← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وفيه فضْلٌ عظيمٌ، وفِي الحديث الصَّحيح: «كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ له، الحسنةُ بعشْرِ أمثالِها إلَى سبعِمائةِ ضِعْفٍ، فيقول الله تعالَى: إلاَّ الصَّومَ، فإنَّه لِي، وأنا أجْزِي به» (١)، وهذه الإضافةُ للتَّشريف والتَّعظيم. وأفضلُه صيامُ داودَ ﵇، كان يَصومُ يومًا ويُفْطِر يومًا، لأِمْره ﵇ عبدَ الله بنَ عمْرٍو قال: «هو أفضلُ الصِّيام»، قال: فإنِّي أُطِيقُ أفضل من ذلك، فقال: «لا أفضل مِنْ ذلِكَ» متَّفقٌ عليه (٢). وشَرْطُه: أن لا يُضعِف البَدَنَ حتَّى يَعجِز عمَّا هو أفْضلُ؛ من القيام بحقوق الله تعالَى وحقوق عباده اللاَّزمة، فإنْ أضعف عَنْ شَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ كان تركُه أفضلَ، ولهذا أشار الصَّادق فِي حقِّ داودَ ﵉: «ولَا يَفِرُّ إذا لَاقَى» (٣)، فمن حقِّ النَّفس: اللُّطْفُ بها حتَّى تُوصِل صاحبها إلَى المنزل. (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ) ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، بغير خلافٍ نعلمه (٤)، والأفْضلُ أنْ يَجْعَلَها (أَيَّامَ الْبِيضِ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لما رَوَى أبُو ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له (٦): «إذا صُمْتَ من الشَّهْر ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فصُمْ: ثَلاثَ عَشْرةَ، وأرْبَعَ عشْرةَ، وخَمْسَ عشْرةَ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٧)، سُمِّيت بِيضًا؛ لاِبْيِضاض لَيلِها كلِّه

стр. 1787

بالقَمَر، وقيل: لأِنَّ الله تاب علَى آدم، وبيَّض فيها صحيفتَه (١). وحكَى الماوردي: الثَّانِيَ عشَرَ بدل الخامِسَ عشَر (٢). وقيل: هي أوَّلُ الشَّهر، وعاشِرُه، وعِشْرُونَه. ولم يتعرض (٣) أصحابُنا باسْتِحْباب صيام السود، وهي: الثَّامِنُ والعِشْرون وتالياه، وصرح (٤) المَاوَرْدِيُّ باسْتِحْبابه (٥). (وَصَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لما رَوَى أُسامةُ بنُ زَيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هُمَا يَومانِ تُعْرَضُ الأعْمَالُ فيهما علَى رَبِّ العالَمينَ، وأُحِبُّ أنْ يُعرَضَ عَمَلِي وأنا صائِمٌ» رواه أحمدُ والنَّسائِيُّ (٧)، وسُمِّيا به؛ لأنَّ الأوَّلَ: ثانِي الأسْبوع، والآخَرَ: خامِسُه. (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ)، كذا في النُّسخ بغيرِ تاءٍ، والمراد: الأيَّامُ؛ لأنَّ العرب تُغلِّبُ في التَّاريخ اللَّيالِيَ على الأيَّام؛ (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (٨) كذا خرَّجَهُ مسلمٌ منْ حديث أبِي أيُّوبَ الأنصاريِّ مرفوعًا، من رواية سَعْدِ بن سعيدٍ، ضعَّفه أحمدُ، وقوَّاه آخَرُون، وقال ابنُ عُيَيْنةَ، -

стр. 1788

وإليه مال أحمدُ-: إنَّه موقوفٌ، ورواه (١) أحمدُ من حديث جابِرٍ مرفوعًا، وكذا من حديث ثوبانَ، وفيه: «ستَّةُ أيَّامٍ بعْدَ الفِطْر» (٢)، ولا شكَّ أنَّ الفَصْلَ حصل به، بخلاف يوم الشَّكِّ. لا يقال: لا دلالة في الخَبَر على فضيلتها؛ لكونه شبَّه صِيامَها بصيام الدَّهر، وهو مكروهٌ؛ لأِنَّه إنَّمَا كُرِه صومُه لما فيه من الضَّعف والتَّشبُّه بالتبتل (٣)، ولولا ذلك لكان من أعظم الطَّاعات؛ لاِسْتِغْراقِه الزَّمن بالعبادة، والمرادُ بالخبر: التَّشبيه في حصول العبادة به (٤) على وجْهٍ لا مشقَّة فيه، كمَا في أيَّام البِيض.

стр. 1789

وتحصُل فضيلتُها بالتَّتابُع والتفرق عند أحمدَ (١)، وظاهِرُ «الخِرَقِيِّ» وغَيرِه: استحباب تَتابُعِها، وبعضُهم استحبَّها عقِب العيد، واستحبهما (٢) جماعةٌ، وهو أظهرُ، قاله في «الفروع»، ولعلَّه مرادُ أحمدَ والأَصْحابِ؛ لما فيه من المسارَعة إلى الخَيرِ، ورَوَى الطَّبَرانِيُّ مِنْ حديث أبِي هُرَيرةَ مرفوعًا: «مَنْ صام ستَّةَ أيام (٣) بعْدَ الفِطْر متتابعة؛ فكأنَّمَا صام السَّنةَ» (٤). وفي «الفروع» احتمالٌ: أنَّ الفضيلةَ تَحصُل بصومها في غير (٥) شوَّال، وذَكَرَهُ القرطبيُّ (٦)، قال: لأنَّ فضيلتها كونُ الحسنة بعَشْر أمثالها، ويكون تقييدُه بشوَّال؛ لسهولة الصَّوم فيه لاِعْتِياده. وفيه نَظَرٌ. وظاهره: أنه (٧) لا يُستحَبُّ صيامُها إلاَّ لمَنْ صامَ رَمَضانَ، وقاله أحمدُ والأصحابُ، لكِنْ ذكر في «الفروع»: (أنَّ فضيلتها تَحصُل لِمنْ صامها وقَضَى رَمَضانَ وقد أفْطَرَه لعُذْرٍ، ولعلَّه مرادُ الأصحاب)، وفيه شَيءٌ. (وِصِيَامُ يَوْمِ (٨) عَاشُورَاءَ)؛ بالمدِّ في الأَشْهَر، وهو اسمٌ إسْلامِيٌّ لا يُعرَف فِي الجاهِليَّة، قالَهُ ابنُ دُرَيدٍ (٩)، وهو اليوم العاشِر من المحرَّم فِي قَولِ أكْثَر

стр. 1790

العلمَاء، ورواه (١) الترمذي (٢) مرفوعًا وصحَّحه (٣)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «هو التَّاسِع» (٤)، (كَفَّارَةُ سَنَةٍ) ماضيةٍ؛ للخبر (٥). ويُستحَبُّ معه صومُ التَّاسع؛ لما رَوَى الخلال (٦) بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابِلٍ لَأَصُومنَّ التَّاسِعَ والعاشِرَ»، واحتجَّ به أحمدُ (٧)، وقال: إنِ اشْتَبَه عليه أوَّلُ الشَّهْر صام ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليَتَيَقَّنَ صومَهمَا (٨). وظاهِرُه: أنَّه لا يُكرَه إفرادُ العاشِر بالصَّوم، وهو المذهبُ، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: مقتضى كلامِ أحمد: الكراهةُ (٩)، وهِيَ قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (١٠).

стр. 1791

ولم يَجِب صَومُه في قَول أصحابِنا. وعنه: وَجَبَ ثمَّ نُسِخ، اخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)، ومالَ إليه المؤلِّف، وقاله الأُصولِيُّون. فائِدةٌ: يَنْبَغِي فيه التَّوسِعةُ على العيال، سَأَلَ ابنُ منصورٍ أحمدَ عنه؛ قال: (نَعَمْ، رواهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن جَعْفَرٍ الأحمرِ، عن إبراهيمَ بنِ محمَّدٍ بن المنتَشِر-وكان من أفضل أهل زمانه- أنَّه بَلَغَه: «أنَّ من وسَّع علَى عياله يومَ عاشُوراءَ؛ وسَّع الله عليه سائِر سنتِه» (٢)، قال ابنُ عُيَيْنةَ: قد جرَّبنا منذُ خَمْسِينَ سنةً أوْ سِتِّين، فمَا رَأَيْنا إلاَّ خَيرًا) (٣).

стр. 1792

(وَيَوْمِ عَرَفَةَ)، وهو التَّاسِعُ من ذي الحِجَّة، سُمِّيَ به؛ للوُقوف بعَرَفةَ، وتعارُفهم فيها، وقيل: لأِنَّ جبريل عرَّف إبراهيمَ الحجَّ، وقيل: للرؤيا التي رآها، وقيل: لتعارف آدَمَ وحَوَّاءَ بها، (كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ)؛ لما رَوَى أبو قَتادةَ مرفوعًا قال: «صيام (١) عَرفَةَ أَحْتَسِبُ علَى الله أنْ يُكَفِّرَ السَّنةَ التِي قَبلَه والسَّنةَ التِي بَعدَه»، وقال فِي صيام عاشُوراء: «إنِّي أَحْتَسِبُ علَى الله أنْ يُكَفِّرَ السَّنةَ التِي قَبلَه» رواه مسلمٌ (٢). ولعلَّ مضاعفتَه التَّكفيرَ علَى عاشُوراء؛ لأِنَّ نبيَّنا ﵇ أُعْطِيَه، والمرادُ به: تكفيرُ الصَّغائِر، حكاه فِي «شَرح مسلمٍ» عن العلمَاء (٣)، فإنْ لَم يَكُنْ له صغائر؛ رُجي (٤) التَّخفيف من (٥) الكبائر، فإن لم يكن (٦)؛ رُفِعتْ له درجاتٌ (٧). (وَلَا يُسْتَحَبُّ) صومُه (لمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ)؛ لما رَوَتْ أمُّ الفضل: «أنَّها أَرْسَلَتْ إلَى النَّبيِّ ﷺ بقدَح لَبَنٍ وهو واقِفٌ علَى بعِيره، فشَرِبَه» متَّفَقٌ عليه (٨)، وأخْبَرَ ابنُ عُمرَ: «أنَّه حجَّ مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ أبِي بكرٍ، ثمَّ عمرَ، ثمَّ عُثْمان؛ فلم يَصُمْه أحدٌ منهم» (٩)،

стр. 1793

ولأِنَّه يُضْعِف عن الدُّعاء، فكان (١) تركُه أفضلَ، وقيل: لأِنَّهم أضْيافُ الله وزُوَّارُه. وكَرِهَه جماعةٌ؛ للنَّهْي عنه في (٢) حديث أبِي هُرَيرةَ، رواه أحمدُ وابنُ ماجَهْ (٣). واخْتارَ الآجُرِّيُّ: أنَّه يُستحَبُّ، إلاَّ أن يُضْعِفَه عن الدُّعاء، وحكاه الخَطَّابِيُّ عن إمامنا نحوه (٤)، قاله المجْدُ. وهذا في غير المتمتِّع والقارِن إذا عَدِما الهديَ، وسيأتِي. (وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)؛ لمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا قال: «ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصالح فِيهِنَّ أحبُّ إلَى الله من هذِهِ» -أيام (٥) العَشْرِ-، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: «ولا الجِهادُ فِي سبيل الله، إلاَّ رجلاً خَرَج بنفْسه وماله، فلم يَرجِعْ مِنْ ذلك بشَيءٍ» رواه البخاريُّ (٦).

стр. 1794

والمرادُ به: تِسْعةٌ، وإطلاقُ العشْرِ عليها تغليبًا، وآكَدُه التَّاسِع، ثُمَّ الثَّامِن، وَوَهِم بعضُهم فعكس، وظاهر «المحرَّر»: أنَّهما (١) سواءٌ. (وَأفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ (٢) رَمَضانَ؛ شَهْرُ اللهُ المُحَرَّمُ)، رواه مسلمٌ من حديث أبِي هُرَيرةَ (٣)، وأضافه (٤) إلَى الله تَفْخِيمًا وتَعْظِيمًا؛ كناقة الله، ولم يُكثِرْ ﵇ الصَّومَ فيه؛ إما (٥) لعُذْرٍ، أو لَم يَعلَم فضلَه إلاَّ أخيرًا. والمرادُ: أفضلُ شَهْرٍ تُطُوِّع به كاملاً بعْدَ رَمَضانَ؛ شهْرُ الله المحرَّمُ؛ لأِنَّ بعضَ التَّطوُّع قد يكون أفضلَ من أيامه؛ كعَرَفَةَ وعشْرِ ذي الحجَّة، فالتَّطوُّعُ المطلَقُ أفضلُه: المحرَّمُ، كما أنَّ أفضلَ الصَّلاة بعد المكتوبة: قيامُ اللَّيل. وآكَدُه عاشوراءُ، ثُمَّ تاسُوعاءُ، ثمَّ العشْرُ الأُوَلُ. وهو أفْضَلُ الأَشْهُر قاله الحسَنُ، ورجَّحه بعضُ العلماء. (وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ)؛ لما رَوَى ابنُ ماجَهْ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صيامِه»، وفيه داودُ بنُ عَطاءٍ، وقد ضعَّفه أحمدُ وغيرُه (٦)، ولأِنَّ فيه إحياءً لشِعار الجاهليَّة بتَعْظيمه، ولهذا صحَّ عن عمرَ: أنَّه كان يَضرِب فيه، ويقول (٧): «كُلوا (٨)،

стр. 1795

فإنما (١) هو شهْرٌ كانت تعظِّمه الجاهليَّةُ» (٢). فلو أفْطَرَ منه (٣)، أوْ صام معه غيرَه؛ زالَتِ الكَراهةُ. وظاهره: أنه لا يُكرَه إفرادُ شهْرٍ غيرِه اتِّفاقًا (٤)؛ لأِنَّه ﵇ كان يصوم شعبانَ ورمَضانَ (٥)، والمرادُ أحيانًا، ولم يُداوِمْ كامِلاً على غَير رَمَضانَ، فدلَّ أنَّه لا يُستحَبُّ صَومُ رجَبٍ وشعبانَ فِي قَول الأَكْثَرِ، واسْتَحَبَّه فِي «الإِرْشاد». (وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لحديث أبِي هُرَيرةَ: «لا تَصُومُوا يَومَ الجُمُعَة، إلاَّ وقَبلَه يَومٌ وبعدَه يَومٌ» متَّفقٌ عليه (٧)، ولِمسلمٍ: «لَا تَخُصُّوا ليلةَ الجمعة بقيامٍ مِنْ بَينِ اللَّيالِي، ولا يَومَ الجُمعة بصِيامٍ مِنْ بَينِ الأَيَّامِ، إلاَّ أنْ يكونَ فِي صَومٍ يصومه أحَدُكُم» (٨). قال الداودي (٩): (لم يَبلُغْ م الحديث)، ويُحمل ما رُوِيَ من صومه،

стр. 1796

والتَّرغيبِ فيه: على صومه (١) مع غيرِه، فلا تَعارُضَ. (وَيَوْمِ السَّبْتِ)، ذَكَرَه أصحابُنا؛ لحديثِ عبدِ الله بنِ بُسْرٍ عن أخْتِه الصَّمَّاءِ: «لَا تَصُوموا يَومَ السَّبت إلاَّ فِيمَا افترض (٢) عَلَيْكُم» رواه أحمدُ، ثنا أبو عاصِمٍ، ثنا ثَورٌ، عن خالِدِ بنِ مَعْدانَ، عن عبد الله، فذكره، وإسنادُه جيِّدٌ، والحاكِمُ وقال: (علَى شَرْط البخاريِّ) (٣)، ولأِنَّه يَومٌ تُعظِّمه اليهودُ، فَفِي إفْراده تَشَبُّهٌ بهم. واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)، وهو ظاهِرُ كلامِ الآجُرِّيِّ: أنَّه لا يُكرَه، وهو قَولُ أكثرِ العلماء، وحَمَلوا الحديثَ علَى الشُّذوذ، أو أنَّه (٥) منسوخٌ. (وَيَوْمِ الشَّكِّ) (٦)؛ لقول عمَّارٍ: «مَنْ صَام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه؛ فقد عصَى

стр. 1797

أبا القاسِمِ ﷺ » رواه أبو داودَ، والترمذي (١) وصحَّحه، وهو للبخاري تعليقًا (٢). وهو يوم الثَّلاثينَ من شَعبانَ، إذا لم يكن في السَّماء عِلَّةٌ، ولم يَتَراءَ النَّاسُ الهلالَ. وقال القاضي (٣) والأكثر: أوْ شَهِد به من رُدَّتْ شهادتُه، قال: أوْ كان فِي السَّماء عِلَّةٌ، وقلنا: لا يَجِبُ صومُه. وقيل: يَحرُم صَومُه ولا يَصِحُّ، اخْتارَهُ ابنُ البنَّاء وأبو الخَطَّاب والمجْدُ وغيرُهم؛ للنَّهْي. وحكَى الخَطَّابِيُّ عن أحمدَ: لا يُكرَه (٤)؛ حَمْلاً لِلنَّهْيِ علَى صَومِه مِنْ رَمَضانَ. ولا يكره مع عادةٍ، أوْ صِلَته بِمَا قَبْلَ النَّصف، وِفاقًا (٥)؛ وبعده الخِلاف السَّابق، ولا عن واجبٍ؛ لجواز النفل (٦) المعتادِ فيه كغيره. وعنه: يُكرَه صومُه قضاءً، جزم به جماعةٌ، فيتوجَّه طَرْدُه في كلِّ واجبٍ؛ للشَّكِّ فِي براءة الذِّمَّة.

стр. 1798

(وَيُكْرَهُ يَوْمُ (١) النَّيْرُوزِ، وَالمِهْرَجَانِ)، هما عيدان للكفار، وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: (النَّيرُوزُ اليومُ الرَّابعُ من شهر الرَّبيع، والمهرجان: اليوم التَّاسِعَ (٢) عشَرَ من الخريف) (٣)؛ لما فيه من مُوافَقَة الكُفَّار في (٤) تعظيمهمَا. واخْتارَ المجْدُ: عدمها (٥)؛ لأِنَّهم لا يُعظِّمونَه بالصوم كالأحد. وعلَى الأوَّل: يُكرَه صومُ كلِّ عِيدٍ للكُفَّار، أوْ يومٍ يُفرِدونه بالتعظيم، ذَكَرَه الشَّيخانِ. (إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً)، هو راجِعٌ إلَى صَوم يوم الجمعة وما بعدَه؛ لأِنَّ العادة لَها أثَرٌ فِي ذلك؛ لقوله ﵇: «لا تَقَدَّموا رَمَضانَ بصَومِ يوم أوْ يَومَينِ، إلاَّ رجلاً كان يصوم صومًا (٦) فلْيَصُمْه» متَّفقٌ عليه (٧). مسألةٌ: يُكرَه الوِصالُ، وهو أنْ لا يُفْطِرَ بين (٨) اليومَينِ أو الأيَّام، فِي قَول أكْثَرِ العلمَاء، إلاَّ من النَّبيِّ ﷺ ؛ فمباح (٩) له، ولا يُكرَه إلَى السَّحَر، نَصَّ عليه (١٠)، وتَرْكُه أَوْلَى. (وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ)، إجْماعًا (١١)؛ للنَّهْي المتَّفَقِ عليه مِنْ

стр. 1799

حديث عُمَرَ وأبِي هُرَيرة (١)، (عَنْ فَرْضٍ، وَلَا تَطَوُّعٍ (٢)؛ لما ذَكَرنا؛ لأنَّه ظاهِرٌ فِي التَّحريم. وعنه: يَصِحُّ مع التَّحريم؛ لأِنَّه إنَّمَا نُهِيَ عنه؛ لأِنَّهم أضْيافُ الله، وقد دعاهم، فالصَّومُ تركُ إجابَةِ الدَّاعِي، ومثلُه لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ، بخلاف النَّفل؛ لأِنَّ الغَرَض به الثَّوابُ، فنافَتْه المعصيةُ، ولهذا لم يَصِحَّ النَّفْلُ فِي غَصْبٍ. وفي «الواضح» روايةٌ (٣): يَصِحُّ عن نَذْره المعيَّنِ. والأوَّل أصحُّ؛ لما رَوَى مسلمٌ من حديث أبِي سَعيدٍ: «لا يصلح (٤) الصِّيامُ فِي يومَين» (٥). (وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا؛ كَانَ عَاصِيًا)؛ لأِنَّه تَعمَّد فِعْلَ الحرام، وظاهِرُه: أنَّه لا يَعصِي حَيثُ فُقِدَ القَصْد؛ لأنَّه لم يتعمد المخالَفة، فلم يُوصَفْ به. (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ)؛ لأِنَّ النَّهْيَ يَقْتضِي الفسادَ، وهو لا يُجامِع الإجْزاءَ، وحُكْمُ التَّطوُّع كذلك. (وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا)؛ لما روى (٦) مسلم عن (٧) نبيشة (٨) الهُذَلِيِّ مرفوعًا: «أيَّام التَّشْريق أيَّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ» (٩)، ولأِحمدَ النَّهْيُ

стр. 1800

عن صومها (١) من حديث أبِي هُرَيرةَ وسعدٍ، بإسنادَينِ ضعيفَينِ (٢)، ومَنْ صامَها، أوْ رَخَّص فيه (٣)؛ فلم يَبْلُغْه النَّهْيُ، قال المَجْدُ: أوْ تأوَّلَه علَى إفْرادها؛ كيوم الشَّكِّ. (وَفِي صَوْمِهَا عَنِ الْفَرْضِ رِوَايَتَانِ): إحداهما: لا يصح، اخْتارَهَا الخِرَقِيُّ وابنُ أبِي مُوسَى والقاضِي، وجَزَم بها في «الوجيز»؛ للعموم. والثَّانية: يصح، قدَّمها في «المحرَّر»؛ لقول ابنِ عُمَرَ وعائشةَ: «لَم يُرخَّصْ فِي أيَّام التَّشْريق أنْ يصمن، إلاَّ لمنْ لم يَجِدِ الهدْيَ» رواه البخاريُّ (٤)، والباقي (٥) في معناه، فيلحق (٦) به. وأجاب القاضِي: بأنَّه خاصٌّ مختلَفٌ فيه، والأوَّلُ عامٌّ متَّفقٌ عليه، فيُقَدَّم علَى المختلَف فيه. وعنه: يَجوز صَومُها عن دم المتعة خاصَّةً، ذَكَرَها التِّرمذيُّ (٧)، وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ عَقيلٍ و «العمدة»، واخْتارَه المجْدُ.

стр. 1801

تنبيهٌ: لا يَجوزُ ولا يَصِحُّ نَفْلُ الصَّوم ممن (١) عليه فرضُه؛ لما رَوَى أحمدُ من رواية ابن (٢) لَهِيعةَ، من حديث أبِي هُرَيرةَ: «مَنْ صَام تطوُّعًا وعَلَيهِ مِنْ رَمَضانَ شَيءٌ لم يَقضه (٣)؛ لم يُتقبَّلْ منه حتَّى يَصومَه» (٤)، ولأِنَّه عبادةٌ جاز تأخيرُها تخفيفًا (٥)، فإذا لَم يؤدِّه؛ لزِمه الأصلُ، وكالحج. وعنه: يجوز؛ للعموم. وكذا يخرَّج في التَّطوُّع بالصلاة مِمَّنْ عليه القضاءُ، اختار جماعةٌ منهم الشَّيخان: أنَّه لا يَصِحُّ؛ لوجوبها علَى الفَور. والمذهبُ: أنَّه يَبْدَأُ بفَرْض الصَّوم قَبْلَ نذْرٍ لا يَخافُ فَوتَه. وعنه: بالنَّذْر، ويحمل على أنَّه كان مُعيَّنًا بوقت يَخافُ فَوته. فعلَى الأوَّل: لا يُكرَه قضاءُ رَمَضانَ في عشر الحجَّة، بل يُسْتحَبُّ إذا لم يكنْ قضاه قبلَه، وعلَى الجواز: يُكره فِي روايةٍ، رُوِي عن علِيٍّ ولا يصحُّ (٦)؛

стр. 1802

لينال فضيلتها، ولا يُكرَه فِي أخرى، رُوِي عن عمر (١)؛ للآية، وكعَشْر المحرَّم. (وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا؛ اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ)؛ لأنَّ (٢) به تَكمُل العبادةُ، وذلك مطلوبٌ، (وَلَمْ يَجِبْ)؛ لقول عائشةَ: يا رسول الله أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيهِ، فلقَدْ أصْبحْتُ صائِمًا»، فأَكَل. رواه مسلمٌ والخَمْسةُ (٣)، وزاد النَّسائِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ: «إنَّمَا مَثَلُ صَومِ التَّطوُّع مَثَلُ الرَّجل يُخرِجُ من مالِه الصَّدقةَ، فإنْ شاء أمْضاها، وإنْ شاء حَبَسَها» (٤)، ولقوله ﵇: «الصَّائِمُ المتطوع (٥) أميرُ نَفْسِه، إنْ شاء صامَ، وإنْ شاء أفْطَرَ» رواه أحمدُ وصحَّحه، مِنْ حديث أمِّ هانِئٍ، وضعَّفه البخاريُّ (٦)، وغَيرُه من التَّطوُّعاتِ؛

стр. 1803

كهُوَ، وكالوضوء. فإنْ أفْسَدَه؛ فلا قضاءَ عليه؛ لأِنَّ القضاءَ يَتْبَعُ المَقْضِيَّ عنه (١)، فإذا لم يكُنْ واجِبًا؛ لم يكن القضاءُ واجبًا، بل يُستحبُّ. وقوله: (تطوُّعًا)، يَحترِز به عَمَّا إذا دَخَل فِي واجبٍ؛ كقضاء رَمَضانَ، والمكتوبة فِي أوَّل وقْتها، وكنَذْر معيَّنٍ أوْ مُطلَقٍ أوْ كفَّارةٍ، إن قلنا: يَجوزُ تأخيرهما، فإنه يَحرُم خروجُه منه بلا عُذْرٍ؛ لأنَّ الخروجَ من عُهْدَة الواجب يَتَعَيَّنُ، ودخلت التَّوسعةُ فِي وقْته رِفْقًا ومظِنَّةً للحاجة، فإذا شَرع؛ تعيَّنت المصلحةُ فِي إتْمَامها. وعنه: يَجِبُ إتْمَام الصوم، فإنْ أفْسَده وجَبَ القضاءُ، ذَكَره ابن البنَّاء، والمؤلِّف في «الكافِي»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]، ولقوله ﵇ لعائشةَ وحفصةَ وقد أفْطَرتا: «لَا عَلَيكُمَا، صُومَا يومًا مكانه (٢)»، رواه أبو داود (٣)، وكالحجِّ.

стр. 1804

وأجيب: بأنَّهم ضعَّفوه، ثمَّ هو للاِسْتِحْباب؛ لقوله: «لَا عَلَيكُمَا»، وبأنَّ نفل (١) الحجِّ كفَرْضه فِي الكفَّارة، وتقريرُ المهر بالخلْوة معه، بخلاف الصَّوم. ونَقَلَ حنبلٌ: إنْ أوْجَبَه علَى نفسه، فأفْطَر بلا عُذْرٍ؛ أعادَ (٢)، قال القاضِي: أي: نذره، وخالفه ابنُ عَقِيلٍ. وعلَى المذهب: لا يُكرَه خروجُه منه لعذْرٍ، وإلاَّ كُرِه فِي الأَصَحِّ. وهل يفطر (٣) لضيفه؟ يتوجَّه: كصائم (٤) دُعِيَ. وعنه: يلزم الصَّلاة، بخلاف الصَّوم، ومالَ إليه أبُو إسْحاقَ الجوزجاني (٥)؛ لأِنَّها ذات إحْرامٍ وإحْلالٍ؛ كالحجِّ. وإذا شَرَع فيها قائمًا؛ لم يَلْزَمْه إتْمَامُها قائمًا، بغَيرِ خلاف (٦) فِي المذهب (٧). واقْتَصَرَ المؤلِّف على (٨) ذِكْرهما كأكْثَرِ الأصْحابِ. وقيل: الاِعْتكافُ كالصَّوم علَى الخلاف؛ يعني: إذا دخل فيه وقد نواه مدَّةً؛ لزمته (٩)، ويقضيها، وذَكَرَه ابن عبد البَرِّ إجْماعًا، لا بالنية، وإن لم يدخل (١٠)، خِلافًا لبعض العلماء.

стр. 1805

وفي «الكافِي»: سائِرُ التَّطوُّعات؛ من الصَّلاة والاعتكاف وغيرهما؛ كالصَّوم، وذكر القاضي: أنَّ الطَّواف كالصَّلاة، إلاَّ ما خصَّه الدَّليلُ. قال عبد الرزاق: (رَأيْتُ سُفْيانَ إذا كَثُرَ عليه أصْحابُ الحديث تَرَكَهُم، ودخل الطَّواف، فطاف شوطًا أوْ شَوطَينِ، ثُمَّ يَخرُجُ ويَدَعُهم). وعُلِم منه: أنَّه لَا يَلْزَمُ الصدقة والقراءة والأذكار؛ بالشُّروع، وِفاقًا (١). وأمَّا الحجُّ والعُمرةُ؛ فيلزم إتْمَامُهمَا؛ لاِنْعِقاد الإحرام لازِمًا، فإن أفسدهما، أو فسدا؛ لزمه القضاءُ. وعنه: لا يَلزَمُ القضاءُ، حكاها في «الهداية» و «الانتصار». قال المجْدُ: لا، أحسبها سهوًا (٢). فَرعٌ: إذا قطع الصَّوم ونحوه؛ فهل انْعَقَد الجزءُ المؤدَّى، وحصل به قربةٌ، أم لا؟ وعلى الأوَّل: هل بطل (٣) حكمًا أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطَّاب، وقطع جماعةٌ ببطلانه وعدم الصِّحَّة. وفي كلام الشَّيخ تقيِّ الدِّين: أنَّ الإبطال في الآية: هو بطلان الثَّواب، قال: ولا نسلم (٤) بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لعمله (٥). (وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ)؛ لشرَفها وعِظَمها وبركتها، وسُورتها مكِّيَّةٌ، نقله الماوَرْديٌّ عن الأكثرين، وقيل: مدنيَّةٌ، نقله الثَّعْلَبِيُّ عن الأكْثَرين، وذَكَرَ

стр. 1806

الواقِدِيُّ: أنَّها أوَّلُ سورةٍ نزلت بالمدينة (١). قال المفسِّرون في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القَدر: ٣]؛ أيْ: قِيامُها، والعمل فيها خَيرٌ من (٢) العمل فِي ألْفِ شَهْرٍ خاليةٍ منها. وفي «الصَّحيحين» من حديث أبِي هُرَيرةَ مرفوعًا: «مَنْ قام لَيلةَ القَدْر إيمَانًا واحْتِسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم (٣)» (٤)، زاد (٥) أحمد: «ومَا تَأَخَّرَ» (٦). وسُمِّيت به (٧)؛ لأنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يكون في تلك السَّنة؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدّخان: ٤]. وما رُوِي عن عكرمةَ: أنَّها ليلة النِّصف من شعبان (٨)؛ ضعيفٌ،

стр. 1807

وقال ابن عبَّاسٍ: «يقضي الله الأقضية ليلة النِّصف من شعبان، ويسلِّمها إلَى أرْبابِها ليلةَ القدْر» (١). وقيل: سُمِّيت به؛ لعِظَم قَدْرها عند الله. وقيل: لضِيق الأرض عن الملائكة التي تَنزِل فيها. وقيل: لأِنَّ للطاعات (٢) فيها قدْرًا عظيمًا. وهي أفضل اللَّيالِي، ذكره الخطابي (٣) إجْماعًا (٤). وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً: أنَّ ليلةَ الجمعة أفضل (٥)؛ لأنَّها تَكَرَّر، وبأنَّها تابعةٌ لما هو أفْضلُ، واخْتارَهُ جماعةٌ. وقال أبو الحَسَن التَّمِيميُّ: ليلة القدر التي أُنزل فيها القرآن أفضلُ من ليلة الجمعة، فأمَّا أمثالها من ليالي القدر؛ فليلة (٦) الجُمُعة أفْضَلُ. وظاهره: أنَّها باقيةٌ، وأنَّها لَم تُرفَع؛ للأخبار فِي طَلَبها وقيامها، خلافًا لبعضهم في رَفْعِها. (فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ)، عند أحمدَ وأكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «تَحرَّوْا ليلةَ القَدْر فِي العَشْر الأواخِرِ مِنْ رمضان» متَّفقٌ عليه من حديث عائشةَ (٧). وفي «المغني» و «الكافِي»: تُطلَبُ في جميع رمضان، وقال ابنُ مسعودٍ:

стр. 1808

«هي (١) فِي كلِّ السَّنة» (٢). (وَلَيَالِي الْوَتْرِ آكَدُهَا)؛ لقوله ﵇: «اطْلُبوها فِي العشْر الأواخر، فِي ثلاثٍ بقِينَ، أوْ سبْعٍ بَقِينَ، أوْ تِسْعٍ بقين (٣)» (٤)، ورَوَى سالم (٥) عن أبيه مرفوعًا: «أرى رُؤْياكم قد تَواطَأَتْ علَى أنَّها فِي العَشْر الأواخِر؛ فالتمسوها فِي العَشْر الأواخر، فِي الوتْر منها» متَّفقٌ عليه (٦). واخْتار المجْدُ: كلُّ العَشْر سواءٌ. وللعلمَاء فيها أقوالٌ كثيرةٌ، والمذهبُ: أنَّها لا تَخْتَصُّ، بل ليالِي الوتر أبلغ مِنْ ليالِي الشَّفْع. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الوَتْر يكون باعتبار الماضِي، فتُطلَبُ ليلةُ القدر ليلةَ إحدى (٧)، وثلاثٍ، إلَى آخِره، ويكون باعْتِبار الباقِي، فإذا كان تامًّا؛ كان ذلك ليالِيَ الأَشْفاعِ، فليلة الثَّانية تاسعة تَبقَى، وليلة أرْبَعٍ وعِشْرين سابعة تبقى، وإنْ كان ناقصًا كان التَّاريخُ بالباقي (٨) كالتَّاريخ بالماضِي (٩). (وَأَرْجَاهَا: لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)، نَصَّ عليه (١٠)، وهو قول أُبَيِّ بن كعبٍ،

стр. 1809

وكان يَحْلِفُ علَى ذلك ولا يَسْتَثْنِي (١)، وابْنِ عبَّاسٍ (٢)، وزِرِّ بْنِ حبيش، قال أبيُّ بْنُ كَعْبٍ: «والله لقَدْ عَلِمَ ابنُ مسعودٍ أنَّها فِي رَمَضانَ، وأنَّها ليلةُ سبْعٍ وعِشْرين، ولكِنْ كَرِهَ أنْ يُخبِرَكم فتَتَّكلوا» رواهُ التِّرْمذِيُّ وصحَّحه (٣)، وعن مُعاوِيةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليلةُ القدْر؛ ليلةُ سبْعٍ وعِشْرينَ» رواهُ أبو داودَ (٤)، ويُرشِّحُه قولُ ابنِ عبَّاسٍ: «سورة القدر ثلاثون كلمة، السَّابعةُ والعِشْرون منها هي» (٥). وقَد اسْتَنْبَط بعضُ المتأخِّرين: بأنَّ (٦) الله تعالَى كرر ليلة القدر فِي سورتها

стр. 1810

ثلاثَ مرات، وحروفها تسعٌ، والناشئ (١) مِنْ ضَرْب أحدهما فِي الآخَر: سبْعٌ وعِشْرون. وحُكِيَ عن مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد (٢): أنها تَنْتَقِلُ فِي العَشْر الأخير (٣). وظاهِرُ ما نقله حنبَلٌ: أنَّها ليلةٌ مُتَعَيِّنَةٌ (٤)، فعلَى هذا: لو قال لها: أنتِ طالِقٌ ليلةَ القَدْر قبل مُضِيِّ ليلة العشر؛ وقع فِي اللَّيلةِ الأخِيرة، ومَعَ مُضِيِّ ليلةٍ منه يَقَعُ فِي السَّنة الثَّانية ليلةَ قولِه فيها. وحُكْمُ العِتْق واليمين؛ كالطَّلاق، ذكره المجْدُ تَخْريجًا. ومَنْ نَذَر قيامَ ليلةِ القدر؛ قام العَشْر، ونَذْرُه في أثنائه؛ كطلاقٍ، ذَكَرَه القاضِي. فائدةٌ: الحكمةُ فِي إخْفائها: ليَجْتَهِدوا فِي طَلَبِها، ويَجِدُّوا فِي العبادة؛ طمَعًا فِي إدراكها، كمَا أخْفَى ساعةَ الإجابة يومَ الجمعة، واسمَه الأَعْظَمَ من (٥) أسمائه، ورضاه فِي الحسنات، إلَى غير ذلك. (وَيَدْعُو فِيهَا)، فإنَّ الدُّعاءَ مُسْتَجابٌ فيها، قاله في «المستوعب» وغيره، (بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ وَافَقْتُهَا (٦) بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»)، رواه أحمدُ وابن ماجَهْ، وللتِّرمذيِّ معناه وصحَّحه (٧).

стр. 1811

ومعنى العَفْوِ: التَّركُ، ويكون بمعنى السّتْر والتَّغطية، فمعنى «اللَّهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»: أي: اترك مُؤاخَذَتِي بجُرْمِي، واستُر علَيَّ ذنْبِي، وأذهب عنِّي عذابَك، واصْرِف عنِّي عقابَك. وللنَّسائِيِّ من حديث أبِي هُرَيرةَ مرفوعًا: «سَلُوا اللهَ العَفْوَ والعافيةَ والمُعَافَاةَ، فَمَا أُوتِيَ أحدٌ بَعْدَ يقين (١) خيرًا (٢) من مُعافاةٍ» (٣)، فالشَّرُّ الماضِي يزولُ بالعفو، والحاضِرُ بالعافية، والمستقبَلُ بالمعافاة؛ لتضمُّنها دوام العافية.

стр. 1812

(كِتَابُ الاِعْتِكَافِ) (هُوَ (١) لغة: لزومُ الشَّيء، وحبْس النَّفس عليه، خيرًا كان أو شَرًّا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعرَاف: ١٣٨]، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ؛ بضمِّ الكاف وكَسْرها، وقُرِئَ بِهمَا (٢). وشَرْعًا: (لُزُومُ المَسْجِدِ لِطَاعَةِ الله تَعَالَى)، علَى صفةٍ مخصوصةٍ، من مسلمٍ عاقِلٍ، ولو مُمَيِّزًا، طاهِرٍ مِمَّا يُوجِبُ غسلاً، ولو ساعةً، فلا يصح (٣) من كافِرٍ، ومجنونٍ، وطِفْلٍ؛ كالصَّلاة، بغير خلافٍ نَعلَمُه (٤). ولا يبطل بالإغْمَاء، جزم به في «الرِّعاية». ولا شكَّ أنَّه قُربةٌ وطاعةٌ؛ لقوله تعالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (٥) [البَقَرَة: ١٢٥]، ولما رَوَى ابن عبَّاسٍ مرفوعًا أنَّه قال في المعتَكِف: «وهو يَعكُف الذُّنوبَ، ويجري (٦) له من الحسنات كعامل الحسنات كلِّها» رواه ابن ماجه، وفيه فَرقَدٌ السَّبَخي (٧)، قال أبو داودَ: سألتُ

стр. 1813

أحمدَ: تَعْرِف فِي فَضْل الاِعتكاف شَيئًا؟ قال: لا، إلاَّ إن (١) شيئًا ضعيفًا (٢). (وَهُوَ سُنَّةٌ) كلَّ وقتٍ، إجماعًا (٣)؛ لمُداوَمته ﵇ فِعْلَه، وإنَّمَا لم يَجِبْ؛ لأِنَّه لم يأْمُر به أصحابَه، بل فِي «الصَّحيحين»: «من أحبَّ أن يَعتكِفَ فلْيَعْتكِف» (٤). وآكَدُه فِي رَمَضانَ، والعَشْر الأخير آكَد؛ لطَلَب ليلة القَدْر. (إِلاَّ أَنْ يَنْذُرَهُ، فَيَجِبُ) الوفاءُ به إجْماعًا؛ لقوله ﵇: «مَنْ نَذَر أن يُطِيعَ الله فليُطِعْه»، رواه البخاريُّ (٥)، ولمسلم من حديث ابن عمر: أنَّ عمر سأل النَّبيَّ ﷺ قال: إنِّي نذَرْتُ في الجاهليَّة أنْ أعْتَكِف ليلةً في المسجد الحرام، قال: «فأَوْفِ بِنذْركَ»، وللبخاريِّ: «فاعْتَكِف ليلةً» (٦)، وظاهر الأمر للوجوب. فإنْ علَّقه بشَرطٍ؛ فله شَرْطه، نحو: لله علَيَّ أنْ أعْتَكِفَ شهر رمضان إنْ كنتُ مقيمًا، أوْ معافًى، فصادَفَه مريضًا أوْ مسافِرًا؛ فلا شَيءَ عليه. وهل يَلزَمُ بالشُّروع، أوْ بالنِّيَّة؟ وقاله (٧) م (٨) مع الدُّخول فيه، فإنْ قَطَعَه؛ فعليه قضاؤه؛ قال ابن عبد البَرِّ: لا يَختَلِف فِي ذلك الفقهاءُ (٩). وردَّه فِي «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّه لا يُعرَف هذا القولُ عن أحدٍ سواه، ولم يَقَع الإجماع علَى لزوم نافلةٍ بالشُّروع فيها، سوى الحجِّ والعُمْرة.

стр. 1814

ولا يَصِحُّ إلاَّ بالنِّيَّة، ويَجِبُ تَعْيينُ المنذور بالنِّيَّة لِيَتَمَيَّزَ. فإنْ نَوَى الخروجَ منه؛ فقيل: يَبطُل؛ لأِنَّه يخرج منه بالفساد. وقيل: لا؛ لتعلُّقه بمكان كالحج (١). (وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ) في ظاهر المذهب؛ لحديث عمر (٢)، ولأِنَّه عبادةٌ تصِحُّ فِي اللَّيل، فلم يُشْتَرَط له الصَّوم؛ كالصَّلاة. فعلَى هذا: أقله ما يُسمَّى به معتكِفًا لابِثًا، فظاهِرُه: ولو لحظةً. وجَزَم جماعةٌ: بأنَّ أقلَّه ساعةٌ، ولا يَكفِي عُبورُه. ويَصِحُّ الاِعْتكافُ فِي أيَّام النَّهْي التي لا يَصِحُّ صَومُها، ولو صام ثُمَّ أفْطَر عمدًا؛ لم يَبطُل اعتكافُه. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) بغير صَومٍ، فِي قَولِ ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٣)؛ لحديث عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا اعْتكافَ إلاَّ بصَومٍ» (٤)، ولأِنَّه لُبْثٌ فِي مسجدٍ، فلم يكن بمجرَّده قربةً؛ كالوقوف بعرفةَ.

стр. 1815

وأُجيب عنه: بأنَّه موقوفٌ عليها، ومن رفعه فقد وَهِم، ثمَّ لو صحَّ؛ فيُحمَل علَى نفي الكمال؛ جَمْعًا بَينَ الأدلَّة، ولأِنَّ إيجاب الصوم حكمٌ لا يَثْبُتُ إلاَّ بالشرع، ولم يصحَّ فيه نَصٌّ ولا إجماعٌ، وقِياسُهم يُرَدُّ عليهم؛ بأنَّه لُبثٌ فِي مكانٍ مخصوصٍ، فلم يُشترَط له الصَّومُ كالوقوف. (فَعَلَى هَذَا: لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا بَعْضِ يَوْمٍ)؛ لعدم وجود الصَّوم المشترَط. وظاهِرُه: لا فَرْق بين أن يصوم اليوم الذي اعْتَكَفَ بعضَه أمْ لا، وقطع المجْدُ وغيرُه بصِحَّته؛ لوجود اللُّبث بشَرطه، وأطْلَقَ فِي «منتهى الغاية» و «الفروع» الخِلافَ، والمذهبُ: البطلانُ؛ نَظَرًا إلَى أنَّ الصَّوم لم يُقصَد له. ولا يَصِحُّ فِي أيَّام النَّهْي التي لا يَصِحُّ صَومُها، واعتكافُها نَذْرًا ونفلاً؛ كصومها نذْرًا ونفلاً (١). فإذا كان الاِعْتِكافُ مُتَتابِعًا، فأتى (٢) فِي أثنائه يوم عيد؛ فإن قلنا بجواز اعتكافه، فالأَوْلَى أن يثبت مكانَه، ويجوز خروجه إلَى العِيد، ولا يَفْسُد اعتكافُه. وإن قلنا: لا يَجوزُ؛ خرج (٣) إلَى المصلَّى إن شاء وإلَى أهله، وعليه حرمةُ العكوف، ثمَّ يعود قبل غروب الشَّمس من (٤) يومه؛ لتمام أيَّامه، قاله المجْدُ. تنبيهٌ: لا يُشتَرَط أنْ يصومَ للاعتكاف ما لَم ينذر له الصَّوم؛ لظاهر الآية والخبر (٥)، وكما يصحُّ أن يعتكف في رمضان تطوُّعًا أو ينذر عنه به.

стр. 1816

وإذا قال: لله علَيَّ أن أعتكف صائِمًا، أو بصوم؛ لزماه معًا، فلو فرَّقهما، أو اعتكف وصام فرض رمضان ونحوه؛ لم يُجزِئْه؛ لأنَّ الصَّوم صفةٌ مقصودةٌ فيه؛ كالتَّتابُع. وقيل: يلزمه الجميع، لا الجَمْعُ، فله فِعْل كلٍّ منهما منفردًا. وإن (١) نذر أن يصوم معتكفًا؛ فالخلاف، كما لو نذر أن يعتكف مصليًا، ولا يلزمه أن يصلِّيَ جميع الزَّمان، وإن نذر أن يصلِّيَ صلاةً، ويقرأ فيها سورة بعينها؛ لزمه الجمع، فلو قرأها خارج الصَّلاة؛ لم يجزئه، ذكره في «الانتصار». (وَلَا يَجُوزُ الاِعْتِكَافُ مِنَ المَرْأَةِ (٢) بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا)، وِفاقًا (٣)، (وَلَا مِنَ العَبْدِ (٤) بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لتفويت منافعهما المملوكة لغيرهما، (فَإِنْ (٥) شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ)، -وإن كان فرضًا، قاله في «الشَّرح» وغيره-؛ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا)؛ لحديث أبِي هُرَيرة: «لا تصومُ المرأةُ وزوجُها شاهدٌ يومًا من غير رمضان إلاَّ بإذنه» رواه الخمسةُ، وحسَّنه التِّرمذيُّ (٦)، ولأِنَّه شروعٌ غير جائِزٍ، متضمِّنٌ لفوات حقهما، فملكا تحليلَهما منه؛ ليعود حقُّهما إلَى ما كان.

стр. 1817

وخرَّج (١) في «منتهى الغاية»: لا يُمنَعانِ من المنذور؛ كروايةٍ في المرأة في صومٍ وحجٍّ مَنذُورَين. وفي ثالثٍ: مَنْعُهما وتحليلُهما من نذرٍ مطلقٍ فقط؛ لأنَّه علَى التَّرَاخِي؛ كوجْهٍ لأصحابنا في صومٍ وحجٍّ مَنذُورَينِ. وفي رابعٍ: مَنْعُهما وتحليلُهما إلاَّ من مَنذُورٍ معيَّنٍ قبل النكاح والملك (٢)؛ كوجْهٍ لأصحابنا في سقوط نفقتها. قال في «الفروع»: ويتوجَّه إنْ لَزِم بالشُّروع فيه؛ فكالمنذور. فعلى الأوَّل: إن لم [يحلِّلاهما] (٣)؛ صحَّ وأجزأ، وجزم في «المستوعب»، واختاره ابن البنَّاء: يَقَعُ باطلاً؛ كصلاةٍ في مغصوبٍ، ونَصَّ عليه في العبد (٤). (وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ؛ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا)؛ لأنَّه ﵇ أذِن لعائشة وحفصة وزينب، ثمَّ مَنَعَهُنَّ بعد أنْ دَخَلْن فيه (٥)، ولأِنَّ حقَّهما واجبٌ، والتَّطوُّع لا يلزم بالشُّروع، ولهما المنعُ ابتداءً، فكذا دوامًا؛ كالعارية، بخلاف الحجِّ. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: إذا كان منذورًا؛ لم يكن لهما تحليلُهما منه؛ لأِنَّه يتعين (٦) بالشُّروع فيه، ويجب إتمامه كالحجِّ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بين أن يكون متعيِّنًا أو مطلَقًا.

стр. 1818

واختار المجْدُ في النذر المطلَقِ الذي يجوز تفريقه، كنذر (١) عشرة أيَّامٍ متفرِّقةٍ أو متتابِعةٍ إذا اخْتارَا فِعْلَه متتابِعًا، وأذن لهما فِي ذلك: يجوز تحليلُهما منه عند منتهى كلِّ يومٍ؛ لجواز الخروج منه كالتَّطوُّع، وظاهرُ كلامهم المنعُ كغيره. فَرعٌ: الإذْنُ في عَقْد النَّذْر إِذْنٌ في فعله إن نذرا زمَنًا معينًا (٢) بالإذن، وإلاَّ فلا؛ لأنَّ زمن الشُّروع لم يقتضه الإذْنُ السَّابق. وقدَّم المؤلِّف: مَنْعَ تحليلهما أيضًا؛ كالإذْنِ في الشُّروع. (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ السَّيِّد لا يَستحقُّ منافعَه، ولا يَملِك إجبارَه على الكسب، فهو مالِكٌ لمنافعه؛ كحُرٍّ مَدِينٍ، بخلاف أمِّ الولد والمدبَّر. وظاهره: لا فرق فيه بين الواجب وغيره، وسواءٌ حل نَجْمٌ أو لَا، وقال جماعةٌ: ما لم يَحِلَّ نَجْمٌ. ونقل الميمونِيُّ (٤): له الحجُّ من المال الذي جمعه ما لم يأت نجمه (٥)، وحمله القاضي وغيره على إذنه له، ومقتضاه: أنَّه يجوز بإذنه، نَصَّ عليه (٦)، والمراد: ما لم يَحِلَّ نَجْمٌ، وعنه: المنعُ مطلَقًا. (ومَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ)، وهي أن يتَّفق هو ومالك بعضه أن يكون له مدَّةٌ، ولمالك بعضه أخرى؛ (فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ)؛ لأِنَّ منافعه غير مملوكةٍ لسيِّده، بل هي له؛ كالحرِّ.

стр. 1819

(وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: لسيِّده مَنْعُه إذا لم يكن بينهما مهايأة؛ لأنَّ له ملكًا في منافعه في جميع الأوقات، فتجويزه يتضمَّن إبطالَ حقِّ غيره، وليس بجائزٍ. (وَلَا يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ)، لا نعلم فيه خلافًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، فلو صحَّ في غيرها؛ لم يختص بتحريم المباشرة؛ إذ هي محرَّمة في الاعتكاف مطلقًا، ولِأَنَّه «كان ﵇ يُدخِل رأسه إلى عائشةَ، وهو معتكِفٌ فترجِّلُه» متَّفقٌ عليه (٢)، وكان لا يَدخُل البيتَ إلاَّ لحاجةٍ. (يُجْمَعُ فِيهِ)؛ أي: تقام فيه صلاةُ الجماعة، ولو من معتكفِين؛ حذارًا إمَّا من تَرْك الجماعة الواجبة، أو تكرُّر الخروج المُنَافِي له مع إمكان التَّحرُّز منه، فإذا قيل: بأنَّها سنَّةٌ؛ فلا. ويُستثنَى منه: المعذورُ، والصَّبيُّ، ومَنْ هو فِي قريةٍ لا يصلي فيها غيرُه، ومن اعتكافه فِي مدَّةٍ غيرِ وقتٍ للصلاة. ويَحتَمِلُ أن لا يسقط عن المعذور؛ لأِنَّه من أهل الجماعة، وقد التزمه (٣). (إِلاَّ المَرْأَةَ، لَهَا الاِعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ)؛ للآية، والجماعة لا تلزمها (٤). وفِي «الانتصار»: في مسجدٍ تُقامُ فيه الجماعةُ، وهِي ظاهِرُ رواية ابن منصورٍ (٥) والخِرَقِيِّ؛ لما روى حَرْبٌ بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه

стр. 1820

سُئِل عن امرأة جَعَلَتْ عليها أن تَعتَكِفَ فِي مسجد بيتها؛ فقال: «بدعةٌ، وأبْغَضُ الأعْمَال إلَى الله البِدَعُ، فلا اعْتِكافَ إلاَّ فِي مسجدٍ تقام فيه الصَّلاةُ» (١). (إِلاَّ مَسْجِدَ بَيْتِهَا)، وهو ما اتخذته لِصَلاتها، ولو جاز لفَعَلَتْه أُمَّهات المؤمنين ولو مرَّة، تبيينًا للجواز، وهذا ليس بمسجد (٢) حقيقةً ولا حُكمًا. وظاهر «المحرَّر»: صحّتُه فيه، قال: وإنَّما كُرِه في مسجد الجماعة حيث لم تتحفظ بخباءٍ، نقل أبو داود: يعتكِفْنَ فِي المساجِدِ، ويَضربْنَ (٣) لَهُنَّ فيها الخِيَم (٤). قلت: ولا بأْسَ أن يستَتِرَ الرَّجل كَهِيَ، ذَكَرَه فِي «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه أخْفَى لعمله، ونقل ابن إبراهيمَ: لا، إلاَّ لبَردٍ شديدٍ (٥). مسألةٌ: رَحْبة المسجد ليست منه فِي روايةٍ، وهِيَ ظاهِرُ الخِرَقِيِّ. وعنه: بلَى، جَزَمَ به جماعةٌ منهم القاضِي؛ كظَهْرِه، وجَمَعَ بَيْنَهما فِي موضع فقال: إنْ كان عليها (٦) حائِطٌ وبابٌ؛ فهِيَ منه، وإلاَّ فلا. ومَنارتُه إن كانت فيه، أو بابُها فيه؛ فهي منه، بدليل مَنْع الجنب، وإن كانت خارجةً عنه، قال بعضهم: وهي قريبةٌ، فخرج للأذان؛ بَطَل اعْتكافُه، واخْتارَ ابْنُ البنَّاء والمجْد خلافَه.

стр. 1821

(وَالْأَفْضَلُ الاِعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ)؛ لئلاَّ يَحتاجَ إلى الخروج إليها فيَتْرُك الاعتكافَ، مع إمكان التَّحرُّز منه، ولا يلزم ذلك، وقاله أكثر العلماء، ولأِنَّه خرج لما لا بُدَّ منه، فكأنَّه اسْتَثْنَى الجُمُعةَ بلفظه، ولا يتكرَّر بخلاف الجماعة. وفي «الانتصار» وجْهٌ: يَلزَم، فإن اعتكف فِي غيره؛ بَطَلَ بخروجه إليها؛ لأنَّه أمكنه التَّحرُّز منه. لكن إن عيَّن بنذره المسجد الجامع؛ تعيَّن موضع الجمعة، فلو (١) اعتكف فيما تقام فيه الجمعة فقط؛ لم يصحَّ إن وجبت الجماعة. وظاهره: أنَّ الجمعة إذا لم تتخلَّل اعتكافه؛ لم يكن الجامعُ أفضلَ من غيره؛ لأنَّه لا يحتاج إلى الخروج. ولو اعتكف من لا تلزمه (٢) الجمعة في مسجدٍ لا تصلى فيه؛ بطل بخروجه إليها، إلاَّ أن يشترطه؛ كعيادة المريض. (وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ؛ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ)؛ لأِنَّ الله تعالَى لم يُعيِّن لعبادته موضِعًا، فلم يَتعيَّن بالنَّذر، ويبطل ببقاع الحجِّ، وفيه نَظَرٌ، ولو تعيَّن؛ احتاج إلى شدِّ رَحْلٍ، ذكره الأصحاب. ولعلَّ مرادَهم: إلا (٣) مسجدَ قُباء؛ «لأِنَّه ﵇ كان يأتيه كلَّ سبتٍ راكبًا أو ماشيًا، ويُصلِّي فيه ركعتَين»، وكان ابن عمر يفعله، متَّفقٌ عليه (٤). فإن لم يَحتَجْ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فظاهِرُ «الانتصار» و «المغني» و «الشَّرح»: يلزم.

стр. 1822

وذكر أبو الحسين احتِمالاً فِي تعيين المسجد العتيق للصَّلاة؛ لأنَّه أفضلُ. قال المجْدُ: ونذر الاعتكاف مثلُه. فعلَى المذهب: يعتكف في غير المسجد الذي عيَّنه. وظاهره: لا كفَّارةَ، وجزم به في «الشرح»، وظاهر كلام جماعة: يصلِّي فِي غير مسجدٍ. وإن أراد الذَّهاب إلَى ما عيَّنه، واحْتاجَ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فجزم بعضهم بإباحته، واختاره المؤلِّف فِي القصر، ومَنَعَ منه ابنُ عَقِيلٍ والشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)، وخيَّره القاضِي وغيرُه. وأمَّا ما لَم يَحتَجْ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فالمذهب: يُخيَّرُ، وفِي «الواضح»: الأفضلُ الوفاء، قال في «الفروع»: وهذا أظْهَرُ. (إِلاَّ المَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ)، فإنَّها تتعيَّن لفضل العبادة فيها علَى غيرها؛ لما رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلَى ثلاثة مَساجِدَ: المسجدِ الحرام، والمسجدِ الأقصى، ومسجدِي هذا» متَّفقٌ عليه، ولمسلمٍ في روايةٍ: «إنَّمَا يُسافَر إلاَّ (٢) إلَى ثلاثةِ مساجدَ» (٣). (وَأَفْضَلُهَا: المَسْجِدُ الْحَرَامُ)؛ لما رَوى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاةٌ فِي المسجد الحرام أفضلُ مِنْ مِائةِ ألْفِ صلاةٍ فِيمَا سِواهُ» رواه ابْنُ ماجَهْ من رواية أبِي الخطَّاب الدِّمَشقيِّ، وهو مَجهولٌ (٤)، وفي روايةٍ لأِحمدَ: «وصلاةٌ

стр. 1823

فِي المسجد الحرام أفضلُ من صلاةٍ فِي مسجِدِي بمائة صلاةٍ» (١). (ثُمَّ مَسْجِدُ المَدِينَةِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاةٌ فِي مسجدي هذا خَيرٌ من ألف صلاة فِيمَا سِواه، إلاَّ المسجدَ الحرامَ» متَّفقٌ عليه (٢). وقال عمرُ بنُ الخطَّاب وجَمْعٌ: المدينةُ أفضلُ (٣)، فدلَّ أنَّ مسجدها أفضلُ. وقال في رواية ابنِ أشْهَبَ (٤): إنَّ معنَى الحديثِ: أنَّ الصَّلاة فِي مسجد الرَّسول ﷺ أفضلُ من سائر المساجد بألْفِ صلاةٍ إلاَّ المسجدَ الحرامَ، فإنَّ الصَّلاة فِي مسجد الرَّسول ﷺ أفضلُ من الصَّلاة فيه بدون الألْف.

стр. 1824

وجوابُه: روايةُ أحمدَ السَّابقةُ. ويُستثنَى منه موضِعُ قَبرِه ﵇، فإنَّه أفضلُ بِقاع الأرض (١). (ثُمَّ الْأَقْصَى)؛ لما روى أبو الدَّرداء مرفوعًا قال: «صلاةٌ فِي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاةٍ» (٢)، وفِي حديث أبِي المهاجِر نحوُه (٣).

стр. 1825

(فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ)؛ كالمسجد الحرام؛ (لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي (غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه أفضلُها، احتجَّ به الإمامُ والأصحابُ. (وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ؛ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ)؛ أيْ: إذا نَذَرَه فِي مسجدِ الرَّسول ﷺ أو الأقْصَى؛ فله فعلُه فِي المسجد الحرام؛ لِأَفْضليَّته، وإنْ نَذَره فِي مسجد الرَّسول؛ لم يجزئه (١) غيرُه إلاَّ المسجدَ الحرامَ، وإذا عيَّن الأقْصَى؛ أجزأه المسجدان فقطْ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأفضليتهما عليه. ويُستثْنَى منه: ما إذا نَذَرَ الاعتكافَ فِي هذه المساجد، فدخل فيه ثمَّ انْهدَم مُعتَكَفُه -والعياذ بالله- ولم يُمْكِنْه المقام (٣) فيه؛ أتَمَّه فِي غيره لُزومًا، ولَم يَبطُل اعتكافُه، ذَكَرَه فِي «الشَّرْح». (وَإِنْ (٤) نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ)؛ تعيَّن عليه (٥)، و (لَزِمَهُ (٦) الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ)؛ أي: قبل غروب الشَّمس، نَصَّ عليه (٧)؛ إذ الشَّهر يدخل بدخول اللَّيلة، بدليل ترتُّب الأحكام المعلَّقة به، من حلول الدَّين، ووقوع الطَّلاق والعتاق المعلَّقَين به، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ به واجبٌ. وعنه: يدخل قبل فجرها الثَّانِي؛ رُوِي عن اللَّيث، واسْتُدِلَّ له بقول عائشةَ ﵂: «كان إذا أراد أن يعتكف؛ صلَّى الفجرَ، ثُمَّ دخل معتكَفَه» متَّفقٌ
следующие страницы →