← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

أراد أنَّ الحلَّ يترتب (١) عليهما، وليس فيه المنع من قلب النِّيَّة، وكلام ابن المنجَّى يوافقه؛ لأن «إذا» ظرف (٢)، فيكون المراد: أحببنا (٣) أن يفسخ وقت طوافه؛ أي: وقت جوازه، وصريح كلام ابن عقيلٍ يعضده. وهذا ما لم يقف بعرفة، فإنَّ من وقف بها أتى بمعظم (٤) العبادة وأمن فوتها، بخلاف غيره، وتركه المؤلف لوضوحه. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ (٥) هَدْيًا، فَيَكُونُ عَلَى إِحْرَامِهِ)؛ للنَّصِّ وللأخبار (٦)، وكامتناعه في زمنه ﵇ (٧). (وَلَوْ سَاقَ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ)؛ لقول ابن عمر: تمتع (٨) النَّاس مع النَّبيِّ ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ فقال: «من كان معه هديٌ؛ فإنَّه لا يحل من شيءٍ حرُم عليه حتَّى يقضيَ حجَّه» (٩)، فعلى هذا: يُحرِم بالحجِّ إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحلُّله بالحلق، فإذا ذبحه يوم النَّحر حلَّ منهما جميعًا، نَصَّ عليه (١٠)، ولأنَّه ﵇ دخل في العشر، ولم يحلَّ (١١). ونقل أبو طالبٍ فيمن يعتمر قارنًا أو متمتعًا ومعه هدي: له أن يُقصِّر من

стр. 1927

شعر رأسه خاصَّة (١)؛ لقول معاوية: «قصرت من شعر رأس (٢) النَّبيِّ ﷺ عند المروة بمشقص (٣)» متَّفقٌ عليه (٤). وفي «المغني» و «الشرح» عن م (٥): له التَّحلُّلُ، وينحر هديه عند المروة، ويحتمله كلام الخِرَقيِّ. والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ التمتع (٦) أحد نوعي الجمع بين الإحرامين؛ كالقِران. فائدةٌ: حيث صحَّ الفسخ؛ لزمه (٧) دمٌ، نَصَّ عليه (٨). وذكر المؤلِّف عن القاضي: لا؛ لعدم النِّيَّة في ابتدائها أو أثنائها (٩). ورُدَّ: بأنَّه دعوى لا دليل عليها. (وَالمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً [فَحَاضَتْ] (١٠) قبل طواف العمرة (١١)، (فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ)، أو خافه (١٢) غيرها؛ (أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً)، نَصَّ عليه (١٣)؛ لما روى مسلمٌ: أنَّ عائشة كانت متمتِّعة فحاضت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «أهِلِّي بالحجِّ» (١٤)، ولأنَّ إدخال الحجِّ على العمرة يجوز

стр. 1928

من غير خشية الفوات، فمعها أَولَى؛ لكونها ممنوعةً من دخول المسجد. فعلى هذا: لا تقضي طواف القدوم، لكن روى عروة (١) عن عائشة: أنَّها أهلَّتْ بعمرةٍ وحاضت، فقال النَّبيُّ ﷺ : «انقضي رأسك وامتشطي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودعِي العمرةَ» (٢). وجوابه (٣): أنَّ الأئمَّةَ الأثْباتَ روَوْه عنها بغيرها (٤)، وهو مخالِفٌ للأصول؛ لأنَّه لا يجوز رفض نسكٍ يمكن بقاؤه، ويحتمل: دعِي العمرةَ، وأهِلِّي معها بالحجِّ، أو: دعي أفعالَها. (وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا)؛ بأن (٥) نوى نفس الإحرام، ولم يعيِّنْ نُسُكًا؛ (صَحَّ)، نَصَّ عليه (٦)، كإحرامه بمثل إحرام فلانٍ، وحيث صحَّ مع الإبهام؛ صحَّ مع الإطلاق. (وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ)، نَصَّ عليه (٧)، بالنِّيَّة لا باللَّفظ؛ لأن له أن يبتدئ الإحرام بأيِّها شاء، فكان له صرف المطلق إلى ذلك، فعلى [هذا] (٨): عليه (٩) تعيينه قبل الطواف، فإن طاف قبله لم يجزئه؛ لوجوده لا في حجٍّ ولا (١٠) عمرة.

стр. 1929

والأَوْلَى أن يصرفه إلى العمرة؛ لأنه إن كان في غير أشهر الحجِّ فهو مكروهٌ أو ممتنع (١)، وإن كان فيها فالعمرة أَوْلَى؛ لأنَّ التَّمتُّعَ أفضلُ، وقال أحمد: يجعلها عمرةً (٢)؛ كإحرامه بمثل إحرام فلانٍ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ؛ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ)؛ لمَا روى جابِرٌ: أنَّ عليًّا قدم من اليمن، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «بِمَ أهْلَلْتَ؟» قال (٣): بما أهلَّ به النَّبيُّ ﷺ ، قال: «فاهْدِ، وامكُثْ حرامًا»، وعن أبي (٤) موسى نحوه، متَّفقٌ عليهما (٥). فإن عَلم؛ انعقد بمثله؛ لأنه جعل نفسه تبعًا، وإن كان مطلقًا؛ فحكمه سبق. وظاهره (٦): لا يلزمه صرفه إلى ما يصرف إليه، ولا (٧) إلى ما كان صرفه إليه، وأطلق بعض أصحابنا احتمالين. وظاهر كلامهم: يعمل بقوله، لا بما وقع في نفسه. وإن جهله؛ فكالمنسيِّ. وإن شكَّ هل أحرم أم لا والأشهر: كما لو لم يحرم؛ فيكون إحرامه مطلقًا. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان إحرامه فاسدًا، فيتوجَّه لنا خلافٌ فيما (٨) إذا

стр. 1930

نذر عبادةً فاسدةً هل تنعقد بصحيحةٍ؟ فرعٌ: لو قال: إن أحرم زيدٌ فأنا محرِمٌ، قال في «الفروع»: (فيتوجه ألاَّ يصحَّ. ولو قال: أحرمتُ يومًا، أو بنصف نسكٍ ونحوهما؛ فيتوجه (١) خلافٌ). (وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ، أَوْ عُمْرَتَيْنِ؛ انْعَقَدَ بِأَحَدِهِمَا (٢)؛ لأنَّ الزَّمان يصلح لأداء واحدةٍ، فيصحُّ به؛ كتفريق الصَّفقة، فدلَّ علَى خلاف هنا؛ كأصله، وأنَّه لا ينعقد بهما كبقيَّة أفعالهما، وكنذرهما في عامٍ واحدٍ، يجب إحداهما دون الأخرى؛ لأنَّ الوقت لا يصلح لهما، وكنيَّة صومين في يوم. ولو أفسد حجَّه أو عمرته؛ لم يلزمه إلاَّ قضاؤها (٣). (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ (٤) وَنَسِيَهُ؛ جَعَلَهُ عَمْرَةً)، نقله أبو داود (٥)؛ لأنَّها اليقين، وله صرف الحجِّ والقِران إليها مع العلم، فمع (٦) الإبهام أَوْلَى، والمراد: أنَّ (٧) له جعله عمرةً، لا أنها تتعيَّن. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وقطع به جماعةٌ: (لَهُ صَرْفُه (٨) إِلَى مَا (٩) شَاءَ)؛ لأنَّه إنْ صادف ما أحرم به فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرةٍ، وكان إحرامُه بغيرها؛ جاز؛ لجواز الفسخ إليها، ويَلْزَمه دمُ المتعة.

стр. 1931

وإن صرفه إلى قرانٍ، وكان المنسيُّ عمرةً؛ فقد أدخل الحجَّ على العمرة، وهو جائزٌ، وإن كان مفرِدًا؛ فقد أدخل العمرة على الحجِّ، وهو لغوٌ لا يقدَح في صحَّة حجِّه. وإن صرفه إلى الإفراد، وكان متمتِّعًا؛ فقد أدخل الحجَّ على العمرة، وصار قارنًا، ولا تبطل العمرة بترك نيَّتها؛ إذ الشَّرط وجودها ابتداءً لا دوامًا، وإن كان قارنًا فكذلك. هذا إذا كان قبل الطَّواف، فإن كان شكه (١) بعده؛ تعيَّن جعْلُه عمرةً؛ لامتناع إدخال الحجِّ إذن؛ كمن لا هدي معه، فإذا سعى وحلَق فمع بقاء وقت الوقوف؛ يُحرِم بالحجِّ ويتمُّه، ويجزئه، ويلزَمه دمٌ للحلق في غير وقته إن كان حاجًّا، وإلاَّ فدم المتعة. وإن جعله حجًّا، أو قِرانًا؛ تحلَّل بفعل الحجِّ، ولم يجزئه واحدٌ منهما؛ للشك؛ لأنَّه يحتمل أن المنسي عمرةٌ، فلا يصحُّ إدخاله عليها بعد (٢) طوافها، ويحتمل أنه حجٌّ، فلا يصحُّ إدخالها عليه، ولا دم ولا قضاء؛ للشك في سببهما. (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنِ اثْنَيْنِ؛ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ)؛ لأنَّه لا يُمكِن عنهما؛ لأنَّ العبادة الواحدة لا تُجزئ عن اثنين كالصَّلاة، ولا أولوية، وكإحرامه عن زيد ونفسه، وسَبَق إحرامه بحجِّهٌ عن أبويه. (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ؛ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ)؛ لما تقدَّم. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) والقاضي: (لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ)؛ لصحَّته بمجهولٍ، فصحَّ عنه. وقال الحنفية (٣): هو الاستحسان؛ لأنَّ الإحرامَ وسيلةٌ إلى مقصود،

стр. 1932

والمبهم يصحُّ وسيلةً بواسطة التعيين، فاكتفي به شرطًا. فعلى هذا: لو لم يفعل حتَّى طاف شوطًا، أو سعى، أو وقف بعرفة قبل جعله؛ تعيَّن عن نفسه؛ لأنه لا يلحقه فسخٌ، ولا يقع عن غير معيَّن. وعنه: يبطل إحرامه، حكاها في «الرعاية»، وهو غريبٌ. تنبيهٌ: إذا استنابه اثنان في نسك في عامٍ، فأحرم عن واحد معيَّنٍ ثمَّ نسيه، وتعذَّر معرفته؛ فإن فرَّط؛ أعاد الحجَّ عنهما، وإن فرط الموصَى إليه بذلك؛ غرِم، وإلاَّ فمن تركة الموصِيَيْنِ إن كان النَّائب غير مستأجَرٍ لذلك، وإلاَّ لزِماه، وإن لم يَنْسه؛ صح، فلو أحرم للآخر بعده لم يصحَّ، نصَّ عليه (١)، قال: ويضمن، ويؤدَّب من أخذ من اثنين حجتين ليحج (٢) عنهما في عام (٣)؛ لأنَّه فَعَل محرَّمًا. (وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ لَبَّى)؛ لحديث ابن عمر، وهو في «الصَّحيحين»، ولفظ البخاريِّ عن جابرٍ وأنسٍ: «أهلَّ» (٤)؛ أي: رفع صوته بالتَّلبية، من قولهم: استهَلَّ الصَّبِيُّ، إذا صاح. وقدَّم في «المحرَّر» و «الفروع»: أنها (٥) تستحب (٦) عقب إحرامه، ونقل حرْبٌ (٧): يلبِّي متى شاء، ساعة يُسلِّم، وإن شاء بَعْدُ.

стр. 1933

(تَلْبِيَةَ رَسُولِ الله ﷺ ، رواه ابن عمر، متَّفقٌ عليه (١)، (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، قال الطَّحاويُّ والقرطبيُّ (٢): أجمع العلماء على هذه التَّلبية، وهي مأخوذةٌ من لبَّ بالمكان إذا لزمه، فكأنه قال: أنا مقيمٌ على طاعتك، وكرره؛ لأنَّهم أرادوا إقامةً بعد إقامة، ولم يريدوا حقيقة التثنية، وإنما هو التكثير (٣)؛ كحنانيك، والحنان: الرَّحمة. وقيل معناه: إجابة دعوة إبراهيم حين نادى بالحجِّ. وقيل: محمد، والأشهر: أنه الله تعالى. وكَسْرِ (٤) همزة «إنَّ» أَوْلَى عند الجماهير، وحُكي الفتحُ عن آخرين، قال ثعلب (٥): من كسر فقد عمَّ؛ يعني: حمد الله على كلِّ حالٍ، ومن فتح فقد خصَّ؛ أي: لأنَّ الحمدَ لك. وظاهره: أنَّه لا يُستحَبُّ الزِّيادة عليها، ولا يكره، نَصَّ عليه (٦)؛ لقول ابن عمر: «كان النبيُّ ﷺ لا يزيد على ذلك» (٧). وفي «الإفصاح»: تكره الزِّيادة. وقيل: له الزِّيادة بعدها، لا فيها. فإن كان أخرس، أو مريضًا؛ استُحِبَّ أن يلبَّى عنهما، نقله ابن إبراهيم (٨). قال جماعة: ويُلبى (٩) عن مجنون، ومغمى عليه، زاد بعضهم: ونائم،

стр. 1934

وليس بظاهرٍ. (وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ)؛ لفعله (١) ﵇ (٢)، ولأنَّها ذكْرٌ فيه، فلم تَجِب؛ كسائر الأذكار. (وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا)؛ لخبر السَّائب بن خلاَّدٍ مرفوعًا: «أتاني جبريلُ يأمُرنِي أنْ آمُرَ أصْحابِي أن يرفَعوا أصواتهم بالإهلال والتَّلبية» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٣)، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل: أيُّ الحجِّ أفضلُ، قال: «العَجُّ والثَّجُّ»، فيه عبد الرحمن بن يربوعٍ، وهو مختلَفٌ فيه (٤)، فالعَجُّ: رفع الصَّوت بالتَّلبية، والثَّجُّ: إسالة الدِّماء بالنَّحر. ويستثنى منه: مساجد الحلِّ وأمصاره، وطواف القدوم، والسَّعي بعده، فلا يُستحَبُّ إظهارُه. والمنقول عن أحمد: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبِّيَ حتَّى يبرُز؛ لقول ابن عبَّاس (٥)، واحتجَّ القاضي وأصحابه: أنَّ إخفاء التَّطوُّع أَوْلَى؛ خوف

стр. 1935

الرِّياء على من لا يشاركه في تلك العبادة، بخلاف البراري وعرفات ومكَّة والحرم. (وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا)؛ لخبر سهلِ بن سعدٍ: «مَا من مسلمٍ يلبِّي إلاَّ لبَّى عن يمينه وعن شماله؛ من حجرٍ أو شجرٍ أو مدرٍ، حتَّى تنقطع الأرض من ههنا وهنا» رواه ابن ماجه، وفيه إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وهو ضعيف عندهم، وهو للتِّرمذي بإسنادٍ جيِّدٍ (١). ويُسَنُّ ذكرُ نسكه فيها، وذكر العمرة قبل الحجِّ للقارن، نَصَّ عليه (٢)، وفيه وجه (٣): لا يسن. وعلى الأول: لا يسن تكرارها في حالةٍ واحدةٍ، قاله أحمد (٤)، واستحبه في «الخلاف»؛ لتلبُّسه بالعبادة، وقال المؤلف: حسن، فإن الله وتر يحب الوتر. (وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا)؛ لما روى خُزيمة بن ثابت مرفوعًا: «أنه كان يسأل الله

стр. 1936

رضوانه والجنَّةَ، ويستعيذ برحمته من النَّار» رواه الشَّافعيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ (١)؛ ولأنَّه مظنَّة إجابة الدُّعاء. ويصلِّي على النَّبيِّ ﷺ بعدها؛ لقول القاسم بن محمَّدٍ: «كان يستحب ذلك»، فيه صالح بن محمد بن (٢) زائدة، قوَّاه أحمد، وضعَّفه غيره (٣)، ولأنه يشرع فيه ذكر الله؛ كصلاةٍ وأذانٍ. (وَيُلَبِّي)؛ أي: يتأكَّد في مواضع: (إِذَا عَلَا نَشَزًا)، وهو المكان المرتفع، بفتح الشِّين وسكونها، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ (٤)؛ أي: عند الفراغ منها، (وَإِقبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ أي: بأوَّلهما، (وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ)؛ لقول جابرٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ يلبِّي كذلك» (٥)، وقال النَخَعيُّ: (كانوا يستحبُّون التَّلبية دُبر الصلوات المكتوبة، وإذا هبط واديًا، أو علا نَشَزًا، أو لَقِيَ راكبًا، أو استوت به راحلته) (٦). ويُستحَبُّ إذا أتى محظورًا ناسيًا، أو ركب، زاد في «الرِّعاية»: أو نزل، وفي «المستوعب»: يستحبُّ عند تنقُّل الأحوال به، وزاد: وإذا رأى البَيتَ.

стр. 1937

(وَلَا تَرْفَعُ المَرْأَةُ صَوْتَهَا بِهَا (١) إِلاَّ بِقَدْرِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا (٢)، وقاله في «المحرَّر» و «الوجيز» وغيرهما؛ لأنَّ صوتها عورةٌ، فلم يشرع لها الرفع (٣) إلاَّ بما ذكر، والمراد به: المزاملة لها، لكنَّ السُّنَّة أنَّها لا ترفع صوتها بها (٤)، وحكاه ابن عبد البَرِّ إجماعًا (٥). ويكره جهرُها أكثر من قدر سماع رفيقتها؛ خوف الفتنة، وظاهر كلام بعض أصحابنا (٦): تقتصر (٧) على إسماع نفسها، قال في «الفروع»: وهو متَّجهٌ. فائدةٌ: لا تشرع (٨) التَّلبية إلاَّ بالعربيَّة إن قدَر؛ كأذان، ولم يُجوِّز أبو المعالي الأذانَ بغير العربيَّة إلاَّ لنفسه مع العجز.

стр. 1938

(بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) أي: الممنوع فعلُهنَّ في الإحرام. (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ (١) إجماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، نَصَّ على حلْق الرَّأس، وعُدِّيَ إلى سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه؛ إذ حلقُه يُؤذِن بالرفاهية، وهو ينافي الإحرام لكون أنَّ المحرم أشعثُ أغبرُ. وليس الحكم خاصًّا بالحلق، بل قطعه ونتفه كذلك، وعبَّر في «الفروع» بقوله: إزالة الشَّعر، وهو أَوْلَى، لكنَّ المؤلِّف تَبِع النَّصَّ، ولكونه هو الأغلب. (وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ)؛ لأنَّه يحصل به الرفاهيَةُ، أشبهَ الحلْقَ. (فَمَنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ)، أمَّا في حلْق شعر الرَّأس؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ … ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، ولحديث كعب قال: حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ ، والقمْلُ يتناثَر على وجهي، قال: «ما كنتُ أُرى الجهدَ بلغ بك ما أرى، تجِدُ شاةً؟» قال: لا، قال: «صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعم ستَّةَ مساكينَ؛ لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ» متَّفقٌ عليه (٣). والمذهب: أنَّها تجب في إزالة ثلاث شعراتٍ فما فوقها، قاله القاضي وأصحابه؛ لأنَّ الثّلاثَ جمْعٌ، واعتبرت في مواضع؛ كمحل الوفاق، بخلاف

стр. 1939

ربع الرأس، وما يماط به الأذى. وظاهره يقتضي وجوب الدَّم عينًا، وليس كذلك، بل هو مخير فيها كما يأتي، ولعله وَكَل التَّفصيل إلى بابه. وحكم الأظفار كالشّعر؛ لأنَّ المنعَ للترفه. وظاهره: لا فرق في ذلك بين المعذور وغيره في ظاهر المذهب؛ لأنَّ النَّصَّ دلَّ على وجوبها على المعذور، فغيره من باب أولى، وإنَّمَا الفرق بينهما في جواز الإقدام وعدمه. (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلاَّ فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا)، نقلها جماعةٌ (١)، واختارها الخِرَقِيُّ؛ لأِنَّ الأربعَ كثيرٌ، ولأنَّ الثَّالثَ آخِرُ أجزاء القلة (٢)، وآخر الشَّيء منه، فلم يجب به كالشَّعرتين. وذكر ابن أبي موسى روايةً: في خمسٍ، اختارها أبو بكر في «التَّنبيه»، قال في «الشّرح» و «الفروع»: ولا وجه لها، ولعلَّه (٣) قيَّد الحكم بأطراف اليد كاملة. (وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ)؛ أي: العددِ المعتبَرِ على الخلاف، (فِي كُلِّ وَاحِدٍ: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ)؛ أي: إطعام مسكينٍ، نَصَّ عليه (٤)، وهو المذهب؛ لأنَّه أقلُّ ما وجب شرعًا فديةً. (وَعَنْهُ: قَبْضَةٌ)، وقاله عطاءٌ؛ لأنَّه لا تقدير فيه، ولأنها اليقينُ. (وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ)؛ لأنَّه قال: في الشَّعرتَين درهمانِ، ولأنَّه لما امتنع إيجابُ

стр. 1940

جزءٍ من الحيوان، وجب المصير إلى القيمة، وهو أقلُّ ما يطلق عليه في الوحدة. وعنه: درهم أو نصفه، ذكرها جماعة، وخرَّجها القاضي من ليالي منى. فَرعٌ: إزالةُ بعض الشَّعرة كهي، وكذا في الظُّفر؛ لأنه غير مقدَّر بمساحة، وهو يجب فيهما (١) سواء طالا أو قصرا، بل كالموضِحة، يجب في كبيرها وصغيرها. وخرَّج ابن عقيل وجهًا: يجب بحساب المتلَف؛ كالأصبع في أنملتها ثُلُث ديتها. (وَإِنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِإِذْنِهِ؛ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ)؛ أي: على المحلوق رأسُه؛ لأن ذلك بإذنه، أشبه ما لو باشره، ولأنَّه تعالى أوجب الفدية عليه مع علمه أنَّ غيره يحلقه. وظاهره: أنه لا شيء على الحالق، سواء كان مُحرِمًا أو حلالاً. وفي «الفصول» احتمال: أنه يجب عليه، كشعر الصَّيد، وفيه بُعْدٌ. فإن سكت ولم ينْهَهُ؛ فقيل: على الحالق؛ كإتلافه ماله وهو ساكتٌ. وقيل: على المحلوق رأسُه؛ لأنَّه أمانةٌ عنده كوديعةٍ. (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا؛ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ)؛ نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه أزال ما مُنِع من إزالته، كحلق محرِمٍ رأسَ نفسه. وقيل: على المحلوق رأسُه. وفي «الإرشاد» وجهٌ: القرار على الحالق. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال لا فدية على أحد؛ لأنَّه لا دليل. وفيه شَيءٌ. (وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ (٣) رَأْسَ حَلَالٍ؛ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ)، أي: هَدَرٌ، نَصَّ

стр. 1941

عليه (١)؛ لأنَّه شعرٌ مباحُ الإتْلاف، فلم يجب بإتلافه جَزَاءٌ؛ كبهيمة الأنعام. وفي «الفصول» احتمالٌ؛ لأنَّ الإحرام للآدميِّ كالحرَم للصَّيد. (وَقَطْعُ الشَّعْرِ وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ)، وكذا الظُّفر، بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ لاشتراك الكلِّ في حصول الرَّفاهيَة. (وَشَعْرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ) على المذهب؛ لأنَّه جنس واحدٌ، لم يختلف إلاَّ موضعه، وكلبسه سراويل وقميصًا. (وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ)؛ لأنَّهما كجنسَين؛ لتعلُّق النُّسك بحلق الرَّأس فقط، فهو كحلْقٍ ولُبسٍ. وذكر جماعةٌ: إن تطيب أو لبس في رأسه وبدنه؛ فالرِّوايتان، ونصُّ أحمدَ: فديةٌ واحدةٌ (٣)، وجزم به القاضِي وابن عَقيل وأبو الخطاب؛ لأنَّ الحلقَ إتلافٌ، فهو آكدُ، والنُّسك يختصُّ بالرَّأس. فعلى الأوَّل: لو قطع من بدنه شعْرتين، ومن رأسه واحدةٌ؛ وجبت الفدية، وعلى الثَّانية: يجب في كل واحدة ما تقدم. (وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنَيْهِ (٤) شَعْرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُه فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ)؛ فلا شَيءَ عليه؛ لأنَّ الشعر آذاه، فكان له إزالته من غير فديةٍ؛ كقتل (٥) الصَّيد الصَّائل، بخلاف ما إذا حلق شعره لقمْلٍ أو صُداعٍ وشدة حرٍّ، فإنَّها تجب الفدية؛ لأنَّ الأذى من غير الشَّعر. (أَوِ انْكَسَرَ ظُفُرُهُ فَقَصَّهُ)؛ فكذلك؛ لأنَّه يؤذيه بقاؤه، وكذا إن وقع بظفره

стр. 1942

مرض فأزاله له، أو قلع أصبعًا بظفر؛ فهدرٌ. ومعنى قوله: (فقَصَّه)؛ أي: قصَّ ما احتاجه فقط. وقال الآجُرِّيُّ: إن انكسر فآذاه؛ قطعه وفدى. وإن لم تمكن (١) مداواة قَرحةٍ إلا بقصه؛ قصَّه وفدى. (أَوْ قَلَعَ (٢) جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ؛ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ الشَّعر زال تابعًا لغيره، والتَّابع لا يُضمن؛ كما لو قلع أشفار عين، فإنه لا يضمن الهدب. وفي «المبهج»: إذا زال شعر الأنف؛ أنَّه لا يلزمه دم؛ لعدم الترفه (٣). وفيه نظر إذ لا فرق. فوائدُ: للمحرم تخليل (٤) لحيته، ولا فدية بقطعه بلا تعمد، والمذهب: إن تيقَّن أنَّه انفصل منه بمشط أو تخليل؛ فدَى، قال أحمد: إن خلَّلها فسقط؛ إن كان شعرًا ميتًا فلا شيء عليه (٥)، وجزم به في «الشرح»؛ لأنَّ الأصل نفي الضَّمان، لكن يُستحبُّ. وله حكُّ رأسه وبدنه برفق، نَصَّ عليه (٦)، ما لم يقطعه، وقيل: غير الجنب. وله غسله في حمَّام وغيره، بلا تسريح، فإن غسله بسدر أو نحوه؛ جاز، قاله القاضي وجمع، وجزم آخرون بالكراهة؛ لتعرُّضه لقطع الشَّعر. وعنه: يحرُم ويفدي.

стр. 1943

وله أن يحتجم، ذكره الخِرقِيُّ؛ للخبر (١)، زاد في «المحرر» وغيره: ما لم يقطع شعرًا، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيمن احتاج وقطعه لحجامة أو غسل: لم يَضُرَّ (٢).

стр. 1944

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ)، إجْماعًا (١)؛ لأنَّه ﵇ نهى عن لُبس العمائم، وقوله في المحرم الذي وَقَصَته راحلته: «وَلَا تُخَمِّرُوا رأسَه، فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبِّيًا» متَّفقٌ عليهما (٢)، وكان ابن عمر يقول: «إحرام الرَّجل في رأسه»، وذكره القاضي مرفوعًا (٣). والأذنان منه في قول الجماهير. وعنه: عضوان مستقلاَّن، ذكرها ابن عقيلٍ. وعلى الأوَّل: يدخل فيه البياض الذي فوقهما دون الشَّعر، بدليل الموضحة، وهي لا تكون إلاَّ في رأسٍ ووجْهٍ، وليس في الوجه، فتعين (٤) الأوَّل.

стр. 1945

وقيل: ليس منه، وذكره بعضهم إجماعًا. ويدخل فيه: النَّزَعَتان، والشعر الذي بينهما، وفي الصُّدْغ والتحذيف خلاف. (فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ)، جمع في ذكرها بين تغطيته بمعتادٍ أو غيره، قال أحمد: (وشدِّ سَيْرٍ فيه) (١)، (فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)؛ لأنَّه فعل محرَّمًا في الإحرام يقصد به الترفه، أشبه حلق الرَّأس. وظاهره: لا فرق بين أن يكون لعذرٍ أو غيره. (وَإِنِ (٢) اسْتَظَلَّ بِالمحْملِ)، ضبطه الجَوهريُّ كالمجلس (٣)، وعكس ابن مالك (٤)؛ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ): أشهرهما: أنَّه يحرم، ويلزمه الفداء؛ لأنَّ «ابن عمر رأى على رجلٍ مُحرمٍ عودًا يستره من الشَّمس؛ فنهاه عن ذلك» رواه الأثرم، واحتجَّ به أحمد (٥)، ولأنَّه قصده بما يقصد به الترفه؛ كتغطيته. وعنه: لا فدية إن طال زمنه (٦).

стр. 1946

وعنه: يكره، قال المؤلف: وهي الظَّاهرة (١) عنه. وعلى الأول: لو استظل بثوب راكبًا ونازلاً؛ لزمته الفدية. والثَّانية: يجوز بلا فداءٍ، جزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّ غاية (٢) ما سبق أنَّه قول ابن عمر، وهو لا يرى ذلك حرامًا، ولأنَّه يجوز بثوبٍ كما سيأتي. (وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا)؛ [فكستره] (٣) بيديه، ولا أثر للقصد وعدمه فيما فيه فدية. وقال ابن عقيل: إن قصد به السَّتر؛ فدى؛ كجلوسه عند عطَّار لقصد شمِّ الطِّيب. فلو لبَّده بعسلٍ (٤) أو صمْغٍ ونحوه؛ لئلا يدخله غبارٌ ولا دبيبٌ؛ جاز للخبر (٥). (أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ (٦) ثَوْبًا)؛ لما روت أم الحصين قالت: «حجَجْت مع النَّبيِّ ﷺ حجَّة الوداع، فرأيت بلالاً وأسامة، وأحدهما (٧) آخذٌ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبةِ» رواه مسلمٌ (٨). وأجاب أحمد (٩)، وعليه اعتمد القاضي وغيره: بأنَّه يسير لا يراد

стр. 1947

للاستدامة، بخلاف الاستظلال بالمحمل، زاد ابن عَقيلٍ: أو كان بعد رمي جمرة العقبة، أو به عذر وفدى، أو لم يعلم النَّبيُّ ﷺ به. (أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ، أَوْ بَيْتٍ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لما رَوَى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضُرِبت له قبَّةٌ بنمرة فنزلها» رواه مسلمٌ (١)، لأنَّه لا يقصد به الرَّفه (٢) في البدن عادةً، بل جمع الرَّحل وحفظه، وفيه شيءٌ. (وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ): إحداهما: يجوز، واختارها الأكثر، روي عن عثمان، وزيد بن ثابتٍ، وابن عبَّاسٍ، وابن الزُّبير (٣)، وغيرهم، ولأنَّه لا يقصد به سنة التقصير من

стр. 1948

الرجل، فلم يتعلق به حرمة التخمير (١) كسائر بدنه. والثانية، ونقلها الأكثر: لا يجوز؛ لقوله ﵇: «ولا تُخمِّروا وجهَه»، رواه مسلمٌ (٢)، فيكون كالرأس.

стр. 1949

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: لُبسُ المَخِيطِ)، في بدنه أو بعضه، بما عُمل على قدره، إجماعًا (١)، (وَالْخُفَّيْنِ)؛ لما روى ابنُ عمر: أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ﷺ : ما يلبس المحرم من الثِّياب؟ فقال: «لا يَلبَس القميص، ولا العِمامة، ولا البُرنُس، ولا السَّراويل، ولا ثَوبًا مسَّه زَعْفرانٌ أو وَرْسٌ، ولا الخفَّين، إلاَّ أنْ لا يَجِد نعلَين، فليقطعهما أسفلَ من الكعْبَين» متَّفق عليه (٢). فتنصيصه على القميص؛ يلحق به ما في معناه من الجبَّة والدَّرَّاعة، والعمامة يَلحَق بها كلُّ ساتر ملاصِقٍ، أو ساتر معتادٍ، والسَّراويل يُلحق به التُّبَّان، وما في معناه، وسواءٌ كان مخيطًا أو دِرْعًا منسوجًا، أو لبدًا معقودًا. وظاهره: لا فرق بين قليل اللبس وكثيره؛ لظاهر الخبر، ولأنه استمتاع، فاعتبر فيه مجرد الفعل؛ كالوطء في الفرج، لكن من به شيء لا يحب أن يُطَّلع عليه، فإنَّه يلبس ويفدي، نصَّ عليه (٣). (إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسُ سَرَاوِيلَ، أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ (٤) خُفَّيْنِ (٥)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات يقول: «السَّراويل لمن لا يجد الإزار، والخُفَّان لمن لم يجد النَّعلين» متَّفقٌ عليه، ورواه الأثبات وليس فيه «بعرفاتٍ»، وقال مسلمٌ: (انفرد بها شعبةُ)، وقال

стр. 1950

البخاريُّ: (تابعه ابنُ عيينة عن عمرو) (١)، ولأنَّه جعله بدلاً، وهو يقوم مقام المُبدل، لكن متى وجد الإزار خَلَع السَّراويل. وفي «الانتصار»: احتمال يلبس سراويل للعورة فقط. (وَلَا يَقْطَعُهُمَا)؛ أي: لا يلزمه قطع خفيه (٢) في المنصوص (٣) والمختار؛ عملاً بإطلاق حديثي ابن عبَّاس وجابرٍ (٤)، فإنَّه لم يأمر فيهما بقطع، ولو وجب لبيَّنه، يؤيِّده: أنَّ جماعةً من الصَّحابة عملوا على ذلك (٥)، وقال

стр. 1951

أحمد: قطعهما (١) فسادٌ (٢)، واحتجَّ المؤلِّفُ وغيره بالنهي عن إضاعة المال، ولأنَّه ملبوس أبيح لعدم غيره، أشبه السراويل، ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع مع القدرة على النعلين، كلبس الصحيح. وعنه: إن لم يقطعهما دون كَعْبَيه فدَى، وهي قول أكثر الفقهاء؛ لخبر ابن عمر (٣)، قال في «المغني» و «الشرح»: وهي الأَوْلَى؛ عملاً بالحديث الصَّحيح، وخروجًا من الاختلاف، وأخْذًا بالاحتياط. وأجيب: بأن زيادة القطع لم يَذكرْها جماعةٌ، وروي أنَّها من قول ابن عمر، ولو سُلِّم صحَّةُ رفعها؛ فهي بالمدينة، وخبر ابن عبَّاسٍ بعرفات، فلو كان القطع واجبًا؛ لبيَّنه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المسجد في موضع البيان ووقت (٤) الحاجة، فلزم (٥) أن يكون الإطلاق ناسخًا

стр. 1952

للتقييد؛ دفعًا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة. وحكى في «المغني» عن الخطَّابي أنه قال: (العجب من أحمد في هذا)؛ أي: في قوله (١) بعدم القطع، قال (٢): (فإنَّه لا يخالف سنَّةً تبلُغه، وقلَّ سنةٌ لم تبلغه (٣) (٤)، وفيه شيءٌ، فإن أحمد لم يخالف السُّنَّةَ، ولم تخفَ (٥) عليه. قال المَرُّوذيُّ: احتجيت (٦) على أبي عبد الله بحديث ابن عمر، وقلت (٧): هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديثٌ، وذاك حديث) (٨)، فقد اطَّلَع ﵁ على السُّنَّة، وإنَّما نظر نظر المتبحرين (٩) الذين أمدَّهم (١٠) الله بمعونته، مع أنَّ خبرنا فيه زيادةُ حكمٍ، وهو جواز اللُّبس بلا قَطْعٍ؛ لأنَّ هذا الحكم لم (١١) يشرع بالمدينة، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١٢)، وهو أحسن من ادعاء النَّسخ. (وَلَا (١٣) فِدْيَةَ عَلَيْهِ)؛ لظاهر ما تقدَّم، ولو وجبت لبيَّنها؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت (١٤) الحاجة لا يجوز.

стр. 1953

فرعٌ: الخنثى المشكل إن (١) لَبِس المخيط، أو غطَّى وجهه وجسده من غير لُبْس؛ فلا فديةَ عليه؛ لأنَّ الأصل عدم الوجوب، وإن غطَّى وجهه ورأسه، أو غطى وجهه ولَبِس المخيط؛ فدَى. وذكر أبو بكر: يغطي رأسَه ويفدي، وذكره أحمد عن ابن المبارك، ولم يخالفه (٢)، وجزم به في «الرعاية». (وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً، وَلَا رِدَاءً، وَلَا غَيْرَهُ)؛ لقول ابن عمر لِمُحْرِمٍ: «ولا يعقد عليه شيئًا» رواه الشَّافِعيُّ (٣)، وروى هو ومالك: «أنَّه كان يَكرَه لبس المِنطقة للمحرم» (٤)، ولأنَّه يترفه بذلك أشبه اللِّباس. وظاهره: لا فرق في ذلك بين ربطه بالعقد، أو بشوكة، أو إبرة، أو غير ذلك. فإن فعل؛ أثِم -من غير حاجةٍ- وفدى، وكذا إن كان معها؛ كوجع ظهر ونحوه، نص عليه (٥)، لكن إن كان فيها نفقة؛ فحكمها كالهِميان. وعنه: أنها كهميان، واختاره الآجُرِّيُّ وابن أبي موسى وغيرهما. وذكر المؤلِّف أنَّ الفرق بينهما: النَّفقة وعدمها، وإلاَّ فهما سواءٌ. فَرعٌ: لا بأسَ أن يتَّشِح بالقميص، ويرتدي به، وبرداء، ولا يعقده؛ لأنَّ المنهيَّ عنه المخيط على قدر العضو.

стр. 1954

(إِلاَّ إِزَارَهُ)، فيجوز له عقده؛ لأنَّه يحتاجه لستر عورته، فأبيح؛ كاللِّباس للمرأة، فدلَّ أنَّه لو شدَّ وسطه بمنديل ونحوه؛ جاز، ما لم يعقده. قال أحمد في مُحرِم حَزَم عمامةً على وسطه: لا يعقدها، ويدخل بعضها في بعض (١)، قال طاوس: فعله ابن عمر (٢). وقيل: لا بأس بشد وسطه بحبل ونحوه لحاجة. ولا يسن شق أسفل إزاره نصفين بعقد كل نصف على ساق؛ لأنه يشبه السراويل. (وَهِمْيَانَهُ الذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ)، فيباح، قال ابن عبد البَرِّ: اختاره فقهاء الأمصار (٣)، (إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ بِالْعَقْدِ)؛ لقول عائشة: «أوْثِقْ عليك نفقتَك» (٤)، ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ وابن عمر معناه، بل رفعه بعضهم (٥)، ولأن الحاجة

стр. 1955

تدعو إلى عقده، فجاز؛ كعقد الإزار، قال (١) ابن تميم: كانوا يرخِّصون في عقده، لا في عقد غيره. وظاهره: أنه إذا ثبت بغير العقد، كما لو أدخل السُّيور بعضَها في بعض؛ لم يجز عقده؛ لعدم الحاجة، وكما لو لم يكن فيه نفقةٌ، وفي «الروضة»: لا يعقد سيوره، وقيل: لا بأس؛ احتياطًا للنفقه. مسألةٌ: له حمل جرابه (٢) وقربة الماء، ولا يدخله في صدره، نَصَّ عليهما (٣). (وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ (٤) قَبَاءً؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) مُطلقًا، نَصَّ عليه (٥)، اختاره الأكثرُ؛ لما روى ابن المنذر مرفوعًا: «أنَّه نهى عن لبس الأقبية للمحرم» (٦)، ورواه النَّجَّاد عن عليٍّ (٧)،

стр. 1956

ولأنه مخيطٌ، وهو عادة (١) لُبْسه؛ كالقميص. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ)، هذا رواية، واختارها في «الترغيب»، ورجَّحها في «المغني» وغيره؛ لأنَّه إذا لم يدخل يديه فيهما لم تشتمل (٢) على جميع بدنه، فهو كالقميص إذا ارتدى به. وظاهره: أنه إذا أدخل إحدى يديه لا فدية عليه. وفي «الواضح»: بلَى. (وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ)؛ لما روى البَرَاء بن عازِبٍ قال: «لمَّا صالَح رسولُ الله ﷺ أهل الحديبية صالحهم ألاَّ يدخلها (٣) إلاَّ بجلبان السلاح؛ القراب بما فيه» متَّفقٌ عليه (٤)، وهذا ظاهر في إباحته عند الحاجة؛ لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد. وظاهره: أنه لا يجوز عند عدمها؛ لقول ابن عمر: «لا يحمل المحرم السِّلاح في الحرم» (٥)، قال المؤلف: والقياس يقتضي إباحته؛ لأنَّه ليس في معنى اللبس، كما لو حمل قربةً في عنقه. وعنه: يجوز أن يتقلَّد بالسَّيف بلا حاجةٍ، اختاره ابن الزَّاغوني، قال في

стр. 1957

«الفروع»: (ويتوجه: أنَّ المراد غير مكة)؛ لأنَّ حمل السلاح بها لا يجوز إلاَّ لحاجةٍ. نقل الأثرم: لا يتقلَّد بمكَّة إلاَّ لخوف (١)، روى مسلم عن جابر مرفوعًا: «لا يَحِلُّ أن يُحمَل السِّلاح بمكَّةَ» (٢)، وإنَّما منع أحمد من تقليد السَّيف؛ لأنَّه في معنى اللُّبس.

стр. 1958

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: الطِّيبُ (١)، فيحرُم إجْماعًا (٢)؛ لأمره ﵇ يعلى بن أميَّة بغسله (٣)، وقال في المحرم الذي وقصته راحلته: «ولا تُحنِّطوه» متَّفقٌ عليهما، ولمسلمٍ: «ولا تَمَسُّوه بطِيبٍ» (٤)، وإذا مُنِعَ المحرم الميت من الطِّيب مع استحبابه له؛ فالمحرم الحيُّ أولَى. (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ) أوْ شَيءٍ منه، نَصَّ عليه (٥)، (وَثِيَابِهِ)؛ لحديث ابن عمر (٦)، ولأنه يعدُّ مطيَّبًا بكلِّ واحدٍ منهما (٧). (وَشَمُّ الْأَدْهَانِ المُطَيَّبَةِ)؛ كدهن الورد والبنفسج (٨) ونحوهما. (وَالاِدِّهَانُ بِهَا)؛ لأنَّها تقصد رائحتها، وتُتَّخذ للطِّيب، أشبه ماء الورد. (وَشَمُّ المِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ)؛ لأنَّها هكذا تستعمل (٩)، وكذا التَّبخُّر بالعود والنَّدِّ (١٠)؛ لأنَّه استعمله على وجه التطيب (١١).

стр. 1959

(وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ)؛ كمسك (١) ونحوه، (يَظْهَرُ طَعْمُهُ (٢)؛ لأنَّ الطَّعم مستلزم الرَّائحة. وقيل: لا فدية؛ كبقاء لونه، ولو لم (٣) تمسه (٤) النَّار، (أَوْ رِيحُهُ)؛ لأنَّها المقصود منه. وظاهره: ولو طبخ (٥) أو مسَّه نارٌ؛ لبقاء المقصود منه، وليس هذا خاصًّا بالمأكول، بل المشروب كذلك؛ لأنَّه يحرم تناول الطِّيب؛ كالاكتحال ونحوه؛ لأنه استعمال للطِّيب، أشبه شمَّه. ومتى فعل شيئًا من ذلك؛ لزمته الفدية؛ لأنه فَعَل ما حرَّمه الإحرام كاللباس. مسألةٌ: للمشتري حمله وتقليبه إن لم يمسه، ذكره جماعةٌ، ولو ظهر ريحُه؛ لأنَّه لم يقصد للتطيب (٦)، ولا يمكن (٧) الاحتراز منه. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه: ولو علق بيده؛ لعدم القصد، ولحاجة التِّجارة، وقال ابن عقيل: إن حمله مع ظهور ريحه لم يجز، وإلاَّ جاز). (وَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ)؛ كالمسك غير المسحوق، وقطع الكافور، والعنبر، (فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ (٨)؛ لأنَّه غير مستعمِلٍ للطِّيب، وشمه سَبَق. وظاهره: أنه إذا علق بيده؛ كالغالية والمسك المسحوق؛ عليه الفدية؛

стр. 1960

لأنَّه مستعمِلٌ للطِّيب. (وَلَهُ شَمُّ العُودِ (١)؛ لأن المقصودَ منه التبخر، (وَالْفَوَاكِهِ) كلِّها؛ كالأترجِّ، والتُّفَّاح، والسَّفَرْجَل، ونحوه، (وَالشِّيحِ، والخُزَامَى) من نبات الصَّحراء. وكذا ما يُنبِتُه آدمي (٢) لغير قصد الطِّيب؛ كحِنَّاء وعصفر؛ لأنَّه ليس بطِيبٍ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، ولا يسمى متطيِّبًا عادةً، وكذا له شمُّ قرنفل ودارصيني (٣) ونحوهما. (وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ)، هذا شروعٌ في بيان (٤) حكم ما يُنبِته الآدمِيُّ لقصد شمِّه، ولا يُتَّخَذ منه طِيبٌ؛ كريحان فارسِيٍّ، ومحل الخلاف فيه، وهو معروف بالشَّام ومكَّة والعراق (٥)، وأمَّا عند العرب (٦) فالريحان (٧) هو الآس، ولا فدية في شمه قطعًا، (وَالنَّرْجِسِ)، وهو أعجمي معرَّبٌ، (وَالْبَنَفْسَجِ)، وهو معرَّبٌ أيضًا، (وَالْوَرْدِ، والبَرَم (٨) بفتح الباء والراء، هو (٩) العضاه، الواحد: برمة، (وَنَحْوِهَا)؛ كنمام، ومرزجوش (١٠)، وفي ذلك روايتان:

стр. 1961

إحداهما: يباح، اختاره أكثر الأصحاب، وهو قول عثمان وابن عبَّاس (١)؛ لأنَّه إذا يبس ذهبت رائحته، أشبه نبت البرِّيَّة، فعليها لا فدية فيه (٢)؛ لإباحته. والثَّانية: يحرُم؛ لقول جابر: «لا يشمه»، رواه الشَّافعي (٣)، وكرهه ابن عمر، قاله أحمد (٤)؛ لأنه يُتخذ للطيب (٥)؛ كالورد، فحينئذ تجب الفدية. ولكن ما ينبته الآدمي؛ تارة يتخذ منه طيب؛ كالورد والبنفسج والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزئبق، فالأشهر (٦): يحرم ويفدي، اختاره القاضي والمؤلف وغيرهما، كماء الورد، وتارة لا يُتخذ منه طيب؛ كالريحان، فاختار

стр. 1962

الأكثر إباحته، وماء الريحان كهو، وفي «الفصول» احتمال بالمنع (١) كماء ورد، وقيل عكسه. (وَالاِدِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ)؛ كزيت وشيرج، (فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ): أنصهما (٢): له فعله، قدَّمه في «المحرر» و «الفروع»؛ لأنَّه ﵇ فعَلَه، رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر، من رواية فَرقد السبخي، وهو ضعيف عندهم (٣)، وذكره البخاري عن ابن عباس (٤)، ولعدم الدَّليل. والثَّانية: المنع، ويفدي، ذكر القاضي أنها اختيار الخِرَقِيِّ، كالمطيَّب، ولأنَّهما (٥) أصل الأدْهان، ولم يكتسب الدُّهن إلاَّ الرائحة، ولا أثَرَ لها منفردة (٦)، ومنع القاضي ذلك، وهو واضح، ولأنه يزيل الشعث، ويسكن (٧) الشعر.

стр. 1963

وظاهره: أنه لا يمنع من (١) الادِّهان به في بقيَّة بدنه، صرَّح به في «المغني»، وقال في «الشَّرح»: لا نعلم عن أحمدَ فيه منعًا، وحكى (٢) ابن المنذر: (أن [عوام] (٣) أهل العلم أجمعوا على أنَّ للمحرِم أن يدهن بدنه بشحمٍ وزيتٍ وسمن) (٤)، وإنما خصَّ الرَّأس؛ لأنه محل الشعر، فالوجه كذلك، فلهذا قال بعض أصحابنا: هما في دهن شعره. وذكر القاضي في «تعليقه»، وأبو الخطَّاب، وصاحب «التَّلخيص» و «الكافي» فيه: أنَّ الخلاف جارٍ في دهن بدنه كرأسه؛ لأنَّه مثله. تنبيهٌ: يقدَّم غسل طيب على نجاسةٍ يُتَيمَّمُ لها، ولا يحرم دلالة على طيب ولباس، ذكره القاضي وابن شهاب؛ لعدم ضمانه بالسَّبب، ولا يتعلَّق بهما حكم مختص، بخلاف الدلالة على الصيد، فإنه يتعلق به حكم مختص (٥)، وهو تحريم الأكل والإثم. (وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ)؛ كقصد الكعبة حال تجميرها، أو حمل معه عقدةً (٦) فيها مسك ليجد ريحها؛ (لِشَمِّ (٧) الطِّيبِ، فَشَمَّهُ؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّه شمَّه قاصدًا، فحرم، كما لو باشره. وقال ابن حامِدٍ: يباح، والأوَّلُ أشهرُ. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: لا شَيءَ عليه إذا جلس عند العطَّار لحاجته، أو دخل الكعبة للتَّبرُّك بها، وإذا اشتراه كما سبق؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز منه.

стр. 1964

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ)، إجْماعًا (١)، وسنده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المَائدة: ٩٥]، (وَاصْطِيَادُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المَائدة: ٩٦]، (وَهُوَ) أي: الصَّيد المُحرَّم على المُحرِم ما جمع ثلاثةَ أشْياءَ: (مَا كَانَ وَحْشِيًّا)؛ لأنَّ ما ليس بوحشيٍّ لا يحرم؛ كبهيمة الأنعام، والخيل، والدَّجاج؛ إجماعًا (٢)، والاعتبار في ذلك بالأصل، فلو استأنس الوحشِيُّ؛ وجب فيه الجزاء، وعكسه لو (٣) توحَّش الأهلِيُّ لم يجب، ونص عليه في بقرة صارت وحشية (٤)؛ لأن الأصل فيها الإنسية (٥)، وحمامٍ وبَطٍّ وحشِيٍّ. (مَأْكُولاً)؛ لأنَّه ما ليس بمأكول (٦)؛ كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات والطير؛ يباح قتله؛ لقوله ﵇: «خمسُ فواسِقَ يُقتَلْن في الحلِّ والحرم: الحِدَأة، والغُراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العَقور» متَّفقٌ عليه (٧)، ويقاس عليه ما لم يقم دليل على تحريم قتله. فأمَّا ما اختُلِف فيه؛ كالثَّعلب، والسِّنَّوْر الوحشيِّ والأهليِّ، والهدهد، والصُّرَد (٨)؛ ففيه روايتان، والأشهر: أنه يجب في الثعلب.

стр. 1965

واختار القاضي: أنَّه لا شَيء في السِّنَّور الوحشيِّ؛ لأنَّه سبُعٌ، والصَّحيح: أنَّه لا شَيءَ في الأهليِّ؛ لأنه ليس بوحشيٍّ ولا مأكولٍ. وقال بعض أصحابنا: تُفدَى أم حُبَين (١) بجَدْي، وهي دابة منتفخة البطن، وهذا خلاف القياس؛ لأنها مستخبثة عند العرب لا تؤكل، حُكي أن رجلاً قال: نأكل ما دبَّ ودرج، إلا أمَّ حبين. (أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ)؛ كالمتولِّد من الوحشيِّ والأهليِّ، والمتولِّد من المأكول (٢) وغيره؛ كالسِّمع، ففيه الجزاء في قول أكثر العلماء؛ تغليبًا لتحريم قتله، كما غلبوا التَّحريم في أكله. وقيل: لا يجب فيما تولَّد من مأكول وغيره، قدمه في «الرعاية»؛ لأنَّ الله إنما حرم صيد البر، وهذا يحرم أكله. (فَمَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ؛ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ)، فيه (٣) مسائل: الأولى: إذا أتلفه، فعليه جزاؤه إجماعًا (٤)، وسنده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المَائدة: ٩٥]. الثَّانية: إذا تلف في يده؛ فعليه جزاؤه؛ لأنه تَلِف تحت يدٍ عاديةٍ، أشبه ما لو أتلفه؛ إذ الواجب إمَّا إرساله، أو ردُّه على مالكه. الثَّالثة: إذا أتلف جزءًا منه؛ ضمِنَه؛ لأنَّ جملتَه مضمونةٌ، فتُضمَن أبعاضُه، كالآدمي والمال.
следующие страницы →