← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

(وَالْأَفْضَلُ الاِعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ)؛ لئلاَّ يَحتاجَ إلى الخروج إليها فيَتْرُك الاعتكافَ، مع إمكان التَّحرُّز منه، ولا يلزم ذلك، وقاله أكثر العلماء، ولأِنَّه خرج لما لا بُدَّ منه، فكأنَّه اسْتَثْنَى الجُمُعةَ بلفظه، ولا يتكرَّر بخلاف الجماعة. وفي «الانتصار» وجْهٌ: يَلزَم، فإن اعتكف فِي غيره؛ بَطَلَ بخروجه إليها؛ لأنَّه أمكنه التَّحرُّز منه. لكن إن عيَّن بنذره المسجد الجامع؛ تعيَّن موضع الجمعة، فلو (١) اعتكف فيما تقام فيه الجمعة فقط؛ لم يصحَّ إن وجبت الجماعة. وظاهره: أنَّ الجمعة إذا لم تتخلَّل اعتكافه؛ لم يكن الجامعُ أفضلَ من غيره؛ لأنَّه لا يحتاج إلى الخروج. ولو اعتكف من لا تلزمه (٢) الجمعة في مسجدٍ لا تصلى فيه؛ بطل بخروجه إليها، إلاَّ أن يشترطه؛ كعيادة المريض. (وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ؛ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ)؛ لأِنَّ الله تعالَى لم يُعيِّن لعبادته موضِعًا، فلم يَتعيَّن بالنَّذر، ويبطل ببقاع الحجِّ، وفيه نَظَرٌ، ولو تعيَّن؛ احتاج إلى شدِّ رَحْلٍ، ذكره الأصحاب. ولعلَّ مرادَهم: إلا (٣) مسجدَ قُباء؛ «لأِنَّه ﵇ كان يأتيه كلَّ سبتٍ راكبًا أو ماشيًا، ويُصلِّي فيه ركعتَين»، وكان ابن عمر يفعله، متَّفقٌ عليه (٤). فإن لم يَحتَجْ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فظاهِرُ «الانتصار» و «المغني» و «الشَّرح»: يلزم.

стр. 1822

وذكر أبو الحسين احتِمالاً فِي تعيين المسجد العتيق للصَّلاة؛ لأنَّه أفضلُ. قال المجْدُ: ونذر الاعتكاف مثلُه. فعلَى المذهب: يعتكف في غير المسجد الذي عيَّنه. وظاهره: لا كفَّارةَ، وجزم به في «الشرح»، وظاهر كلام جماعة: يصلِّي فِي غير مسجدٍ. وإن أراد الذَّهاب إلَى ما عيَّنه، واحْتاجَ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فجزم بعضهم بإباحته، واختاره المؤلِّف فِي القصر، ومَنَعَ منه ابنُ عَقِيلٍ والشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)، وخيَّره القاضِي وغيرُه. وأمَّا ما لَم يَحتَجْ إلَى شدِّ رحْلٍ؛ فالمذهب: يُخيَّرُ، وفِي «الواضح»: الأفضلُ الوفاء، قال في «الفروع»: وهذا أظْهَرُ. (إِلاَّ المَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ)، فإنَّها تتعيَّن لفضل العبادة فيها علَى غيرها؛ لما رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلَى ثلاثة مَساجِدَ: المسجدِ الحرام، والمسجدِ الأقصى، ومسجدِي هذا» متَّفقٌ عليه، ولمسلمٍ في روايةٍ: «إنَّمَا يُسافَر إلاَّ (٢) إلَى ثلاثةِ مساجدَ» (٣). (وَأَفْضَلُهَا: المَسْجِدُ الْحَرَامُ)؛ لما رَوى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاةٌ فِي المسجد الحرام أفضلُ مِنْ مِائةِ ألْفِ صلاةٍ فِيمَا سِواهُ» رواه ابْنُ ماجَهْ من رواية أبِي الخطَّاب الدِّمَشقيِّ، وهو مَجهولٌ (٤)، وفي روايةٍ لأِحمدَ: «وصلاةٌ

стр. 1823

فِي المسجد الحرام أفضلُ من صلاةٍ فِي مسجِدِي بمائة صلاةٍ» (١). (ثُمَّ مَسْجِدُ المَدِينَةِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاةٌ فِي مسجدي هذا خَيرٌ من ألف صلاة فِيمَا سِواه، إلاَّ المسجدَ الحرامَ» متَّفقٌ عليه (٢). وقال عمرُ بنُ الخطَّاب وجَمْعٌ: المدينةُ أفضلُ (٣)، فدلَّ أنَّ مسجدها أفضلُ. وقال في رواية ابنِ أشْهَبَ (٤): إنَّ معنَى الحديثِ: أنَّ الصَّلاة فِي مسجد الرَّسول ﷺ أفضلُ من سائر المساجد بألْفِ صلاةٍ إلاَّ المسجدَ الحرامَ، فإنَّ الصَّلاة فِي مسجد الرَّسول ﷺ أفضلُ من الصَّلاة فيه بدون الألْف.

стр. 1824

وجوابُه: روايةُ أحمدَ السَّابقةُ. ويُستثنَى منه موضِعُ قَبرِه ﵇، فإنَّه أفضلُ بِقاع الأرض (١). (ثُمَّ الْأَقْصَى)؛ لما روى أبو الدَّرداء مرفوعًا قال: «صلاةٌ فِي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاةٍ» (٢)، وفِي حديث أبِي المهاجِر نحوُه (٣).

стр. 1825

(فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ)؛ كالمسجد الحرام؛ (لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي (غَيْرِهِ)؛ لأِنَّه أفضلُها، احتجَّ به الإمامُ والأصحابُ. (وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ؛ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ)؛ أيْ: إذا نَذَرَه فِي مسجدِ الرَّسول ﷺ أو الأقْصَى؛ فله فعلُه فِي المسجد الحرام؛ لِأَفْضليَّته، وإنْ نَذَره فِي مسجد الرَّسول؛ لم يجزئه (١) غيرُه إلاَّ المسجدَ الحرامَ، وإذا عيَّن الأقْصَى؛ أجزأه المسجدان فقطْ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأفضليتهما عليه. ويُستثْنَى منه: ما إذا نَذَرَ الاعتكافَ فِي هذه المساجد، فدخل فيه ثمَّ انْهدَم مُعتَكَفُه -والعياذ بالله- ولم يُمْكِنْه المقام (٣) فيه؛ أتَمَّه فِي غيره لُزومًا، ولَم يَبطُل اعتكافُه، ذَكَرَه فِي «الشَّرْح». (وَإِنْ (٤) نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ)؛ تعيَّن عليه (٥)، و (لَزِمَهُ (٦) الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ)؛ أي: قبل غروب الشَّمس، نَصَّ عليه (٧)؛ إذ الشَّهر يدخل بدخول اللَّيلة، بدليل ترتُّب الأحكام المعلَّقة به، من حلول الدَّين، ووقوع الطَّلاق والعتاق المعلَّقَين به، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ به واجبٌ. وعنه: يدخل قبل فجرها الثَّانِي؛ رُوِي عن اللَّيث، واسْتُدِلَّ له بقول عائشةَ ﵂: «كان إذا أراد أن يعتكف؛ صلَّى الفجرَ، ثُمَّ دخل معتكَفَه» متَّفقٌ

стр. 1826

عليه (١)، ولأِنَّ الصَّوم شرطٌ فيه، فلم يَجِب ابتداؤه قبل شرطه. وليس بظاهِرٍ؛ لأنَّه ﵇ لم يدخل إلاَّ بعد الصُّبح، وهم يُوجِبون الدُّخول قبل ذلك، مع أن اعتكافه كان تطوُّعًا، والتَّطوُّع متى شاء شرع، علَى أنَّ ابن عبد البَرِّ قال: (لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بهذا الحديث) (٢)، وفيه نظرٌ؛ لأِنَّه قول الأوزاعيِّ، واللَّيث، وإسحاق، وروايةٌ عن أحمد فيما إذا أراد أن يعتكف العشر الأخير تطوعًا، فإنَّه يدخل بعد صلاة الفجر أوَّل يومٍ منه، وحمل على الجواز. وقال القاضي: يحتمل أنَّه كان يفعل يوم العشرين ليستظهر ببياض يوم زيادة، والمنصوص (٣): أنَّه يدخل قبل ليلته الأولَى (٤). (إِلَى انْقِضَائِهِ)؛ لدخوله في مسمَّى نذره. وفيه إشارةٌ: أنَّه لا يلزمه سوى الشَّهر، وإن كان ناقصًا؛ لأنَّ ذلك مقتضى نذره، لكن إذا اعتكف رمضان، أو العشر الأخير؛ استُحِبَّ أن يبيت (٥) ليلة العيد فِي معتكفه، ويخرج منه إلى المصلى، نَصَّ عليه (٦)؛ ليصل طاعةً بطاعةٍ.

стр. 1827

(وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا؛ لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ)، نَصَّ عليه (١)، وذكره القاضي وجهًا واحدًا؛ لأنَّه معنًى يصح (٢) ليلاً ونهارًا، فإذا أطلقه؛ لزمه التَّتابُع، وكقوله: لا كلَّمتُ زيدًا شهرًا، وكمدَّة العدَّة والإيلاء، وصرَّح به في الكفَّارة تأكيدًا. وعنه: لا، اختارها الآجُرِّيُّ، وصحَّحها ابنُ شهاب وغيرُه؛ لصحَّة إطلاقه علَى ذلك، ولهذا يصِحُّ تقييده بالتَّتابُع، بخلاف اليمين. ويدخل معتكَفَه قبل الغروب من أوَّل ليلةٍ منه على الأصحِّ، ولا يخرج إلاَّ بعد غروب شمس آخر أيامه. ويكفيه (٣) شهرٌ هلالِيٌّ ناقصٌ بلياليه، أو ثلاثين يومًا بلياليها، ثلاثين ليلةً؛ فإن ابتدأه في أثناء النَّهار، تَمَّمه إلى مثل تلك السَّاعة في اليوم الحادي والثَّلاثين، وكذا إن ابتدأه في أثناء اللَّيل؛ تَمَّمه إلى ما ذكرنا إن لم يعتبر الصَّوم، وإن اعتُبِر (٤)؛ فثلاثين ليلةً صحاحًا بأيَّامها الكاملة. (وَمَنْ (٥) نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً)؛ كقوله: لله عليَّ أن أعتكف عشرين يومًا؛ (فَلَهُ تَفْرِيقُهَا)، ولم يلزمه التَّتابع، إلاَّ أن ينويَه؛ لأنَّ الأيَّام المطلَقَةَ توجد بدون التَّتابع، فلم يلزمه؛ كنذر صومها، واحتجاج ابن عباس في قضاء رمضان بالآية يدلُّ عليه (٦). (إِلاَّ عِنْدَ الْقَاضِي)، فيَلزَمه التَّتابع؛ كلفظ الشَّهر. فعلَى هذا: يلزمه اللَّيالِي الدَّاخلة في الأيَّام المنذورة، وعلى الأوَّل: لا،

стр. 1828

إلاَّ أن ينوي التَّتابُع أو يشرطه، وقيل: يلزمه إلاَّ في ثلاثين يومًا؛ للقرينة؛ لأنَّ العادة فيه لفظ الشَّهر، وهو ظاهِرٌ. (وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً) بشرطه أو نيته؛ (لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ) إذا نذر الأيَّام، (أَوْ نَهَارٍ) إذا نذر اللَّيالي، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّ اليوم اسمٌ لبياض النَّهار، واللَّيلةَ اسمٌ لسواد اللَّيل، والتَّثنية والجمع تكرار الواحد، وإنَّمَا يدخل ما تخلله (٢) للزوم التَّتابُع ضمنًا. وخرَّج ابنُ عَقيلٍ: لا يلزمه، واختاره أبو حكيم (٣)؛ لعدم تناول اللَّفظ له. وفي ثالث: لا يلزمه اللَّيل. فإن نذر اعتكاف يومين؛ لزمه يومان وليلةٌ بينهما. تنبيه: إذا نذر اعتكاف يوم معيَّنًا أو مطْلَقًا؛ دخل معتكفه قبل فجره الثَّانِي، وخرج بعد غروب شمسه؛ لأنَّه اسم لليوم (٤)، ولا يلزمه اللَّيلة التي قبله؛ لأنَّها ليست من اليوم. وإذا نذر ليلة؛ لزمته فقط، فيدخل قبل الغروب، ويخرج بعد (٥) فجرها الثَّانِي، وإن اعتبرنا الصَّوم؛ لم يلزمه شيءٌ. وإذا نذر اعتكاف يوم؛ لم يجز تفريقُه بساعات من أيام؛ لأنَّه يفهم منه التَّتابع، أشبه ما لو قيَّده به. وإذا (٦) قال في وسط النَّهار: لله عليَّ أن أعتكف يومًا من وقتي؛ تعيَّن منه إلى مثله، وفي دخول اللَّيل الخلاف.

стр. 1829

وإذا نذر شهرًا متفرِّقًا؛ فله تتابعه، قال المجد: لأنَّه أفضل؛ كاعتكافه في المسجد الحرام إذا نذر غيره. وإذا نذر اعتكاف يوم يقدَم زيد، فقدِم ليلاً؛ لم يلزمه شَيْءٌ، وإن قدِم في بعض النَّهار؛ لزمه اعتكاف الباقي، ولم يلزمه قضاء (١) ما مضى منه (٢).

стр. 1830

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ) فيما إذا عين مدَّةً، أو شرط التَّتابُعَ في عددٍ، (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ)؛ لما روت عائشةُ أنَّها قالت: «السُّنَّة للمعتكف: ألا يخرج إلاَّ لما لا بُدَّ منه» رواه أبو داود (١)؛ (كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ)؛ كالبول والغائط؛ إجماعًا (٢)، وسندُه قولُ عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ لا يدخل البيت إلاَّ لحاجة الإنسان» متَّفقٌ عليه (٣)، ولو بطل بالخروج إليهما؛ لم يصحَّ لأحدٍ اعتكافٌ، وكنَّى بها عنهما؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يحتاج إلى فعلهما. ويَلحَق بهما: قيءٌ بَغَتَهُ، وغسل متنجِّسٍ يحتاجه (٤). وله المشي على (٥) عادته، وقصد منزله إن لم يجد مكانًا يليق به، من غير ضررٍ عليه فيه ولا مِنَّة؛ كسقاية لا يحتشم مثله منها، ولا نقص عليه، قالوا: ولا مخالفة لعادته، وفيه نظرٌ، قاله في «الفروع». ويلزمه قصد أقرب منزليه (٦) لدفع حاجته، وإن بذل له صديقه أو غيره

стр. 1831

منزلَه القريب لقضاء حاجته؛ لم يلزمه؛ للمشقَّة بترك المروءة والاحتشام، فلو بال في المسجد؛ حرم (١)؛ لقوله ﵇: «إنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا» (٢). وفيه احتِمَالٌ؛ لفعل أبي وائلٍ (٣)، ويحتمل أنَّه يجوز لكِبَرٍ ومرَضٍ. وكذا يخرج لفصْدٍ وحجامةٍ، وفيهما احتمالٌ: يجوز في إناء؛ كالمستحاضة، والفرق: أنه لا يمكنها التَّحرُّز إلاَّ بترك الاعتكاف. وقيل: الجواز لضرورة. فإن بال خارجًا وجسدُه فيه لا ذَكَره؛ كُره، وعنه: يحرم. تنبيهٌ: الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به؛ في معنى ما سبق، نص عليه (٤)، ولا يجوز خروجه لهما في بيته، في ظاهر كلامه، واختاره الشَّيخان؛ لعدم الحاجة لإباحته، ولا نقص (٥) فيه، وذكر القاضي: أنه يتوجه الجواز، واختاره أبو (٦) حكيم؛ لما فيه من ترك المروءة، ويستحيي أن يأكل وحده، ويريد أن يُخفي جنس قُوتِه، وجوَّز ابن حامد اليسير، كلقمة ولقمتين (٧)، لا كل (٨) أكله.

стр. 1832

وله غسل يده (١) في إناءٍ من وسخ وزَفرٍ ونحوِهما. (وَالطَّهَارَةِ)؛ كغسل جنابة (٢) ووضوء لحدث، نَصَّ عليه (٣)، وقُدِّما على الاعتكاف؛ لأنَّ الجنب يحرم عليه اللُّبث فيه، والمحدث لا تصح (٤) صلاته بدون وضوءٍ، فإن قلنا: لا يكره وضوءُه فيه؛ فعله بلا ضررٍ، وكذا غسل جمعةٍ إن وجب، وإلاَّ لم يجز كتجديد الوضوء. (وَالْجُمُعَةِ)؛ لأنَّه خروج لواجِبٍ، فلم يبطل اعتكافه؛ كالمعتدَّة، وله التَّبكير إليها، نَصَّ عليه (٥)، وفي «منتهى الغاية (٦)» احتمالٌ: هو أفضل، وهو ظاهر كلام أبي الخطَّاب. وله إطالة المقام بعدها، ولا يكره؛ لصلاحية الموضع له، ويستحَبُّ عكسه في ظاهر كلام أحمد. ونقل أبو داود: التبكير (٧) أرجو (٨)، وأنَّه (٩) يركع بعدها عادته. ولا يلزمه سلوك الطريق الأقرب (١٠)، وظاهر (١١) ما سبق: لقضاء الحاجة، قال بعض أصحابنا: الأفضل خروجه لذلك وعوده في أقصر طريقٍ،

стр. 1833

لا سيَّما في النُّذور، والأفضل سلوك الأبعد إن خرج لجمعةٍ وعبادةٍ غيرها (١). (والنَّفِيرِ المُتَعَيِّنِ)؛ لأنَّه واجبٌ كالجمعة، وكذا إن تعيَّن خروجه لإطفاء حريقٍ، أو إنقاذ غريقٍ، ونحوه. (وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ)؛ لظاهر الآيات، وظاهره: ولو لم يتعيَّن عليه التَّحمُّل. واختار ابن حمدان: إن (٢) تعيَّن عليه حَمْلُها وأداؤها؛ خرج لها، وإلاَّ فلا، وإذا لم يتعيَّن عليه أداؤها؛ لم يَجُز الخروج. (وَالْخَوْفِ) على نفسه، أو حرمته، أو ماله، (مِنْ فِتْنَةٍ)؛ لأنَّه عذر في ترك الواجب بأصل الشَّرع كالجمعة، فههنا أوْلَى. (أَوْ مَرَضٍ) يتعذَّر معه المقام فيه؛ كالقيام المتدارِك، إذ لا يمكنه إلاَّ بمشقَّةٍ شديدةٍ، بأن يحتاج إلى خدمةٍ وفراشٍ، وإن كان خفيفًا؛ كالصُّداع ووجع الضِّرْس؛ لم يَجُز إلاَّ أن يباح به الفطر، فيفطر، فإنه يخرج إن قيل باشتراط الصَّوم، وإلاَّ فلا. (وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ)؛ لأنَّ اللبث معهما في المسجد حرامٌ، فإن لم يكن له رحبة (٣)؛ رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، وإن كان له رحبةٌ يمكنها ضرب (٤) خباء فيها بلا ضَررٍ؛ فعلت ذلك استحبابًا في قول الأكثر، فيشترط (٥) الأمن على نفسها (٦)، ولهذا قيل: مع سلامة الزَّمان، فإذا طهرت دخلته فأتت بما بقي منه.

стр. 1834

واختار ابن حمدان: يُسَنُّ جلوسها في الرَّحبة غير المحوطة. وإن خافت تلويثه (١)؛ فأين شاءت. (وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ) في منزلها؛ لوجوبها شرعًا كالجمعة، وهو حقٌّ لله ولآدميٍّ لا يستدرك إذا ترك، بخلاف الاعتكاف، ولا يبطل (٢) به. (وَنَحْوِهِ)؛ كما إذا تعينت عليه صلاةُ جنازةٍ خارجةٍ، ودَفْنُ ميتٍ، ونحوه، وكذا لو (٣) أكرهه سلطانٌ أو غيره على الخروج؛ فهو باقٍ على اعتكافه، كمن خاف من سلطانٍ أن يأخذه ظلمًا. وإن أخرجه لاستيفاء حقٍّ عليه، فإن أمكنه الخروج منه بلا عذرٍ؛ بطل، وإلاَّ فلا؛ لأنَّه خروجٌ لواجب (٤). وإن خرج ناسيًا؛ لم يبطل، كالصَّوم. وفي «الخلاف» و «الفصول»: يبطل؛ لمنافاته (٥) الاعتكاف؛ كالجماع. فَرعٌ: إذا زال العذر؛ رجع وقت إمكانه، فإن أخره؛ بطل ما مضى. ولا يبطل بخروجه تحت سقف، خلافًا لقوم. (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جَنَازَةً)، نَصَّ عليه (٦)، واختاره الأصحابُ؛ لقول عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ لا يُعَرِّجُ للسؤال عن المريض» رواه أبو داود (٧)،

стр. 1835

وفي معناهما: كلُّ قُربةٍ لا تتعيَّن؛ كتحمُّل الشَّهادة وأدائها، ولأنَّه خروجٌ منه بُدٌّ، فلم يَجُز ترك فريضةٍ لفضيلةٍ. (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ)، فيجوز، نَصَّ عليه (١)، وهو قول جماعةٍ من الصَّحابة ومن بعدهم (٢)، ولأنَّ الاشتراط يصيِّره كالمستثنى. وذكر التِّرمذيُّ وابن المنذر عن أحمد (٣): المنعَ؛ لما سبق. ولا فرق في الاشتراط بين ما كان قربة؛ كزيارة أهله وعالِمٍ، وبين ما كان مباحًا ويحتاجه؛ كالعشاء في بيته والمبيت فيه، جزم به في «المغني» و «الشرح»، وهو رواية؛ لأنه يجب بعَقدِه كالوقف، ولتأكد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما. وعنه: المنعُ، جزم به القاضي وابن عقيلٍ، واختاره المجد؛ لمنافاته الاعتكاف، كشرط ترك الإقامة في المسجد، والنزهة، والفرجة؛ لأنه لا يلائم الاعتكاف، بخلاف القربة. فإن شرط الخروج للبيع والشراء والتَّكسُّب بالصنعة (٤)؛ لم يجز، فلو قال: متى مرضت، أو عرض لي عارضٌ خرجت، فله شرطه؛ كالإحرام،

стр. 1836

وجعل المجْدُ فائدة الشَّرط هنا: سقوط القضاء في المدَّة المعيَّنة. (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ)، نقلها عنه الأثرمُ ومحمَّد بن الحكم (١)؛ لما روى أحمد عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علِيٍّ قال: «المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة والجمعة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحاجة وهو قائم» (٢). وقَولُ ابنِ المنجَّى: (إنَّه ليس بثابت (٣) فيه نَظَرٌ، فإنَّ إسنادَه صحيحٌ، قال أحمد: (عاصِمٌ عندي حجَّةٌ)، وهو محمولٌ على التَّطوُّع؛ جمعًا بينهما. وهذا الخلاف فيه إذا كان واجبًا، فأمَّا إن كان تطوعًا؛ فله تركه رأسًا، لكن الأفضل مقامه على اعتكافه؛ لفعله ﵇. (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ المَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ)؛ لقول عائشة قالت: «كنت أدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلاَّ وأنا مارَّة» متَّفقٌ عليه (٤)، وليس له الوقوفُ؛ لأنَّ فيه تَرْكًا للاعتكاف. (وَ) له (الدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ (٥) يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ)؛ لأنَّه محلٌّ للاعتكاف، والمكان لا يتعيَّن بالنَّذر والتَّعيين، فمع عدمه أوْلَى. ومحلُّه إذا كان أقرب إلى مكان حاجته من الأوَّل، فإن كان أبعدَ، أو خرج إليه ابتداءً بلا عُذْرٍ؛ بطل؛ لتركه لُبثًا مستحقًّا. (فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا؛ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالطَّهَارَةِ) عن

стр. 1837

حدَثٍ، والطَّعام والشَّراب، والجمعة، وكذا للحيض (١) والنِّفاس؛ (فَلَا شَيْءَ فِيهِ)؛ أي: لا قضاء؛ لأنَّ الخروج له كالمستثنى؛ لكونه معتادًا، ولا كفَّارة؛ إذ لو وجب فيه شيءٌ؛ لامتَنَع مُعظَم النَّاس منه، بل هو باقٍ على اعتكافه، ولم تنقص به مدته. (وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ المُعْتَادِ)؛ كالنَّفير المتعيِّنِ، والشَّهادة الواجبة، ونحوهما؛ فله أحوالٌ: أحدها: الخروج (فِي (٢) الاعتكافِ المنذور (المُتَتَابِعِ) غير المعيَّن؛ كعشرة أيَّامٍ متتابِعةٍ، (وَتَطَاوَلَ)؛ أي: زمنه؛ (خُيِّرَ) إذا زال عُذْرُه (بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ) ولا كفَّارة عليه؛ لأنَّه أتى بالمنذور على وجهه، فلم يلزمْه؛ كما لو نذر صوم شهر غير معيَّنٍ، فشرع ثمَّ أفطر لعذر، (وَإِتْمَامِهِ)؛ أي: يَبني ويقضي، (مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ)؛ لأنَّها تجبر ما حصل من فوات التَّتابع، وقد نبَّه الخِرَقيُّ على هذا في النَّذر. وذكر أبو الخطَّاب روايةً: أنَّه إذ ترك الصِّيام المنذور لعذر؛ أنَّه لا كفَّارة، كما لو أفطر في رمضان لعذرٍ. واختار في «المجرد»: أنَّ كلَّ خروجٍ لواجب؛ كشهادةٍ وجهادٍ متعيِّنين (٣)؛ لا كفارة فيه، فمقتضاه: أنَّ ما كان مباحًا؛ كخوفٍ من فتنةٍ ونحوه؛ أنَّها تجب؛ لأنَّه خرج لحاجة نفسه خروجًا غير معتاد. وفي «المغني»: تجب الكفَّارة، إلاَّ لعذر حيض أو نفاس؛ لأنَّه معتاد؛ كحاجة الإنسان.

стр. 1838

وضعَّفهما المجدُ؛ بأنا سوينا في نذر الصَّوم بين الأعذار، وبأن زمن الحيض يجب قضاؤه، لا زمن (١) حاجة الإنسان. وفيه نظَرٌ. وظاهر «المغني»: لا يقضي (٢)، وهو أظهر. وظاهره: أنَّه إذا لم يتطاول؛ أنَّه باقٍ على اعتكافه، وأنَّه لا يقضي، صرح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ كحاجة الإنسان. وظاهر الخِرَقيِّ وغيره: أنَّه يقضي، واختاره المجْدُ، كما لو طالت، والفرق ظاهِرٌ. وقد أشار إلى الحال الثَّانِي بقوله: (وَإِنْ فَعَلَهُ فِي (٣) مُتَعَيِّنٍ)؛ كشهر رمضان ونحوه؛ (قَضَى) ما ترك؛ ليأتي بالواجب، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ): أحدهما: يكفِّر، ونص عليها (٤) أحمد في الخروج لفتنة (٥)، وذكره الخِرَقيُّ فيها، والخروج لنفيرٍ وعدة؛ لتركه (٦) المنذور في وقته، إذ النذر كاليمين. والثَّانِي: لا كفَّارة عليه، وهو رواية، وظاهر «الوجيز»؛ لأنَّه خروج لا يُبطل الاعتكافَ، أشبَهَ الخروجَ لحاجة الإنسان، وكرمضانَ. والفرق: أنَّ فطره لا كفَّارة فيه لعذرٍ أو غيره. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إذا نذر أيَّامًا مطلَقةً، فإن قلنا: يجب التَّتابع على قول القاضي؛ فكالأولى، وإن قلنا: لا يجب -وهو المذهب-؛ تَمَّم ما بقي منها، ولا شيء عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه؛ لكنه يبتدئ اليوم الذي

стр. 1839

خرج فيه من أوله؛ ليكون متتابعًا (١). وقال المجد (٢): قياس المذهب: يخير بين ذلك وبين البناء على بعض اليوم، ويكفِّر (٣)، وهو ظاهر. (وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (٤) فِي المُتَتَابِعِ) المنذور؛ (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ)؛ لأنَّه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلاَّ به، أشبه حالة الابتداء. وظاهره: أنَّه يبطل بالخروج وإن قلَّ؛ كالجماع، فإن كان مختارًا عامدًا؛ فلا إشكال، وإن كان مكرَهًا أو ناسيًا؛ فقد سبق. فلو أخرج بعض جسده؛ لم يبطل، وإن كان عمدًا في المنصوص (٥)؛ لحديث عائشة المتَّفق عليه (٦). فرعٌ: إذا خرج في متتابِعٍ متعيِّنٍ؛ كنذره شعبان متتابِعًا؛ استأنف، كالقسم قبله، ويكفِّر. (وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ)، ولم يقيِّده بالتَّتابُع؛ كنذره اعتكاف رجب؛ لزِمتْه الكفَّارة روايةً واحدةً؛ لتركه المنذور في وقته المعيَّن بلا عذرٍ. (وَفِي الاِسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ): أحدهما: يلزمه، ذكرَ (٧) المجد: أنَّه أصحُّ في المذهب، وأنَّه قياس قول الخِرَقيِّ؛ لتضمُّن نذره التتابع (٨)، ولأنَّه أوْلَى من المدَّة المطلقة.

стр. 1840

والثَّانِي: يبني؛ لأنَّ التتابع هنا حصل ضرورة التعيين، فسقط بفواته؛ كقضاء رمضان. وأصلهما: مَنْ نَذَر صوم شهرٍ بعينه فأفطر في (١) بعضه. فرعٌ: إذا نذر اعتكاف أيَّامٍ متتابِعةٍ بصوم، فأفطر يومًا؛ أفسد تتابعه، ولزمه الاستئناف؛ لتركه (٢) الإتيان بما نذره على صفته، ذكره في «الشرح». (وَإِنْ وَطِئَ المُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ)؛ فهو حرامٌ؛ للنَّصِّ؛ (فَسَدَ اعْتِكَافُهُ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «إذا جامع المعتكف؛ بطل اعتكافه» رواه حرب بإسنادٍ صحيحٍ (٣)، وكالحجِّ والصَّوم. وإطلاق المؤلف يشمل العمد وغيره، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ ما حرم استوى عمده وسهوه، وكالحج. وخرَّج المجد من الصوم: عدم البطلان مع عذر النسيان، وقال: الصَّحيح عندي أنَّه يبني. (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لأجل الوطء في ظاهر المذهب؛ إذ الوجوب من الشَّرع، ولم يرد، وكالصَّلاة. والثَّانية، واختارها القاضي والشَّريف وأبو الخطَّاب في «خلافيهما»: وجوب الكفارة؛ كرمضان وكالحجِّ. والفرق ظاهرٌ. (إِلاَّ لِتَرْكِ نَذْرِهِ)، كذا خصَّ القاضي وجماعةٌ الوجوب، وفي «الفصول»: يجب في التَّطوُّع في أصحِّ الرِّوايتين، وبعَّدها المجْدُ. واختلفوا في موجبها: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، والشَّريف أبو جعفرٍ: (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ

стр. 1841

يَمِينٍ)؛ لأنَّها كفَّارة نذرٍ، وهي كفَّارة يمينٍ، ولكونه أفسد المنذور بالوطء، قاله الشَّيخان وغيرهما. (وَقَالَ الْقَاضِي) في «الخلاف»، وهو ظاهر كلام أحمد: (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ)؛ لأنَّها كفَّارة وطء (١)، أشبه المظاهر. وذكر بعضهم: أنَّ هذا الخلاف في نذر، وقيل: معين، فلهذا تجب فيه الكفَّارتان؛ كما لو نذر أن يحج (٢) في عام بعينه، فأحرم ثمَّ أفسد حجَّه بالوطء؛ تلزمه (٣) كفَّارةٌ للوطء، وكفارةُ يمين للنذر. (وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ؛ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) على المذهب المجزوم به عند الأكثر، وفيه احتمالٌ لابن عبدوسٍ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ كالصَّوم. فإذا فسد؛ خُرِّج في الكفَّارة الخلاف، ذكره ابن عقيل، وقال المجد: يتخرج وجه ثالث: تجب بالإنزال عن وطء (٤)، لا عن لمس وقُبلة. والنَّاسي كالعامد في إطلاق أصحابنا. واختار المجد: لا يبطل كالصَّوم. ولا تحرم (٥) المباشرة في غير الفرج بلا شهوةٍ؛ كتغسيل (٦) رأسه. وذكر القاضي احتمالاً: تحرم كشهوةٍ في المنصوص (٧). مسألةٌ: يُسنُّ أن يصان المسجد عن الجماع فيه، أو فوقه، ذكره في «الرعاية».

стр. 1842

وقال ابن تميم: يكره الجماع فوقه، والتَّمسح بحائطه، والبول عليه، نَصَّ عليه (١). وفي «الفروع»، وجزم به في «عيون المسائل»: أنَّه يحرم، وهو ظاهرٌ. فرعٌ: إذا سكِر في اعتكافه؛ فسَد، ولو سكر ليلاً؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد، كالحيض، ولا يبني؛ لأنه غير معذورٍ. وإن ارتدَّ فيه؛ فسد كالصَّوم. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ)؛ كالصَّلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، (وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ) من الجدال والمراء، وكثرة الكلام، والسِّباب، والفحش؛ لقوله ﵇: «مِنْ حُسْن إسْلامِ المرء تركُه ما لا يَعنِيهِ» (٢)، ولأِنَّه مكروهٌ في غير الاعتكاف، ففيه أوْلَى. وليس الصَّمت من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه (٣)، جزم به

стр. 1843

في «الكافي»، وقال ابنُ عقيلٍ: يكره الصَّمت إلى اللَّيل، فإن نذره لم يفِ به. ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، ذكره الأكثر؛ لأنَّه استعمالٌ له في غير ما هو له؛ كتوسُّد المصحف، وجزم في «التلخيص» و «الرعاية»: بالكراهة. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إن قال عند ما أهمه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يُوسُف: ٨٦]؛ فحسَنٌ (١). (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالمُنَاظَرَةِ فِيهِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لفعله ﵇، فإنَّه كان محتجبًا (٣) فيه، واعتكف في قبة (٤)، وكالطَّواف، قال أبو بكرٍ: لا يقرأ ولا يكتب الحديث، ولا يجالس العلماء. (إِلاَّ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، واختاره المجْدُ؛ فإنَّه يُسْتحَبُّ (إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ)، لا المباهاة (٥)؛ لظاهر الأدلَّة، وكالصَّلاة والذِّكر، ولأنَّ الطَّواف لا يتَّسع لمقصود الإقراء، بخلاف الاعتكاف. فعلى الأول: فِعْلُ (٦) ذلك أفضل من الاعتكاف، جزم (٧) به في «الوجيز» و «الفروع»؛ لتعدِّي نفعه.

стр. 1844

قال المجد: ويتخرَّج في كراهة القضاء وجهان، بناء على الإقراء، فإنَّه في معناه. مسائل: الأولى: لا بأسَ أن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدَّث معه، وتصلح شأنه، ما لم يلتذَّ بشيءٍ منها، ويتحدَّث مع من يأتيه (١) ما لم يكثر، ولا بأس أن يأمر بما يريد، خفيفًا لا يَشغَله، نَصَّ عليه (٢). الثَّانية: لا بأس أن يتزوَّج، ويشهَد النِّكاح، لنفسه ولغيره، ويصلح بين القوم، ويعود المريض، ويصلِّي على الجنازة، ويهنِّئ، ويعزِّي، ويؤذِّن، ويقيم، كلَّ ذلك في المسجد. ويُستحبُّ له ترك (٣) لبس رفيع الثِّياب، وأن لا ينام إلاَّ عن غَلَبَة ولو مع قرب الماء، وأن ينام متربِّعًا مستندًا، ولا يكره شيء من ذلك، خلافًا لابن الجوزي في رفيع الثياب، ولا بأس (٤) بأخذ شعره وأظفاره في قياس المذهب، وترجيل شعره، وكره ابن عقيل ذلك في المسجد؛ صيانةً له، وذكر غيره: يُسَنُّ، ويكره له أن يتطيَّب، ونقل ابن تميم عكسه؛ كالتَّنظيف، قال في «الفروع»: وهو أظهر. الثَّالثة: ينبغي لمن قصد المسجد للصَّلاة وغيرها أن ينويَ الاعتكاف مدَّةَ مقامه فيه، لا سيَّما إذا كان صائمًا، ذكره ابن الجوزيِّ في «المنهاج» ومعناه في «الغنية»، خلافًا للشَّيخ تقيِّ الدِّين (٥).

стр. 1845

تنبيهٌ: لا يجوز البيع والشِّراء في المسجد، للمعتكف وغيره، نَصَّ عليه في رواية حنبلٍ (١)، وجزم به الأكثر. وفي «الفصول» و «المستوعب»: يكره. فإن حرُم (٢)؛ ففي صحَّته وجهان. ويكره إحضار السِّلعة فيه على القول بالثَّاني. ويكره للمعتكف فيه اليسير؛ كالكثير، لكن نقل حنبلٌ (٣): أنَّه يجوز له بيعُ وشراءُ ما لا بدَّ له منه، طعام وغيره، فأمَّا التِّجارة والأخذ والعطاء؛ فلا. ولا يجوز أن يتكسَّب بالصَّنعة فيه؛ كالخياطة ونحوها، والقليل والكثير، والمحتاج وغيره سواء، قاله القاضي وغيره. ونقل حرب: التَّوقُّف في اشتراطه؛ فقيل له: يشترط أن يخيط؟ قال: لا أدري (٤). وفي «الرَّوضة»: لا يجوز له فعل غير ما هو فيه من العبادة. فإن احتاج للبسه خياطة لا للتَّكسب، فقال ابن البنَّاء: لا يجوز. واختار في «المغني» و «منتهى الغاية»: يجوز، وهو ظاهر الخِرقيِّ، كلفِّ عمامته والتنظيف. ولا يعمل الصَّنعة للتَّكسب، ولا بالبيع؛ لأنَّه إنَّما ينافي حرمة المسجد، بدليل إباحته في ممرِّه.

стр. 1846

(كِتَابُ المَنَاسِكِ) واحدُها: منسكٌ، بفتح السِّين وكسرها، فبالفتح: مصدَرٌ، وبالكسر: اسم (١) لموضع العبادة. وهي في الأصل من النَّسيكة، وهي الذَّبيحة المتقرَّب بها، ثمَّ اتُّسِع فيه فصار اسمًا للعبادة والطَّاعة، ومنه قيل للعابد: ناسكٌ، وقد غلب إطلاقها على أفعال الحجِّ؛ لكثرة أنواعها. وأخَّر الحجَّ عن الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم؛ لأنَّ الصَّلاة عماد الدِّين؛ لشدَّة الحاجة إليها، لتكرُّرها كل يوم خمس مرار، ثمَّ الزَّكاة؛ لكونها قرينة لها في أكثر (٢) المواضع، ولشمولها المكلَّف وغيره، ثم الصَّوم؛ لتكرُّره كلَّ سنةٍ، لكن البخاري قدم رواية الحجِّ على الصَّوم (٣)؛ للتَّغليظات الواردة فيه، نحو: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]، ونحو: «فليَمُت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٤)، ولعدم سقوطه بالبدل، بل يجب الإتيان به، إما بنفسه وإما بغيره، بخلاف الصوم. (يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)، الحجُّ: بفتح الحاء، لا بكسرها في الأشهر، وعكسه شهر الحِجَّة، وهو لغة: القصد إلى من تعظِّمه (٥)، وشرعًا: قصْدُ مكَّة للنُّسك.

стр. 1847

والعمرة لغة: الزِّيارة، يقال: اعتمره، إذا زاره، وشرعًا: زيارة البيت على وجه مخصوصٍ. والإجماع على وجوبه، وسنده: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]، والسُّنَّة مستفيضةٌ بذلك، وما ذكره من (١) وجوب العمرة هو نَصُّ أحمد (٢)، وقول جمهور الأصحاب، واحتجَّ أحمد وغيره بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. وظاهره: لا فرق بين المكِّيِّ وغيره؛ لقول عائشة: يا رسول الله! هل على النِّساء من جهادٍ؟ قال: «نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتال فيه، الحجُّ والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه، ورواته (٣) ثقات (٤)، وعن أبي رَزين العُقيلي: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعَن، قال: «حُجَّ عن أبيك واعتَمِرْ» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٥)، ولأنَّها تشتمل على إحرامٍ وطوافٍ وسعيٍ، فكانت واجبةً كالحجِّ.

стр. 1848

وعنه: هي سنَّةٌ، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)؛ لأنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: زعم رسولك أنَّ علينا الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّومَ والحجَّ، فقال: «صدق» رواه مسلمٌ (٢)، فلم يذكر العمرة. وأجيب: بأن اسم الحج يتناولها. وفي ثالثةٍ: تجب على غير المكي، وهي المنصورة في «المغني»، إذ ركن العمرة ومعظمُها هو الطَّواف، قال أحمد (٣): كان ابن عبَّاسٍ يرى العمرة واجبةً، ويقول: «يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنَّما عمرتكم الطَّواف بالبيت»، وهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكِّيِّ، وهو ضعيفٌ (٤). (فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً)؛ لما روى أبو هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيُّها النَّاسُ! إنَّ الله قد فرض عليكم الحجَّ فحُجُّوا»، فقال رجل: أكلَّ عام؟ فسكت، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لو قلتُ: نعَمْ لوجَبَتْ، ولمَا اسْتطعْتُم» رواه مسلمٌ (٥)، ولأنَّها عبادةٌ مؤقَّتةٌ بالعمر، أشبه الصَّلاة في

стр. 1849

وقتها، وهو فرض كفايةٍ كلَّ عام. (بِخَمْسةِ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ)، هما شرطان للصِّحَّة والوجوب، (فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أصلي؛ لأنَّه ممنوعٌ من دخول الحرم، وهو منافٍ له، (وَلَا مَجْنُونٍ)؛ للخبر (١)، ولعدم صحَّته، وقصد الفعل شرطٌ. (وَلَا يَصِحُّ (٢) مِنْهُمَا)؛ لأنَّ كلًّا من الحجِّ والعمرة عبادة من شرطها النِّيَّة، وهي لا تصحُّ منهما، لكن الكافر يعاقب عليه وعلى سائر فروع الإسلام؛ كالتَّوحيد إجماعًا. وعنه: لا، وهو الأشهر للحنفية (٣). وعنه: يعاقب على النواهي فقط. والمرتدُّ مثله، وهل يلزمه الحج باستطاعته في ردته إذا أسلم، بناء على أنه التزم حكم الإسلام، أو لَا يلزمه كالأصلي؟ فيه روايتان، فلو حجَّ، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ أسلم وهو مستطيعٌ، فهل يلزمه حجٌّ ثانٍ؟ فيه روايتان. ويبطل إحرامه، ويخرُجُ منه برِدَّته فيه كالصوم، ولا تبطل (٤) الاِستطاعة بالجنون. ولا فرق بين أن يعقده بنفسه، أو يعقدَه له وَلِيُّه، وقيل: يصح في الثانية، اختاره أبو بكر. ويبطل الإحرام بالجنون؛ لأنَّه لم يبق من أهل العبادة. وقيل: لا، كالموت، فيصير كالمغمَى عليه، والمعروف: لا يبطل به كالسكر (٥).

стр. 1850

(وَالْبُلُوغُ والحُرِّيَّةُ)، هما شرطان للوجوب والإجزاء. (فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ)؛ للخبر (١)، ولأنه غير مكلَّفٍ، (وَلَا عَبْدٍ)؛ لأن مدتهما تطول، فلم يجبا عليه؛ لما فيه من إبطال حق السيد كالجهاد. وفيه نظر؛ لأنَّ القصد منه الشهادة. (وَيَصِحُّ مِنْهُمَا)؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أن امرأةً رفعت إليه صبيًّا، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجْرٌ» رواه مسلمٌ (٢)، والعبد من أهل العبادة؛ فصحَّا منه كالحرِّ. (وَلَا يُجْزِئُهُمَا) عن حجَّة الإسلام بعد زوال المانع، وعليهما الحجُّ والعمرة بعد البلوغ والعتق؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما صبيٍّ حجَّ ثمَّ بلغ؛ فعليه حجَّة أخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثمَّ عَتَق؛ فعليه حجَّة أخرى» رواه الشافعي والبيهقي، قال بعض الحفَّاظ: لم يرفعه إلاَّ يزيد بن زُريع عن شعبة، وهو ثقةٌ (٣)، ولأنَّهما فعلا ذلك قبل الوجوب عليهما، فلم يجزئهما إذا صارا من أهله؛ كالصَّبيِّ يصلِّي ثمَّ يبلغ في الوقت، وهذا قول عامَّة العلماء إلاَّ شذوذًا، بل حكاه ابن عبد البر إجماعًا (٤). تنبيهٌ: المكاتَب، والمدبَّر، وأمُّ الولد، والمعتَق بعضه؛ كالقِنِّ. (إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ) الصَّبيُّ، (وَيَعْتِقَ) العبدُ، (فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا؛ فَيُجْزِئُهُمَا)؛ لأنَّهما أتيا بالنُّسك حال الكمال،

стр. 1851

فأجزأهما، كما لو وجد قبل الإحرام، واستدلَّ أحمد (١): بأنَّ ابن عبَّاسٍ قال: «إذا أُعتق (٢) العبدُ بعرفة؛ أجزأت عنه حجَّتُه، وإن أُعتق (٣) بجَمْعٍ (٤)؛ لم تجزئ عنه» (٥). لكن لو زال المانع بعد الخروج من عرفة، والوقت باق، ولو أقلَّ جزء؛ عاد فوقف بها أجزأه، نَصَّ عليه (٦)، وكما لو أحرم إذن، قال المؤلف وغيره: إنما يُعْتَدُّ بإحرام ووقوف موجودين إذن، وما قبله تطوع لا ينقلب فرضًا. وقال المجد وآخرون: ينعقد إحرامه موقوفًا، فإذا تغير حاله؛ تَبيَّنتْ (٧) فرضيته؛ كزكاة معجلة. وعنه: لا يجزئه، وقاله ابن المنذر (٨). وظاهر كلامه: لا فرق في وجود ذلك قبل (٩) السعي أو بعده، وقلنا بعدم ركنيته، أو سعى (١٠) وقلنا بركنيته ثم زال العذر، وهو أحد الوجهين؛ لحصول

стр. 1852

الركن الأعظم، وهو الوقوف، وتبعية (١) غيره له. والثَّاني: لا يجزئه، اختاره ابن عقيل والمجد، وفي «المجرد» (٢): هو قياس المذهب؛ لوقوع الرُّكن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبر للإحرام ثمَّ بلغ. فعلى هذا: لا يجزئه وإن أعاد السَّعي، ذكره المجد؛ لأنه لا يشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره، واستدامة الوقوف مشروع، ولا قدر له محدودٌ. وما ذكرناه هو جارٍ (٣) في طواف العمرة. وظاهره: أنَّه إذا زال المانع في أثناء طوافها؛ لا يجزئه، ولا أثر لإعادته (٤). وحيث قيل بالإجزاء؛ فلا دم لنقصهما في ابتداء الإحرام، كاستمراره. تنبيه: إذا زال المانع قبل الوقوف، أو في وقته وأمكن الإتيان؛ لزمه الحج على الفور، ولا يجوز تأخيره مع الإمكان؛ كالبالغ الحرِّ. (وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ) بنفسه (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ)، فلو أحرم بغير إذنه؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى لزوم مالٍ، فلم ينعقد بنفسه كالبيع. وقيل: يصحُّ، اختاره المجد؛ كصومٍ وصلاةٍ، فعلى هذا: يحلِّله منه إن رآه ضررًا، في الأصحِّ؛ كعبدٍ. والوليُّ: من يلي ماله، وظاهر رواية حنبل: يصحُّ من الأم أيضًا (٥)، اختاره جماعة.

стр. 1853

وفي عصبته؛ كالعم وابنه؛ وجهان. وظاهره: أنَّ الولي لا يحرم عن المميز؛ لعدم الدَّليل. (وَغَيْرُ المُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ)؛ أي: يعقد له الإحرام، ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلَّف، نَصَّ عليه (١)؛ لما روى جابر قال: «حَجَجْنا مع النَّبيِّ ﷺ ومعنا النساء والصِّبيان، فأحرمنا عن الصِّبيان» رواه سعيد (٢)، ولأنَّه يصحُّ وضوءُه كالبالغ، بخلاف المجنون، فصح عقده له؛ كالنِّكاح. (وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ)؛ لما روى جابر قال: «لبَّيْنَا عن الصبيان ورَمَيْنَا عنهم» رواه أحمد وابن ماجه (٣)، وروي عن ابن عمر في الرمي، وعن أبي بكر: «أنه طاف بابن الزبير في خِرقة» رواهما الأثرم (٤)،

стр. 1854

فدلَّ أن ما أمكن الصبيَّ فعلُه من وقوفٍ ومبيتٍ؛ لزمه؛ لأنَّ النيابة إنما تجوز مع العجز، وذلك منتفٍ. لكن لا يجوز أن يرميَ عنه إلا من رمى عن نفسه؛ كالنيابة في الحج، فإن قلنا بالإجزاء هناك؛ فكذا هنا، وإلا وقع الرمي عن نفسه إن كان محرمًا بفرضِه، وإن كان حلالاً لم يعتد به، وإن قلنا يقع الإحرام باطلاً هناك؛ فكذا الرمي هنا. وإن أمكن الصبيَّ أن يناول النائب الحصى؛ ناوَلَه (١)، وإلا استُحِب أن توضع الحَصَاة (٢) في كفِّه، ثم تؤخذ منه ويُرمى عنه، فلو جعل كف الصبي كالآلة، ورمى بها عنه؛ فحسن. ثم إن عجز عن الطواف؛ طِيف به محمولاً أو راكبًا، وتعتبر (٣) النية من (٤) الطائف به، وكونه ممن يصح أن يُعقد له الإحرام، فإن نواه عن نفسه وعن الصبي؛ وقع عن الصبي، كالكبير يطاف به محمولاً لعذر، ولا فرق في (٥) حامله أن يكون حلالاً أو حرامًا، أسقَط فرضَ نفسه (٦) أو لَا؛ لوجود الطواف

стр. 1855

من الصبي، فهو كمحمول (١) مريض. تنبيهٌ: يجتنب في حجِّه ما يجتنبه (٢) الكبير من المحظورات، والوجوب متعلِّق بالولِيِّ؛ لأنَّ الصَّغير لا يُخاطَب بخطاب تكليفيٍّ، وعن عائشة: «أنَّها كانت تُجرِّد الصِّبيان إذا دَنَوْا من الحرم» (٣)، وقال عطاء: «يُفعل به كما يَفعَل الكبير، ويشهد المناسك كلَّها، إلاَّ أنه لا يصلَّى عنه» (٤). فإنْ وطِئ فيه؛ فسدَ حجُّه، ولزمه المضِيُّ فيه، وعليه قضاؤه، ولا يَصِحُّ إلاَّ بعد البلوغ، نَصَّ عليه (٥)، كالمجنون إذا احتلم. وقيل: يَصِحُّ قبل بلوغه؛ كالبالغ. وقيل: لا قضاء عليه؛ لاستلزامه وجوب عبادةٍ بدنيَّةٍ على غير المكلَّف. وعلى الأوَّل: إذا قضى بدأ بحجَّة الإسلام، فإن أحرم به (٦) قبلها؛ انصرف إليها، وهل يجزئه عن القضاء؟ ينظر، فإن كان أدرك في الفاسدة جزءًا من الوقوف بعد بلوغه؛ أجزأ عنهما جميعًا، وإلاَّ فلا. (وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتُه فِي (٧) مَالِ الوَلِيِّ (٨)، هذا هو المذهب عند الجمهور؛ لأنَّه السَّبب فيه، وكما لو أتلف مال غيره بأمره، قاله ابن عقيل. (وَعَنْهُ: فِي مَالِ الصَّبِيِّ)، اختاره جماعةٌ؛ لأنَّه من مصلحته؛ ليألَف الحجَّ

стр. 1856

ويتمرَّن عليه، وكأجرة الطبيب، وحاملِه لشهود الجمعة وغيرها. ومحلُّ الخلاف يختص بما زاد على نفقة الحضر في قول الأكثر، خلافًا للقاضي، فإنَّه أوجبها على الصَّغير مطلقًا، واختار في موضع آخر الأوَّلَ، زاد المجد: وماله كثيرٌ يحتمل ذلك. فأمَّا سفره معه لخدمة، أو تجارة، أو إلى مكة لغرض صحيح؛ فهي على الصبي رواية واحدة. وقدَّم في «الفروع»: أنَّ النَّفقة على الولِيِّ، وفي الكفَّارة روايتان، والمؤلِّف سوَّى بينهما كغيره. ويختص الخلاف بما فعله الصَّبيُّ، ويلزم البالغَ كفارتُه مع خطأ ونسيان، قال المجد: أو فعَلَه الولي لمصلحته؛ كتغطية رأسه لبردٍ، أو تَطييبه (١) لمرض، وإن فعله به الولِيُّ لا لعذر؛ فالفدية عليه. وما لا يلزم البالغَ كفارتُه مع خطأ ونسيانٍ؛ لا يلزم الصَّبيَّ؛ لأنَّ عمده خطأ، فإذا وجبت على الولِيِّ ودخل فيها الصَّوم؛ كصومها عن نفسه (٢). (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لما فيه من تفويت حقِّه الواجب عليه. (وَلَا لِلْمَرْأَةِ (٣) الْإِحْرَامُ نَفْلاً إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا)؛ لتفويت حقِّه، وقيَّده بالنَّفل منها دون العبد؛ لأنَّه لا يجب عليه حجٌّ بحالٍ، بخلافها، قاله ابن المنجى. وفيه نظرٌ، فإنَّهم صرَّحوا بأن العبد لو نذره لزمه بغير خلافٍ نعلمه (٤)؛

стр. 1857

لأنَّه مكلَّف، فصحَّ نذْرُه كالحرِّ، لكن لسيده منعه منه إذا لم يكن نذره بإذنه في رواية، وفي أخرى: لا؛ لوجوبه عليه كالصلاة، وقيل: إن كان على الفور لم يمنعه. (فَإِنْ فَعَلَا)؛ انعقد إحرامُهما؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، فصحَّت بغير إذنٍ كالصَّوم. وقال ابن عقيلٍ: يتخرَّج بطلان إحرامه لغَصْبِه (١) نفسَه، فيكون قد حج في بدن غصب، فهو آكد من الحج بمال غصب، قال في «الفروع» (٢): وهذا متوجِّهٌ، ليس بينهما فرْقٌ مؤثِّر، فيكون هو المذهب، وصرَّح به جماعةٌ في الاعتكاف. (فَلَهُمَا (٣) تَحْلِيلُهُمَا) في ظاهر المذهب؛ لأنَّ حقَّهما لازم، فملكا إخراجهما منه كالاعتكاف، وفي «المغني» و «الشرح» في (٤) العبد: كالصوم المُضِرِّ بِبَدَنِه، ولا يفوت به حقٌّ. والثَّانية، ونقلها واختارها الأكثر: أنَّه ليس لهما (٥) تحليلهما. وعلى الأوَّل: لو حللها فلم تَقْبَل؛ أثِمتْ، وله مباشرتها. (وَيَكُونَانِ كَالمُحْصَرِ)؛ لأنَّهما في معناه. (وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنٍ؛ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا)؛ لأنَّه قد لزم بالشُّروع، وكنكاحٍ، وإعارة لرهن (٦). وعنه: له تحليل العبد؛ لأنَّه ملَّكَه منافع نفسه، فملك الرجوع فيها؛

стр. 1858

كالمعير، وله الرجوع قبل إحرام (١). وكذا لو أحرما بنذر أذن فيه لهما، أو لم (٢) يأذن فيه للمرأة. وإن علم العبد برجوع سيده عن إذنه؛ فكما لو لم يأذن، وإلا فالخلاف في عزل الوكيل قبل عِلمِه، وإن (٣) باعَه فمشتريه كبائعه في تحليله، وله الفسخ إن لم يعلم، إلا أن يملك بائعُه تحليلَه فيحلِّله (٤). تنبيهٌ: إذا أفسد العبد حجَّه بالوطء؛ لزمه المُضِيُّ فيه كالحرِّ، وعليه القضاء، ويصحُّ في رِقِّه (٥)؛ للزومه له كالنذر، بخلاف حجة الإسلام. وليس لسيده منعه منه إن كان شروعه فيما أفسده بإذنه؛ لأنَّ (٦) إذنه فيه إذن في موجَبه، ومن موجَبه قضاء ما أفسده على الفور، وإن لم يكن بإذنه؛ ففي منعه من القضاء وجهان كالنَّذر. وفي لزومه القضاء لفوات أو إحصار؛ الخلاف كالحر. وإن عتَقَ قبل أن يأتي بما لزمه من ذلك؛ لزمه أن يبدأ بحجَّة الإسلام، فإن خالف فكالحر. فإن عتَق في الحجَّة الفاسدة في حال يدرك به حجَّة الفرض؛ مضى فيها، وأجزأه عن الفرض والقضاء، خلافًا لابن عقيلٍ. ويلزمه حكم جنايته (٧) كحرٍّ معسِرٍ. وإن تحلل بحصر، أو حلَّله سيِّدُه؛ لم يتحلَّل قبل الصَّوم، وليس لسيده

стр. 1859

منعه منه (١)، نص عليه (٢). وإن مات العبد ولم يصم؛ فلسيِّده أن يُطعِمَ عنه، ذكره في «الفصول». وحكم الصبي في القضاء لفوات أو إحصار، وصحته منه وهو في القضاء بعد بلوغه، وإجزاؤه (٣) عنه، وعن حجة الإسلام؛ كالعبد. (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ) إذا كملت الشُّروط، (وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ)؛ لأنَّه واجبٌ بأصل الشَّرع، أشْبَه الصَّوم والصَّلاة أوَّل الوقت، وظاهره: ولو أحرمت قبل الميقات. ونفقتها عليه قدر نفقة الحضر. ويستحبُّ لها أن تستأذنه، نَصَّ عليه (٤)، فإن كان غائبًا كتبت إليه، فإن أذن (٥)، وإلاَّ حجَّت بمَحرمٍ. وعنه: له تحليلها. فيتوجه منه: منعها. وظاهره: أن له منعَها من الخروج إلى حجَّة الإسلام والإحرام إن لم تكمل الشُّروط، وصرَّح به الأصحاب، لكن لو أحرمت إذن بلا إذنه؛ لم يملك تحليلها في الأصحِّ؛ كالمريض. مسألةٌ: إذا أحرمت بواجب، فحلف زوجها بالطلاق الثَّلاث لا تحج العامَ؛ فليس لها أن تحل؛ لأنَّ الطلاقَ مباح، فليس لها ترك الفريضة لأجله، ونقل مهنى: أنه سئل عن هذه المسألة، فقال عطاء (٦): الطلاق هلاك، هي بمنزلة المحصر (٧).

стр. 1860

(فَصْلٌ) لا يجوز لوالد منع ولده من حجٍّ واجبٍ، ولا تحليله إن أحرم به، وليس للولد طاعته في تركه، فإن كان تطوُّعًا؛ فله منعه كالجهاد، فإن أحرم بغير إذنه؛ لم يملك تحليله؛ لوجوبه بشروعه فيه، فصار كالواجب ابتداءً. وكذا ليس لولي سفيه (١) منعه من حجِّ الفرض، ولا تحليله منه، ويدفع (٢) نفقته إلى ثقة ينفق عليه في طريقه، فإن أحرم بنفل، وزادت نفقته على نفقة الحضر، ولم يكتسبها؛ فالأصح: له منعه وتحليله بصوم، وإلا فلا، فإن منعه وأحرم؛ فهو كمن ضاعت نفقته. فرعٌ: حكم العمرة الواجبة؛ كالحجِّ المفروض في قول الأكثر. وهل يلحق المنذور به، فلا يملك منعها، أو لا كالتطوع؟ فيه روايتان، حكاهما أبو الحسين. وقيل: يفرق بين المُعَيَّن وغيره.
следующие страницы →