← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المغرب (١)، (فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ المَوَاقِيتِ إِلَيْهِ أَحْرَمَ)؛ لقول عمر: «انظروا حذوها من قُدَيد» رواه البخاريُّ (٢)، ولأنه يعرف بالاجتهاد والتَّقدير، فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة. وهذا فيمن علم، فإن لم يَعلم حذو الميقات؛ أحرم مِنْ بُعد؛ إذ الإحرام قبله جائزٌ، وتأخيره عنه حرامٌ. فإن تساوى ميقاتان في القُرب إليه؛ أحرم من أبعدهما عن مكَّة. فإن لم يحاذ (٣) ميقاتًا؛ ففي «الرِّعاية»: أحرم عن مكَّةَ بقدر مرحلتين، وهو متَّجهٌ إن تعذر (٤) معرفة المحاذاة. (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ المِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه ﵇ وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنَّهم تجاوزوه (٦) بغير إحرامٍ، إلاَّ فيما نذكره (٧)، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا يَدخُل أحدٌ مكَّة إلاَّ بإحرامٍ»، فيه ضعفٌ، فإنَّه من رواية حجَّاج ومحمد بن خالد الواسطي (٨).

стр. 1892

وعنه: لا يلزمه، إلاَّ أن يريد نسكًا، ذكرها جماعةٌ، وصحَّحها ابن عقيلٍ، قال في «الفروع»: (وهي ظاهرةٌ، وينبني على عموم المفهوم، والأصل عدم الوجوب). وحكم من أراد دخول الحرم؛ كمكَّة، فإن لم يرد دخوله؛ لم يلزمه بغير خلاف (١)؛ لأنَّه ﵇ وأصحابه أتوا بدرًا مرَّتين (٢)، وكانوا يسافرون للجهاد، فيمرون بذي الحليفة بغير إحرامٍ. وظاهر كلامه: أنَّه إذا أرادها لتجارة، أو زيارةٍ، أنه يلزمه، نَصَّ عليه (٣)، واختاره الأكثر؛ لأنَّه من أهل فرض الحجِّ، ولعدم تكرر حاجته. والثَّانية، وهي ظاهر الخِرَقِيِّ: لا يلزمه، وحكاه أحمد عن ابن عمر (٤). فعلى الأولى: إذا دخل طاف وسعى، وحلق وحلَّ (٥)، نَصَّ عليه (٦)، وليس المراد به كل داخل، وإنما هو الحرُّ المسلم المكلف، فلو كان ممن لا

стр. 1893

يجب عليه، كالعبد والصَّبيِّ والكافر؛ لم يلزمهم الإحرام منه. فلو زال المانع بعد مجاوزته؛ فميقاتهم من موضعهم، ولا دم عليه. وعنه: بلى، كمن وجبت عليه. وعنه: يلزم من أسلم، نصره القاضي وأصحابه؛ لأنَّه حرُّ بالغٌ عاقلٌ؛ كالمسلم، وهو متمكِّنٌ من زوال المانع. (إِلاَّ لِقِتَالٍ (١) مُبَاحٍ)؛ «لدخوله (٢) ﵇ يوم فتح مكَّة وعلى رأسه المغفر» (٣)، ولم ينقل أنه هو ولا أحد من أصحابه أحرم، وحكم الخوف كذلك. (أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ (٤)؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ)؛ كالحشَّاش؛ لما روى حربٌ عن ابن عبَّاسٍ: «لا يدخلنَّ (٥) إنسانٌ مكَّةَ إلاَّ مُحرِمًا، إلاَّ الحمَّالين (٦)، والحطَّابين، وأصحاب منافعها»، احتجَّ به أحمدُ (٧). وحكم المكِّيِّ إذا تردَّد إلى قريةٍ (٨) بالحل كذلك؛ إذ لو وجب لأدى إلى

стр. 1894

ضرر ومشقَّة، وهو منفيٌّ شرعًا. قال ابن عقيلٍ: وكتحيَّة المسجد في حقِّ قَيِّمه؛ للمشقَّة. (ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ)؛ أي: من لا يلزمه، أو لم يُرِد الحرم (١)، (النُّسُكُ؛ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ)؛ لأنَّه حصل دون الميقات على وجهٍ مباحٍ، فكان له الإحرام منه؛ كأَهْلَةِ (٢) ذلك المكان، ولأنَّ من منزله دون الميقات لو خرج إليه ثم عاد؛ لم يلزمه. وعنه: يلزمه؛ كمن جاوزه مريدًا للنسك. (وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا للنُّسُكِ؛ رَجَعَ) إلى الميقات (فَأَحْرَمَ مِنْهُ)؛ لأنَّ الإحرام من الميقات واجبٌ، ومن قدر على الواجب لزمه فعله، سواء تجاوزه عالِمًا أو جاهلاً، علِم تحريم ذلك أو جهِله، وشَرْط الرُّجوع: ما لم يخَف فوت الحجِّ أو غيره، وأطلق في «الرعاية» وجهين. (فَإِنْ (٣) أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ)؛ صحَّ إحرامُه، (وَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من ترك نُسُكًا فعليه دمٌ» (٤)، ولتركِه (٥) الواجبَ.

стр. 1895

(وَإِنْ رَجَعَ إِلَى المِيقَاتِ) بعد إحرامه؛ لم يسقط الدَّم عنه، نَصَّ عليه (١)؛ لأنه وجب لترك إحرامه من ميقاته، فلم يسقط، كما لو لم يرجع. وعنه: يسقط؛ لإتيانه بالواجب. فرع: إذا أفسد نسُكَه هذا؛ لم يسقط دم المجاوزة، نَصَّ عليه (٢)، وعليه الأصحاب؛ كدم محظور، ولأنه الأصل. ونقل مُهَنَّى: يسقط (٣)؛ لأن القضاء واجب. (وَالاِخْتِيَارُ)؛ أي: الأفضل: (أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) المكانِيِّ؛ لفعله ﵇ (٤)، ولا يَعدِل عن الأفضل، والجواز حصل بقوله، ونقل صالح: إن قوي على ذلك فلا بأس (٥). واحتجَّ المجيز (٦): بما روت أمُّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «من أهلَّ بحجَّةٍ أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أو وجبت (٧) له الجنَّة»، شك عبد الله بن عبد الرَّحمن أيتهما قال، رواه أبو داود (٨)، قال بعضهم: وإسنادُه جيِّدٌ. وجوابه: بأنه يرويه ابن أبي فُديك، قال ابن سعد: (ليس بحُجَّةٍ)، وفيه نظرٌ، فإنه ثقة محتج به في الكتب الستة، وقوله في «الشرح»: (وفيه ابن إسحاق)؛ مردود.

стр. 1896

وجوابه: بأن معنى «أهلَّ»؛ أي: قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات، قاله القاضي. وأجاب في «المغني» و «الشرح»: بأنه يحتمل أن يكون خاصًّا ببيت المقدس؛ ليجمع بين الصَّلاتين في المسجدَين في إحرامٍ واحد، بدليل أنَّ ابن عمر أحرم منه (١)، ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات. (وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «من السُّنَّة ألاَّ يحرم بالحجِّ إلاَّ في أشهر الحجِّ» رواه البخاريُّ (٢)، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فلم يكن مختارًا؛ كميقات المكان. (فَإِنْ فَعَلَ)؛ أي: أحرم قبل ميقات المكاني والزماني (٣)؛ (فَهُوَ مُحْرِمٌ)،

стр. 1897

حكى ابن المنذر الصِّحَّة في تقدُّمه على ميقات المكان إجماعًا (١)؛ لأنه فعل جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين (٢)، ولم يقل أحد قبل (٣) داود إنه لا يصِحُّ. ولكنه (٤) مكروه، وجزم به المعظم؛ لأنَّه ﵇ لم يحرم من دويرة (٥) أهله، وكذا عامَّة أصحابه، وأنكره عمر على عمران بن حصين حين (٦) أحرم من مصر (٧)، وعثمان على عبد الله بن عامر حين أحرم من خراسان، رواهما سعيد (٨)،

стр. 1898

قال البخاري: (كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان (١) (٢)، ولأنَّه أحرم قبل الميقات (٣)، فكره (٤)؛ كالإحرام بالحج قبل أشهره، ولعدم أَمْنِه من محظور، وفيه مشقة عظيمة، كالوصال، وكيف يتصوَّر الأمن مع احتمال ما لا يمكن دفعه (٥). والمذهب المنصور: صحَّة الحج قبل أشهره، كما ذكره المؤلف؛ كالأول، نقل [أبو] (٦) طالب وسندي: يلزمه الحجُّ، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك بناء على أصله. وعنه: ينعقد عمرة، اختاره الآجُرِّيُّ وابن حامد. ونقل ابن منصور: يكره (٧). وذكر ابن شهاب العُكبري رواية: لا يجوز.

стр. 1899

وجه الأول: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٩]، وكلها مواقيت للناس، فكذا للحجِّ، وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البَقَرَة: ١٩٧]؛ أي: معظمه في أشهر؛ كقوله: «الحج عرفة» (١)، أو أراد حج المتمتع (٢)، وإن أضمر الإحرام؛ أضمرنا الفضيلة، والخصم يضمر الجواز، والمضمر لا يعم، وقول ابن عباس محمول على الاستحباب (٣). (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ)، رواه ابن عمر مرفوعًا (٤)، وقاله جمعٌ من الصَّحابة (٥)، ويوم النَّحر منه، وهو يوم الحجِّ

стр. 1900

الأكبر، نَصَّ عليه (١)؛ لأن العشر بإطلاقه للأيَّام كالعدَّة، وقال القاضي والمؤلف: العرب تغلب التَّأنيث في العدد خاصَّة؛ لسبق اللَّيالي، فتقول: سرنا عشرًا، وإنَّما فات الحج بفجر (٢) يوم النَّحر؛ لخروج وقت الوقوف فقط، والجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعض آخر؛ كعدة ذات القروء (٣).

стр. 1901

وعلم منه: أنَّ العمرة لا تقييد فيها بوقت، بل تفعل في كل السنة، وهي في رمضان أفضل؛ لما في «الصحيحين» عن ابن عباس مرفوعًا: «عمرة في رمضان تقضي حجَّةً»، أو قال: «حجَّة معي» (١)، ونقل عنه ابن إبراهيم: هي (٢) في رمضان أفضل، وفي غير أشهر الحج أفضل (٣). ولا يكره الإحرام بها يوم عرفة، والنحر، والتشريق؛ كالطواف المجرد؛ إذ الأصل عدم الكراهة، ولا دليل. وعنه: يكره، رواه النجاد عن عائشة (٤)، وخصَّها بعضهم بأيَّام التَّشريق.

стр. 1902

(بَابُ الْإِحْرَامِ) قال ابن فارس (١): هو نية الدُّخول في التَّحريم، كأنَّه يحرم على نفسه النِّكاح، والطِّيب، وأشياء من اللِّباس، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشِّتاء، وأربع: إذا دخل في الرَّبيع. وشرعًا: هو نيَّة النُّسك، لا نيته ليحج أو يعتمر (٢). (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ: أَنْ يَغْتَسِلَ)، ولو حائضًا ونفساء، ويتيمَّم لعدم، ولا يضر حدثه بعد غسله قبل إحرامه. (وَيَتَنَظَّفُ) بأخذ شعره وظفره، وقطع رائحة؛ لقول إبراهيم: «كانوا يستحبُّون ذلك، ثمَّ يلبسون أحسن ثيابهم» رواه سعيد (٣)، ولأن الإحرام عبادة، فسن (٤) فيه ذلك كالجمعة، ولأنَّ مدته تطول. (وَيَتَطَيَّبُ)؛ لقول عائشة: «كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم» رواه البخاريُّ (٥)، ومراده: في بدنه، وهو الذي ذكره أكثر المشايخ، وأورده ابن حمدان مذهبًا. والمذهب: يكره تطييب ثوبه (٦)، وحرَّمه الآجُرِّي فيه.

стр. 1903

وعلى المذهب: لا فرق فيه (١) بين أن تبقى (٢) عينه كالمسك، أو أثره كالبخور. فإن استدامه؛ فلا كفَّارة؛ لخبر يعلى بن أمية (٣). وأجيب: بأنَّه عام حُنين سنة ثمان، وما سبق في حجَّة الوداع. وامرأة كرجل. فإن نقله من بدنه من مكان إلى آخر، أو نقله عنه ثم رده، أو نزعه ثم لبسه؛ فدى، بخلاف ما لو سال بعرق أو شمس. (وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ، أَبْيَضَيْنِ، نَظِيفَيْنِ؛ إِزَارًا وَرِدَاءً) ونعلين؛ لما روى أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: «ليُحرِمْ أحدكم في إزار، ورداء، ونعلين» (٤)، قال ابن المنذر: (ثبت ذلك) (٥)، ولا فرق فيه (٦) بين الجديد وغيره. وفي «تبصرة الحلواني»: إخراج كتفه الأيمن من الرداء أولى. وظاهره: أنَّه يجوز إحرامه في ثوب واحد، وفي «التبصرة»: بعضه على عاتقه. (وَيَتَجَرَّدُ) الرَّجل (عَنِ المَخِيطِ)، وهو كلُّ ما يخاط؛ كالقميص والسَّراويل؛ لأنه «﵇ تجرَّد لإهلاله» رواه التِّرمذيُّ (٧).

стр. 1904

وكان ينبغي تقديمه على اللُّبس، لكن الواو لا تقتضي (١) التَّرتيب. (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُحْرِمُ عُقَيْبَهُمَا)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ قال: «إنِّي لأعلم النَّاس بذلك، خرج حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين؛ أهلَّ بالحج حين فرغ منهما» رواه أحمد وأبو داود (٢). وما ذكره من استحباب الرَّكعتين قبله؛ هو قول أكثر العلماء، ولا يركعهما وقت نهيٍ، ولا من عَدِم الماء والتُّراب. والمذهب: أنه يحرم عقَيب صلاة، فرضًا كانت أو نفلاً، نَصَّ عليه (٣)، وحكاه ابن بطَّال عن جمهور العلماء (٤)؛ لأنَّه «﵇ أهل في دُبُر صلاةٍ» رواه النسائي (٥).

стр. 1905

وعنه: عقبها. وظاهره: أنَّه إذا ركب وإذا سار سواء. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: عقب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصُّه (١). وقال في «الفروع»: (ويتوجه: إن كان بالميقات مسجد؛ استُحِبَّ صلاة الرَّكعتين فيه). ويستحب استقبال القبلة عند إحرامه؛ صح عن ابن عمر (٢). (وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ)؛ لفعله ﵇ (٣)، وفِعْلِ من معه في حجَّة الوداع، ولأنَّ أحكام ذلك تختلف، فاستحب تعيينه ليترتب عليه مقتضاه. وفي عبارته تسامح؛ لأن الإحرام هو نية النسك، فكيف ينوي النِّية، وحمله ابن المنجَّى: على أن معناه: ينوي بنيته نسكًا معيَّنًا، ثمَّ قال: والأشبه أنَّه شرطٌ؛ كما ذهب إليه بعض أصحابنا؛ لأنه كنيَّة الوضوء. (وَلَا يَنْعَقِدُ (٤) إِلاَّ بِالنِّيَّةِ)؛ لقوله: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (٥)، ولأنه (٦)

стр. 1906

عملٌ وعبادةٌ محضةٌ، فافتقر إليها كالصَّلاة، ونيَّة النُّسك كافية، نَصَّ عليه (١). وفي «الانتصار» روايةٌ: مع تلبية أو سوق هديٍ، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). وجه الأوَّل: أنه عبادة بدنيَّة، ليس في آخرها نطق واجب، فكذا أولها؛ كالصَّوم، بخلاف الصلاة، وأمَّا الهدي: فإيجاب مالٍ كالنذر، ورفع الصَّوت بها لا يجب، فكذا تابعه، ولو سلم فهو للنَّدب. وفي «الفروع»: يتوجه احتمال: تجب التَّلبية. فرع: إذا نطق بغير ما نواه؛ فالعبرة بالمنوي، لا بما سبق لسانه، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ (٣) عنه (٤). (وَ) يُستحَبُّ أن (يَشْتَرِطَ)؛ لقوله ﵇ لضُباعة بنت الزُّبَير حين قالت له: إنِّي أريد الحجَّ، وأجدني وجعة، فقال: «حُجِّي واشترطي، وقولي: اللَّهم مَحِلِّي حيث حبستني» متَّفقٌ عليه (٥). واستحبَّه الشَّيخ تقيُّ الدِّين للخائف خاصَّةً؛ جمعًا بين الأدلَّة (٦). (فَيَقُولُ)، هذا راجع إلى تعيين النُّسك، وعبارة «المحرر» أَوْلى (٧): (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي)، ولم يذكروا مثل هذا في الصَّلاة؛ لقصر مدَّتها، وتيَسُّرِها عادةً، (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ؛ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)؛ لقول عائشةَ لعروة: «قل: اللَّهم إني أريد الحجَّ، فإن تيسَّر وإلاَّ

стр. 1907

فعمرة» (١)، ويستفيد به: أنه متى (٢) حُبس بمرضٍ، أو عدُوٍّ، أو خطأ في طريق (٣)، وغيره؛ حَلَّ ولا شيء عليه، نص عليه (٤). لكن قال في «المستوعب» (٥) وغيره: إلا أن يكون معه هدي، فيلزمه نحره. فلو قال: فلي أن أحل؛ خُيِّر. ولو شرط أن يحل متى شاء، أو إن أفسده لم يقضه؛ لم يصح (٦)، ذكره (٧) القاضي وغيره؛ لأنه لا عذر له في ذلك. وقيل: يصح اشتراطه بقلبه؛ لأنه تابع للإحرام، وينعقد بالنية، فكذا هو. فرع: يبطل إحرامه ويخرج منه بردَّته، لا بجنون، وإغماء، وسكر؛ كموت، ولا ينعقد مع وجود أحدها (٨). (وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ، وَالْإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ)، ذكره جماعةٌ إجماعًا (٩)؛ لقول عائشة: «خرجنا مع النَّبيِّ ﷺ فقال: «من أراد منكم أن يُهلَّ بحجٍّ وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بحجٍّ فليهل (١٠)، ومن أراد أن يهل بعمرة

стр. 1908

فليهل (١)»، قالت: وأهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ به ناسٌ معه، وأهلَّ (٢) معه ناسٌ بالعمرة والحجِّ، وأهلَّ ناس بالعمرة، وكنت فيمن (٣) أهلَّ بعمرة» متَّفق عليه (٤). وذهب طائفة من السلف والخلف: أنه لا يجوز إلا التمتع، وقاله ابن عباس (٥). وعند طائفة من بني أمية ومن تبعهم: النهي عن التمتع، وعاقبوا من تمتع. وكره التمتع: عمر (٦)، وعثمان، ومعاوية، وابن الزبير (٧)، وبعضهم:

стр. 1909

والقران، وروى الشافعي عن ابن مسعود: أنَّه كان يكرهه (١). (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) في قول ابن (٢) عمر، وابن عبَّاسٍ، وعائشة، وجمعٍ (٣)،

стр. 1910

ونَصَّ عليه في رواية صالحٍ وعبد الله (١)، وقال: لأنَّه (٢) آخر ما أمر به النَّبيُّ ﷺ (٣)، وهو يعمل لكلِّ واحد منهما على حِدة. قال إسحاق بن إبراهيم (٤): كان اختيار أبي عبد الله الدُّخولَ بعمرة؛ لقوله ﵇: «لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرت ما سُقْتُ الهدْيَ، ولأحْلَلْتُ معكم» (٥).

стр. 1911

وفي «الصَّحيحين»: «أنَّه ﵇ أمر أصحابه لمَّا طافوا وسَعَوْا؛ أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هدْيًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدْيَ، وتأسَّف» (١)، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه. لا يقال: أَمْرُهم بالفسخ ليس لفضل التمتع، وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج؛ لأنَّهم لم يعتقدوه، ثم لو كان؛ لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأنهم سواء في الاعتقاد، ثمَّ لو كان؛ لم يتأسَّف؛ لاعتقاده جوازها فيها وجعل العلَّة فيه سوق الهدي. ولأنَّ التَّمتُّع منصوصٌ عليه في كتاب الله، ولإتيانه بأفعالهما كاملةً على وجه اليسر والسُّهولة مع زيادة نسكٍ، وهو الدَّم، قال في رواية أبي طالبٍ: إذا دخل بعمرة يكون قد جمع الله له عمرةً وحجَّةً ودمًا (٢). لا يقال: لو كان دم نسك لم يدخله (٣)؛ كالهدي والأضحية، ولا يستوي فيه جميع المناسك؛ لأنَّ دخول الصوم لا يخرجه عن كونه نسكًا؛ لأنَّه بدلٌ، والقُرَبُ يدخلها الإبدال، كالقِران (٤)، وإنما اختص به لوجود سببه، وهو الترفُّه (٥) بأحد (٦) السفرين. فإن اعْتُرضَ: بأن النسك الذي لا دم فيه أفضل؛ كإفراد لا دم فيه. رُدَّ: تمتع (٧) المكِّي وغيره سواء عندك، وإنما كان إفراد لا دم فيه أفضل؛

стр. 1912

لأن ما يجب فيه دمٌ (١) دمُ جنايةٍ، وإفرادٌ (٢) فيه دمُ تطوع أفضل. (ثُمَّ الْإِفْرَادُ)؛ لما في «الصَّحيحين» عن ابن عبَّاسٍ (٣)، وجابر: «أن (٤) النبي ﷺ وأصحابه أهلُّوا بالحجِّ» (٥)، وفي «مسلم» عن عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفرد الحجَّ» (٦)، وقال عمر وعثمان وجابر: «هو أفضل (٧) الأنساك» (٨) لما ذكرنا، ولإتيانه بالحجِّ تامًّا من غير احتياجٍ إلى جبر (٩)؛ فكان أَوْلَى. وشرط أفضليته عند ش (١٠) أن يعتمر تلك السَّنة، فلو أخَّرها عن سَنَتِه؛ فالتَّمتُّع والقِران أفضل منه؛ لكراهة تأخير العمرة عن سنَة الحجِّ.

стр. 1913

وأجاب أصحابنا عن الخبر: أنه أفرد عمل الحجِّ عن عمل العمرة، أو أهل (١) بالحج فيما بعد، مع أن أكثر الروايات عن جابر ذكر (٢) أصحابه فقط. وأجاب أحمد في رواية أبي طالبٍ (٣): بأن هذا كان في أوَّل الأمر بالمدينة (٤)، أحرم بالحجِّ، فلما دخل مكَّة فسخ (٥) على أصحابه، وتأسَّف على التَّمتُّع لأجل سَوق الهدي، فكان المتأخر أولى (٦). (وَعَنْهُ: إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالقِرَانُ أَفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ)؛ لما في «الصحيحين» عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من كان معه هدي فليهلل (٧) بالحجِّ مع العمرة، ثمَّ لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» (٨)، وعن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ بهما جميعًا: «لبَّيك عمرةً وحجًّا» (٩)، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١٠)، ولأنَّ فيه مسارعةً إلى فعل العبادتين مع زيادة نسك، وهو الدَّم، فكان أَولى. وأجيب: بأنَّه يحتمل أن (١١) أنسًا سمعه يُلقِّن قارنًا تلبيته (١٢)، فظنَّ أنَّه يلبِّي بهما عن نفسه، أو سمعه في وقتين، أو وقت واحد لما أدخل الحج على

стр. 1914

العمرة، أو قرن بينهما؛ أي (١): فعل الحج بعدها، ويسمى قرانًا (٢) لغة. وحاصله: أنَّ التَّمتُّعَ أفضلُ؛ لكثرة الأخبار به، وصحتها وصراحتها مع أنه قوله، وهو مقدم على فعله؛ لاحتمال اختصاصه به (٣). وقد رُوي عنه ﵇ أنَّه كان متمتِّعًا، فروى سالم عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ تمتَّع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وتمتَّع الناس معه» (٤)، وعن عروة عن عائشة مثله (٥)، وأمر ابن عباس بها، وقال: «سنة أبي القاسم ﷺ » متفق عليهن (٦)، لكن قال أحمد: لا أشك (٧) أنَّه كان قارِنًا، والمتعة (٨) أحب إليَّ (٩)، وفيه أحاديث، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (وعليه متقدِّمو أصحابه، وهو باتِّفاق علماء الحديث) (١٠)، وفيه نظر. (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ)، كذا أطلقه جماعةٌ منهم في «المحرَّر» و «الوجيز»، وجزم آخرون: من الميقات؛ أي: ميقات بلده. (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ)، نَصَّ عليه (١١)؛ لأنَّ العمرة عنده في الشَّهر الذي يهلُّ بها فيه، ورُوي معناه بإسنادٍ جيِّدٍ عن جابِرٍ (١٢)، لا الشَّهر الذي يُحِلُّ منها فيه،

стр. 1915

ولأنَّه لو لم يحرم بها في أشهر الحجِّ لم يَجمع بين النُّسكين فيه، ولم يكن متمتِّعًا كالمفرِد. (وَيَفْرَغُ مِنْهَا)، قاله معظم الأصحاب، ومعناه: يتحلل منها، قاله في «المستوعب»؛ لأنَّه لو أحرم بالحجِّ قبل التَّحلُّل من العمرة؛ لكان قارِنًا، واجتماع النُّسكين ممتنِعٌ، وفيه نظرٌ. ولم يذكر الفراغ منها في «المحرَّر» و «المغني»، وذكر أنَّ صفتها: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثمَّ يحجَّ من عامه؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]؛ أي: تمتع بالعمرة موصلاً بها إلى الحجِّ. فعلى قوله هنا: المراد به التَّمتُّع الموجب للدَّم، ومن هنا قلنا: إنَّ تمتُّع حاضري المسجد الحرام صحيحٌ على المذهب. وقال ابن أبي موسى: لا متعة لهم، وحُكي رواية، ومعناه: ليس عليهم دم متعة؛ لأن المتعة له لا عليه. قال الزركشي: وقد يقال: إن هذا من الإمام بناءً على أنَّ العمرة لا تجب عليهم، فلا متعة عليهم؛ أي: الحج كافيهم. (ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا)، نقله حربٌ وأبو داود (١)؛ لما روي عن عمر أنَّه قال: «إذا اعتمر في أشهر الحجِّ، ثمَّ أقام فهو متمتِّع، وإن خرج ورجع فليس بمتمتِّع» (٢)، وعن ابن عمر نحوه (٣).

стр. 1916

(فِي عَامِهِ)، اتِّفاقًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ … ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، فظاهره (٢) يقتضي الموالاة بينهما، ولأنَّه لو أحرم بالعمرة في غير (٣) أشهر الحج، ثمَّ حج من عامه، لا يكون متمتِّعًا، فلأن لا يكون متمتعًا (٤) إذا لم يحجَّ من عامه [بطريق] (٥) الأولى. وظاهره (٦): أنَّه لا يشترط لها غير ذلك، وشرط القاضي وأبو الخطَّاب: أن ينوي التمتُّع (٧) في ابتداء العمرة أو (٨) أثنائها؛ لأنه جمع بين العبادتين، فافتقر إلى النية؛ كالصلاة، وظاهر الآية يشهد للأول؛ لأن التمتع هو الترفُّه بأحد السفرين، وهو موجود بدونها. (وَالْإِفْرَادِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا)، ثمَّ يعتمر، ذكره جماعةٌ. قال جماعة: يحرم به من الميقات، ثم يحرم بها من أدنى الحِلِّ، زاد بعضهم: وعنه: بل (٩)، من الميقات. وفي «المحرر»: ألاَّ يأتي في أشهر الحجِّ بغيره، قال الزَّركشي: (وهو أجود)، وفيه نظرٌ.

стр. 1917

(وَالْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ لفعله ﵇ (١)، قال جماعةٌ: من الميقات، (أَوْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ)، من مكَّة أو قربها، قاله (٢) جماعةٌ؛ لما روت عائشة قالت: «أهللنا بالعمرة، ثم أدخلنا عليها الحج» (٣)، وفي «الصحيحين»: أن ابن عمر فعله، وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ » (٤)، وفي الصحيح: «أنَّه أمر عائشة بذلك» (٥). وشرطه: ألاَّ يكون شرع في طوافها، فإن شرع فيه لم يصح الإدخال، كما لو سعى، إلا لمن معه هدي، فيصح، ويصير قارنًا؛ بناء على المذهب: أنَّه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله. ولا يعتبر لصحة إدخاله؛ الإحرامُ به في أشهره على المذهب. (وَإنْ (٦) أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ؛ لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا)؛ لأنَّه لم يرِد به (٧) أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، فعلى هذا: لا يصير قارنًا، بناء على أنه لا يلزمه (٨) بالإحرام الثاني شيءٌ، وفيه خلاف. والمذهب: أنَّ عمل القارن كالمفرد في الإجزاء، نقله الجماعة (٩)، ويسقط ترتيب العمرة ويصير الترتيب للحج، كما يتأخر الحِلاق (١٠) إلى يوم

стр. 1918

النَّحر، فوطؤه قبل طوافه لا يفسد عمرته؛ لقول عائشة: «وأمَّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرة؛ فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا» متَّفقٌ عليه (١)، وعن ابن عمر نحوه، رواه أحمد (٢)، وكعمرة المتمتع (٣). وعنه: على القارِن طوافان وسعيان، رواه سعيد والأثرم عن عليٍّ (٤)، وفي صحَّته نظَرٌ، مع أنَّه لا يرى إدخال العمرة على الحجِّ، فعليها: يقدِّم القارِنُ

стр. 1919

فعلَ العمرة على فعل الحجِّ، كالمتمتِّع إذا ساق هدْيًا. فلو وقف بعرفة قبل طوافه وسعيه لها؛ فقيل: تنتقض (١) عمرته ويصير مفرِدًا بالحجِّ، يتمُّه ثمَّ يعتمر. وقيل: لا تنتقض، فإذا رمى الجمرة (٢) طاف لها، ثمَّ سعى، ثمَّ طاف، ثم سعى. وعنه: على القارن عمرةٌ مفردةٌ، اختاره أبو بكرٍ وأبو حفصٍ؛ لعدم طوافها، ولاعتمار عائشة. (وَيَجِب عَلَى المُتَمَتِّعِ وَالقَارِنِ دَمُ نُسُكٍ)، أمَّا دم التمتع (٣) فلازمه

стр. 1920

إجماعًا (١)، وقد سبق في أفضليته، وأما دم القران فلازِمٌ، نَصَّ عليه (٢)، واحتجَّ له جماعةٌ بالآية، ولأنَّه ترفُّهٌ بسقوط أحد السَّفرَين كالمتمتِّع. ونقل بكر: عليه هدي، وليس كالمتمتِّع (٣)؛ لأنَّ الله أوجب على المتمتع هديًا في كتابه، والقارن إنَّما يُروى عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيم، عن عمر، وهو منقطِعٌ (٤). وعنه (٥): لا يلزمه، كقول داود. وتبع المؤلِّفُ أكثرَ الأصحاب في كونه (٦) دمَ نُسُكٍ. وفي «المبهج» و «عيون المسائل»: أنَّه دم جبران (٧). وظاهره: وجوبه ولو أفسد النُّسك، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّ ما وجب الإتيان به

стр. 1921

في الصَّحيح؛ وجب في الفاسد كالطواف. وعنه: يسقط؛ لعدم ترفهه بسقوط أحد السفرين. والأصح: أنَّه لا يسقط دمهما بفواته، فلو قضى القارن قارِنًا؛ لزمه دمان؛ لقِرانه الأول والثَّانِي، وقال المؤلِّف: دمٌ لقرانه ودم لفواته. ولو قضى مفردًا؛ لم يلزمه شَيءٌ؛ لأنَّه أفضل. وجزم جماعةٌ: أنه يلزمه دم لقِرانه الأوَّل؛ لأنَّ القضاء كالأداء. ولم يتعرَّض المؤلِّف لوقت لزومه، والمذهب: أنَّه يلزم بطلوع فجر يوم النَّحر؛ لظاهِر قوله تعالى: الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ … ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. وعنه: بإحرام الحجِّ؛ لأنَّه غاية، فكفى أوَّله؛ كأمره بإتمام الصَّوم إلى اللَّيل. وعنه: بوقوفه بعرفة، اختاره القاضي. وعنه: بإحرام العمرة؛ لنيَّته التَّمتُّع إذن. وينبني على الخلاف: إذا مات بعد سبب الوجوب؛ يخرج عنه من تركته. وقال بعض أصحابنا: فائدته، إذا تعذَّر الدَّم، وأراد (١) الانتقال إلى الصَّوم، فمتى ثبت التَّعذُّر؟ فيه الرِّوايات. ولا يجوز ذبحه (٢) قبل وقت وجوبه، جزم به الأكثر، فدلَّ أنَّه يجوز إذا وجب. وإنَّما يجب بشروطٍ، نبه (٣) المؤلِّف على بعضها، فقال: (إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ)؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، ثبت ذلك في التَّمتُّع، والقِرانُ مثلُه؛

стр. 1922

لترفُّهِه (١) بأحد السَّفرَين، (وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ حاضر الشَّيء من حلَّ فيه أو قرب منه وجاوره، بدليل رخص السَّفر. وعنه: أنَّهم أهل الحرم، ومن كان منه دون مسافة قصرٍ، جزم (٣) به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع». وهذا الشَّرط لوجوب الدَّم عليه، ليس لكونه متمتِّعًا، فإن متعةَ المكِّيِّ صحيحةٌ، والخلافُ فيه سبق، فلو دخل الآفاقي مكَّة متمتِّعًا ناويًا للإقامة بعد فراغ نسكه؛ فعليه دمٌ، وفيه وجهٌ. وإن استوطن أُفقي مكَّةَ؛ فحاضِرٌ، وإن استوطن مكِّيٌّ الشَّامَ، ثمَّ عاد مقيمًا متمتِّعًا؛ فعليه الدم (٤)، وفي «المجرد» و «الفصول» خلافُه. فرعٌ: إذا كان له منزلان قريبٌ وبعيدٌ؛ فلا (٥) دم عليه؛ لأنَّ بعض أهله من حاضري المسجد الحرام، فلم يوجد الشَّرط، وله أن يحرم من القريب، واعتبر في «المجرد» و «الفصول» إقامته أكثر بنفسه، ثمَّ بماله، ثمَّ بنيته (٦)، ثم بالذي أحرم منه. الثَّاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ، وسبق كلام أحمد، ولأن (٧) الإحرام نسك يعتبر للعمرة، أو من أعمالها، فاعتبر في أشهر الحجِّ كالطَّواف. الثَّالث: أن يحجَّ من عامه؛ لما سبق.

стр. 1923

الرَّابعُ: ألاَّ يسافر بين الحجِّ والعمرة، فإن سافر مسافة قصرٍ فأكثر؛ فإن فعل فأحرم؛ فلا دم عليه، نَصَّ عليه (١)، وتقدَّم قول عمر (٢)، ولأنَّه مسافِرٌ لم (٣) يترفه بترك أحد السَّفرين؛ كمحلِّ الوفاق. الخامس: أن يحلَّ من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحجِّ، تحلل أو لا، فإن أحرم به قبل حِلِّه؛ صار قارنًا. السَّادس: أن يحرم بالعمرة من الميقات، ذكره جماعة. وذكر القاضي وابن عقيل، وجزم به في «المستوعب» و «الرعاية»: إن بقي بينه وبين مكة دون مسافة قصر فأحرم منه؛ فلا دم عليه؛ لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، بل دم المجاوزة. واختار المؤلِّف وغيره: إذا أحرم منه؛ لزمه الدَّمان؛ لأنه لم يُقِم، ولم ينوها به، وليس بساكن. السَّابع: نية التَّمتُّع في ابتداء العمرة أو أثنائها، ذكره القاضي والأكثر، وجزم المؤلِّف بخلافه. ولا يعتبر وقوع النُّسكَين عن واحدٍ. وهذه الشروط تعتبر لكونه متمتِّعًا، وجزم به في «الرِّعاية»، إلاَّ الشَّرط السَّادس، فإنَّ المتعة للمكِّيِّ كغيره (٤)، نقله الجماعة (٥)، وقدم في «الفروع»: أنَّها لا تعتبر. وظاهره: أنَّ المفرِد لا دمَ عليه؛ لأنَّ عمرته في غير أشهره. وذكر جماعة: إن أحرم به من الميقات؛ فلا دم عليه، نَصَّ عليه (٦)،

стр. 1924

وحمله القاضي (١) على أن بينه وبين مكة مسافةَ قصرٍ. وفي «الترغيب»: إن سافر إليه فأحرم منه؛ فوجهان. (وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا؛ أَحْبَبْنَا لَهُ)، وكذا (٢) جزم (٣) في «المستوعب» و «الرعاية» بالاستحباب، وعبر القاضي وأصحابه والمجد: بالجواز، وقال الأكثر: لا يجوز؛ لأنَّ الحج أحد النسكين، فلم يجز فسخه كالعمرة، (أَنْ يَفْسَخَ (٤) إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً؛ لِأَمْرِ رَسُولِ الله ﷺ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ)؛ لأنه صحَّ: «أنَّ النبي ﷺ أمر أصحابه الذين أفردوا الحجَّ وقرنوا؛ أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويجعلوها عمرةً، إلاَّ من كان معه هديٌ» متَّفقٌ عليه (٥)، وقال سلمة بن شَبيبٍ (٦) لأحمد: كل شيءٍ منك حسن جميلٌ إلاَّ خَلةٌ واحدةٌ، فقال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجِّ، قال: كنت أرى أن لك عقلاً! عندي ثمانيةَ عشَرَ حديثًا صحاحًا جيادًا، كلُّها في فسخ الحجِّ، أتركها لقولك؟! (٧)، ولأنَّه قَلْبٌ للحج إلى العمرة، فاستُحبَّ لمن لحقه الفوات. وفي «الانتصار» و «عيون المسائل»: لو ادَّعى مدَّعٍ وجوب الفسخ لم يبعد، مع أنه قول ابن عبَّاسٍ وجماعةٍ (٨)، واختاره ابن حزم (٩).

стр. 1925

وجوابه: أنَّه ﵇ لما قدم لأربع مَضْين من ذي الحجَّة، فصلَّى الصُّبح بالبطحاء، ثمَّ قال: «من شاء منكم أن يجعلها عمرةً فليجعلها» (١). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]. رُدَّ: بأن الفسخ نقله إلى غيره، لا إبطاله من أصله، ولو سُلِّم فهو محمولٌ على غير مسألتنا، قاله القاضي. ومحله (٢) إذا اعتقد فعلَ الحجِّ من عامه، نقل ابن منصورٍ (٣): لا بد أن يُهِلَّ بالحجِّ من عامه ليستفيد فضيلة التَّمتُّع، ولأنَّه على الفور، فلا يؤخره لو لم يحرم، فكيف وقد أحرم؟! وشرطه كما ذكره المؤلِّف وصاحب «الوجيز»: إذا طافا وسعيا، ونقله (٤) أبو طالب: يجعلها عمرة إذا طاف وسعى، ولا يجعلها وهو في الطريق (٥)؛ لما في «الصَّحيحين»: أنَّه قال لأبي موسى: «طف بالبيت وبالصَّفا والمروة، ثمَّ حلَّ» (٦). فعلى هذا: ينويان بإحرامها (٧) ذلك عمرةً مفرَدةً، فإذا فرغاها وحلاَّ منها؛ أحرما بالحجِّ ليصيرا متمتِّعَين، ولأنَّه لو فسخ قبله واستأنف عمرة؛ لعري (٨) الإحرام الأوَّل عن نسك، قاله القاضي. وظاهر (٩) كلامهم: يجوز، فينوي إحرامه بالحجِّ عمرة، وخبر أبي موسى

стр. 1926

أراد أنَّ الحلَّ يترتب (١) عليهما، وليس فيه المنع من قلب النِّيَّة، وكلام ابن المنجَّى يوافقه؛ لأن «إذا» ظرف (٢)، فيكون المراد: أحببنا (٣) أن يفسخ وقت طوافه؛ أي: وقت جوازه، وصريح كلام ابن عقيلٍ يعضده. وهذا ما لم يقف بعرفة، فإنَّ من وقف بها أتى بمعظم (٤) العبادة وأمن فوتها، بخلاف غيره، وتركه المؤلف لوضوحه. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ (٥) هَدْيًا، فَيَكُونُ عَلَى إِحْرَامِهِ)؛ للنَّصِّ وللأخبار (٦)، وكامتناعه في زمنه ﵇ (٧). (وَلَوْ سَاقَ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ)؛ لقول ابن عمر: تمتع (٨) النَّاس مع النَّبيِّ ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ فقال: «من كان معه هديٌ؛ فإنَّه لا يحل من شيءٍ حرُم عليه حتَّى يقضيَ حجَّه» (٩)، فعلى هذا: يُحرِم بالحجِّ إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحلُّله بالحلق، فإذا ذبحه يوم النَّحر حلَّ منهما جميعًا، نَصَّ عليه (١٠)، ولأنَّه ﵇ دخل في العشر، ولم يحلَّ (١١). ونقل أبو طالبٍ فيمن يعتمر قارنًا أو متمتعًا ومعه هدي: له أن يُقصِّر من

стр. 1927

شعر رأسه خاصَّة (١)؛ لقول معاوية: «قصرت من شعر رأس (٢) النَّبيِّ ﷺ عند المروة بمشقص (٣)» متَّفقٌ عليه (٤). وفي «المغني» و «الشرح» عن م (٥): له التَّحلُّلُ، وينحر هديه عند المروة، ويحتمله كلام الخِرَقيِّ. والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ التمتع (٦) أحد نوعي الجمع بين الإحرامين؛ كالقِران. فائدةٌ: حيث صحَّ الفسخ؛ لزمه (٧) دمٌ، نَصَّ عليه (٨). وذكر المؤلِّف عن القاضي: لا؛ لعدم النِّيَّة في ابتدائها أو أثنائها (٩). ورُدَّ: بأنَّه دعوى لا دليل عليها. (وَالمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً [فَحَاضَتْ] (١٠) قبل طواف العمرة (١١)، (فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ)، أو خافه (١٢) غيرها؛ (أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً)، نَصَّ عليه (١٣)؛ لما روى مسلمٌ: أنَّ عائشة كانت متمتِّعة فحاضت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «أهِلِّي بالحجِّ» (١٤)، ولأنَّ إدخال الحجِّ على العمرة يجوز

стр. 1928

من غير خشية الفوات، فمعها أَولَى؛ لكونها ممنوعةً من دخول المسجد. فعلى هذا: لا تقضي طواف القدوم، لكن روى عروة (١) عن عائشة: أنَّها أهلَّتْ بعمرةٍ وحاضت، فقال النَّبيُّ ﷺ : «انقضي رأسك وامتشطي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودعِي العمرةَ» (٢). وجوابه (٣): أنَّ الأئمَّةَ الأثْباتَ روَوْه عنها بغيرها (٤)، وهو مخالِفٌ للأصول؛ لأنَّه لا يجوز رفض نسكٍ يمكن بقاؤه، ويحتمل: دعِي العمرةَ، وأهِلِّي معها بالحجِّ، أو: دعي أفعالَها. (وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا)؛ بأن (٥) نوى نفس الإحرام، ولم يعيِّنْ نُسُكًا؛ (صَحَّ)، نَصَّ عليه (٦)، كإحرامه بمثل إحرام فلانٍ، وحيث صحَّ مع الإبهام؛ صحَّ مع الإطلاق. (وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ)، نَصَّ عليه (٧)، بالنِّيَّة لا باللَّفظ؛ لأن له أن يبتدئ الإحرام بأيِّها شاء، فكان له صرف المطلق إلى ذلك، فعلى [هذا] (٨): عليه (٩) تعيينه قبل الطواف، فإن طاف قبله لم يجزئه؛ لوجوده لا في حجٍّ ولا (١٠) عمرة.

стр. 1929

والأَوْلَى أن يصرفه إلى العمرة؛ لأنه إن كان في غير أشهر الحجِّ فهو مكروهٌ أو ممتنع (١)، وإن كان فيها فالعمرة أَوْلَى؛ لأنَّ التَّمتُّعَ أفضلُ، وقال أحمد: يجعلها عمرةً (٢)؛ كإحرامه بمثل إحرام فلانٍ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ؛ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ)؛ لمَا روى جابِرٌ: أنَّ عليًّا قدم من اليمن، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «بِمَ أهْلَلْتَ؟» قال (٣): بما أهلَّ به النَّبيُّ ﷺ ، قال: «فاهْدِ، وامكُثْ حرامًا»، وعن أبي (٤) موسى نحوه، متَّفقٌ عليهما (٥). فإن عَلم؛ انعقد بمثله؛ لأنه جعل نفسه تبعًا، وإن كان مطلقًا؛ فحكمه سبق. وظاهره (٦): لا يلزمه صرفه إلى ما يصرف إليه، ولا (٧) إلى ما كان صرفه إليه، وأطلق بعض أصحابنا احتمالين. وظاهر كلامهم: يعمل بقوله، لا بما وقع في نفسه. وإن جهله؛ فكالمنسيِّ. وإن شكَّ هل أحرم أم لا والأشهر: كما لو لم يحرم؛ فيكون إحرامه مطلقًا. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان إحرامه فاسدًا، فيتوجَّه لنا خلافٌ فيما (٨) إذا

стр. 1930

نذر عبادةً فاسدةً هل تنعقد بصحيحةٍ؟ فرعٌ: لو قال: إن أحرم زيدٌ فأنا محرِمٌ، قال في «الفروع»: (فيتوجه ألاَّ يصحَّ. ولو قال: أحرمتُ يومًا، أو بنصف نسكٍ ونحوهما؛ فيتوجه (١) خلافٌ). (وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ، أَوْ عُمْرَتَيْنِ؛ انْعَقَدَ بِأَحَدِهِمَا (٢)؛ لأنَّ الزَّمان يصلح لأداء واحدةٍ، فيصحُّ به؛ كتفريق الصَّفقة، فدلَّ علَى خلاف هنا؛ كأصله، وأنَّه لا ينعقد بهما كبقيَّة أفعالهما، وكنذرهما في عامٍ واحدٍ، يجب إحداهما دون الأخرى؛ لأنَّ الوقت لا يصلح لهما، وكنيَّة صومين في يوم. ولو أفسد حجَّه أو عمرته؛ لم يلزمه إلاَّ قضاؤها (٣). (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ (٤) وَنَسِيَهُ؛ جَعَلَهُ عَمْرَةً)، نقله أبو داود (٥)؛ لأنَّها اليقين، وله صرف الحجِّ والقِران إليها مع العلم، فمع (٦) الإبهام أَوْلَى، والمراد: أنَّ (٧) له جعله عمرةً، لا أنها تتعيَّن. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وقطع به جماعةٌ: (لَهُ صَرْفُه (٨) إِلَى مَا (٩) شَاءَ)؛ لأنَّه إنْ صادف ما أحرم به فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرةٍ، وكان إحرامُه بغيرها؛ جاز؛ لجواز الفسخ إليها، ويَلْزَمه دمُ المتعة.
следующие страницы →