر. وأجيب: بأنَّ في لفظ الدَّارَقُطْنيِّ: «هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ» (٣)، فيدلُّ علَى أنَّها كانتْ مكرَهةً، وبأنَّ ذلك البَعْضَ ليس له حُكْمُ الباطِن والجَوف. وعنه: كفَّارةٌ واحدةٌ، خرَّجها أبو الخطَّاب من الحجِّ. وضعَّفه جماعةٌ: بأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ التَّداخُل، فلو كانت من أهل العتق وهو من أهل الإطعام، وقلنا بالتَّحمُّل؛ خُيِّر بينهما. وقيل: يُطعِم عن نفسه، ويَبْقَى العِتْقُ في ذِمَّته حتَّى يَقْدِرَ عليه فيُعْتِقُ عنها. فَرعٌ: إذا أكْرَهَها على الوطْء فيه؛ دَفَعَتْه بالأَسْهل فالأَسْهل، ولو أفْضَى إلَى نفسه؛ كالمارِّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. (وَعَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ)؛ كما لو غَصَبَها نفسَها فجامَعَها، أو انْتَشَر ذَكَرُه وهو نائمٌ فاستدخلته؛ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ (٤)، نقلها ابن (٥) القاسم عنه (٦)؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فِعْلٌ، فلم يجبا (٧)، كما لو صُبَّ فِي حَلْقه ماء، أوْ طار إلى حلقه ذبابٌ. (وَ) قال المؤلِّف والأصحاب: (هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ

стр. 1753

الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ)، قال ابنُ عَقِيلٍ في «مفرداته»: الصَّحيحُ فِي الأَكْل والوَطْء إذا غُلِبَ عليهما؛ لا يُفْسِدان، فأنا أُخَرِّج في الوَطْء روايةً من الأَكْل، وعكسه. وقيل: يَقْضِي مَنْ فَعل، لا مَنْ فُعِل (١) به من نائِمٍ وغيرِه. وقيل: لا قَضَاءَ مع النَّوم فقطْ؛ لعدَم حصول مقصوده. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ)؛ كمَنْ وَطِئَ امرأتَه في فَخِذِها أو صُرَّتِها (٢) عامدًا، وقيل: أوْ ناسيًا، اخْتَارَهُ الأكْثَرُ، (فَأَنْزَلَ)، وفي «الفروع»: فأمْنَى، وهِيَ أَوْلَى؛ فَسَدَ صَومُه؛ لأِنَّه إذا فَسَدَ باللَّمْس مع الإِنْزال، ففي المُجَامَعَةِ مَعَهُ بطريق الأَولَى. وظاهره: أنَّه إذا لم يُنزِلْ لا يَفسُد؛ كاللَّمْس. (أَوْ وَطِئَ بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأِنَّه وَطْءٌ في فرْجٍ، أشْبَهَ وطْءَ الآدَميَّة فِي فَرْجِها، ولم يُقيِّدْه بالإِنْزال؛ لإقامة المظِنَّة مَقامَ الحقيقة. (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ)، ذكرهما أبو الخطَّاب في وَطْء البهيمة، بناءً على الحَدِّ، وقال ابنُ شهابٍ: لا يَجِب بمجرَّد الإيلاج فيه غسلٌ، ولا فطرٌ، ولا كفَّارةٌ: أحدهما: تجب، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ وأبو بكْرٍ والأكثرُ؛ كالوَطْء في الفرج. والفَرْقُ واضحٌ. والنَّاسِي كالعامد، صرَّح به جماعةٌ، وفي «المغني»، و «الشَّرح»، و «الرَّوضة»: عامِدًا.

стр. 1754

وظاهره: لا فرْق بين الميتة والحيَّة في الأشهر. والثَّانِي: لا كفَّارة عليه، اخْتارَهُ صاحِبُ «النَّصيحة»، و «المغْنِي»، و «الشَّرح»، و «الفروع»؛ لأنَّه فِطْرٌ بغير جِماعٍ تامٍّ، أشْبَه القُبلةَ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ)؛ لأِنَّه أفْطَرَ يومًا من رمضان بجِماعٍ، فلزِمَتْه، كما لو قُبِلتْ شهادتُه. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ كَفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: تُجزِئُه واحدةٌ، وهو ظاهر «الخِرَقِيِّ»، واخْتارَهُ أبو بكْرٍ وابنُ أبِي موسى، كما لو كانا في يومٍ واحدٍ، وكالحُدود. والثَّانِي: تُعَدَّدُ الكفَّارة بتعدُّد الأيَّام، اخْتارَهُ الأكْثَرُ، وهو المذهبُ، وحكاه ابن عبد البر عن أحمدَ (١)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ، وكَيَوْمَينِ مِنْ رمضانين (٢) وكالحجَّتَين. وظاهره (٣): أنَّه إذا كفَّر عن الأوَّل؛ كفَّر عن الثَّانِي، وذكره (٤) ابنُ عبد البَرِّ إجْماعًا (٥). قال المجْدُ: فعلى قولنا بالتَّداخُل؛ لَوْ كفَّر بالعتق في اليوم الأوَّل عنه، ثمَّ فِي اليوم (٦) الثَّاني عنه، ثُمَّ استُحِقَّت الرَّقبةُ الأُولَى؛ يَلزَمْه بدَلُها، وأجْزَأَتْه الثَّانيةُ عنهما، ولو استُحِقَّت الثَّانيةُ وحدَها؛ لزمه بدلها، ولو استُحِقَّتا جميعًا؛ أجْزَأَهُ بدَلَهما رقبةٌ واحدةٌ؛ لأِنَّ محلَّ التَّداخُل وجود السَّبب الثَّانِي قَبْل أداء

стр. 1755

موجَب الأوَّل، ونيَّة التَّعيين لا تُعتبَر، فتلغو (١) وتصير (٢) كنيَّةٍ مطلقةٍ، هذا قياس مذهبنا. (وَإِنْ (٣) جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ) في يَومه؛ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رواية حَنْبلٍ والميمونِيِّ (٤)؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ، وقد تكرَّر، فتتكرر (٥) هي كالحجِّ، بخلاف الوطْء ليلاً فإنَّه مباح. لا يقال: الوَطْءُ الأوَّلُ تضمَّن هَتْكَ الصَّوم، وهو مؤثِّرٌ في (٦) الإيجاب فلا يصحُّ القياسُ؛ لأنَّه ملغًى بمن (٧) طَلَع عليه الفجرُ وهو مجامِعٌ، فاستدام؛ فإنَّها تَلزَمُه مع عدَمِ الهَتْك له. وذكر الحُلْوانِيُّ روايةً: لا كفَّارةَ، وخرَّجه ابنُ عَقِيلٍ: من أنَّ الشَّهر عبادةٌ واحدةٌ. وعُلِم منه: أنَّه إذا لم يُكفِّرْ عن الأوَّل؛ فإنَّه يَكْفيهِ واحدةٌ بغيرِ خلافٍ، قاله في «المغني» و «الشَّرح» (٨)، وفي «الفروع»: علَى الأصحِّ. فعلَى الأوَّل: تَعدَّد الواجبُ وتداخل مُوجَبهُ، ذكره صاحب «الفصول» وغيره، وعلى الثَّانِي: لم يجب (٩) بغَير الوَطْء الأوَّل شَيءٌ. (وَكَذَلِك كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ)؛ أي: كذا حكم كلَّ مُفطِرٍ يَلْزَمُهُ
следующие страницы →