← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أوَّل طُلُوعه، فكذلك، اخْتارَهُ ابْنُ حامِدٍ والقاضِي؛ لأِنَّ النَّزْعَ جِماعٌ يُلتَذُّ به كالجِماع. واخْتار أبو حَفْصٍ: عكسَه. وقال ابْنُ أبِي موسى: يقضِي قولاً واحدًا، وفِي الكفَّارة خلافٌ. (وَلَا يَلْزَمُ المَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ)؛ كالإكراه والنِّسيان؛ لأِنَّها مَعْذورةٌ، ولعموم ما سَبَقَ. وذَكَر القاضِي وغيرُه: أنَّها إذا جَامَعَتْ ناسيةً؛ أنَّ حكمَها حكمُ الرَّجُل. وعنه: أنَّها تكفِّر، وخرَّجها القاضِي من الحجِّ. وعنه: ترجع بها علَى الزَّوْج؛ لأِنَّه المُلْجِئُ لَهَا إلَى ذلك. وعُلِم منه: أنَّه يَفسد صومُها، ويجب عليها القضاءُ، قال في «الشَّرح»: (بغير خلافٍ نَعْلَمُه في المذهب؛ لأِنَّه نوعٌ من المُفْطِرات، فاسْتَوَى فيه الرَّجل والمرأةُ، كالأكْل)، نَصٌّ عنه (١) في المكرَهة (٢). وعنه: لا. وقيل: يَفسُد إنْ فَعَلَتْ، لا (٣) المقهورةُ والنَّائمةُ. وأفْسَدَ ابْنُ أبِي موسى صَومَ غيرِ النَّائمة؛ لحصول مقصود الوطْء لها. قال في «الفروع»: ويَتخرَّج ألاَّ يَفسُد صومُها مع النِّسْيان وإن فَسَدَ صومُه، وكذا الجاهِلَةُ ونحوُها. (وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: إحْداهُما: تلزمها الكفَّارةُ، اختارها أبو بكْرٍ، وقدَّمها في «الفروع»، وهي أصح؛ لأِنَّها هَتَكَتْ صوم رمضانَ بالجِماع، فلَزِمَتْها الكفَّارةُ كالرَّجُل.

стр. 1752

والثَّانية: لا، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّ الشَّارع لم يأمرها بها، وكفِطْرها بتغييب (١) بعض الحَشَفَة فقد (٢) سبق جِماعَها المعتبَر. وأجيب: بأنَّ في لفظ الدَّارَقُطْنيِّ: «هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ» (٣)، فيدلُّ علَى أنَّها كانتْ مكرَهةً، وبأنَّ ذلك البَعْضَ ليس له حُكْمُ الباطِن والجَوف. وعنه: كفَّارةٌ واحدةٌ، خرَّجها أبو الخطَّاب من الحجِّ. وضعَّفه جماعةٌ: بأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ التَّداخُل، فلو كانت من أهل العتق وهو من أهل الإطعام، وقلنا بالتَّحمُّل؛ خُيِّر بينهما. وقيل: يُطعِم عن نفسه، ويَبْقَى العِتْقُ في ذِمَّته حتَّى يَقْدِرَ عليه فيُعْتِقُ عنها. فَرعٌ: إذا أكْرَهَها على الوطْء فيه؛ دَفَعَتْه بالأَسْهل فالأَسْهل، ولو أفْضَى إلَى نفسه؛ كالمارِّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. (وَعَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ)؛ كما لو غَصَبَها نفسَها فجامَعَها، أو انْتَشَر ذَكَرُه وهو نائمٌ فاستدخلته؛ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ (٤)، نقلها ابن (٥) القاسم عنه (٦)؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فِعْلٌ، فلم يجبا (٧)، كما لو صُبَّ فِي حَلْقه ماء، أوْ طار إلى حلقه ذبابٌ. (وَ) قال المؤلِّف والأصحاب: (هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ

стр. 1753

الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ)، قال ابنُ عَقِيلٍ في «مفرداته»: الصَّحيحُ فِي الأَكْل والوَطْء إذا غُلِبَ عليهما؛ لا يُفْسِدان، فأنا أُخَرِّج في الوَطْء روايةً من الأَكْل، وعكسه. وقيل: يَقْضِي مَنْ فَعل، لا مَنْ فُعِل (١) به من نائِمٍ وغيرِه. وقيل: لا قَضَاءَ مع النَّوم فقطْ؛ لعدَم حصول مقصوده. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ)؛ كمَنْ وَطِئَ امرأتَه في فَخِذِها أو صُرَّتِها (٢) عامدًا، وقيل: أوْ ناسيًا، اخْتَارَهُ الأكْثَرُ، (فَأَنْزَلَ)، وفي «الفروع»: فأمْنَى، وهِيَ أَوْلَى؛ فَسَدَ صَومُه؛ لأِنَّه إذا فَسَدَ باللَّمْس مع الإِنْزال، ففي المُجَامَعَةِ مَعَهُ بطريق الأَولَى. وظاهره: أنَّه إذا لم يُنزِلْ لا يَفسُد؛ كاللَّمْس. (أَوْ وَطِئَ بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأِنَّه وَطْءٌ في فرْجٍ، أشْبَهَ وطْءَ الآدَميَّة فِي فَرْجِها، ولم يُقيِّدْه بالإِنْزال؛ لإقامة المظِنَّة مَقامَ الحقيقة. (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ)، ذكرهما أبو الخطَّاب في وَطْء البهيمة، بناءً على الحَدِّ، وقال ابنُ شهابٍ: لا يَجِب بمجرَّد الإيلاج فيه غسلٌ، ولا فطرٌ، ولا كفَّارةٌ: أحدهما: تجب، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ وأبو بكْرٍ والأكثرُ؛ كالوَطْء في الفرج. والفَرْقُ واضحٌ. والنَّاسِي كالعامد، صرَّح به جماعةٌ، وفي «المغني»، و «الشَّرح»، و «الرَّوضة»: عامِدًا.

стр. 1754

وظاهره: لا فرْق بين الميتة والحيَّة في الأشهر. والثَّانِي: لا كفَّارة عليه، اخْتارَهُ صاحِبُ «النَّصيحة»، و «المغْنِي»، و «الشَّرح»، و «الفروع»؛ لأنَّه فِطْرٌ بغير جِماعٍ تامٍّ، أشْبَه القُبلةَ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ)؛ لأِنَّه أفْطَرَ يومًا من رمضان بجِماعٍ، فلزِمَتْه، كما لو قُبِلتْ شهادتُه. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ كَفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: تُجزِئُه واحدةٌ، وهو ظاهر «الخِرَقِيِّ»، واخْتارَهُ أبو بكْرٍ وابنُ أبِي موسى، كما لو كانا في يومٍ واحدٍ، وكالحُدود. والثَّانِي: تُعَدَّدُ الكفَّارة بتعدُّد الأيَّام، اخْتارَهُ الأكْثَرُ، وهو المذهبُ، وحكاه ابن عبد البر عن أحمدَ (١)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ، وكَيَوْمَينِ مِنْ رمضانين (٢) وكالحجَّتَين. وظاهره (٣): أنَّه إذا كفَّر عن الأوَّل؛ كفَّر عن الثَّانِي، وذكره (٤) ابنُ عبد البَرِّ إجْماعًا (٥). قال المجْدُ: فعلى قولنا بالتَّداخُل؛ لَوْ كفَّر بالعتق في اليوم الأوَّل عنه، ثمَّ فِي اليوم (٦) الثَّاني عنه، ثُمَّ استُحِقَّت الرَّقبةُ الأُولَى؛ يَلزَمْه بدَلُها، وأجْزَأَتْه الثَّانيةُ عنهما، ولو استُحِقَّت الثَّانيةُ وحدَها؛ لزمه بدلها، ولو استُحِقَّتا جميعًا؛ أجْزَأَهُ بدَلَهما رقبةٌ واحدةٌ؛ لأِنَّ محلَّ التَّداخُل وجود السَّبب الثَّانِي قَبْل أداء

стр. 1755

موجَب الأوَّل، ونيَّة التَّعيين لا تُعتبَر، فتلغو (١) وتصير (٢) كنيَّةٍ مطلقةٍ، هذا قياس مذهبنا. (وَإِنْ (٣) جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ) في يَومه؛ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رواية حَنْبلٍ والميمونِيِّ (٤)؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ، وقد تكرَّر، فتتكرر (٥) هي كالحجِّ، بخلاف الوطْء ليلاً فإنَّه مباح. لا يقال: الوَطْءُ الأوَّلُ تضمَّن هَتْكَ الصَّوم، وهو مؤثِّرٌ في (٦) الإيجاب فلا يصحُّ القياسُ؛ لأنَّه ملغًى بمن (٧) طَلَع عليه الفجرُ وهو مجامِعٌ، فاستدام؛ فإنَّها تَلزَمُه مع عدَمِ الهَتْك له. وذكر الحُلْوانِيُّ روايةً: لا كفَّارةَ، وخرَّجه ابنُ عَقِيلٍ: من أنَّ الشَّهر عبادةٌ واحدةٌ. وعُلِم منه: أنَّه إذا لم يُكفِّرْ عن الأوَّل؛ فإنَّه يَكْفيهِ واحدةٌ بغيرِ خلافٍ، قاله في «المغني» و «الشَّرح» (٨)، وفي «الفروع»: علَى الأصحِّ. فعلَى الأوَّل: تَعدَّد الواجبُ وتداخل مُوجَبهُ، ذكره صاحب «الفصول» وغيره، وعلى الثَّانِي: لم يجب (٩) بغَير الوَطْء الأوَّل شَيءٌ. (وَكَذَلِك كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ)؛ أي: كذا حكم كلَّ مُفطِرٍ يَلْزَمُهُ

стр. 1756

الإمساكُ؛ كمَنْ لم يَعلَمْ برؤية الهلال إلاَّ بعد طلوع الفجر، أوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أوْ أَكَل عامِدًا ثمَّ جامَع، فتجب (١) عليه الكفَّارة؛ لهتكه (٢) حُرْمة الزَّمن به، ولأِنَّها تَجِبُ علَى المستديم للوطْء، ولا صَوم هناك، وكذا (٣) هنا، فمراده بالتَّشْبيه: وجوب الكفَّارة، لا التَّكرار. لكنْ نَصَّ أحمدُ في مسافِرٍ قدِم مُفْطِرًا، ثمَّ جامَعَ: لا كفَّارةَ عليه (٤)، وحمله القاضِي وأبو الخطَّاب على رواية: لا يلزمه الإمساكُ، وحَمَلَه المجْدُ على ظاهره، وهو وجْهٌ؛ لضعف هذا الإمساك؛ لأِنَّه سنَّةٌ عِنْدَ أكثرِ العلماء. وفي «تعليق القاضِي» وجْهٌ فيمن تَرَكَ النِّيَّةَ وجامَعَ: لا كفَّارةَ عليه، وإن أكل ناسيًا (٥)، واعْتَقَد الفِطْرَ به، ثمَّ جامَع؛ فكالنَّاسِي والمُخْطِئِ، إلاَّ أنْ يَعْتَقِدَ وجوبَ الإمساكِ؛ فيُكفِّرُ فِي الأَشْهَر. (وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ)، نَصَّ عليه فيما إذا مَرِض (٦)؛ لأِمْره ﵇ الأعرابِيَّ بالكفَّارة، ولم يَسْأَلْه (٧) ولأِنَّه أفْسَدَ صَومًا واجبًا من رمضان بجماعٍ تامٍّ، فاستقرَّت عليه الكفارة، كما لو لم يَطْرَأ العُذْرُ. لا يُقال: تَبَيَّنَّا أنَّ الصَّومَ غَيرُ مُسْتَحَقٍّ عند الجماع؛ لأِنَّ الصَّادِقَ لو أخْبَرَه أنَّه سَيَمْرَضُ أوْ يَموتُ؛ لم يَجُزِ الفَطْرُ، والصَّومُ لا تَتَجَزَّأُ صِحَّتُه، بل لزومه،

стр. 1757

كصائمٍ صحَّ أو أقامَ. وحكم المرأة كذلك إذا حاضت أو نُفِست. وفي «الانتصار» وجْهٌ: يَسقُطُ بهما؛ لِمَنْعِهِمَا الصِّحَّةَ. ومثلُهما: موت، وكذا جُنونٌ إنْ مَنَعَ طَرَيَانُه الصِّحَّةَ. (وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ (١)؛ فله (٢) الفِطرُ بما شاء؛ لفِطره ﵇ في الأخبار الصَّحيحة (٣)، ولأِنَّ من له الأكلُ له الجماعُ؛ كمن لم يَنْوِ، (ثُمَّ إِذَا (٤) جَامَعَ؛ لَا (٥) كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)، اختاره القاضِي، وأكثرُ أصحابه، والمؤلف؛ لأنَّه صَومٌ لا يَلزَمُ المُضِيُّ فيه، فلم يَجِبْ كالتطوع (٦)، لكنْ ذَكَر المؤلِّف وغيرُه: أنَّه يُفْطِر بنيَّته الفطرَ، فيقع الجِماعُ بَعدَه. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)، جَزَم بها بعضُهم؛ لأِنَّه أفطر بجماعٍ، فلزمه؛ كالحاضِر. وعنه: لا يَجوز له الفِطْرُ بالجماع؛ لأِنَّه لَا يَقوى على السَّفَر، وفِي الكَفَّارة روايتانِ، لكنْ له الجماعُ بعد فِطْره بغيره؛ لفطره (٧) بسببٍ مباحٍ، ونقل مهنى (٨) فِي المريض: يُفطِر بأكلٍ، فقلت: يجامع (٩)؟ قال: لا أَدْرِي (١٠).

стр. 1758

(وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)؛ لأِنَّه لم يَرِدْ به نَصٌّ، وغيرُه لا يُساوِيه. وحكَى في «الرِّعاية» قولاً في قضائه إذا أفْسَده؛ لأِنَّها عبادةٌ تَجِبُ الكفَّارةُ في أدائها، فوجب في قضائها كالحجِّ. وجوابُه: بأنَّه جامَع في غَيرِ رمضان، فلم يَلزَمْهُ؛ كالكفارة، والقضاءُ يُفارِقُ الأداء؛ لأنَّه متعيِّنٌ بزمانٍ محترَمٍ، فالجماع فيه هتْكٌ له. وقيل: تَجِب الكفَّارةُ على مَنْ أَكَلَ أوْ شَرِب عمْدًا؛ كالجماع. وعنه: في المحْتَجِم إذا كان عالِمًا بالنَّهي؛ عليه الكفَّارة. وهل هي كفَّارة وطءٍ أو مرضع (١)؟ فيه روايتان. وفي القُبْلة وتَكْرار النَّظَر إذا أنْزَل روايةٌ: أنَّها تَجِبُ الكفَّارة، واختارها القاضِي في «تعليقه». وحُكْمُ الاِسْتمْناء كالقُبلة، قاله في «التَّلخيص»، واللَّمس كالوَطْء دُونَ الفَرْج. (والكَفَّارَةُ: عِتْقُ رَقَبَةٍ)، ويَأْتِي سلامتُها، وكونُها مُؤمنةً، (فَإِنْ (٢) لَمْ يَجِدْ: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، هذا هو المذهبُ؛ لمَا رَوَى أبُو هُرَيرةَ قال: جاءَ رجلٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله، قال: «ما أَهْلَكَكَ»، قال: وقعتُ علَى امْرَأَتِي فِي رَمَضانَ، قال: «هل تَجِدُ ما تُعْتِقُ رقبة؟» قال: لَا، قال: «فهل تستطيعُ أنْ تَصومَ شهرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لَا، قال: «فَهَلْ تَجِدُ ما تُطعِم ستِّينَ مَسْكِينًا؟» قال: لَا، ثمَّ جلس، فأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، فقال: «تَصدَّقْ بهذا»، فقال: على أفقرَ

стр. 1759

منَّا؟، فَمَا بَينَ لابَتَيها أهلُ بَيتٍ أحوجُ إليه منَّا، فضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ أنيابُه، فقال: «اذْهَبْ فأطعمه أَهْلَك» متَّفقٌ عليه، ولفظه لمُسلمٍ (١). وهو ظاهرٌ في التَّرتيب، ولم يَأْمُرْه بالاِنتقال إِلاَّ عند العجز، وككفَّارة الظِّهار، لكِنْ لا يَحرُم هنا الوطْءُ قبل التَّكْفير، ولا فِي ليالِي صومِ الكَفَّارة، ذَكَرَه فِي «الرِّعاية» و «التلخيص»؛ ككفَّارة القتل، وحرَّمه ابنُ الحَنْبَلِيِّ عقوبةً. وإنْ قَدَر على العتق وهو في الصِّيام؛ لم يلزَمْه الانتقالُ عنه، نَصَّ عليه (٢). (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيئًا؛ (سَقَطَتْ) الكَفَّارة (عَنْهُ)، نَصَّ عليه (٣)، وقالَهُ الأوْزاعِيُّ؛ لأِنَّه ﵇ لم يَأْمُر الأعرابِيَّ بها أخيرًا، ولم يَذكُرْ له بقاءَها فِي ذِمَّته كصدقة الفِطْر، زاد بعضُهم: بالمال، وقيل: والصوم. (وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ)، وهو قَولُ الثوري (٤) والزُّهريِّ؛ لأِنَّه ﵇ أَمَرَ بها الأعرابِيَّ لمَّا جاءه العَرَق بعد ما أخبره بعُسْرَته، ولأِنَّها واجبةٌ، فلم تسقط (٥) بالعجز عنها؛ كسائر الكَفَّارات، قال في «الفروع»: ولعلَّ هذه الرِّوايةَ أظْهَرُ. قال بعضُهم: فلو كفَّر عنه غيرُه بإِذْنه، وقيل: أَوْ دُونَها؛ فله أخْذُها علَى الأصحِّ. وأطْلَق ابن أبِي مُوسَى: هل يجوز (٦) له أكْلُها، أم كان خاصًّا بالأْعْرابِيِّ؟ على روايتَينِ، ويتوجَّه: أنَّه ﵇ رَخَّص للأْعْرابِيِّ لحاجته، ولم تكُنْ كفارةً.

стр. 1760

وظاهِرُه: أنَّ كفَّارةَ الظِّهار، واليمين، وكفَّاراتِ الحجِّ؛ لا تسقط (١) بالعجز عنها، نَصَّ عليه (٢)؛ لعموم الأدِلَّة، ولأنَّه القِياسُ، خُولِف في رمضان؛ للأخْبار. وعنه: تَسْقُطُ؛ كرَمَضانَ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ) بَينَ العتق والصِّيام والإِطْعامِ، (فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ)؛ لما في «الصَّحيحَين» من رواية مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن حُمَيد بن عبد الرَّحمن، عن أبِي هُرَيرةَ: «أنَّ رَجُلاً أفْطَر يومًا مِنْ رَمَضانَ، فأَمَرَه النَّبيُّ ﷺ أن يُكفِّر بعتق رقبةٍ، أوْ يَصومَ شهرَينِ، أوْ يُطْعِم ستِّين مِسْكِينًا»، وفيهما من حديث ابن جُرَيجٍ، عن الزُّهريِّ نحوه (٣)، وتابعهما أكْثَرُ من عَشَرةٍ، وفِطْرُه كان بجماعٍ، ولأِنَّها تَجِبُ بالمخالَفة، فكانتْ على التَّخْيير؛ ككفَّارة اليمين. والأُولَى أَصَحُّ، فرواه مَعْمَرٌ ويونُسُ والأوزاعيُّ والليث وموسى بْنُ عُقبةَ وغيرُهم قريبٌ من ثلاثينَ رجُلاً (٤)، رووه (٥) عن الزُّهْريِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «هَلْ تَجِد رقبةً تُعتِقُها؟» قال: لا، قال: «فهل تَستطيعُ أنْ تَصومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ؟» قال: لَا، قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ ستِّينَ مسكينًا؟» قال: لَا، وذكر (٦) سائِرَه، وهذا لفظ الترتيب (٧)، فالأخذ به أَوْلَى؛ لأِنَّها زيادةٌ،

стр. 1761

واحْتِمَالُ الغَلَطِ منهما أكْثرُ من احتماله من سائر أصحابه، مع أنَّ حديثَنا لفظُه ﵇، وحديثُهم لفظُ الرَّاوِي، فلعلَّه تَوَهَّمَ أنْ لا فرق بين اللَّفْظَينِ فرَوَاهُ بِ «أو».

стр. 1762

(بَابُ مَا يُكْرَهُ) لِلصَّائم فِعْلُه، (وَمَا يُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ) (يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ (١)؛ لأِنَّه اختُلف في الفِطْر به، وأقلُّ أحواله أن يكونَ مكروهًا. وظاهِرُه: ولَوْ قَصْدًا، وبأنَّه إذا ابتلعه من غَيرِ جَمْعٍ: أنَّه لا يُكرَه بغير خلافٍ (٢)؛ لأنَّه لا يُمكِن التَّحرُّز منه كغُبارِ الطَّريق. (وَ) يُكرَه (أَنْ يَبْلَعَ (٣) النُّخَامَةَ) إذا حصلتْ في فِيهِ؛ للاِخْتِلاف في الفطر بها. (وَهَلْ (٤) يُفْطِرُ بِهِمَا؟)؛ أي: بكلٍّ من الرِّيق المجْموعِ والنُّخامة؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أحدهما: لا يُفطِر بذلك، جزم به في «الوجيز»، وهو الأصحُّ في الرِّيق؛ لأنَّه غيرُ واصِلٍ منْ خارِجٍ، أشْبَه إذا لم يَجْمَعْه. والثَّانِي: يُفطِرُ؛ لأِنَّه يُمكِن التَّحرُّز منه؛ كغبار الدقيق (٥)، فعليها: يَحرُم فِعلُه، كما لَوْ خَرَج إلى بين (٦) أصابعه أو شفتيه (٧)، وفي «منتهى الغاية»: ظاهِرِ شَفَتَيه، ثمَّ عاد فابْتَلَعَه، فإنه يُفطِر؛ كبَلْع رِيق غيرِه. لا يقال: رَوَى أبُو داودَ عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُقبِّلُها وهو صائِمٌ،

стр. 1763

ويَمَصُّ [لسانها] (١)»؛ لضعْف إسناده، بل قال أبو داودَ: (ليس بصحيحٍ) (٢)، ويجوز أن يكون مَصَّه فِي غَيرِ حالة الصَّوم، ولو سُلِّم؛ فيُحمَل علَى عدم ابتلاع ما عليه. فلو أخْرج مِنْ فِيهِ حصاةً أوْ درهمًا أوْ خَيطًا، ثمَّ أعاده، فإن كَثُرَ ما عليه؛ أفْطَرَ، وإلاَّ فلا فِي الأصحِّ؛ لعدَمِ تحقُّق انفصاله ودخوله إلى حلقه؛ كالمضمضة، ولو أخْرَج لسانَه ثمَّ أعادَهُ؛ لم يُفطِر؛ لأِنَّ الرِّيق لم يَنفصِلْ عن محلِّه، واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ خلافَه. (وَأَمَّا النُّخَامَةُ)؛ فكثيرٌ من أصحابنا أطْلَق الخلافَ، والمذهبُ: أنَّه يُفطِر بها سواءٌ كانت من جَوفه، أو صدْره، أو دماغه، إذا وَصَلَتْ إلَى فِيهِ، وصرَّح فِي «الفروع»: بالفِطْر بالتي من جَوفه؛ لأِنَّها مِنْ غَيرِ الفَمِ؛ كالقَيْءِ. والثَّانية: لا يُفطِر، نقلها المَرُّوذِيُّ (٣)؛ لاِعتيادها في الفم كالرِّيق. وعليهما (٤) ينبني التَّحريمُ. فَرْعٌ: إذا تَنَجَّس فمُه بدَمٍ أوْ قَيْءٍ ونحوِه، فبَلِعَه؛ أفْطَر، نَصَّ عليه (٥)، وإن

стр. 1764

قلَّ؛ لإمكان التَّحرُّز منه، ولأِنَّ الفمَ فِي حُكمِ الظَّاهِر يقتضي (١) حصولَ الفِطْر بكلِّ واصِلٍ إليه، لكن عُفِيَ عن الرِّيق للمَشقَّة. وإن بَصَقَه، وبقي فمُه نجسًا، فابْتَلَعَ ريقَه؛ فإن كان معه جُزْءٌ من النَّجَس؛ أفطر به (٢)، وإلاَّ فلا. (وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ)؛ لأِنَّه لا يَأمَنُ أن يَصِل إلَى حَلْقه فيفطره (٣). وظاهِرُه: لا فرْقَ بَينَ أنْ يكونَ لحاجةٍ أوْ غيرِها، قال أحمدُ: (أُحِبُّ أنْ يَجتنِب ذَوقَ الطَّعام، فإنْ فَعلَ فلا بَأْسَ)، والمنصوصُ عنه: أنَّه لا بَأْسَ به لحاجةٍ ومصلحةٍ، وحَكَاهُ هو والبُخاريُّ عن ابْنِ عباس (٤). (وَإِنْ (٥) وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأِنَّ وجودَ طَعْمِه فِي حَلْقِه دليلٌ علَى وصول شَيءٍ من أجزائه، وعلَى المنصوص: عليه أن يَستقْصِيَ بالبَصْق (٦)، ثمَّ إنْ وجَدَ طعمَه في حَلْقه؛ لم يُفْطِر؛ كالمضْمَضَةِ، وإلاَّ فيُفْطِرُ؛ لتَفْريطه. (وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ) القَوِيِّ الذي كلَّما مضغه (٧) صَلُب وقوي، (الذِي لَا

стр. 1765

يَتَحَلَّلَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأنه (٢) يحلب الفَمَ (٣)، ويَجْمَعُ الرِّيقَ، ويُورِث العَطشَ. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتِمالٌ؛ لأِنَّه رُوِي عن عائشةَ (٤)، وعطاءٍ، وكوَضْع الحصاة فِي فِيهِ)، وهو أظْهَرُ، قال أحمد: (مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أوْ دِينارًا؛ لا بأْسَ به ما لم يَجِد طعمَه في حَلْقه، وإلاَّ فلا يُعجِبُنِي) (٥)، وقال عبدُ الله: سألتُ أبِي عن الصَّائم يَفْتِلُ الخَيطَ (٦): يُعْجِبُنِي أنْ يَبْزُقَ (٧). (وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ أَجْزَاءٌ) مُطْلَقًا؛ إجْماعًا؛ لأِنَّه يكون قاصدًا (٨) لإيصال شيء (٩) من خارج إلى (١٠) جَوفه مع الصَّوم، وهو حَرَامٌ. (إِلاَّ أَنْ لَا يَبْلَعَ (١١) رِيقَهُ)، ذكره في «المغْنِي» و «الشّرح»، وهو ظاهِرُ

стр. 1766

«الوجيز»؛ لأِنَّ المحرَّم إدخالُ ذلك إلى جَوفه، ولم يُوجَدْ. (وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ)؛ لأِنَّه أَوْصَلَه إلَى جَوفه، أشْبَه ما لَوْ تعمَّدَ أكلَه، وهذا وجْهٌ. والثَّانِي: لا يُفطِر؛ لأِنَّه لم يَنزِل منه شيءٌ، ومجرَّد الطَّعم لا يُفطر؛ كمَنْ لَطَّخَ باطِنَ قدَمِه بحَنظَلٍ، بخلاف الكُحْلِ، فإنَّ أجزاءه تصِلُ إلَى الحَلْقِ. وقيل في تحريم مَا لَا يَتَحَلَّلُ غالبًا، وفِطْرُه بوصوله أوْ طَعْمِه إلَى حَلْقه؛ وجْهان، وقيل: يُكرَه بلا حاجةٍ. (وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ) لمَن تُحرِّكُ شَهْوتَه فقطْ؛ لقول عائشةَ: «كان النَّبِيُّ ﷺ يُقبِّلُ وهو صائِمٌ، ويُباشِرُ وهو صائِمٌ، وكان أمْلَكَكُم لِإِرْبه» متَّفقٌ عليه، ولَفْظُه لمسلمٍ (١)، وإذا مُنِع الوطْءَ مُنِع دَوَاعِيَهُ؛ كالإحْرام. وعنه: تَحرُمُ، جزَم به في «المستوعب» وغيره؛ كَمَا لو ظنَّ الإِنزالَ معها لِفَرْط شَهْوتِه، ذَكَرَهُ المجْدُ بغيرِ خلافٍ، واقْتَصَرَ عليه في «الشَّرح» أيضًا. فإنْ خَرَج منه شَيءٌ؛ فقد سبق، وإنْ لَم يَخرُجْ منْهُ شَيءٌ؛ لَم يَفسُد صومُه إجْماعًا (٢). (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَمَّنْ (٣) لَا تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)؛ كالشَّيخ الكبيرِ؛ فإنَّه لا يُكرَه (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لأنها (٤) مباشَرَةٌ لغير (٥) شَهْوةٍ، أشبهت لمسَ اليَدِ لِحَاجةٍ. والثَّانِيَةُ: تُكرَه؛ لاِحْتِمَال حُدُوثِ الشَّهْوةِ، وكالإحرام.

стр. 1767

وألْحَقَ فِي «الكافِي» بالقُبلة: اللَّمْسَ وتَكْرارَ النَّظَر؛ لأِنَّهمَا فِي معناها. وظاهِرُه: أنَّ لَمْسها لغَير شَهوةٍ لا يُكرَه؛ وِفاقًا (١)، كمَا إذا لَمَس يدَها ليَعرِف مَرَضَها ونحوِه، وكحالة (٢) الإحرام؛ أشْبَه لَمْس ثوبِها. فَرْعٌ: يُكرَه أن يَدَعَ بقيَّة طعامٍ بَينَ أسْنانِه، وشَمُّ ما لا يَأْمَن أن يَجذِبه نفَسُه إلَى حَلْقه؛ كسَحِيقِ مِسْكٍ وكافُورٍ ودُهْنٍ ونحوِه، قاله فِي «المستوعب» وغيره. (وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ)، وهو الْإِخبارُ بمَا لا يُطابِقُ المخبَر عنه، بخلاف الصِّدْقِ، (وَالْغِيبَةِ)، وهو ذِكْر الإنسانِ بما يَكرَه، بهذا فسَّره النَّبيُّ ﷺ فِي حديث أبِي هُرَيرةَ، رواهُ مسلمٌ (٣)، (وَالشَّتْمِ)، وهو السَّبُّ وما فِي معنى ذلك من النَّميمة والفُحْش؛ إجْماعًا، وفِي رَمَضانَ ومَكانٍ فاضِلٍ آكَدُ؛ لقوله ﵇: «مَنْ لَم يَدَعْ قولَ الزُّور والعَمَلَ به؛ فَلَيسَ لله حاجةٌ في (٤) أنْ يَدَعَ طعامَه وشَرابَه» رواه البخاريُّ مِنْ حديث أبِي هُرَيرةَ (٥)، ومعناه (٦): الزَّجْر والتَّحذير. وظاهِرُه: أنَّه لا يُفطِر بذلك، قال أحمدُ: لو كانت الغِيبةُ تُفْطرُ ما كان لنا صومٌ (٧)، وذكره المؤلِّف إجْماعًا (٨). وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وجْهًا: يُفطِرُ بغِيبةٍ ونَمِيمةٍ ونحوِهما (٩)، قال فِي «الفروع»: (فيَتوجَّه منه احتِمَالٌ: يُفطِر بكلِّ مُحرَّمٍ)، وقال أنسٌ: «إذا اغْتابَ

стр. 1768

الصَّائمُ أفْطَرَ» (١)، وعن إبْراهيمَ قال: (كانوا يقولون: الكَذِبُ يُفطِرُ الصَّائمَ) (٢)، وعن الأَوْزاعِيِّ: (أنَّ مَنْ شاتَمَ؛ فَسَد صَومُه) (٣)؛ لظاهِرِ النَّهْي. وذَكَرَ بعضُ أصحابنا روايةً: يُفطِرُ بسماع الغِيبة. وأسْقَطَ أبُو الفرَج ثوابَه بالغِيبة. ومرادُ المؤلِّف بالاِجْتِناب: عمَّا يَحرُم من ذلك، فإنَّهم نَصُّوا على إباحة الكَذِبِ لغَرَضٍ صحيحٍ شرعيٍّ فِي مواضِعَ، وعلَى إباحة الغيبة (٤)؛ كالتظلم، والاِسْتِفْتاء، والاستعانة (٥) على تَغْيير مُنكَرٍ، والتَّحْذيرِ، والتَّعريف، والجَرْح. وبالجملة: فيَنْبَغِي للصَّائم أنْ يتعاهَدَ صومَه مِنْ لسانه، ولا يُمَاريَ به؛ لأِنَّهم كانوا إذا صامُوا جَلَسُوا فِي المساجد، وقالوا: نحفَظُ صومَنا، ولا نَغْتابُ أحَدًا، ولا يعمل (٦) عَمَلاً يَجرَح به صومَه، قاله (٧) أحمدُ (٨). ويسن له تِلاوَةُ القرآن، وكان مالكٌ يَتْرُكُ أصحابَ (٩) الحديث فِي شهر رَمَضانَ، ويُقْبِلُ علَى تِلاوَة القُرْآن (١٠)، وكان الشَّافعي يَقرأُ سِتِّين خَتْمةً (١١).

стр. 1769

والذِّكرُ، قال إبْراهيمُ: (تَسْبِيحةٌ فِي رمضانَ خيرٌ من ألْف تسبيحة فِيمَا سِواهُ) (١). والصَّدقةُ؛ للأخبار الواردة (٢) فيها (٣). (فَإِنْ شُتِمَ؛ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ)؛ لما في «الصحيح» (٤): «إذَا كان يَومُ صَومِ أحدِكم؛ فَلَا يَرفُثْ ولا يَصْخَبْ؛ فإنْ سابَّه أحدٌ أوْ قاتَلَه، فلْيَقُل: إنِّي صائمٍ» متَّفقٌ عليه مِنْ حديث أبِي هُرَيرةَ (٥). وظاهِرُه: أنَّه يَجْهَر بذلك، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لأِنَّ القَولَ المطلَقَ باللِّسان. وفِي «الرعاية»: يَقُولُه مع نفسه، ولا يُطْلِعُ النَّاسَ عليه؛ للرِّياء، واخْتارَهُ المجْدُ إن كان في غير (٧) رمضانَ، وإلاَّ جَهَر به؛ للأمن من الرِّياء، وفيه زَجْرٌ عن مشاتمته (٨) لأِجْل حُرْمة الوَقْت.

стр. 1770

(فَصْلٌ) (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ)؛ لما رَوَى سهلُ بن سَعْدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَزالُ النَّاسُ بخَيرٍ مَا عجَّلوا الفطر» متَّفقٌ عليه (١)، والمرادُ: إذا تُحُقِّق غروبُ الشَّمس إجْماعًا (٢). والمذهبُ: أنَّ لَه الفِطْرَ بغَلَبة الظَّنِّ؛ لأِنَّهم أفطَروا فِي عَهْده ﵇ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمسُ (٣)، ولأِنَّ ما عليه أمارة يدخله الاِجْتهادُ، ويُقبَل فيه (٤) قولُ واحِدٍ كالقِبْلة، خِلافًا لصاحب «التلخيص» فلم يُجوِّزْه إلاَّ باليقين، بخلاف أوَّله. وإذا غاب حاجب الشَّمْس الأَعْلَى أفْطَرَ حُكمًا، وإن لم يَطْعَم، وفِي الخبر ما يدُلُّ على أنَّه يُفطِر شَرعًا، فلا يُثابُ علَى الوِصال. ويَحتَمِل أنَّه يجوز له الفِطْرُ. وهو قبل الصَّلاة أفضَلُ؛ لِفِعْله ﵇ (٥). (وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ)، ما لَم يَخشَ طُلوعَ الفجر الثَّانِي، قاله الأصْحابُ؛

стр. 1771

لِأَخْبارٍ منها: ما رَوَى زيدُ بنُ ثابِتٍ قال: «تسحَّرْنا مع النَّبيِّ ﷺ ثُمَّ قُمْنا إلَى الصَّلاة»، قلت: كمْ كان بَيْنَهما؟ قال: «قدْرُ خَمْسِينَ آيةً» متَّفقٌ عليه (١)، ولأِنَّه أقْوَى علَى الصَّوم، وللتَّحفُّظِ مِنَ الخَطَأ، والخروج من الخلاف. وظاهِرُه: أنَّه يستحب (٢) ولو شكَّ في الفجر، ونقله أبو داود عن الإمام: أنَّه يَأكُل حتى يَستَيْقِنَ طلوعَه (٣)، وجزم به ابن الجَوزيِّ، يؤيِّده ما قال الآجُرِّيُّ: لو قال لعالِمَيْن: ارقُبا الفَجْرَ، فقال أحدُهما: طلَع، وقال الآخر (٤): لا؛ أَكَل حتَّى يتَّفِقَا، وقاله جَمْعٌ من الصَّحابة وغيرهم (٥). وتَحصُلُ الفضيلةُ بأكْلٍ أوْ شربٍ؛ لحديث أبِي سَعِيدٍ: «ولو أن يَجرَع

стр. 1772

أحدُكم جُرْعةً من ماءٍ» رواه أحمدُ، وفيه ضعفٌ (١). وكَمَالُ فَضيلتِه بالأكل؛ لقوله ﵇: «بَيْننا وبَيْنَهم: أَكْلةُ السحر (٢)» رواه مسلمٌ من حديث عَمْرِو بن العاص (٣). وظاهر (٤) ما سبق: أنَّه لا يَجِبُ إمساكُ جُزْءٍ من اللَّيل في أوله وآخِره، وهو ظاهِر كلامِ جماعةٍ، وذَكَر ابنُ الجَوزيِّ: أنَّه أصحُّ الوَجْهَينِ. وقطع آخرون بوجوبه؛ لأِنَّه ممَّا لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ به. ولا يُستحبُّ تأخيرُ الجِمَاع وِفاقًا؛ لأِنَّه لا يتقوَّى به، بل يُكرَه مع الشَّكِّ، بخلاف الأكْل والشُّرْب، نَصَّ علَى ذلك (٥). فائدةٌ: السّحور بفتح السِّين: ما يُؤْكَلُ في السحر (٦)، وبالضم (٧): اسْمُ الفِعْل علَى الأشهر، وقيل: بالفتح. والمرادُ من (٨) كلامه: الفعل، فيكون بالضم (٩) على الأَصَحِّ.

стр. 1773

(وَ) يُستحَبُّ (أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ (١)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَعَلَى المَاءِ)؛ لمَا رَوَى سَلْمَانُ بنُ عامِرٍ مرفوعًا: «إِذَا أفْطَر أحدُكم؛ فلْيُفْطِرْ علَى تَمْرٍ؛ فإنْ لَم يَجِدْ؛ فعلَى ماءٍ، فإنَّه طَهورٌ» رواه أبو داودَ والترمذي (٢). والمذهبُ: أنَّه يُقدَّم عليهِمَا الرُّطَبُ؛ لحديث أنَسٍ المرفوعِ، رواه الترمذي (٣)، وقال: حسَنٌ غريبٌ (٤). واعتَذَر عنه ابنُ المُنَجَّى، فقال: إنَّ الرُّطَبَ لا يُوجَدُ في بلاد الشَّام. وفِي «الوجيز»: أنَّه مُخَيَّرٌ بينها (٥) من غير تقديمٍ لبعضها (٦) علَى بعضٍ. (وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، اقْتَصَرَ عليه جماعةٌ، رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حديث أنَسٍ وابنِ عبَّاسٍ، وفِيهِمَا: «تَقَبَّلْ منَّا» (٧)، وذَكَرَه أبو الخطَّاب، وهو أَوْلَى.

стр. 1774

وذَكَر بعضُهم قولَ ابن عُمَرَ: كان النَّبيُّ ﷺ يقول إذا أَفْطَرَ: «ذَهَب الظَّمَأُ، وابْتلَّتِ العُروقُ، وثبت الأجْرُ إنْ شاء الله تعالَى» رواهُ أبو داودَ والدَّارَقُطْنِيُّ، وحسَّنَ إسنادَه، والحاكِمُ وقال: (على شرط البخاريِّ) (١)، والعمَلُ بهذا الخبر أَوْلَى. ويَدْعو بِمَا أَحَبَّ لما رَوَى أبُو هُرَيرةَ: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوتُهم: الإمامُ العادِلُ، والصَّائِمُ حتى (٢) يُفْطِرَ، ودَعْوةُ المظلومِ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه، وابنُ ماجَهْ (٣)، وله مِنْ حديث عبدِ الله بنِ عمرو: «وللصائم عِنْدَ فِطْرِهِ دعوة ما (٤) تُرَدُّ» (٥).

стр. 1775

(وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ)، وفاقًا (١)؛ لأِنَّ القَضاءَ يَحْكِي الأداءَ، وفيه خروجٌ من الخِلاف، وأنجز لِبَراءَةِ الذِّمَّة. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أن يكون أفْطَرَ بسببٍ مُحرَّمٍ أوْ لَا. ويَجِب العَزْمُ علَى الفعل في قول الجُمهور. وفِي «الفروع»: يتوجه الخلافُ كالصَّلاة. (وَلَا يَجِبُ) في قول الأكْثَرِ، قال البخاري: قال ابنُ عبَّاسٍ: «لا بأس أنْ يُفرِّق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾» [البَقَرَة: ١٨٤] (٢)، وعن ابن عُمَرَ مرفوعًا: «قضاءُ (٣) رمضان إِنْ شاء فرَّق، وإن شاء تَابَع»، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: (لم يُسْنِدْهُ غير (٤) سُفيانَ بن (٥) بِشْرٍ)، قال المجْدُ: لا نَعلَمُ أحدًا طَعَنَ فيه، والزِّيادةُ من الثِّقة مَقْبولةٌ (٦)، ولأِنَّه لا يَتعلَّق بزمانٍ معيَّنٍ، فلم يَجِبْ فيه التَّتَابُعُ؛ كالنَّذْر المطْلَق.

стр. 1776

ويُسْتثْنَى منه: ما إذا لم يَبْقَ مِنْ شَعبانَ إلاَّ بقدره، فيَتَعَيَّنُ. ويقضي مَنْ فاته رمضانُ تامًّا أوْ ناقصًا، لعُذْرٍ أوْ غَيرِه عدَدَ أيَّامِه مطلقًا فِي اختيار الأكثر؛ كأعْداد الصَّلَواتِ. وقال القاضِي: إنْ قَضَى شهْرًا هِلالِيًّا؛ أجزأه مطلقًا، وإلاَّ تمَّم ثلاثينَ يومًا، وهو ظاهر كلام أحمدَ (١). وردَّه فِي «المغني»: بأنَّ القَضاء يجب أن يكون بعدَّة ما فاته؛ كالمريض والمسافِر. فعلَى الأوَّل: مَنْ صامَ مِنْ أوَّل شهر (٢) كامِلٍ، أوْ من أثْناء شهْرٍ تسعةً وعِشْرين يومًا، وكان رمضانُ الفائِتُ ناقصًا؛ أجزأه، اعتبارًا بعدَد الأيَّام، وعلَى الثَّانِي: يَقْضِي يومًا؛ تكميلاً للشَّهر بالهلال، أو العدَد ثلاثينَ.

стр. 1777

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانٍ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ)؛ نَصَّ عليه (١)، واحْتجَّ بقَولِ عائِشةَ: «كان يكونُ علَيَّ الصَّومُ من رَمَضانَ، فَما (٢) أَسْتطيعُ أنْ أقضيه (٣) إلاَّ فِي شعبانَ لِمَكانِ رسول الله ﷺ » متَّفَقٌ عليه (٤)، وكما لا تُؤَخَّرُ الصَّلاةُ الأولَى إلَى الثَّانية، فلا يَجُوز التَّطوُّعُ قبلَه، ولا يصح (٥). وعنه: بلَى إنِ اتَّسَعَ الوقْتُ. (فَإِنْ فَعَلَ)؛ أيْ: أخَّرَه بلا عُذْرٍ؛ حَرُم عليه؛ لأِنَّ مُقْتضاه وُجوبُ القَضاء علَى الفور؛ كالصَّلاة، خُولِف في المعذور (٦)، فيبقَى ما عَداهُ علَى الأصل. وحِينَئِذٍ: (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ) ما يُجْزِئُ فِي الكفَّارة، (لِكُلِّ يَوْمٍ)، رَواهُ سَعيدٌ بإسنادٍ جَيِّدٍ عن ابْنِ عبَّاسٍ (٧)، والدَّارَقُطْنِيُّ بإِسْنادٍ صحيحٍ

стр. 1778

عَنْ أبِي هُرَيرةَ، ورَواهُ مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ (١). قال فِي «الفروع»: ويتوجَّه احتِمَالٌ: لا يَلزَمه إطعامٌ؛ لِظاهِر قَولِه تعالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وكَتأْخِير أداء رَمَضانَ عَنْ وَقْته عمْدًا. وذَكَر الطَّحاوِيُّ عن ابن عمَرَ بإسناد فيه ضعف (٢): «أنَّه يُطعِمُ بِلَا قَضاءٍ» (٣).

стр. 1779

وعلَى الأوَّل: يَجوزُ قَبْل القضاء، ومعَه، وبعدَه؛ لقَولِ ابْنِ عبَّاسٍ (١)، وقال المَجْدُ: الأفْضلُ عِنْدَنا: تَقْديمُه؛ مسارعةً إلَى الخَير، وتَخلُّصًا من آفات التَّأخير. وإذا تكرَّر رَمَضانُ؛ لا يَلزَمه أكثرُ من فِدْيةٍ واحدةٍ؛ لأِنَّ كثرةَ التَّأخير لا يُزادُ بها الواجِبُ، كَمَا لو أخَّر الحجَّ الواجِبَ سنين، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ من فِعْلِه. (وَإِنْ أَخَّرَهُ)؛ أي: القضاء (لِعُذْرٍ)، من مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ أوْ عَجَزَ عنه؛ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، نَصَّ عليه (٢)، وهو قَولُ أكْثَرِ العلَمَاء؛ لأِنَّه حَقٌّ لله تعالَى وجَبَ بالشَّرْع، فيسقط بموتِ مَنْ يَجِبُ عليه قبل إمْكانِ فِعْلِه إلَى غَيرِ بَدَلٍ؛ كالحَجِّ. وفِي «التَّلْخيص» روايةٌ: يُطعَم عنه؛ كالشَّيخ الكبِير، وقالَهُ طاوُس وقَتادةُ، والفرْق: أنَّه يَجُوز ابْتِداء الوجوب عليه، بخلاف الميت. وقال في «الانتصار»: يَحتَمِل أن يَجِبَ الصَّومُ عنه أو التكفير؛ كَمَنْ نَذَر صَومًا. (وَإِنْ مَاتَ)؛ أي: إذا (٣) أخَّر القضاءَ لعُذْرٍ، ثمَّ مات؛ كَمَنْ أخَّرَ القَضاءَ لِعُذْرٍ، وهو حيٌّ: أنَّه لا يَجِبُ عليه شَيءٌ، لكِنَّ الميتَ يَسقُطُ عنه القضاءُ والكفَّارةُ، والحيٌّ تسقط (٤) عنه الكفَّارة دُونَ القضاء؛ لِإِمْكانه، فلو دام عُذْرُه بين الرَّمَضانَينِ، فلم يَقْضِ، ثم زال؛ صام الشَّهرَ الذي أدْرَكَه، ثُمَّ قَضَى ما فاته مِنْ غَيرِ إطْعَامٍ، نَصَّ عليه (٥).

стр. 1780

(وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانٌ آخَرُ؛ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ)، قالَهُ أكْثَرُهُمْ، رواه التِّرمذيُّ عن ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا بإسناد ضعيفٍ، والصَّحيحُ وقْفُه علَيهِ (١)، وسئلت عائشةُ عن القضاء فقالتْ: «لَا، بَلْ يُطعَم»، رواه سعيدٌ بإسنادٍ جيِّدٍ (٢)، ولأِنَّه لا تدخله (٣) النِّيابةُ في الحياة، فكذا بعد المَوْت؛ كالصَّلاة. (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانٌ آخَرُ) فأكثر (٤)؛ (فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ، أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وهو المذهبُ، نَصَّ عليه في روايةِ أبِي داودَ (٥)، وجَزَم به في «الوجيز»: أنَّه يُطعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ؛ لأنَّه بإخراج كفَّارةٍ واحدةٍ زال تَفْريطُه بالتَّأخير، أشْبَه ما لَوْ مات من غَيرِ تَفْريطٍ. والثَّانِي، وهو لأِبِي الخَطَّاب: يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ فَقِيرانِ؛ لاِجْتِمَاع التَّأخير والموت بعد التَّفريط. تنبيهٌ: الإطعامُ مِنْ رَأْس المال، أَوْصَى به أوْ لَا، وفِي القضاء عن كلِّ يومٍ يوم.

стр. 1781

وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): لا يَقْضِي مُتَعَمِّدٌ بِلَا عُذْرٍ صَومًا ولا صلاةً، وليس فِي الأدِلَّة ما يُخالِفُه. وفيه نَظَرٌ. وإذا مَاتَ وعليه صَومُ شهرٍ كفَّارةً؛ أُطعِمَ عنه، وكذا لَوْ مات وعليه صَومُ المُتْعَةِ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ هذا الصَّومَ وَجَبَ بِأصْل الشَّرع؛ كقضاء رَمَضانَ، فلو صام عن كفَّارةِ ميتٍ؛ لَم يُجزِئْه وإنْ أوْصَى به، نَصَّ عليه (٣). وإن كان موتُه بَعْدَ قُدْرَتِه عليه، وقُلْنا: الاعتبار بحالة الوجوب؛ أُطعِم عنه ثلاثةُ مساكينَ، لكلِّ يومٍ مسكينٌ، ذَكَره القاضِي. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، أَوْ حَجٌّ، أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ)، هو راجِعٌ إلَى الكلِّ، ولو قال: بنذْرٍ ك «الوجيز» لكان أظْهَرَ؛ (فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ)، وفيه أمور: الأُولَى: صَومُ النَّذْر عن الميت هو كقضاء رَمَضانَ؛ لما في «الصَّحيحينِ»: أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أمِّي ماتَتْ، وعليها صوم (٤) نذْرٍ؛ أَفَأَصومُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» (٥)، ولأِنَّ النِّيابةَ تدخُل في العبادة بحسب خِفَّتها، وهو أخف حُكْمًا من الواجب بأصْل الشَّرع لِإِيجابِه من نفسه. ويَفْعَلُه الولِيُّ، نَصَّ عليه (٦)، وعليه الأصحاب، فإنْ صام غَيرُه؛ جاز مُطْلَقًا، جزم (٧) به الأكْثَرُ؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وقد شبَّهه ﵇ بالدَّينِ. وظاهر (٨) نَصِّه في روايةِ حرْبٍ (٩): أنه لا يَصِحُّ إلاَّ بِإِذْنِه؛ لأِنَّه خِلافُ

стр. 1782

القياس، فيُقْتَصَرُ علَى النَّصِّ. وإنْ صامَ عنه جماعةٌ فِي يَومٍ؛ فَنَقَلَ أبُو طالِبٍ: يصوم (١) واحِدٌ (٢)، فَمَنَعَ مِنْ الاِشْتِراك؛ كالحجَّة المنذورةِ. وعن الحسن وطاوُسٍ: جوازُه، وهو أظْهَرُ، وكما لَوْ أوْصَى بثلاثِ حِجَجٍ؛ جاز صَرْفُها إلَى ثلاثةٍ فِي عام يَحُجُّون عنه، وجَزَمَ ابنُ عَقِيلٍ بِمَنْعِه؛ لأِنَّ نائبَه مثلُه. وظاهِرُ كلامهم: أنَّه يُستحَبُّ للولِيِّ فِعْلُه لتفريغ ذِمَّته، وليس بواجبٍ؛ كالدَّين لا يَلْزَمُه إذا لم يُخلِّفْ تَرِكَةً، ويَفْعَلُه أقْرَبُ النَّاس إليه كابْنِه، فإن خلَّف تَرِكةً؛ فإنْ شاء صامَ، وإنْ شاء دَفَع إلَى مَنْ يصومُ عنه عن كلِّ يومٍ مسكينًا. وذَكَرَ المؤلِّف: أنَّ صومَ النَّذْر لا إطْعامَ فيه بعْدَ الموت، بخلاف رَمَضانَ، ولا كفَّارةَ مع الصَّوم عنه أو الإطعام. وهذا كُلُّه فِيمَنْ أمْكَنَه صومُ ما نذره فلم يَصُمْه، فلوْ أمْكَنَه صومُ بعضِه؛ قُضِي عنه ما أمْكَنَهُ صومُه فقطْ، ذكره (٣) القاضِي وغيرُه؛ لأنَّ (٤) رَمَضانَ يُعْتَبَرُ فيه إمكان (٥) الأداء، والنَّذرُ يُحْمَلُ علَى أصْلِه فِي الفَرْض. الثَّانية: إذا مات وعليه حجٌّ منذورٌ؛ فُعِل (٦) عنه، نَصَّ عليه (٧)؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ امرأة جاءت إلَى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أمِّي نذرت أن (٨) تحجَّ،

стр. 1783

فلم (١) تحُجَّ حتَّى ماتَتْ، أَفَأَحُجُّ عنها؟ قال: «نَعَم حُجِّي عنها» رواهُ البخاريُّ (٢)، ولأِنَّه منذورٌ، فكان للولِيِّ فِعْلُه كالصوم (٣). وعليه: لا يُعْتَبَر تَمَكُّنُه منه قَبْلَ موته؛ لظاهِر الخَبَرِ، وكنَذْر الصَّدقة والعتق. وقيل: يُعتبَر؛ كحجَّة الإسلام. وهل لغيره فِعْلُه بإذنه أوْ مطلقًا؟ علَى الخِلافِ. فَرعٌ: العمرة في ذلك كالحجِّ. الثَّالثة: إذا مات وعليه اعتكافٌ منذورٌ؛ فُعِل (٤) عنه، نَقَلَه الجماعةُ (٥)؛ لقول سَعْد بن عبادةَ: إنَّ أمِّي ماتَتْ وعليها نذْرٌ لم تَقْضِه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اقْضِه عَنْها»، رواهُ أبو داودَ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابنِ عبَّاسٍ، ومعناه متَّفقٌ عليه (٦)، ورُوِيَ عنْ عائشةَ، وابن عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ (٧)، ولَم يُعرَفْ لهم مخالِفٌ فِي الصَّحابة، وكالصَّوم.

стр. 1784

وقيل: لا تَصِحُّ فِيهِمَا، ذَكَرَه في «الرِّعاية»، فيُخرج عنه: كفَّارةُ يمينٍ. ويَحتَمِل أن يُطْعَمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ، ولوْ لَم يُوصِ به، ولا يكون مِنْ ثُلُثِه. وعلَى الأوَّل: إن لَم يُمْكِنْه فِعْلُه حتَّى مات؛ فالخِلافُ، كالصوم (١)، قيل (٢): يَقْضِي، وقيل: لَا. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ (٣) صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا فِي «المحرَّر» و «المستوعب»:

стр. 1785

إحداهما، ونقلها الجماعةُ (١)، وصحَّحها ابنُ المُنَجَّى، وقدَّمها فِي «الفروع»: أنَّها لا تُفْعَلُ عنه؛ لأِنَّها عبادةٌ بَدَنِيَّةٌ محضة، لا يخلفها (٢) مالٌ، ولا يَجِبُ بإفساده. والثَّانية، نَقَلَها حرْبٌ (٣)، واخْتارَها الأكْثَرُ، وصحَّحها القاضِي، وجَزَمَ بها في «الوجيز»: أنَّها تُفْعَلُ عنه كالصَّوم، وعلَى هذا: تَصِحُّ وصيَّتُه بها. وحَيثُ جاز فِعْلُ الصَّوم؛ فلا كفَّارةَ مع فِعْله؛ لظاهِر النُّصوص، وإلاَّ أخرج عنه كفَّارة يمينٍ؛ لِتَرْك النَّذْر. قال المجْدُ: إن كان قد فرَّط، وإلاَّ ففيها الرِّوايتان فيمن نَذَر صَومَ شهرٍ بعَينه فلم يَصُمْه؛ لأنَّ فوات أيَّام الحياة فيمَا إذا أطْلَق؛ كفوات الوقت المعيَّن إذا عُيِّن. فلو نَذَر الطَّواف؛ فقال في «الفروع»: ظاهِرُ كلامهم: أنَّه كالصَّلاة. وظاهِرُه: أنَّ صلاة الفرض لا تُفْعَلُ، وذكره القاضِي عِياضٌ إجْماعًا: أنَّه لا يُصلَّى عنه فائتةٌ (٤).

стр. 1786

(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وفيه فضْلٌ عظيمٌ، وفِي الحديث الصَّحيح: «كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ له، الحسنةُ بعشْرِ أمثالِها إلَى سبعِمائةِ ضِعْفٍ، فيقول الله تعالَى: إلاَّ الصَّومَ، فإنَّه لِي، وأنا أجْزِي به» (١)، وهذه الإضافةُ للتَّشريف والتَّعظيم. وأفضلُه صيامُ داودَ ﵇، كان يَصومُ يومًا ويُفْطِر يومًا، لأِمْره ﵇ عبدَ الله بنَ عمْرٍو قال: «هو أفضلُ الصِّيام»، قال: فإنِّي أُطِيقُ أفضل من ذلك، فقال: «لا أفضل مِنْ ذلِكَ» متَّفقٌ عليه (٢). وشَرْطُه: أن لا يُضعِف البَدَنَ حتَّى يَعجِز عمَّا هو أفْضلُ؛ من القيام بحقوق الله تعالَى وحقوق عباده اللاَّزمة، فإنْ أضعف عَنْ شَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ كان تركُه أفضلَ، ولهذا أشار الصَّادق فِي حقِّ داودَ ﵉: «ولَا يَفِرُّ إذا لَاقَى» (٣)، فمن حقِّ النَّفس: اللُّطْفُ بها حتَّى تُوصِل صاحبها إلَى المنزل. (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ) ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، بغير خلافٍ نعلمه (٤)، والأفْضلُ أنْ يَجْعَلَها (أَيَّامَ الْبِيضِ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لما رَوَى أبُو ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له (٦): «إذا صُمْتَ من الشَّهْر ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فصُمْ: ثَلاثَ عَشْرةَ، وأرْبَعَ عشْرةَ، وخَمْسَ عشْرةَ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٧)، سُمِّيت بِيضًا؛ لاِبْيِضاض لَيلِها كلِّه

стр. 1787

بالقَمَر، وقيل: لأِنَّ الله تاب علَى آدم، وبيَّض فيها صحيفتَه (١). وحكَى الماوردي: الثَّانِيَ عشَرَ بدل الخامِسَ عشَر (٢). وقيل: هي أوَّلُ الشَّهر، وعاشِرُه، وعِشْرُونَه. ولم يتعرض (٣) أصحابُنا باسْتِحْباب صيام السود، وهي: الثَّامِنُ والعِشْرون وتالياه، وصرح (٤) المَاوَرْدِيُّ باسْتِحْبابه (٥). (وَصَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لما رَوَى أُسامةُ بنُ زَيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هُمَا يَومانِ تُعْرَضُ الأعْمَالُ فيهما علَى رَبِّ العالَمينَ، وأُحِبُّ أنْ يُعرَضَ عَمَلِي وأنا صائِمٌ» رواه أحمدُ والنَّسائِيُّ (٧)، وسُمِّيا به؛ لأنَّ الأوَّلَ: ثانِي الأسْبوع، والآخَرَ: خامِسُه. (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ)، كذا في النُّسخ بغيرِ تاءٍ، والمراد: الأيَّامُ؛ لأنَّ العرب تُغلِّبُ في التَّاريخ اللَّيالِيَ على الأيَّام؛ (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (٨) كذا خرَّجَهُ مسلمٌ منْ حديث أبِي أيُّوبَ الأنصاريِّ مرفوعًا، من رواية سَعْدِ بن سعيدٍ، ضعَّفه أحمدُ، وقوَّاه آخَرُون، وقال ابنُ عُيَيْنةَ، -

стр. 1788

وإليه مال أحمدُ-: إنَّه موقوفٌ، ورواه (١) أحمدُ من حديث جابِرٍ مرفوعًا، وكذا من حديث ثوبانَ، وفيه: «ستَّةُ أيَّامٍ بعْدَ الفِطْر» (٢)، ولا شكَّ أنَّ الفَصْلَ حصل به، بخلاف يوم الشَّكِّ. لا يقال: لا دلالة في الخَبَر على فضيلتها؛ لكونه شبَّه صِيامَها بصيام الدَّهر، وهو مكروهٌ؛ لأِنَّه إنَّمَا كُرِه صومُه لما فيه من الضَّعف والتَّشبُّه بالتبتل (٣)، ولولا ذلك لكان من أعظم الطَّاعات؛ لاِسْتِغْراقِه الزَّمن بالعبادة، والمرادُ بالخبر: التَّشبيه في حصول العبادة به (٤) على وجْهٍ لا مشقَّة فيه، كمَا في أيَّام البِيض.

стр. 1789

وتحصُل فضيلتُها بالتَّتابُع والتفرق عند أحمدَ (١)، وظاهِرُ «الخِرَقِيِّ» وغَيرِه: استحباب تَتابُعِها، وبعضُهم استحبَّها عقِب العيد، واستحبهما (٢) جماعةٌ، وهو أظهرُ، قاله في «الفروع»، ولعلَّه مرادُ أحمدَ والأَصْحابِ؛ لما فيه من المسارَعة إلى الخَيرِ، ورَوَى الطَّبَرانِيُّ مِنْ حديث أبِي هُرَيرةَ مرفوعًا: «مَنْ صام ستَّةَ أيام (٣) بعْدَ الفِطْر متتابعة؛ فكأنَّمَا صام السَّنةَ» (٤). وفي «الفروع» احتمالٌ: أنَّ الفضيلةَ تَحصُل بصومها في غير (٥) شوَّال، وذَكَرَهُ القرطبيُّ (٦)، قال: لأنَّ فضيلتها كونُ الحسنة بعَشْر أمثالها، ويكون تقييدُه بشوَّال؛ لسهولة الصَّوم فيه لاِعْتِياده. وفيه نَظَرٌ. وظاهره: أنه (٧) لا يُستحَبُّ صيامُها إلاَّ لمَنْ صامَ رَمَضانَ، وقاله أحمدُ والأصحابُ، لكِنْ ذكر في «الفروع»: (أنَّ فضيلتها تَحصُل لِمنْ صامها وقَضَى رَمَضانَ وقد أفْطَرَه لعُذْرٍ، ولعلَّه مرادُ الأصحاب)، وفيه شَيءٌ. (وِصِيَامُ يَوْمِ (٨) عَاشُورَاءَ)؛ بالمدِّ في الأَشْهَر، وهو اسمٌ إسْلامِيٌّ لا يُعرَف فِي الجاهِليَّة، قالَهُ ابنُ دُرَيدٍ (٩)، وهو اليوم العاشِر من المحرَّم فِي قَولِ أكْثَر

стр. 1790

العلمَاء، ورواه (١) الترمذي (٢) مرفوعًا وصحَّحه (٣)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «هو التَّاسِع» (٤)، (كَفَّارَةُ سَنَةٍ) ماضيةٍ؛ للخبر (٥). ويُستحَبُّ معه صومُ التَّاسع؛ لما رَوَى الخلال (٦) بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابِلٍ لَأَصُومنَّ التَّاسِعَ والعاشِرَ»، واحتجَّ به أحمدُ (٧)، وقال: إنِ اشْتَبَه عليه أوَّلُ الشَّهْر صام ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليَتَيَقَّنَ صومَهمَا (٨). وظاهِرُه: أنَّه لا يُكرَه إفرادُ العاشِر بالصَّوم، وهو المذهبُ، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: مقتضى كلامِ أحمد: الكراهةُ (٩)، وهِيَ قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (١٠).
следующие страницы →