← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ويتمرَّن عليه، وكأجرة الطبيب، وحاملِه لشهود الجمعة وغيرها. ومحلُّ الخلاف يختص بما زاد على نفقة الحضر في قول الأكثر، خلافًا للقاضي، فإنَّه أوجبها على الصَّغير مطلقًا، واختار في موضع آخر الأوَّلَ، زاد المجد: وماله كثيرٌ يحتمل ذلك. فأمَّا سفره معه لخدمة، أو تجارة، أو إلى مكة لغرض صحيح؛ فهي على الصبي رواية واحدة. وقدَّم في «الفروع»: أنَّ النَّفقة على الولِيِّ، وفي الكفَّارة روايتان، والمؤلِّف سوَّى بينهما كغيره. ويختص الخلاف بما فعله الصَّبيُّ، ويلزم البالغَ كفارتُه مع خطأ ونسيان، قال المجد: أو فعَلَه الولي لمصلحته؛ كتغطية رأسه لبردٍ، أو تَطييبه (١) لمرض، وإن فعله به الولِيُّ لا لعذر؛ فالفدية عليه. وما لا يلزم البالغَ كفارتُه مع خطأ ونسيانٍ؛ لا يلزم الصَّبيَّ؛ لأنَّ عمده خطأ، فإذا وجبت على الولِيِّ ودخل فيها الصَّوم؛ كصومها عن نفسه (٢). (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لما فيه من تفويت حقِّه الواجب عليه. (وَلَا لِلْمَرْأَةِ (٣) الْإِحْرَامُ نَفْلاً إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا)؛ لتفويت حقِّه، وقيَّده بالنَّفل منها دون العبد؛ لأنَّه لا يجب عليه حجٌّ بحالٍ، بخلافها، قاله ابن المنجى. وفيه نظرٌ، فإنَّهم صرَّحوا بأن العبد لو نذره لزمه بغير خلافٍ نعلمه (٤)؛

стр. 1857

لأنَّه مكلَّف، فصحَّ نذْرُه كالحرِّ، لكن لسيده منعه منه إذا لم يكن نذره بإذنه في رواية، وفي أخرى: لا؛ لوجوبه عليه كالصلاة، وقيل: إن كان على الفور لم يمنعه. (فَإِنْ فَعَلَا)؛ انعقد إحرامُهما؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، فصحَّت بغير إذنٍ كالصَّوم. وقال ابن عقيلٍ: يتخرَّج بطلان إحرامه لغَصْبِه (١) نفسَه، فيكون قد حج في بدن غصب، فهو آكد من الحج بمال غصب، قال في «الفروع» (٢): وهذا متوجِّهٌ، ليس بينهما فرْقٌ مؤثِّر، فيكون هو المذهب، وصرَّح به جماعةٌ في الاعتكاف. (فَلَهُمَا (٣) تَحْلِيلُهُمَا) في ظاهر المذهب؛ لأنَّ حقَّهما لازم، فملكا إخراجهما منه كالاعتكاف، وفي «المغني» و «الشرح» في (٤) العبد: كالصوم المُضِرِّ بِبَدَنِه، ولا يفوت به حقٌّ. والثَّانية، ونقلها واختارها الأكثر: أنَّه ليس لهما (٥) تحليلهما. وعلى الأوَّل: لو حللها فلم تَقْبَل؛ أثِمتْ، وله مباشرتها. (وَيَكُونَانِ كَالمُحْصَرِ)؛ لأنَّهما في معناه. (وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنٍ؛ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا)؛ لأنَّه قد لزم بالشُّروع، وكنكاحٍ، وإعارة لرهن (٦). وعنه: له تحليل العبد؛ لأنَّه ملَّكَه منافع نفسه، فملك الرجوع فيها؛

стр. 1858

كالمعير، وله الرجوع قبل إحرام (١). وكذا لو أحرما بنذر أذن فيه لهما، أو لم (٢) يأذن فيه للمرأة. وإن علم العبد برجوع سيده عن إذنه؛ فكما لو لم يأذن، وإلا فالخلاف في عزل الوكيل قبل عِلمِه، وإن (٣) باعَه فمشتريه كبائعه في تحليله، وله الفسخ إن لم يعلم، إلا أن يملك بائعُه تحليلَه فيحلِّله (٤). تنبيهٌ: إذا أفسد العبد حجَّه بالوطء؛ لزمه المُضِيُّ فيه كالحرِّ، وعليه القضاء، ويصحُّ في رِقِّه (٥)؛ للزومه له كالنذر، بخلاف حجة الإسلام. وليس لسيده منعه منه إن كان شروعه فيما أفسده بإذنه؛ لأنَّ (٦) إذنه فيه إذن في موجَبه، ومن موجَبه قضاء ما أفسده على الفور، وإن لم يكن بإذنه؛ ففي منعه من القضاء وجهان كالنَّذر. وفي لزومه القضاء لفوات أو إحصار؛ الخلاف كالحر. وإن عتَقَ قبل أن يأتي بما لزمه من ذلك؛ لزمه أن يبدأ بحجَّة الإسلام، فإن خالف فكالحر. فإن عتَق في الحجَّة الفاسدة في حال يدرك به حجَّة الفرض؛ مضى فيها، وأجزأه عن الفرض والقضاء، خلافًا لابن عقيلٍ. ويلزمه حكم جنايته (٧) كحرٍّ معسِرٍ. وإن تحلل بحصر، أو حلَّله سيِّدُه؛ لم يتحلَّل قبل الصَّوم، وليس لسيده

стр. 1859

منعه منه (١)، نص عليه (٢). وإن مات العبد ولم يصم؛ فلسيِّده أن يُطعِمَ عنه، ذكره في «الفصول». وحكم الصبي في القضاء لفوات أو إحصار، وصحته منه وهو في القضاء بعد بلوغه، وإجزاؤه (٣) عنه، وعن حجة الإسلام؛ كالعبد. (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ) إذا كملت الشُّروط، (وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ)؛ لأنَّه واجبٌ بأصل الشَّرع، أشْبَه الصَّوم والصَّلاة أوَّل الوقت، وظاهره: ولو أحرمت قبل الميقات. ونفقتها عليه قدر نفقة الحضر. ويستحبُّ لها أن تستأذنه، نَصَّ عليه (٤)، فإن كان غائبًا كتبت إليه، فإن أذن (٥)، وإلاَّ حجَّت بمَحرمٍ. وعنه: له تحليلها. فيتوجه منه: منعها. وظاهره: أن له منعَها من الخروج إلى حجَّة الإسلام والإحرام إن لم تكمل الشُّروط، وصرَّح به الأصحاب، لكن لو أحرمت إذن بلا إذنه؛ لم يملك تحليلها في الأصحِّ؛ كالمريض. مسألةٌ: إذا أحرمت بواجب، فحلف زوجها بالطلاق الثَّلاث لا تحج العامَ؛ فليس لها أن تحل؛ لأنَّ الطلاقَ مباح، فليس لها ترك الفريضة لأجله، ونقل مهنى: أنه سئل عن هذه المسألة، فقال عطاء (٦): الطلاق هلاك، هي بمنزلة المحصر (٧).

стр. 1860

(فَصْلٌ) لا يجوز لوالد منع ولده من حجٍّ واجبٍ، ولا تحليله إن أحرم به، وليس للولد طاعته في تركه، فإن كان تطوُّعًا؛ فله منعه كالجهاد، فإن أحرم بغير إذنه؛ لم يملك تحليله؛ لوجوبه بشروعه فيه، فصار كالواجب ابتداءً. وكذا ليس لولي سفيه (١) منعه من حجِّ الفرض، ولا تحليله منه، ويدفع (٢) نفقته إلى ثقة ينفق عليه في طريقه، فإن أحرم بنفل، وزادت نفقته على نفقة الحضر، ولم يكتسبها؛ فالأصح: له منعه وتحليله بصوم، وإلا فلا، فإن منعه وأحرم؛ فهو كمن ضاعت نفقته. فرعٌ: حكم العمرة الواجبة؛ كالحجِّ المفروض في قول الأكثر. وهل يلحق المنذور به، فلا يملك منعها، أو لا كالتطوع؟ فيه روايتان، حكاهما أبو الحسين. وقيل: يفرق بين المُعَيَّن وغيره.

стр. 1861

(فَصْلٌ) (الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الاِسْتِطَاعَةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]، ولأنَّ الخطاب إنَّما هو للمستطيع؛ لأنَّ ﴿مَنْ﴾ بدل من ﴿النَّاسِ﴾، فتقديره: ولله على المستطيع؛ لانتفاء تكليف ما لا يُطاق شرعًا وعقلاً. (وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً)، نَصَّ عليه (١)؛ لمَا روى ابن عمر قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: ما يُوجِب الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ والرَّاحلة» رواه الترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم (٢)، وعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن السَّبيل، فقال: «الزَّادُ والرَّاحلةُ»، وكذا رواه جابِرٌ، وابن عمر، وعبد الله بن عمرٍو، وعائشة عنه (٣)، رواه الدَّار قطنيُّ (٤)، ولأنَّها عبادةٌ تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطًا كالجهاد.

стр. 1862

وليس هو شرطًا في الصِّحَّة والإجزاء، فإنَّ خلْقًا من الصَّحابة حجُّوا ولا شَيءَ لهم، ولم يؤمر أحد منهم بالإعادة، ولأنَّ الاستطاعة إنما شرطت للوصول، فإذا وصل وفعل؛ أجزأه كالمريض. وظاهره: أنَّه إذا لم يستطع، وأمكنه المشيُ والتَّكسُّب بالصَّنعة، أنَّه لا يلزمه. واعتبر ابن الجوزي الزَّاد والرَّاحلة لمن يحتاجهما. وفي «الرعاية»: وقيل: من قدر أن يمشي عن مكة مسافة القصر؛ لزمه الحجُّ والعمرة؛ لأنَّه مستطيعٌ، فإن كان عادته السُّؤال، والعادة إعطاؤه؛ فللمالكيَّة قولان، وعندنا يكره لمن حرفته (١) السؤال. قال أحمد فيمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة: لا أحبُّ له ذلك، يتوكَّل على أزواد النَّاس (٢).

стр. 1863

ويعتبر الزاد مطلقًا إن احتاج إليه، وكونه ملكه (١)، فلو وجده في المنازل؛ لم يلزمه حمله، وإلا لزمه، سواء وجده بثمن مثله أو بزيادة؛ كماء الوضوء، والقدرة على وعاء الزاد؛ لأنَّه لا بدَّ منه. وأمَّا الرَّاحلة؛ فلا تشترط إلا مع البعد، وهو من بينه وبين مكة مسافة القصر فقط، إلا مع (٢) عجز؛ كشيخ كبير لا يمكنه المشي. (صَالِحَةً لِمِثْلِهِ، بِآلَتِهَا الصَّالِحةِ لِمِثْلِهِ) عادة؛ لأنَّه يتعلَّق به أمرٌ شرعيٌّ، فاعتبر فيه الصَّلاحيَة؛ كالنَّفقة والسُّكنى في حق الزوجة، فيعتبر في الزاد: أن يكون من الخاص إن كان من أولاد التُّجار والأمراء، أو من الخاصة (٣) إن لم يكن كذلك. وفي الرَّاحلة وآلتها: أن يكون الجمل جيِّدًا بمحارة إن كان كالأوَّل، وإلا فلا تشترط المحارة إذا أمكنه الركوب على القتب، ولا كون الجمل جيِّدًا، قاله ابن المنجى، وفيه شيء، فإن ظاهر كلامهم في الزاد: يلزمه مطلقًا؛ لظاهر الدليل، ولئلا (٤) يفضي إلى ترك الحجِّ، بخلاف الرَّاحلة. فإن لم يقدر على خدمة نفسه؛ اعتبر من يخدمه؛ لأنَّه من سبيله، ذكره في «المغني» و «الشرح»، فظاهره (٥): لو أمكنه لزمه؛ عملاً بالظاهر، وكلام غيرهما يقتضي أنه كالراحلة؛ لعدم الفرق. (أَوْ) يملك (مَا يَقْدِرُ (٦) عَلَى تَحْصِيل ذَلِكَ)؛ أي: الزَّاد والرَّاحلة؛ لأنَّ

стр. 1864

ملك الثَّمن كملك المثمن، بدليل أن القدرة على ما تحصل به الرَّقبة في الكفَّارة كملكها، ويعتبر الزَّاد والرَّاحلة لذهابه وعَوده. (فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ)؛ لأنَّهما من الحوائج الأصليَّة؛ لأنَّ المفلِس يقدَّم بهما على غرمائه، فهنا أولى، ويشتريهما بنقد بيده، فإن فضل منه (١) ما يحج به؛ لزمه، فإن كان المسكن واسعًا يفضل عن حاجته، وأمكنه (٢) بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل ما يحجُّ به؛ لزمه. قال في «الفروع»: ويتوجه مثله في الخادم والكتب التي يحتاجها كهما، فإن استغنى بإحدى نسختي كتاب؛ باع الأخرى. (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ)؛ لأنَّ ذمَّته مشغولةٌ به، وهو محتاجٌ إلى براءتها، وظاهره (٣): لا فرق بين أن يكون حالًّا أو مؤجَّلاً، لله تعالى أو لآدَمِيٍّ. (وَمُؤْنَتِهِ)؛ لقوله: «ابدأ بنفسك» (٤)، (وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) الذين يلزمه (٥) مُؤنتُهم؛ لأنَّ ذلك مقدَّم على الدَّين، فلأن يقدم على الحج بطريق الأَولى، ولتأكد حقِّهم، بدليل قوله ﵇: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوت (٦)» رواه أبو داود (٧)، (عَلَى الدَّوَامِ)، وهو معنى ما في «المحرر»: وكفاية دائمة له

стр. 1865

ولأهله، فظاهره (١): أنَّه قصد النفقة عليه وعلى عياله إلى أن يعود، ويبقى له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عائلته على الدوام؛ من عقار، أو بضاعة، أو صناعة، جزم به في «الهداية» و «منتهى الغاية»، وقدمه في «الفروع»؛ لتضرره بذلك، وكالمفلس (٢). وفي «الكافي» و «الرَّوضة»: إلى أن يعود، وقدَّمه في «الرعاية»، فيتوجه: أن المفلس مثله وأولى، ولم يتعرض في «الشرح» إلى هذا، وهو غريب منه. فَرعٌ: إذا خاف العَنَت؛ قدَّم النِّكاح عليه؛ لوجوبه إذن، ولحاجته إليه. وقيل: يقدِّم الحجَّ كما لو لم يَخَفْه، ولأنه أهم الواجبين، ويمكن تحصيل مصالحه بعد إحراز الحج. (وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ)؛ لما سبق (٣) في الاستطاعة، وكالبذل في الزَّكاة، ولا يلزمه قبول ما بُذِلَ له، سواء كان الزَّاد والرَّاحلة، أو المال؛ لما فيه من المنَّة؛ كبذل الرقبة في الكفارة، قال في «الفروع»: لا يملك ولا يجب، بخلاف الحجِّ (٤). ولا فرق في الباذل أن يكون أجنبيًّا أو قريبًا، حتَّى الابن. (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ)، ولم يَجُز له تأخيره، ويأتي به (٥) (عَلَى الْفَوْرِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لحديث ابن عباس: «تعجلوا إلى

стр. 1866

الحجِّ»؛ يعني: الفريضة، وحديث الفضل: «من أراد الحجَّ فليتعجَّل» رواهما أحمد (١)، وعن علِيٍّ مرفوعًا: «من مَلَك زادًا وراحلةً تُوصِلُه إلى بيت الله ولم يَحُجَّ؛ فلا عليه أن يموتَ يهوديًّا أو نصرانيًّا» رواه الترمذي، وقال: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقالٌ) (٢)، ولأنَّه أحد أركان الإسلام، فكان واجبًا على الفور كالصِّيام؛ إذ لو مات مات عاصيًا، وهو الأصحُّ للشَّافعيَّة (٣). وقيل: لا. وقيل: لا في الشَّابِّ. وكذا الخلاف لهم في صحيحٍ لم يحجَّ حتَّى زَمِن. وذكر ابن أبي موسى وجهًا، وذكره ابن حامد رواية: أنَّه يجب موسعًا، وله تأخيره، زاد المجد (٤): مع العزم على فعله في الجملة، لأنَّه ﵇ أمَّر أبا بكر على الحجِّ (٥)، وتخلَّف بالمدينة غير محارِب ولا مشغولٍ بشَيءٍ، وتخلَّف

стр. 1867

أكثر المسلمين مع قدرتهم عليه، ولأنه لو أخَّره لم يسم قضاء. والأوَّل هو المنصور؛ لأنَّ وجوبه بصفة الموسَّع يخرجه عن رتبة الواجبات؛ لتأخيره (١) إلى غير غاية، ويسمى (٢) قضاء فيه وفي الزَّكاة، وذكره في «الرعاية» وجهًا، ثم يبطل بما إذا غلب على ظنِّه أنَّه لا يعيش إلى سنة أخرى لا يجوز له تأخيره، وإذًا (٣) لا يسمى قضاءً. وقيل: إنه ﵇ لم يؤخره؛ لأنَّه فُرض سنة عشرٍ، والأشهر: سنة تسع، فقيل: أخَّره؛ لعدم الاستطاعة، وفيه نظرٌ. وقيل: لرؤية المشركين حول البيت عراة. وقيل: بأمر الله تعالى؛ لتكون حجَّته حجَّة الوداع في السَّنة التي استدار الزَّمان فيها كهيئته، وتتعلم منه أمته المناسك التي استقر أمره عليها، ويصادف وقفة الجمعة، ويكمل الله دينه، ويقال: اجتمع يومئذ أعيادُ أهل كل دينٍ، ولم يجتمع قبله ولا بعده. (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الحجِّ؛ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ)؛ كزَمانةٍ ونحوها؛ (لَزِمَهُ) على الفور (أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: إنَّ امرأةً من خثعم قالت: يا رسول الله! إنَّ أبِي أدركته فريضة الله في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «حُجِّي عنه» متَّفقٌ عليه (٤). زاد في «المغني» و «الشرح»: لو كان نضو الخلق، لا يقدر على الثُّبوت على الرَّاحلة إلاَّ بمشقَّةٍ غير محتملةٍ، يؤيِّده قول أحمد في المرأة إذا كانت ثقيلةً، لا يقدر مثلها يركب إلا بمشقَّةٍ شديدةٍ.

стр. 1868

وأطلق أبو الخطَّاب وجماعةٌ: عدم القدرة، ويسمى: المعضوب؛ لأنَّه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه كالصوم، وشرطه الاستطاعة، وسواء وجب عليه حال العجز أو قبله. وظاهره: أنَّه لا يشترط اتِّحاد النَّوع، بل تنوب امرأة عن رجل، وعكسه، ولا كراهة في نيابتها عنه. وفيه احتمال؛ لفوات رمَل، وحلق، ورفع صوته بالتَّلبية. وأضعف منه قول النَّخَعيِّ وابن أبي ذئب: لا يحج أحدٌ عن أحد (١). (مِنْ بَلَدِهِ)، أو من الموضع الذي أيس (٢) فيه، كالاستنابة عن الميت (٣)؛ لأنَّه وجب على المستنيب كذلك، فكذا [النائب] (٤) كقضاء الصوم. ويعتبر أن يجد مالاً فاضلاً عن حاجته المعتبرة، وافيًا بنفقة راكبٍ، فإن وجد نفقة راجل؛ لم يلزمه في الأصحِّ. وإن وجد مالاً، ولم يجد نائبًا؛ فعلى الخلاف في إمكان المسير (٥)، هل هو شرط للوجوب أو للزوم الأداء؟ فقياس المذهب: أنَّه يسقط، وعلى الثَّاني: يثبت الحجُّ في ذمَّته. فإن لم يجد مالاً يستنيب به؛ فلا حجَّ عليه بغير خلافٍ (٦).

стр. 1869

(وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ)؛ أي: عن المعضوب (١) (وَإِنْ عُوفِيَ) نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يبرأ. وسواء (٣) عوفي بعد فراغ النائب أو قبل فراغه في الأصح فيه؛ كالمتمتع إذا شرع في الصوم، ثم قدر على الهدي. والثَّاني: لا يجزئه، وهو الأظهر عند الشَّيخ تقيِّ الدِّين؛ كالمتيمم إذا وجد الماء في الصَّلاة. أمَّا إذا حصل البرء قبل إحرام النائب؛ فإنَّه لا يجزئه اتفاقًا (٤)؛ للقدرة على المبدل قبل الشُّروع في البدل كالمتيمم. وظاهره: أن المريض المرجُوَّ برؤه ليس له أن يستنيب؛ كالمحبوس. (وَمَنْ (٥) أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ (٦)؛ أي: إلى الواجب من الحجِّ والعمرة؛ (لَزِمَهُ ذَلِكَ)؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به واجب، كالسَّعي إلى الجمعة، (إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ المَسِيرِ)؛ أي: يكون الوقت متَّسعًا للخروج إليه، بحيث يمكنه المسير بما جرت به العادة، فلو أمكنه أن يسير سيرًا يجاوز العادة؛ لم يلزمه. (وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا)؛ لأنَّ في اللزوم بدونه ضررًا، وهو منفي (٧) شرعًا، وسواء كان قريبًا أو بعيدًا (٨)، ولو غير الطريق المعتاد، برًّا كان أو بحرًا غالبه السَّلامة؛ لحديث عبد الله بن عمرو: «لا يركب البحر إلا حاجٌّ، أو معتمِرٌ،

стр. 1870

أو غازٍ في سبيل الله» رواه أبو داود، وفيه مقالٌ (١)، ولأنَّه يجوز سلوكه بأموال اليتامى أشبه البَرَّ، فإن لم يكن له غالب؛ فخلاف، وخرَّجه في «منتهى الغاية» على الخلاف فيما إذا استوى الحرير والكتَّان. أما إذا غلب الهلاك؛ لم يلزمه سلوكه، وذكره المجد إجماعًا في البحر (٢). (لَا خَفَارَةَ فِيهِ)، وظاهره: ولو كانت يسيرةً، ذكره الجمهور؛ لأنَّها رشوةٌ، فلم يلزم بذلها في العبادة، (وَيُوجَدُ (٣) فِيهِ)؛ أي: في الطريق (المَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى المُعْتَادِ)؛ أي: يجد ذلك في المنازل التي ينزلها (٤)؛ لأنه لو كلِّف حمل مائه، وعلف بهائمه من موضعه إلى مكَّة؛ لأدَّى إلى مشقَّةٍ عظيمةٍ، ولأنَّه متعذِّر الإمكان، بخلاف زاد نفسه، فإنه يمكنه حمله. فعلَى هذا: يجب حمل الماء من منهَلٍ إلى منهَلٍ، وحمل الكلأ من موضع إلى موضع. (وَعَنْهُ: أَنَّ إِمْكَانَ المَسِيرِ (٥) وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ) من عدو (مِنْ شَرَائِطِ الوُجُوبِ)، وقاله جماعةٌ؛ لأنَّه غير مستطيعٍ، ولتعذر فعل الحج معه (٦)، كعدم الزَّاد والرَّاحلة.

стр. 1871

وظهر أنَّ المذهب: أنَّ أمْن الطَّريق وسعة الوقت من شرائط لزوم الأداء، اختاره أكثر أصحابنا؛ لأنَّه ﵇ فسَّر السَّبيل: «بالزَّاد والرَّاحلة» (١)، ولأنَّ إمكان الأداء ليس شرطًا في وجوب العبادة، بدليل ما لو زال المانع، ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن الأداء فيه، ولأنَّه يتعذر الأداء دون القضاء، كالمرض المرجو برؤه، وعدم الزاد والراحلة يتعذر معه (٢) الجميع. فعلى هذا: هل يأثَمُ إن لم يعزم على الفعل؟ يتوجَّه الخلاف في الصَّلاة. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخَفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهَا)؛ لأِنَّها غرامةٌ يقِفُ إمكان الحجِّ علَى بذلها، فلم يمنع الوجوب مع إمكان بذلها؛ كثمن الماء، وقيده في «المحرَّر» عنه: باليسيرة (٣)، وجوَّزها الشَّيخ تقيُّ الدِّين عند الحاجة إليها في الدَّفع عن المُخفر (٤)، ولا يجوز مع عدمها؛ كما يأخذه السُّلطان من الرَّعايا. (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ)؛ وجب قضاؤه، و (أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ)، وإن لم يُوصِ به؛ لِما روى ابن عبَّاسٍ: أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن أمِّي نذرت أن تحجَّ، فلم تحجَّ حتَّى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: «نعم حُجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمُّك دَين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء» رواه البخاريُّ (٥)، ولأنَّه حقٌّ استقرَّ عليه، فلم يسقط بموته كالدَّين، ويكون من جميع ماله؛ لأنَّه ﵇ شبَّهه بالدَّين، فوجب مساواته له، وسواء (٦) فرط بالتأخير أو لا.

стр. 1872

وظاهره: لا فرق بين الواجب بأصل (١) الشَّرع أو بإيجاب نفسه، ويُخرَج عنه من حيث وجب، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ القضاء بصفة الأداء كالصَّلاة، ويستناب مِنْ أقرب وَطنَيْه؛ لتخَيُّر (٣) المنوب (٤) عنه، فإن لزمه بخراسان، فمات ببغداد، أو بالعكس؛ فقال أحمدُ: يُحجُّ عنه من حيث وجب عليه، لا من حيث موته (٥)، ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين. ويجزئ دون الواجب إذا كان دون مسافة القصر؛ لأنَّه كحاضر، وإلا لم يجزئه؛ لأنَّه لم يكمل الواجب. وقيل: يجزئه؛ كمن أحرم دون ميقات. وقيل: يجزئ بحج عنه من ميقاته، لا من حيث وجب. وعلى كلِّ حالٍ؛ يقع الحجُّ عن المحجوج عنه. فإن مات هو أو نائبه في الطَّريق؛ حُجَّ عنه من حيث مات فيما بقي، نَصَّ عليه (٦)، مسافة وفعلاً وقولاً، وإن صُدَّ فعل ما بقي؛ لأنه أسقط بعض الواجب. (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ)، بأن لم يخلِّف ما يكفي الحجَّ من بلده، (أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وتزاحموا؛ (أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ)، كما لو خلَّف مائةً وعليه مثلها، والحجُّ يكفيه مائةٌ، فيطلع له خمسون. (وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ)، نَصَّ عليه (٧)؛ لقدرته على بعض المأمور به.

стр. 1873

وعنه: يسقط الحجُّ، عيَّن فاعله أم لا. وعنه: يقدم الدَّين؛ لتأكُّده. مسألةٌ: إذا أوصى بحجِّ نفلٍ، أو أطلق؛ جاز من الميقات، نَصَّ عليه (١)، ما لم تمنع منه (٢) قرينة. وقيل: من محلِّ وصيته؛ كحجٍّ واجبٍ. فإن لم يف ثُلُثه بالحج من بلده؛ حج (٣) من حيث يبلغ، أو يعان به في الحج، نص عليه (٤)، وقال: التطوع ما (٥) يبالي من أين (٦) كان (٧). أصْلٌ: يلزم الأعمى أن يحجَّ بنفسه بالشُّروط السَّابقة؛ لقدرته عليه كالبصير، بخلاف الجهاد، ويعتبر له قائد؛ كبصير يجهل الطَّريق، وهو كالمَحْرَم. وفي «الواضح»: يشترط للأداء قائدٌ يلائمه (٨)، أي: يوافقه، ويلزمه أجرة مثله. وقيل: وزيادة يسيرة، فلو تبرَّع لم يلزمه قبوله؛ للمنَّة.

стр. 1874

(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَى المَرْأَةِ: وُجُودُ مَحْرَمِهَا)، نقله الجماعةُ (١)، وهو المذهب؛ لما روى ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا تسافر امرأة إلاَّ مع ذي محرَمٍ، ولا يدخل عليها رجلٌ إلاَّ ومعها محرَمٌ»، فقال رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أخرج في جيش كذا (٢)، وامرأتي تريد الحجَّ، فقال: «اخرج معها» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (٣)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ ليس معها حرمةٌ» رواه البخاريُّ، ولمسلمٍ: «ذو محرَمٍ منها»، وله أيضًا: «ثلاثًا» (٤)، وهذا مع ظاهر الآية؛ بينهما عمومٌ وخصوصٌ، وخبر ابن عبَّاس خاصٌّ، ولأنَّها أنشأت سفرًا في دار الإسلام، فلم يجز بغير محرم؛ كحجِّ التَّطوُّع والزيارة والتِّجارة. وظاهره: لا فرق بين العجوز والشَّابَّة، لكن شرطه: أن يكون لعورتها حكم، وهي بنت سبع. ونقل أحمد بن إبراهيم: لا يحلُّ سفرها إلاَّ بمحرم، قال: إذا صار لها سبع سنين أو تسع (٥)، قلت: هو الظاهر؛ لقول عائشة: «إذا بلغت الجارية تسعًا فهي امرأةٌ» (٦). وعنه: لا يشترط في الحجِّ الواجب؛ كسفر الهجرة، ولأنَّها تخرج مع كل

стр. 1875

من أَمِنته. وعنه: لا يشترط في القواعد من النِّساء التي لا يُخشى منهن ولا عليهن فتنةٌ. وعنه: لا يعتبر إلاَّ في مسافة القصر، كما لا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف. واختار الشَّيخ تقيِّ الدَّين: تحج (١) كل امرأةٍ آمنةٍ مع عدم المحرم، وقال: هذا متوجِّه في كل سفر طاعة (٢)، والظَّاهر أنَّ اختلاف الرِّوايات لاختلاف السَّائلين وسؤالهم، فخرجت جوابًا. وظاهر كلامهم: اعتبار المحرم لإماء المرأة وعتقائها، لكن قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣): إماء المرأة يسافرْنَ (٤) معها، ولا يفتقرْنَ إلى محرَم؛ لأنَّه لا محرَم لهن في العادة الغالبة. وأما عتقاؤها؛ فيَحتمِل أنهن كالإماء إن لم يكن لهن مَحْرَم، ويحتمل عكسه؛ لانقطاع التبعية وملكْنَ (٥) أنفسهن بالعتق. (وَهُوَ زَوْجُهَا، أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ)؛ لما روى أبو سعيدٍ مرفوعًا: «لا يَحِلُّ لاِمرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر (٦) تسافر سفرًا يكون ثلاثة

стр. 1876

أيَّامٍ فصاعدًا، إلاَّ ومعها أبوها، أو ابنُها، أو زوجُها، أو ذو محرَمٍ منها» رواه مسلمٌ (١)، وأطلق على الزَّوج محرَمًا؛ لأن المقصود من سفر المحرم معها؛ صيانتها، وحفظها مع الخلوة والنَّظر، وهو موجودٌ فيه. (بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ)؛ كرضاعٍ، ومصاهَرةٍ، ووطْءٍ مباحٍ، بنكاحٍ أو غيره، ودخل فيه رابُّها، وهو زوج أمها، وربيبها، وهو ابن زوجها، نص عليهما (٢). وخرج منه: الزَّانِي، والواطئ بشبهة، فليس بمحرَمٍ لأمِّ الموطوءة وابنتها؛ لأنَّ السَّبب غير مباحٍ، قال في «المغني» و «الشَّرح»: كالتَّحريم باللِّعان، وفي «الفروع»: المحرميَّة نعمة (٣)، فاعتبر إباحة سببها كسائر الرُّخص. وعنه: بلى، واختاره في «الفصول» في وطء الشبهة، لا الزنى. ومرادهم بالشبهة: الوطء الحرام مع الشبهة، كالجارية المشتركة، ذكره جماعة (٤). وظاهر كلامهم: أن وطء الشبهة لا يوصف بالتَّحريم، فيَرِد على إطلاقه: الملاعنة، فيزاد فيه: سبب مباح؛ لحرمتها، وذكره صاحب «الوجيز» والأدمي، فإنَّ تحريمها عليه عقوبة وتغليظًا، لا لحرمتها. وأزواج النَّبيِّ ﷺ ؛ أمُّهات المؤمنين في التَّحريم دون المحرمية، ولا يحتاج إلى استثنائهن؛ لانقطاع حكمهنَّ. وظهر أن زوج الأخت ليس بمحرَمٍ لأختها؛ لأنَّ تحريمها ليس على التَّأبيد.

стр. 1877

والعبد ليس بمحرَمٍ لسيِّدته؛ لأنَّها لا تحرم أبدًا، ولا يُؤمَن عليها كالأجنبي، ولا يلزم من النَّظر المحرميَّةُ. وعنه: هو محرَمٌ، وذكر في «شرح المُذهب»: أنه المذهب؛ لأنَّه يباح له النَّظر إليها، كذا محرمها، وهو منقوضٌ بالقواعد من النِّساء، وبغير أُولِي الإِرْبة. (إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلاً)؛ لأنَّ الصَّبيَّ والمجنون لا يَقُومان بأنفسهما، فكيف يخرجان مع غيرهما؟! ولأنَّ المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل ذلك منهما، ولا وجه لقوله في «الفروع»: ذكرًا. ويشترط إسلامه، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّ الكافر لا يؤمن عليها؛ كالحضانة، وكالمجوس؛ لاعتقاده حلَّها. قال في «الفروع»: (ويتوجه أنَّ (٢) مثله: مسلم لا يؤمن، وأنه لا يعتبر إسلامه إن أُمِن عليها). وكونه باذلاً للخروج معها، ولو عبدًا ونفقته عليها، نَصَّ عليه (٣)، فيعتبر أن تملك زادًا وراحلة لهما، ولو بذلت النَّفقة لم يلزمه السفر معها، وكانت كمن لا محرم لها، إلا العبد إذا قلنا: بأنَّه محرم؛ فيلزمه السفر معها. وعنه: يلزمه لأمره ﵇ الزَّوجَ بالسَّفر معها. وأجيب: بأنَّه أمْرٌ بعد حظرٍ، أو أمرُ تخيير (٤). فإن أراد أجرة؛ فظاهر كلامهم: لا يلزمها، ويتوجَّه: كنفقته؛ كما ذكروه في التَّغريب، فدلَّ على أنَّه لو تبرَّع لم يلزمها؛ للمنَّة.

стр. 1878

(وَعَنْهُ: أَنَّ المَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ)؛ كإمكان المسير، وتخلية الطَّريق، ولوجود السَّبب، فهو كسلامتها من مرضٍ، فعلى هذا: يحجُّ عنها لموت، أو مرضٍ لا يرجى برؤه، ويلزمها أن توصي به. وظاهر الخِرَقِيِّ: أنَّ المَحرم شرطٌ للوجوب، دون أمن الطَّريق وسعة الوقت، وقدَّمه المؤلِّف وغيره، وشَرَطهما في «الهداية» للوجوب. قال المجْدُ: والتَّفرقة على كلا الطَّريقين مشكِلةٌ، والصَّحيح التَّسوية بين هذه الشُّروط، إمَّا نفيًا وإمَّا إثباتًا. فرعٌ: إذا حجَّت بغير محرم؛ حرم وأجزأ؛ كما لو ترك حقًّا يلزمه من دَينٍ أو غيره؛ لتعلُّقه بذمَّته، ويصحُّ من معضوب، وأجير خدمة، بأجرة أو لا، وتاجر، ولا إثم، نص على ذلك (١). (وَإِنْ مَاتَ المَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ؛ مَضَتْ فِي حَجِّهَا)؛ لأنَّها لا تستفيد بالرُّجوع؛ لكونه بغير محرمٍ، ومحلُّه: إذا تباعدت، فإن كان تطوُّعًا، وأمكنها الإقامة ببلد؛ فهو (٢) أولى من السَّفر بغير محرم، وإن مات وهي قريبة؛ رجعت؛ لتقضي العدَّة في منزلها؛ لأنَّها في حكم المقيم، ذكره في «الشَّرح»، (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً)؛ لأنها لا (٣) تستفيد بالتَّحلل زوال ما بها؛ كالمريض. (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ)، في الصَّحيح؛ لحديث عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمِعَ رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك، ثم

стр. 1879

حج عن شبرمة»، احتج به أحمد في رواية صالح (١)، وإسناده جيِّدٌ، وصحَّحه البيهقيُّ (٢)، ولأنَّه حجَّ عن غيره قبل حجِّه عن نفسه، فلم يجز؛ كما لو كان صبيًّا. (وَلَا نَذْرُهُ، وَلَا نَافِلَةٌ (٣)؛ أي: لا يجوز أن يحرم بنذرٍ ولا نافلةٍ من عليه حجَّة الإسلام. (فَإِنْ فَعَلَ؛ انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) في الصُّوَر كلِّها، في اختيار الأكثر؛ لما روى الدار قطني بإسنادٍ ضعيفٍ: «هذه عنك، وحُجَّ عن شُبْرمةَ» (٤)، وقوله أولاً: «حج عن نفسك»؛ أي: استدمه، كقولك (٥) للمؤمن: آمن، ولأنَّ نيَّة التَّعيين ملغاةٌ، فيصير كما لو أحرم مطلقًا. وقال أبو حفص العُكبري: ينعقد عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاجُّ عن نفسه؛ لقوله ﵇: «اجْعَلْ هذه عن نفسك» رواه ابن ماجه (٦). وأجاب القاضي: بأنَّه أراد التَّلبية؛ لقوله: «هذه عنك»، ولم يَجُزْ فسخُ حجٍّ إلى حجٍّ.

стр. 1880

وعنه: يقع باطلاً، اختاره أبو بكر في «الخلاف»؛ لأنَّه لم يَنْوِ نفسَه، فلا يحصل له، وغيره ممنوع من الإحرام عنه، فلا يصح؛ لارتكابه النهي. (وَعَنْهُ): يجوز عن غيره، و (يَقَعُ مَا نَوَاهُ)، قال القاضي: هو ظاهر نقل محمد بن ماهان فيمَنْ عليه دَين لا مال له، أيحجُّ عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم (١)؛ لأنَّ الحجَّ تدخله النِّيابة، فجاز أن يؤدِّيَه من لم يسقط فرض نفسه، كالزَّكاة. وفي «الانتصار» رواية: يقع عمَّا نواه، بشرط عجزه عن حجِّه لنفسه. فعلى المذهب: لا ينوب من لم يسقط فرض نفسه. قال في «الفروع»: (ويتوجه ما قيل: ينوب في (٢) نفلٍ عبدٌ وصبيٌّ، ويجزئه (٣)، وجزم به في «الرِّعاية». ومتى وقع الحجُّ للحاجِّ؛ لم يأخذ شيئًا، وفي «الفصول» احتمالٌ). فرعٌ: إذا استناب عن المعضوب (٤) أو عن الميت، واحدًا في فرضه، وآخر في نذره في سنة؛ جاز، وزعم ابن عقيل: أنَّه أفضل من التَّأخير؛ لوجوبه على الفور، لكن يُحرم بحجَّة الإسلام أوَّلاً، وأيُّهما أحرم أولاً فعن حجة (٥) الإسلام، ثمَّ الأخرى عن النذر، ولو لم يَنوِ في ظاهر كلامهم. (وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الحَجِّ بِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يجوز، جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأنها (٦)

стр. 1881

حجَّة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها؛ كالمعضوب. والثَّانية: لا؛ لأنَّه قادرٌ علَى الحجِّ بنفسه، فلم تجز له الاستنابة؛ كالفرض. ومحلهما: إذا أدَّى حجة الإسلام، وهو قادر على الاستنابة (١) عليها بنفسه، أمَّا لو كان قادرًا، ولم يؤدِّ الفرض؛ لم يَصِحَّ أن يستنيب في التَّطوع؛ لأنَّه ممنوعٌ بنفسه، فنائبه أَوْلَى. وإذا أدَّى فرضَه ثمَّ عجز؛ جازت (٢) الاستنابة فيه؛ لأنَّه إذا جاز في الفرض؛ فالنفل أولى (٣)، ذكره في «المغني» و «الشرح». ويكفي النَّائبَ أن ينويَ المستنيب، ولا يشترط تسميته لفظًا، نَصَّ عليه (٤). وإن جهل اسمه أو نسبه؛ لبى عمن (٥) سلَّم (٦) إليه المال ليحجَّ به عنه.

стр. 1882

فَصْلٌ في مُخالَفةِ النَّائبِ إذا أمره بحجٍّ، فاعتمر لنفسه، ثمَّ حجَّ، فقال القاضي: لا يقع عن الآمِر، ويَردُّ كل النَّفقة؛ لأنَّه لم يؤمَر به. ونَصُّ أحمدَ (١)، واختاره المؤلِّف وغيره: إن أحرم من ميقات فلا، ومن مكَّة يرد من النَّفقة ما بينهما، ويلزمه دم لترك ميقاته. ومن أُمِر بإفراد فَقَرن؛ لم يضمن؛ لأنه زاد؛ كبيع بأكثر مما سُمِّي. وقيل: هدر (٢). وكذا إن تمتَّع، إلا أن يكون على العين، وقد أمره بتأخير العمرة فيرد حصتها. ومن أمر بتمتع فقرن؛ لم يضمن، وقال القاضي: يرد نصف النَّفقة؛ لفوات فضيلة التَّمتُّع. وعمرة مفردة كإفراده ولو اعتمر؛ لأنَّه أخل (٣) بها من الميقات. ومن أُمِر بقرانٍ فتمتَّع، أو أفرد؛ فللآمر، ويرد نفقة قدر ما تركه من إحرام النُّسك المتروك من الميقات، ذكره في «المغني» و «الشرح».

стр. 1883

وفي «الفصول» وغيرها: يرد نصف النَّفقة، وأن من تمتَّع لا يضمن؛ لأنه زاده خيرًا. وإن استنابه (١) رجل في حجٍّ، وآخر في عمرة، وأذنا له في القِران؛ جاز؛ لأنَّه نسكٌ مشروعٌ، وإن لم يأذنا؛ صحَّا (٢) له، وضمن الجميع؛ كمن أُمر بحج فاعتمر، أو عكسه، ذكره القاضي وغيره. وفي «المغني» و «الشَّرح»: يقع عنهما. فإن أذن (٣) أحدهما؛ رد على غير الآمر نصف نفقته وحده؛ لأنَّ المخالفة في صفته. وإن أُمِر بحجٍّ فحجَّ، ثمَّ اعتمر لنفسه، أو بالعكس؛ صحَّ ولم يضمن شيئًا؛ لأنَّه أتى بما أُمر به، وعليه نفقة نفسه مدة مُقامه لنفسه، فإن أرادوا إقامة تمنع القصر؛ فظاهره يخالف (٤) ما سبق. وإن أُمِر بالإحرام من ميقات؛ فأحرم قبله، أو من غيره، أو بلده فأحرم من ميقات، أو في عام أو شهر؛ فخالف؛ جاز، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»؛ لإذنه فيه في الجملة. وقال ابن عقيلٍ: أساء لمخالفته. وفي «الانتصار»: لو نواه بخلاف ما (٥) أمره به؛ وجب رد ما أخذه. مسألةٌ: يُستحَبُّ أن يحجَّ عن أبوَيه، قيَّده بعضهم: إن لم يَحُجَّا. وقيل: وغيرهما، ويقدِّم أمَّه؛ لأنَّها أحقُّ بالإكرام، ويقدِّم واجبَ أبيه على نفلها، نَصَّ

стр. 1884

عليهما (١)، نقل أبو طالِب: يقدِّم دين أبيه على نفله لنفسه (٢)، فأمُّه (٣) أولى. ولكلٍّ منهما منع ولده من نفل، لا تحليله؛ للزومه بالشروع، ويلزمه طاعتهما في غير معصية، ويحرم فيها.

стр. 1885

(بَابُ المَوَاقِيتِ) هي جمْعُ ميقاتٍ، ومعناه لغة: الحدُّ، والمراد به ههنا: زمن العبادة، ومكانها. (وَمِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)، بضمِّ الحاء وفتح اللاَّم، بينها وبين المدينة: ستَّة أميال أو سبعة، مسيرة عشرة أيَّامٍ. (وَأَهْلِ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالمَغْرِبِ: مِنَ (١) الْجُحْفَةِ)، بضمِّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، وهي قريةٌ جامِعةٌ على طريق المدينة، وكان اسمها: مهيعة، فجَحَف السَّيل بأهلها، وهي على ستَّة أميالٍ من البحر، وثمانِ مراحل من المدينة، وثلاثٍ من مكَّة. (وَأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ)، وهو جبلٌ من جبال تهامة، على ليلتين من مكَّة، والياء بدل من الهمزة؛ لأن أصله: ألملم (٢)، وليست بمزيدة (٣). (وَأَهْلِ نَجْدٍ)، هو بفتح النُّون، وسكون الجيم، قال صاحب «المطالع»: (هو ما بين جرش (٤) إلى سواد الكوفة، وكلُّها من عمل اليمامة) (٥)، وقال الجوهريُّ: (هو خلاف الغور، والغور: هو تهامة كلُّها، وكلُّ ما ارتفع من أرض العراق فنجْدٌ) (٦) انتهى، فنجد اليمن، ونجد الحجاز والطَّائف، (قَرْنٌ (٧)، بسكون الرَّاء فقط، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب، وهو

стр. 1886

تلقاء مكَّة، على يوم وليلة منها. (وَأَهْلِ المَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ)، هو منزلٌ معروفٌ، سمِّي به؛ لأنَّ فيه عرقًا، وهو الجبل الصَّغير، وقيل: العرق: الأرض السَّبخة تنبت الطَّرفاء. وأصله ما روى ابن عبَّاس قال: «وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشَّام الجحفة، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ، ممن (١) يريد الحج والعمرة، ومن كان دونهن؛ فَمُهَلُّه من أهله، وكذلك أهل مكة يُهِلُّون منها» (٢)، وعن ابن عمر نحوه (٣)، وعن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عِرْقٍ» رواه أبو داود والنسائي (٤)، وعن جابر مرفوعًا نحوه، رواه مسلمٌ (٥)، فدلَّ أن هذه

стр. 1887

المواقيت ثبتت (١) بالنَّصِّ. وقال بعض العلماء؛ منهم الشَّافعي في «الأم» (٢): إن ذات عرق باجتهاد عمر؛ ففي البخاري عن ابن عمر قال: «لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فحدَّ لهم ذات عرقٍ» (٣). والظَّاهر: أنه خفِيَ النَّصُّ، فوافقه برأيه، فإنَّه موفَّق للصَّواب. وليس الأفضل للعراقي أن يحرم من العقيق، وهو واد قبل ذات عرق بمرحلة أو مرحلتين يلي الشرق، وما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عبَّاس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق»؛ تفرد به يزيد بن أبي زياد، هو (٤) شيعي مختلَفٌ فيه، وقال ابن معين وأبو زرعة: لا يُحتجَّ به (٥)، وقال ابن عبد البر: ذات عرق ميقاتهم بإجماعٍ (٦).

стр. 1888

(وَهَذِهِ المَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا)، كما سلف، (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ (١)؛ كالشَّامي يمر (٢) بذي الحُلَيفة فإنَّه يحرم منها، نَصَّ عليه (٣)، قيل له: يُهِلُّ من ميقاته من الجحفة؟ قال: سبحان الله، واحتجَّ بالخبر (٤)، وحكاه النوويُّ إجماعًا (٥)، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ المالكيَّة وعطاءً وأبا ثور قالوا: يُحرِم من الجُحفة (٦)، ويتوجَّه لنا مثله، قاله (٧) في «الفروع». (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ المِيقَاتِ؛ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ)؛ للخبر السَّابق، ولو كان في قريةٍ يسكنها؛ جاز له الإحرام من أي جوانبها شاء، والأَوْلى الأَبْعد. (وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ؛ فَمِنَ الْحِلِّ)؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ أمر عبدَ الرَّحمن بن أبي بكرٍ أن يُعمِرَ عائشة من التَّنعيم» متَّفقٌ عليه (٨)، ولأنَّ أفعال العمرة كلَّها في الحرم، فلم يكن بدٌّ من الحِلِّ؛ ليجمع في إحرامه بين الحلِّ والحرم، بخلاف الحجِّ، فإنَّه يخرج إلى عرفة، فيحصل الجمع. وظاهره: من أيِّ الحلِّ أحرم؛ جاز، لكن قال أحمد: كلما تباعد فهو أعظم للأجر (٩). قيل: التَّنعيم أفضله (١٠)؛ لأنَّه أقرب الحِلِّ إلى مكَّة، وفي «التلخيص»

стр. 1889

و «المستوعب»: الجعرانة؛ لاعتماره ﵇ منها (١)، ثمَّ منه، ثم من الحديبية. وذكر ابن أبي موسى: أن من (٢) بمكة (٣) من غير أهلها إذا أراد عمرة واجبة؛ فمن الميقات، وإلا لزمه دم؛ كمن جاوز الميقات وأحرم دونه، وإن أراد نفلاً؛ فمن أدنى الحل. فلو خالف فأحرم بها من مكة؛ صحَّ، ولزمه دم لمخالفة (٤) الميقات، ويجزئه إن خرج إلى الحلِّ قبل طوافها، وكذا بعده، كإحرامه دون ميقات الحجِّ. وقيل: لا؛ لأنَّه نُسُكٌ، فاعتبر فيه الجمع بينهما كالحجِّ، فعليه: لا يعتدُّ بأفعاله، وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل (٥)، ثم يأتي بها، وإن أتى محظورًا فدى (٦)، وبالوطء يلزمه المضيُّ في فاسده، وقضاها بعمرة من الحل، ويجزئه عنها، ولا يسقط دم المجاوزة. فرعٌ: حكم من كان بالحرم؛ حكم من بمكَّة فيما ذكرنا. (وَإِذَا (٧) أَرَادُوا الحَجَّ فَمِنْ مَكَّةَ (٨)؛ لقول جابر: «أمرنا النَّبيُّ ﷺ لمَّا حللنا أن نحرم من الأبطح» رواه مسلمٌ (٩).

стр. 1890

وظاهره: لا ترجيح لموضع على آخر (١)، ونقل حرب عنه: من (٢) المسجد (٣)، ولم أجد عنه خلافه، ولم يذكره الأصحاب إلاَّ في «الإيضاح»، قال: يحرم به من الميزاب. وعنه: فيمن اعتمر في أشهر الحج، -زاد غير واحد: من أهل مكة-: يهل (٤) بالحج مِنْ الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم، وهي ضعيفة عند الأصحاب، وأوَّلَها بعضهم: بسقوط دم المتعة عن الآفاقي بخروجه إلى الميقات. وعنه: إذا أحرم من الميقات عن غيره، ودخل مكَّة فقضى نسكه، ثمَّ أراد أن يحرم عن نفسه واجبًا أو نفلاً، أو أحرم عن نفسه ثم أراد (٥) عن غيره، أو عن إنسانٍ، ثم عن آخر: يَخرج يُحرِم من الميقات، وإلا لزمه دمٌ، اختاره جماعةٌ، وفي «الترغيب»: لا خلاف فيه. وفيه نظرٌ، والأشهر: أنَّه لا يلزمه الخروج إليه، كما ذكره المؤلِّف، وهو ظاهر الخِرَقيِّ؛ عملاً بإطلاق الحديث. والمذهب: أنَّه يجوز من الحِلِّ والحرم، ونصره القاضي وأصحابه، كما لو خرج إلى الميقات الشَّرعيِّ، وكالعمرة، ومنعوا وجوب إحرامه من الحرم ومكة. (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ)؛ كعَيْذَاب (٦) فإنها في طرف

стр. 1891

المغرب (١)، (فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ المَوَاقِيتِ إِلَيْهِ أَحْرَمَ)؛ لقول عمر: «انظروا حذوها من قُدَيد» رواه البخاريُّ (٢)، ولأنه يعرف بالاجتهاد والتَّقدير، فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة. وهذا فيمن علم، فإن لم يَعلم حذو الميقات؛ أحرم مِنْ بُعد؛ إذ الإحرام قبله جائزٌ، وتأخيره عنه حرامٌ. فإن تساوى ميقاتان في القُرب إليه؛ أحرم من أبعدهما عن مكَّة. فإن لم يحاذ (٣) ميقاتًا؛ ففي «الرِّعاية»: أحرم عن مكَّةَ بقدر مرحلتين، وهو متَّجهٌ إن تعذر (٤) معرفة المحاذاة. (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ المِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه ﵇ وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنَّهم تجاوزوه (٦) بغير إحرامٍ، إلاَّ فيما نذكره (٧)، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا يَدخُل أحدٌ مكَّة إلاَّ بإحرامٍ»، فيه ضعفٌ، فإنَّه من رواية حجَّاج ومحمد بن خالد الواسطي (٨).

стр. 1892

وعنه: لا يلزمه، إلاَّ أن يريد نسكًا، ذكرها جماعةٌ، وصحَّحها ابن عقيلٍ، قال في «الفروع»: (وهي ظاهرةٌ، وينبني على عموم المفهوم، والأصل عدم الوجوب). وحكم من أراد دخول الحرم؛ كمكَّة، فإن لم يرد دخوله؛ لم يلزمه بغير خلاف (١)؛ لأنَّه ﵇ وأصحابه أتوا بدرًا مرَّتين (٢)، وكانوا يسافرون للجهاد، فيمرون بذي الحليفة بغير إحرامٍ. وظاهر كلامه: أنَّه إذا أرادها لتجارة، أو زيارةٍ، أنه يلزمه، نَصَّ عليه (٣)، واختاره الأكثر؛ لأنَّه من أهل فرض الحجِّ، ولعدم تكرر حاجته. والثَّانية، وهي ظاهر الخِرَقِيِّ: لا يلزمه، وحكاه أحمد عن ابن عمر (٤). فعلى الأولى: إذا دخل طاف وسعى، وحلق وحلَّ (٥)، نَصَّ عليه (٦)، وليس المراد به كل داخل، وإنما هو الحرُّ المسلم المكلف، فلو كان ممن لا

стр. 1893

يجب عليه، كالعبد والصَّبيِّ والكافر؛ لم يلزمهم الإحرام منه. فلو زال المانع بعد مجاوزته؛ فميقاتهم من موضعهم، ولا دم عليه. وعنه: بلى، كمن وجبت عليه. وعنه: يلزم من أسلم، نصره القاضي وأصحابه؛ لأنَّه حرُّ بالغٌ عاقلٌ؛ كالمسلم، وهو متمكِّنٌ من زوال المانع. (إِلاَّ لِقِتَالٍ (١) مُبَاحٍ)؛ «لدخوله (٢) ﵇ يوم فتح مكَّة وعلى رأسه المغفر» (٣)، ولم ينقل أنه هو ولا أحد من أصحابه أحرم، وحكم الخوف كذلك. (أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ (٤)؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ)؛ كالحشَّاش؛ لما روى حربٌ عن ابن عبَّاسٍ: «لا يدخلنَّ (٥) إنسانٌ مكَّةَ إلاَّ مُحرِمًا، إلاَّ الحمَّالين (٦)، والحطَّابين، وأصحاب منافعها»، احتجَّ به أحمدُ (٧). وحكم المكِّيِّ إذا تردَّد إلى قريةٍ (٨) بالحل كذلك؛ إذ لو وجب لأدى إلى

стр. 1894

ضرر ومشقَّة، وهو منفيٌّ شرعًا. قال ابن عقيلٍ: وكتحيَّة المسجد في حقِّ قَيِّمه؛ للمشقَّة. (ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ)؛ أي: من لا يلزمه، أو لم يُرِد الحرم (١)، (النُّسُكُ؛ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ)؛ لأنَّه حصل دون الميقات على وجهٍ مباحٍ، فكان له الإحرام منه؛ كأَهْلَةِ (٢) ذلك المكان، ولأنَّ من منزله دون الميقات لو خرج إليه ثم عاد؛ لم يلزمه. وعنه: يلزمه؛ كمن جاوزه مريدًا للنسك. (وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا للنُّسُكِ؛ رَجَعَ) إلى الميقات (فَأَحْرَمَ مِنْهُ)؛ لأنَّ الإحرام من الميقات واجبٌ، ومن قدر على الواجب لزمه فعله، سواء تجاوزه عالِمًا أو جاهلاً، علِم تحريم ذلك أو جهِله، وشَرْط الرُّجوع: ما لم يخَف فوت الحجِّ أو غيره، وأطلق في «الرعاية» وجهين. (فَإِنْ (٣) أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ)؛ صحَّ إحرامُه، (وَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من ترك نُسُكًا فعليه دمٌ» (٤)، ولتركِه (٥) الواجبَ.

стр. 1895

(وَإِنْ رَجَعَ إِلَى المِيقَاتِ) بعد إحرامه؛ لم يسقط الدَّم عنه، نَصَّ عليه (١)؛ لأنه وجب لترك إحرامه من ميقاته، فلم يسقط، كما لو لم يرجع. وعنه: يسقط؛ لإتيانه بالواجب. فرع: إذا أفسد نسُكَه هذا؛ لم يسقط دم المجاوزة، نَصَّ عليه (٢)، وعليه الأصحاب؛ كدم محظور، ولأنه الأصل. ونقل مُهَنَّى: يسقط (٣)؛ لأن القضاء واجب. (وَالاِخْتِيَارُ)؛ أي: الأفضل: (أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) المكانِيِّ؛ لفعله ﵇ (٤)، ولا يَعدِل عن الأفضل، والجواز حصل بقوله، ونقل صالح: إن قوي على ذلك فلا بأس (٥). واحتجَّ المجيز (٦): بما روت أمُّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «من أهلَّ بحجَّةٍ أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أو وجبت (٧) له الجنَّة»، شك عبد الله بن عبد الرَّحمن أيتهما قال، رواه أبو داود (٨)، قال بعضهم: وإسنادُه جيِّدٌ. وجوابه: بأنه يرويه ابن أبي فُديك، قال ابن سعد: (ليس بحُجَّةٍ)، وفيه نظرٌ، فإنه ثقة محتج به في الكتب الستة، وقوله في «الشرح»: (وفيه ابن إسحاق)؛ مردود.
следующие страницы →