← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

إحداهما: يباح، اختاره أكثر الأصحاب، وهو قول عثمان وابن عبَّاس (١)؛ لأنَّه إذا يبس ذهبت رائحته، أشبه نبت البرِّيَّة، فعليها لا فدية فيه (٢)؛ لإباحته. والثَّانية: يحرُم؛ لقول جابر: «لا يشمه»، رواه الشَّافعي (٣)، وكرهه ابن عمر، قاله أحمد (٤)؛ لأنه يُتخذ للطيب (٥)؛ كالورد، فحينئذ تجب الفدية. ولكن ما ينبته الآدمي؛ تارة يتخذ منه طيب؛ كالورد والبنفسج والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزئبق، فالأشهر (٦): يحرم ويفدي، اختاره القاضي والمؤلف وغيرهما، كماء الورد، وتارة لا يُتخذ منه طيب؛ كالريحان، فاختار

стр. 1962

الأكثر إباحته، وماء الريحان كهو، وفي «الفصول» احتمال بالمنع (١) كماء ورد، وقيل عكسه. (وَالاِدِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ)؛ كزيت وشيرج، (فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ): أنصهما (٢): له فعله، قدَّمه في «المحرر» و «الفروع»؛ لأنَّه ﵇ فعَلَه، رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر، من رواية فَرقد السبخي، وهو ضعيف عندهم (٣)، وذكره البخاري عن ابن عباس (٤)، ولعدم الدَّليل. والثَّانية: المنع، ويفدي، ذكر القاضي أنها اختيار الخِرَقِيِّ، كالمطيَّب، ولأنَّهما (٥) أصل الأدْهان، ولم يكتسب الدُّهن إلاَّ الرائحة، ولا أثَرَ لها منفردة (٦)، ومنع القاضي ذلك، وهو واضح، ولأنه يزيل الشعث، ويسكن (٧) الشعر.

стр. 1963

وظاهره: أنه لا يمنع من (١) الادِّهان به في بقيَّة بدنه، صرَّح به في «المغني»، وقال في «الشَّرح»: لا نعلم عن أحمدَ فيه منعًا، وحكى (٢) ابن المنذر: (أن [عوام] (٣) أهل العلم أجمعوا على أنَّ للمحرِم أن يدهن بدنه بشحمٍ وزيتٍ وسمن) (٤)، وإنما خصَّ الرَّأس؛ لأنه محل الشعر، فالوجه كذلك، فلهذا قال بعض أصحابنا: هما في دهن شعره. وذكر القاضي في «تعليقه»، وأبو الخطَّاب، وصاحب «التَّلخيص» و «الكافي» فيه: أنَّ الخلاف جارٍ في دهن بدنه كرأسه؛ لأنَّه مثله. تنبيهٌ: يقدَّم غسل طيب على نجاسةٍ يُتَيمَّمُ لها، ولا يحرم دلالة على طيب ولباس، ذكره القاضي وابن شهاب؛ لعدم ضمانه بالسَّبب، ولا يتعلَّق بهما حكم مختص، بخلاف الدلالة على الصيد، فإنه يتعلق به حكم مختص (٥)، وهو تحريم الأكل والإثم. (وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ)؛ كقصد الكعبة حال تجميرها، أو حمل معه عقدةً (٦) فيها مسك ليجد ريحها؛ (لِشَمِّ (٧) الطِّيبِ، فَشَمَّهُ؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّه شمَّه قاصدًا، فحرم، كما لو باشره. وقال ابن حامِدٍ: يباح، والأوَّلُ أشهرُ. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: لا شَيءَ عليه إذا جلس عند العطَّار لحاجته، أو دخل الكعبة للتَّبرُّك بها، وإذا اشتراه كما سبق؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز منه.

стр. 1964

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ)، إجْماعًا (١)، وسنده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المَائدة: ٩٥]، (وَاصْطِيَادُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المَائدة: ٩٦]، (وَهُوَ) أي: الصَّيد المُحرَّم على المُحرِم ما جمع ثلاثةَ أشْياءَ: (مَا كَانَ وَحْشِيًّا)؛ لأنَّ ما ليس بوحشيٍّ لا يحرم؛ كبهيمة الأنعام، والخيل، والدَّجاج؛ إجماعًا (٢)، والاعتبار في ذلك بالأصل، فلو استأنس الوحشِيُّ؛ وجب فيه الجزاء، وعكسه لو (٣) توحَّش الأهلِيُّ لم يجب، ونص عليه في بقرة صارت وحشية (٤)؛ لأن الأصل فيها الإنسية (٥)، وحمامٍ وبَطٍّ وحشِيٍّ. (مَأْكُولاً)؛ لأنَّه ما ليس بمأكول (٦)؛ كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات والطير؛ يباح قتله؛ لقوله ﵇: «خمسُ فواسِقَ يُقتَلْن في الحلِّ والحرم: الحِدَأة، والغُراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العَقور» متَّفقٌ عليه (٧)، ويقاس عليه ما لم يقم دليل على تحريم قتله. فأمَّا ما اختُلِف فيه؛ كالثَّعلب، والسِّنَّوْر الوحشيِّ والأهليِّ، والهدهد، والصُّرَد (٨)؛ ففيه روايتان، والأشهر: أنه يجب في الثعلب.

стр. 1965

واختار القاضي: أنَّه لا شَيء في السِّنَّور الوحشيِّ؛ لأنَّه سبُعٌ، والصَّحيح: أنَّه لا شَيءَ في الأهليِّ؛ لأنه ليس بوحشيٍّ ولا مأكولٍ. وقال بعض أصحابنا: تُفدَى أم حُبَين (١) بجَدْي، وهي دابة منتفخة البطن، وهذا خلاف القياس؛ لأنها مستخبثة عند العرب لا تؤكل، حُكي أن رجلاً قال: نأكل ما دبَّ ودرج، إلا أمَّ حبين. (أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ)؛ كالمتولِّد من الوحشيِّ والأهليِّ، والمتولِّد من المأكول (٢) وغيره؛ كالسِّمع، ففيه الجزاء في قول أكثر العلماء؛ تغليبًا لتحريم قتله، كما غلبوا التَّحريم في أكله. وقيل: لا يجب فيما تولَّد من مأكول وغيره، قدمه في «الرعاية»؛ لأنَّ الله إنما حرم صيد البر، وهذا يحرم أكله. (فَمَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ؛ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ)، فيه (٣) مسائل: الأولى: إذا أتلفه، فعليه جزاؤه إجماعًا (٤)، وسنده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المَائدة: ٩٥]. الثَّانية: إذا تلف في يده؛ فعليه جزاؤه؛ لأنه تَلِف تحت يدٍ عاديةٍ، أشبه ما لو أتلفه؛ إذ الواجب إمَّا إرساله، أو ردُّه على مالكه. الثَّالثة: إذا أتلف جزءًا منه؛ ضمِنَه؛ لأنَّ جملتَه مضمونةٌ، فتُضمَن أبعاضُه، كالآدمي والمال.

стр. 1966

ويأتي حكم الخطأ والعمد، لكن لو نصب شبكةً ثمَّ أحرم، أو أحرم ثمَّ حفر بئرًا بحقٍّ؛ فتلف به صيدٌ؛ لم يضمنه، وإلاَّ ضمن كالآدمي فيهما، والمراد: إذا لم يتحيَّل. (وَيَضْمَنُ) مع التَّحريم (مَا دَلَّ عَلَيْهِ)، نقله ابن منصورٍ وأبو الحارث (١)، سواء كان المدلول عليه ظاهرًا أو خفيًّا لا يعلمه إلاَّ بدلالته عليه. وقال أبو الفرج في «المبهج»: إن كانت الدَّلالة ملجئة؛ لزم المحرم الجزاء، كقوله: دخل في هذه المغارة، وإلا لم يلزمه، كقوله: ذهب في هذه البرِّيَّة؛ لأنَّه لا يضمن بالسَّبب مع المباشرة إذا لم يكن ملجئًا؛ لوجوب الضَّمان على القاتل، والدَّافع دون الممسِك والحافر. وأجاب القاضي: بأنَّ الممسكَ غير ملجئٍ، ويضمن الصَّيدَ، والدَّلالةَ سبب غير ملجئٍ، ويضمن بها المودَع. ويستثنى منه: ما لو دلَّه فكذبه، فلا ضمان عليه. فلو دل حلال حلالاً على صيد في الحرم؛ فكدلالة محرم محرمًا عليه. (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ)، نقله عبد الله (٢)، لكن لو رأى الصَّيد قبل الدَّلالة والإشارة؛ فلا شيء على دالٍّ ومشير؛ لأنها ليست سببًا في تلفه، كما لو وجد من المحرم عند رؤية الصَّيد ضحك، أو استشراف يُفطِّن له غيرَه فصاده. (أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ)، نقله أبو طالبٍ (٣)، بمناولة سلاحه أو سوطه، أو أمره باصطياده، وقال القاضي وغيره: أو بدفعه إليه فرسًا (٤) لا (٥) يقدر عليه إلا به.

стр. 1967

(أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَبْحِهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا)، أو نحوها (١) ليقتله به، وسواء كان معه ما يقتله به أو لا؛ لما روى أبو قتادة: أنه لما صاد الحمار الوحشِيَّ وأصحابه محرمون، قال النَّبيُّ ﷺ : «هل أشار إليه إنسانٌ منكم، أو أمره بشيءٍ؟» قالوا: لا، وفيه أبصَروا حمارًا وحشيًّا، فلم يؤذنوني، وأحبُّوا لو أنِّي أبصرتُه، فالتفتُّ فأبصرته، ثمَّ ركِبت، ونسيت السَّوط أو الرُّمح، فقلت لهم: ناولوني، فقالوا (٢): والله لا نعينُك عليه بشيءٍ؛ إنَّا محرِمون، فتناولتُه فأخذته، ثمَّ أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرتُه، فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا (٣)، فأتيت النَّبيَّ ﷺ فسألته، فقال: «كُلُوه، هو حلالٌ» متَّفقٌ عليه، ولفظه للبخاري (٤)، ولأنَّه وسيلةٌ إلى الحرام، فكان حرامًا؛ كسائر الوسائل. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا)، هذا هو المجزوم به عند الأكثر؛ لأنَّهما اشتركا في التَّحريم، فكذا في الجزاء، ولأنه (٥) جزاء عن مقتولٍ يختلف باختلافه، ويحتمل التَّبعيض، فكان واحدًا (٦)؛ كقِيَم (٧) الصَّيد. وعنه: على كلِّ واحدٍ جزاء، اختاره أبو بكر؛ ككفَّارة قتل الآدمي. وعنه: جزاء واحد، إلا أن يكون صومًا؛ فعلى كلِّ واحدٍ صومٌ تامٌّ، ومن أهدى فبحصَّته، وعلى الآخر صومٌ تامٌّ، نقله الجماعة (٨)؛ لأنَّ الجزاء بدل لا

стр. 1968

كفَّارة؛ لأنَّ الله عطف عليه الكفَّارة، والصَّوم كفَّارة، فيكمله (١)؛ ككفَّارة قتل الآدمي. وقيل: لا جزاء على محرم (٢) ممسكٍ مع محرمٍ قاتلٍ، فلا يلزم متسببًا مع مباشرٍ. وقيل: القرار عليه؛ لأنه (٣) هو الذي جعل فعل الممسك علة (٤). وظاهره: أنَّه إذا كان القاتل حلالاً؛ لا شيءَ عليه؛ كحلِّه (٥) له، ما لم يكن الاشتراك في الحرم، فيشتركان فيه كالأوَّل، فلو كان الدَّال والشَّريك لا ضمان عليه؛ كالمحلِّ في الحلِّ؛ فالجزاء جميعه على المحرِم في الأشهر. وأطلق أحمد القول، فيَحتمِل ما قلنا، ويَحتمِل يلزمه بحصَّتِه؛ لأنه اجتمع موجِب ومسقِط؛ فغُلِّب الإيجابُ؛ كمتولِّد بين مأكولٍ وغيره. وكذا الخلافُ إن كان الشريكُ سَبُعًا، فإن سبق حلال وسبُع بجَرحه (٦)؛ فعلى المحرِم جزاؤه مجروحًا، وإن سبق هو؛ فعليه أرشُ جَرحِه، فلو كانا محرمين؛ ضمن الجارحُ نقصَه، والقاتلُ تتمةَ الجزاء. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أي: على الدال (٧) والمشير (الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ لما روى أبو قَتادةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ [قال] (٨): «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟» قالوا: لا، قال: «كلوا ما بقي من لحمها» متَّفقٌ عليه (٩).

стр. 1969

(وَأَكْلُ) ما ذبحه، و (مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ)، نقله الجماعة (١)؛ لما في «الصَّحيحين» من حديث الصَّعب بن جثَّامة: أنَّه أهدى للنَّبيِّ ﷺ حمارًا وحشيًّا، فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنا لم نرُدُّه عليك إلاَّ أنَّا حُرُم» (٢)، وروى الشَّافعيُّ وأحمد من حديث جابر مرفوعًا: «لحم الصَّيد لكم حلال، ما لم تصيدوه (٣) أو يصد لكم»، فيه المطَّلب بن حنطب، قال الترمذي: (لا يعرف له سماع من جابرٍ) (٤). وعن عثمان: أنَّه أُتي بلحمٍ صيدٍ، فقال لأصحابه: «كُلوا»، فقالوا: ألا تأكل أنت، فقال: «إني لست كهيئتكم، إنَّما صيد لأجلي» رواه مالك والشَّافعي (٥). وفي «الانتصار»: احتمال بجوازه. وظاهره: أنَّ ما حرم على المحرم لكونه دلَّ عليه، أو أشار إليه، أو صِيدَ من أجله؛ لا يحرم على الحلال أكلُه، صرح به غير واحد؛ لحديث الصعب،

стр. 1970

ولا يحرم على محرم آخر في الأشهر. (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (١) الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ)، نَصَّ عليه؛ لحديث أبي قتادة: «كُلُوهُ، هو حلالٌ» (٢)، وأفتى به أبو هريرة، وقال عمر له: «لو أفتَيْتَهم بغيره لأوجعتُك» رواه مالك (٣). وعن عليٍّ وابن عبَّاس: يحرم (٤)؛ لخبر الصَّعب (٥)، وكما لو دلَّ عليه. والفرقُ ظاهرٌ، وما سبق أخص، والجمع أولى؛ لأنَّه ﵇ إنما ترك الأكل في حديث الصعب؛ لعلمه أو ظنه أنه صيد من أجله. (وَإِنْ أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ)؛ لما رَوَى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «في بَيض النَّعام ثَمنُه» رواه ابن ماجه (٦)،

стр. 1971

ولأنَّه تسبَّب إلى إتلافه بالنَّقل، فوجب ضمانه كالمباشرة. وظاهره: أنَّه إذا صحَّ وفرَّخ؛ لا ضمان فيه، لكن لو باض على فراشه، فنقله برفق، ففسد؛ فوجهان، بناء على الجراد إذا انفرش في طريقه، وظاهره: وجوب الضَّمان. (بِقِيمَتِهِ)، نَصَّ عليه (١)، مكانه؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «في بيض النَّعام قيمتُه» (٢)، ولأنَّه إذا وجب في بيض النعام قيمته مع أنَّه من ذوات الأمثال، فغيره أَوْلَى؛ لأنَّ البيض لا مثلَ له، فتجب فيه القيمة؛ كصغار الطير، وإطلاق الثَّمن في الخبر يدل على ذلك؛ إذ غالب الأشياء يعدل ثمنُها قيمتَها، وهذا إذا كان له قيمة، فإن كان مذِرًا (٣)؛ فلا شَيءَ فيه. قال الأصحاب: إلاَّ بيض النَّعام، فإن لقِشرِه قيمة، وصحح في «المغني» و «الشرح»: أنه لا شَيءَ فيه إذا لم يكن فيه حيوان، حالاً أو مآلاً؛ لأنه بمنزلة سائر الأحجار. ويستثنى منه: ما لو كسرها بعد أن ثبتت (٤)، وخرج منها دمٌ، أو خرج منها فرخٌ حيٌّ، فلا شيء عليه (٥). وقال ابن عقيل: يحتمل أن يضمنه، إلا أن يحفظه إلى أن ينهض ويطير، ويحتمل عدمه؛ لأنه لم يجعله غير ممتنع، كما لو أمسك طائرًا أعرج، ثمَّ تركه.

стр. 1972

وإن مات بعد خروجه؛ ففيه ما في صغار أولاد المُتلَف بيضُه. (وَلَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ) ابتداءً (بِغَيْرِ الْإِرْثٍ)، وفاقًا (١)؛ لخبر الصَّعْب السَّابق (٢)، فليس محلًّا للتَّمليك؛ لأنَّ الله حرَّمه عليه كالخمر، فلو قبضه مشترٍ، ثم تلف؛ فعليه جزاؤه وقيمته لمالكه. وفي «الرعاية»: لا شيء لواهب. وإن قبضه رهنًا؛ فعليه جزاؤه فقط، وعليه رده، وإن أرسله؛ ضمنه لمالكه، ولا جزاء ويرد (٣) المبيعَ. وقيل: يرسله؛ لئلاَّ تثبت يده (٤) المشاهدة عليه، ومثله متَّهِبُه. وصريحه: أنَّه يملكه بالإرث، وهو المذهب؛ لأنَّه أقوى من غيره، ولا فعل منه، بدليل أنَّه يدخل في ملك الصَّبيِّ والمجنون، ويملك به الكافر، فجرى مجرى الاستدامة. (وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُه بِهِ أَيْضًا)؛ لما قلناه، فهو كغيره، فعلى هذا هو أحقُّ به، فيملكه إذا حل. وفي «الرعاية»: يملكه بِشِراء واتِّهاب (٥). (وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه تلف بسببٍ كان في إحرامه، فضمنه؛ كما لو جرحه، فمات بعد حلِّه، ولم يتكرَّر الضَّمان بأكله إذا ذبحه، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه وجب لقتله لا لأكله؛ لكونه

стр. 1973

مضمونًا بالجزاء، فلا يتكرَّر؛ كإتلافه بغير أكله، ولهذا لا يضمنه محرِمٌ آخرُ، (وَكَانَ مَيْتَةً)، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه صيدٌ يلزمه ضمانُه، فلم يُبَح بذبحِه؛ كحالة الإحرام. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَابِ: لَهُ أَكْلُهُ)، وعليه ضمانه؛ لأنَّه ذَبَحَه وهو من أهله، أشبه ما لو صاده بعد حله، فأبيح له كغيره، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا يلزمه ضمانه، بخلاف المقيس عليه. (وَإِنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ)؛ أي: ملكه (صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ؛ لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ المُشَاهَدَةِ عَنْهُ)؛ كما لو كان في رحله أو خيمته أو قفصه، ويلزمه إرساله؛ لأنَّ في عدم إزالة يده المشاهدة إمساكًا للصَّيد، فلم يجز، كحالة الابتداء، بدليل اليمين، وملكه باقٍ عليه، فيرده (٢) من أخذه، ويضمنه من قتله، ولا يصحُّ نقل الملك فيه، (دُونَ الْحُكْمِيَّةِ)، كما لو كان في بيته، أو في يد نائبٍ له في غير مكانه؛ لأنَّه لا يلزم إمساك الصيد، فلم يلزم بإزالتها، كما لو لم يكن محرمًا. فعلى هذا: لا يضمنه، وله نقل الملك فيه بكل نوعٍ، ومَن غصَبَه؛ لزِمه ردُّه. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)؛ أي: لم تزل يده المشاهدة، (فَتَلِفَ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُه (٣)؛ لأنَّه تلِف تحت يده العادية، فلزمه الضَّمان؛ كمال الآدمي. وجزم المؤلف، وقدمه في «الفصول»: إن أمكنه، وإلاَّ فلا؛ لعدم تفريطه. (وَإِنْ أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى المُرْسِلِ)، ذكره الأصحاب؛ لأنَّه فَعَل ما يتعيَّن على المحرم فعله في هذه العين خاصَّة؛

стр. 1974

كالمغصوب، ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها، فلو أمسكه حتى تحلَّل؛ فملكه باقٍ عليه. واعتبره في «المغني» و «الشرح»: بعصير تخمَّر ثمَّ تخلَّل قبل إراقته. وفي «الكافي»، وجزم به في «الرعاية»: يرسله بعد حله؛ كما لو صاده. تنبيهٌ: إذا ملك صيدًا في الحِلِّ، وأدخله الحرم؛ لزِمه رفع يده وإرساله، فإن (١) أتلفه أو تلف في يده؛ ضمنه؛ كصيد الحل في حق المحرم، ذكره الأصحاب. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه: لا يلزمه إرساله، وله ذبحه، ونقل الملك فيه؛ لأنَّ الشَّارع إنَّما نهى عن تنفير صيد مكَّةَ، ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه، والصحابة مختلفون، وقياسه على الإحرام فيه نظر؛ لأنَّه آكد). وكذا إن أمسك صيد حرم، وخرج به إلى الحل؛ فإنه يلزمه إرساله، ولو تلف ضمِنه، كالمحرم إذا أمسكه حتى تحلَّل. (وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلاً عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)؛ لم يضمنه في ظاهر كلام أحمدَ، وقاله الأصحاب؛ لأنه قتله لدفع شَرِّهِ، فلم يضمنه؛ كآدميٍّ، وكجملٍ صائل (٢)، مع أنَّ الشَّارع أذن في قتل الفواسق لدفع أذى متوهَّم، فالمتحقَّقُ أَوْلَى، وسواء خشِي منه تلفًا أو مضرَّة أو على بعض ماله. (أَوْ بِتَخْلِيصِهِ (٣) مِنْ سَبُعٍ، أَوْ شَبَكَةٍ)، أو أخذه ليُخلِّص من رجله خيطًا ونحوه، (لِيُطْلِقَهُ)، فتلف قبل إرساله؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ) على الأشهر؛ لأنَّه فعلٌ أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمنه؛ كمداواة الولي (٤) مَوْلِيَّه.

стр. 1975

(وِقِيلَ: يَضْمَنُهُ فِيهِمَا)، أمَّا أولاً فهو قول أبي بكر؛ لأنه قتله لحاجة نفسه، فهو كقتله لحاجة أكله في الأصحِّ، خلافًا للأوزاعيِّ، والفرق ظاهرٌ، وأما ثانيًا فلعموم الآية، وغايته أنَّه عُدم فيه القصدُ؛ أشبه قتل الخطأ. مسألةٌ: إذا أخذه ليداويه؛ فوديعةٌ، فلو تآكلت يده؛ فله إزالتها، وإن أزمنَه؛ فجزاؤه؛ لأنَّه كتالفٍ، وكجرح تيقن به موته، وقيل: ما نقص. (وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ (١) فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ)؛ أي: أهلي مباح، إجماعًا (٢)؛ كبهيمة الأنعام؛ لأنه ليس بصيد، والمحرَّم إنَّما هو الصَّيد، بدليل أنَّه ﵇ كان يتقرَّب إلى الله تعالى بذبح ذلك في إحرامه (٣)، ولهذا قال: «أفضلُ الحجِّ: العجُّ والثَّجُّ» (٤). (وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ)، إلاَّ المتولِّد؛ كالخمس الفواسق التي أباح الشَّارع قتلها مطلقًا (٥)، وصرح (٦) في «المستوعب» وغيره: بأنه يستحبُّ قتل كلِّ مؤذٍ من حيوانٍ وطيرٍ، وهو مراد من أباحه. والمراد بالغراب: غراب البَيْن؛ لأنَّه محرم الأكل، ويعدو على أموال الناس. وظاهر «المستوعب»: لا، فإنه مثَّل بالغراب (٧) الأبقع فقط؛ للخبر

стр. 1976

الخاص فيه (١). ورُدَّ: بأنَّ غيره أكثر وأصحُّ. ويدخل في الإباحة: البازي، والصَّقر، والذُّباب، والبعوض، والبقُّ، ذكره جماعةٌ. فأمَّا ما لا يُؤذِي بطبعه؛ كالرَّخَم، فكذلك، ولا جزاء فيه، ويجوز قتله. وقيل: يكره، وجزم به في «المحرر» وغيره. وقيل: يحرم. ولأصحابنا في النمل (٢) وجهان، نقل حنبلٌ: لا بأس بقتل الذَّرِّ، ونقل مهنَّى: بقتل النَّملة إذا عضَّته (٣)، قال ابن عقيل: فيها لقمةٌ أو تمرةٌ إذا لم تؤذه. قال في «الشرح»: ويتخرَّج في النحلة كذلك. ولا شيء في ضفدع، وجعل فيه ابن أبي موسى: حكومة. ولكن يستثنى منه: ما أباحه الشَّارع (٤)، فإنه يحرم قتله، كما أن الأسود البهيم يباح قتله، ذكره الأصحاب. (إِلاَّ الْقَمْلَ) على المحرم (فِي رِوَايَةٍ)، فإنه يحرُم قتله، وهو ظاهر الخِرقِيِّ؛ لأنَّه يترفه بإزالته، فحرم كقطع الشَّعْر، (وَأَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ)؛ لأنَّه لم يرد به أثر. وعنه: لا شيءَ فيه؛ لخبر كعبٍ (٥)، ولأنه لا قيمة له كسائر المحرَّم المؤذِي.

стр. 1977

والثَّانية: لا يحرم قتله؛ لأنه (١) يحرم أكله، ويؤذي، أشبه البراغيث. وظهر منه: أنَّه يباح في الحرم لغير المحرم قتله، وهو بغير خلاف (٢)؛ لأنَّه إنَّما حرم في حق المحرم؛ لما فيه من الترفُّه (٣)؛ فأبيح فيه كغيره. تكملة: الصئبان (٤) كالقمل؛ لأنَّه بيضُه. ولا فرق بين قتله ورميه؛ لحصول الترفه به. وقال القاضي وابن عَقيلٍ: الرِّوايتان فيما أزاله من شعره وبدنه وباطن ثوبه، ويجوز من ظاهره. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّهما فيما أزاله من شعره. وذكر جماعةٌ: أنَّ البراغيث كالقمل. وله قتل القُراد عن بعيره، روي (٥) عن ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٦)؛ كسائر المؤذِي.

стр. 1978

(وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى المُحْرِمِ)، إجْماعًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المَائدة: ٩٦]، والبحر الملح والعذب والأنهار والعيون سواء، وصيده ما يعيش فيه كالسمك، فإن كان يعيش فيهما؛ كسلحفاة وسرطان فكذلك، نقل عبد الله فيه (٢) الجزاء. قال في «الفروع»: ولعلَّ المراد ما يعيش في البَرِّ له حكمه، وما يعيش في البحر له حكمه؛ كالبقر أهلِيٍّ ووحشِيٍّ، فأمَّا طير الماء فبَرِّيٌّ؛ لأنَّه يُفرِّخ ويبيض فيه. (وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ)؛ كصيده من آبار الحرم (رِوَايَتَانِ): إحداهما: المنعُ، صحَّحه في «الشَّرح» وغيره؛ لأنَّه حرَمِيٌّ أشبه صيد الحرم، ولأنَّ حرمة الصيد للمكان فلا فرْقَ. والثَّانية، وهي ظاهر «الوجيز»، وقدَّمها في «المحرَّر»: يحل؛ لإطلاق حله في الآية، ولأن الإحرام لا يحرمه؛ كحيوانٍ أهلِيٍّ وسَبُعٍ. (وَيُضْمَنُ الْجَرَادُ) في قول أكثر العلماء؛ لأنَّه طيرٌ في البَرِّ يتلفه الماء كالعصافير، (بِقِيمَتِهِ)؛ لأنَّه متلَفٌ غير مثلِيٍّ. وعنه: يتصدَّق بتمرةٍ عن جرادةٍ؛ روي (٣) عن ابن عمرَ (٤). (فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ فَقَتَلَهُ)، أو أتلف بَيض طيرٍ (بِالمَشْيِ عَلَيْهِ؛ فَفِي

стр. 1979

الْجَزَاءِ وَجْهَانِ): أحدهما: فيه الجزاءُ، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لأنَّه أتلفه لمنفعته، أشبه ما لو اضطرَّ إلى أكله. والثَّانِي: لا؛ لأنَّه اضطرَّه إلى إتلافه كصائلٍ. (وَعَنْهُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ)، روي عن أبي سعيدٍ (١)؛ لأنَّ كعبًا أفتى بأخذه وأكله، فقال له عمر: «ما حملك أن تفتيَهم به؟» قال: «هو من صيد البحر»، قال: «وما يدريك؟» قال: «والذي نفسي بيده؛ إن هو إلاَّ نثرة حوتٍ ينثر (٢) في كلِّ عام مرَّتَينِ» رواه مالكٌ (٣)، وقال ابنُ المنذر: (قال ابن عبَّاس: «هو من صيد البحر») (٤)، ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة مرفوعًا، ومن

стр. 1980

طريق أخرى، وقال: الحديثان وهَمٌ (١). (وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ)، أبيح له بغير خلافٍ نعلمه (٢)، وسنده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، فإذا ذبحه كان ميتةً، ذكره القاضي، واحتجَّ بقول أحمد: كل ما (٣) صاده المحرم أو قتله، فإنَّما هو قتل قتله (٤). قال في «الفروع»: ويتوجَّه حلُّه؛ لحل فعله. (أَوِ احْتَاجَ إِلَى (٥) شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المَحْظُورَاتِ؛ فَلَهُ فِعْلُهُ، وَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ)؛

стр. 1981

لأنَّ كعبًا لمّا احتاج إلى الحلْق؛ أباحه الشَّارع له (١)، وأوجب عليه الفدية، والباقي في معناه، ولأنَّ أكل الصَّيد إتلافٌ، فوجب ضمانه، كما لو اضطر إلى طعام غيره.

стр. 1982

(فَصْلٌ) (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ)، فإنَّه محظورٌ إلاَّ في حقِّ النَّبيِّ ﷺ ، (لَا يَصِحُّ مِنْهُ)؛ لما روى مسلمٌ عن عثمانَ مرفوعًا: «لا يَنكح المحرِمُ، ولا يُنكح، ولا يَخطُب» (١)، وعن ابن عمر أنَّه كان يقول: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره» رواه الشافعي، ورفعه الدارقطني (٢). وظاهره: لا فرق بين أن يتزوَّج، أو يُزوِّج محرِمةً، أو يكون وكيلاً، أو وليًّا، نقله الجماعة (٣)، وسواء تعمد أو لا.

стр. 1983

وأجازه ابن عباس (١)؛ لروايته: «أنَّه ﵇ تزوَّج ميمونةَ وهو محرِمٌ» متَّفق عليه، ولأحمدَ والنسائي: «وهما محرِمان» (٢)، ولأنَّه عقد يملك به الاستمتاع، فلم يُحرِّمه (٣) الإحرام؛ كشِراء الإماء (٤). وجوابُه: ما روى يزيد بن الأصم، عن ميمونة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تزوَّجها حلالاً، وبنى بها حلالاً، وماتت بسَرِف»، إسنادُه جيِّدٌ، رواه أحمد، وقال الترمذي: (غريب)، ولمسلمٍ عن يزيد بن الأصمِّ، عن ميمونة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تزوجها وهو حلالٌ»، وكانت خالتي، وخالة ابن عبَّاسٍ (٥)، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافعٍ: «أنَّ النَّبيَّ

стр. 1984

ﷺ تزوَّج ميمونة (١) حلالاً، وبنى بها حلالاً، وكنت الرَّسول بينهما»، إسنادُه جيِّدٌ، رواه أحمد والترمذي وحسَّنه، وقال ابن المسيب: (وهِل ابن عباس)، وفي رواية: (وهم) رواهما الشافعي (٢). وبالجملة: فقصَّة ميمونة مختلفةٌ، ورواية الحِلِّ أكثر، وفيها صاحب القصة والسَّفير فيها، ولا مطعن (٣) مع موافقتها لما تقدَّم، وفيها زيادة، مع صغر ابن عبَّاسٍ إذًا، ويمكن حمل (٤) قوله: «وهو محرم»؛ أي: في الشهر الحرام، أو البلد الحرام، كقولهم: (قتل عثمان مُحْرِمًا)، أو تزوجها حلالاً، وظهر تزويجها وهو محرمٌ. ثمَّ لو وقع التَّعارض؛ فحديثُنا أَوْلَى؛ لأنَّه قوله، وذلك فعله، ويحتمل أن يكون خاصًّا به، وعليه عمل الخلفاء (٥).

стр. 1985

وعقد النِّكاح يخالف شراء الأمة؛ لأنه يحرم بالعدة والرِّدَّة واختلاف الدِّين، وكون (١) المنكوحة أختًا له من الرَّضاع، والنِّكاح يراد به (٢) الوطء غالبًا، بخلاف شراء الأمَة، فافترقا. وعنه: إن زوَّج المحرمُ غيرَه؛ صحَّ؛ لأنه سبب لإباحة محظورٍ؛ كحلال، فلم يمنعه الإحرام؛ كحلقه رأس حلال. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: (لم أفسخه) (٣)؛ محمولٌ على أنه مختلَفٌ فيه. وعلى المذهب: الاعتبار بحالة العقد، فلو وَكَّل محرِمٌ حلالاً فيه، فعقده بعد حلِّه؛ صحَّ في الأشهر، وعكسُه بعكسه. ولو وكَّل، ثمَّ أحرم؛ لم ينعزل وكيله في الأصح، وله عقده إذا حل، فلو وكَّل حلالاً مثله، فعقده، وأحرم الموكل، واختلفا، فقالت: عُقِد بعد الإحرام، وقال هو: قبله؛ قُبِلَ قوله، وكذا في عكسه؛ لأنه يملك فسخ العقد، فملك الإقرار به، لكن (٤) يلزمه نصف الصَّداق، ويصح مع جهلهما

стр. 1986

وقوعه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُه. تَتِمَّةٌ: دخل في كلامه: ما لو أحرم الإمام الأعظم، فإنَّه يمنع من التَّزويج لنفسه وسائر أقاربه، وهل يمنع أن يزوِّج بالولاية العامَّة؟ فيه احتمالان، ذكرهما ابن عقيل، واختار الجواز؛ لحلِّه حال ولايته، والاستدامة أقوى؛ لأن الإمامة لا تبطل بفسق طرأ. وفي «التَّعليق»: لم يجز أن يزوِّج، ويزوِّجُ خلفاؤه، وصرَّح به في «الوجيز»؛ لأنَّه يجوز بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النَّسب، بدليل تزويج الكافرة. وإن أحرم نائبه فكهو، قاله بعض أصحابنا. (وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «الفروع»: المنعُ، نقله الجماعة (١)، ونصره القاضي وأصحابه؛ لأنَّه عَقْدٌ وُضِع لإباحة البُضْع، أشبه النِّكاح. والثَّانيةُ: الإباحة، اختارها الخِرَقِيُّ، وجزم بها في «الوجيز»، وصحَّحها في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّها إمساكٌ، ولأنَّها مباحةٌ قبل الرَّجعة فلا إحلالَ، ولو قلنا بأنَّها محرَّمةٌ؛ لم يكن ذلك مانِعًا من رجعتها، كالتَّكفير للمُظاهر، وتعقَّبه القاضي. (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا)؛ لأنَّه عقْدٌ فسد لأجل الإحرام، فلم يجب به فدية؛ كشراء الصَّيد. ولا فرق فيه بين الإحرام الصَّحيح والفاسد قاله في «الشرح». مسألة: يكرَه للمحرم الخِطبة، كخُطبة العقد وشهوده، وحرَّمها ابنُ عَقيلٍ، كتحريم دواعي الجماع.

стр. 1987

وتكره شهادته فيه، وحرَّمها ابن عقيل، وقدَّمها القاضي، واحتجَّ بنقل حنبل: (لا يخطب)، قال: (معناه: لا يشهد النِّكاح) (١)، وما روي فيه: «وَلَا يَشهَد»؛ فلا يصحُّ (٢)

стр. 1988

(فَصْلٌ) (الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البَقَرَة: ١٩٧]، قال ابن عبَّاس: «هو الجماع» (١)، بدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]؛ يعني: الجماعَ، وقد حكاه ابن المنذر إجماع العلماء أنَّه يفسد النُّسك به (٢)، وفي «الموطأ»: بلغني أنَّ عمرَ، وعليًّا، وأبا هريرة: سئلوا عن رجل أصاب أهلَه وهو محرِمٌ، فقالوا: «ينفذان لوجههما حتَّى يقضيا حجَّهما، ثمَّ عليهما حجٌّ من قابل والهدي» (٣)، ولم يعرف لهم مخالفٌ.

стр. 1989

والمراد به: إذا كان أصليًّا، وصرَّح به في «الوجيز». (قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ)؛ لوجوب الحدِّ والغسل. وخرَّج (١) بعضهم: لا يفسد بوطء بهيمةٍ؛ مِنْ عَدَم الحدِّ، أشبه الوطء دون الفرج. وأطلق الحلواني وجهين، أحدُهما: لا يفسد، وعليه شاةٌ. (فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ؛ فَسَدَ نُسُكُهُ)؛ لِما قلنا، وظاهره: ولو بعد الوقوف بعرفةَ، ونقله الجماعة (٢)، ولأنَّه قول من سمَّينا من الصَّحابة، وهو مطلق، ولأنَّه جماعٌ صادف إحرامًا تامًّا؛ كقبل الوقوف. وقوله: «الحَجُّ عَرفة» (٣)؛ أي: مُعظمه، ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد، بدليل العمرة، وإدراك ركعة من الجمعة. (عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا)، نقله الجماعةُ (٤)؛ لأنَّ بعض الصَّحابة قضوْا بفساد الحجِّ (٥)، ولم يستفصلوا، ولو اختلف الحال لوجب البيان، ولأنَّه سبب يتعلَّق به وجوب القضاء، فاستويا كالفوات، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه تَرْك ركنٍ فأفسد (٦)، والوطء فعلٌ منهيٌّ عنه.

стр. 1990

والجاهل بالتحريم (١) والمكرَه؛ كالنَّاسي. وفي «الفصول» روايةٌ: لا يفسد، اختاره (٢) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣)، وأنَّه لا شيء عليه، وهو متَّجِهٌ، قاله في «الفروع». والمذهب: أنَّ المرأةَ المطاوِعةَ كالرَّجل؛ لوجود الجماع منهما، بدليل الحدِّ. وعنه: يجزئهما هديٌ واحدٌ؛ لأنَّه جماعٌ واحد. وعنه: لا فدية عليها؛ لأنَّه لا وطء منها، ذكره (٤) جماعةٌ؛ كالصَّوم. والأشهر: أنَّه لا فدية على مكرَهة، نَصَّ عليه (٥)، كالصَّوم. (وَعَلَيْهِمَا المُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ)، ولا يخرج منه، رُوي عن عمر، وعلِيٍّ، وأبي هريرة، وابن عبَّاسٍ (٦)، وحكمه كإحرامٍ صحيحٍ،

стр. 1991

نقله الجمهور (١)، وذكره القاضي وغيره عن جماعة الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، وقد رُوِي مرفوعًا أنَّه أمر المجامع (٢) بذلك (٣)، ولأنَّه معنًى يجب به القضاء، فلم يخرج به منه؛ كالفوات. ونقل ابن إبراهيم عن أحمدَ: أنَّه يعتمر من التَّنعيم (٤)، ومقتضاه: أنَّه يجعل الحجَّ عمرةً. (وَ) يلزمهما (الْقَضَاءُ)، بغير خلافٍ نعلمُه (٥)؛ لما رَوَى ابنُ وهبٍ بإسناده، عن سعيد بن المسيِّب: أنَّ رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجلُ (٦) النَّبيَّ ﷺ ، فقال لهما: «أتِمَّا حجَّكما، ثمَّ ارجعا، وعليكما حجَّةٌ أخرى قابلاً (٧)، حتَّى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها؛ فأحرما وتفرَّقا، ولا يؤاكلْ واحدٌ منكما صاحبه، ثمَّ أتمَّا مناسككما وأهْدِيَا»، وروايته (٨) عن

стр. 1992

ابن لهيعة صحيحة عند جماعةٍ (١)، وروى سعيدٌ والأثرم (٢) عن عمر وابن عبَّاس معناه (٣). ولا فرق في الذي أفسدها أن تكون فرضًا بأصل الشَّرع أو النذر أو قضاء، لكن إذا أفسده؛ فإنَّه يقضي الواجب لا القضاء؛ كالصَّوم والصَّلاة، ويلزمه قضاء النفل، نَصَّ عليه (٤)، وإليه ذهب الأصحاب؛ لأنَّه لزم بالدُّخول فيه. وعنه: لا قضاء فيه. وعلى المذهب: هو على الفور؛ لتعيينه بالدُّخول فيه. (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلاً)؛ أي: يلزم الإحرام بالقضاء من أبعد الموضعَين؛ الميقات أو إحرامه الأوَّل، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه إن كان الميقاتُ أبعدَ؛ لم يجز له تجاوزه بغير إحرامٍ، وإن كان موضعُ إحرامه أبعدَ؛ لزمه منه؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء، وإلاَّ لزمهما من الميقات نَصًّا. (وَنَفَقَةُ المَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ)؛ لقول ابن عمر: «وأهديا هديًا» (٦)، أضاف الفعل إليهما،

стр. 1993

وقول ابن عبَّاسٍ: «أهدِ (١) ناقةً، ولتُهدِ ناقةً» (٢)، ولأنَّها بمطاوعتها أفسدت نسكها، فكانت النَّفقة عليها كالرَّجل. (وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً (٣)؛ فَعَلَى الزَّوْجِ)؛ لأنَّه المفسد لنسكها، فكانت عليه نفقتها كنفقة نسكه. (وَيَتَفَرَّقَانِ) في القضاء (مِنَ المَوْضِعِ الذِي أَصَابَهَا فِيهِ)، في ظاهر المذهب؛ لما سلف. وعنه: من حيث يُحرِمان؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «ويتفرقان (٤) من حيث يُحرِمان، ولا يجتمعان حتَّى يقضيا حجَّهما» (٥).

стр. 1994

(إِلَى (١) أَنْ يَحِلاَّ)؛ لأنَّ التَّفريقَ خَوفَ المحظور، فجميع الإحرام سواءٌ. ومراده بالتَّفريق: ألاَّ يركب معها في مَحْمِل، ولا ينزِل معها في فسطاط، نَصَّ عليه (٢)، لكن ذكر المؤلف أنه يكون بقربها يراعي حالها؛ لأنه محرمها، فظاهره: أنه محرمها، وهو ظاهر كلامهم، ونقل ابن الحكم: يعتبر (٣) أن يكون معها محرَمٌ غيرُه (٤). (وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): المذهبُ: أنَّه مستحَبٌّ؛ لأنَّه ربَّما ذكر إذا بلغ الموضع، فتتوق نفسه فواقع المحذور، وهذا وَهَم لا يقتضِي الوجوب. ولم يتفرَّقا في قضاء رمضان إذا أفسداه (٥)؛ لأنَّ الحجَّ أبلغُ في منع الدَّاعي؛ لمنعه مقدِّمات الجماع والطِّيب، بخلاف الصَّوم. والثاني: يجب؛ لأنَّ ابن عبَّاس ذكره حكمًا للمجامِع، فكان واجبًا كالقضاء. تنبيهٌ: العمرةُ كالحجِّ؛ لأنَّها أحد النُّسُكَين كالآخر، فإن كان مكِّيًّا أو مجاوِرًا بها؛ أحرم للقضاء من الحلِّ؛ لأنَّه ميقاتُها، سواءٌ أحرم بها منه أو من الحرم. وإن أفسد المتمتِّع عمرتَه، ومضى فيها فأتمَّها؛ قال أحمد (٦): يخرج من الميقات فيُحرِمُ منه بعمرةٍ، فإن خاف فوت الحجِّ أحرم به من مكَّةَ، وعليه دمٌ

стр. 1995

لتركه الميقات، فإذا فرغ منه أحرم من الميقات بعمرة مكان التي أفسدها، وعليه دم إذا قدم مكَّة، لما أفسد من عمرته. (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ)؛ أي: بعد رمي جمرة العقبة؛ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ) في قول أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «الحجُّ عرفةُ» (١)، ولقول ابن عبَّاسٍ في رجلٍ أصاب أهلَه قبل أن يفيض يوم النَّحر: «ينحَران جزورًا بينهما، وليس عليه الحجُّ من قابلٍ» رواه مالكٌ (٢)، ولا يُعرَف له في الصَّحابة مخالِفٌ، ولأنَّها عبادةٌ لها تحلُّلان، فوجود المفسد بعد أوَّلهما لا يفسدها، كما بعد التَّسليمة الأولى من الصَّلاة. ويتوجَّه: أنَّه يفسد كالأول إن بقي إحرامه، وفسد بوطئه. وقوله في «التَّنبيه»: من وطئ في الحجِّ قبل الطَّواف فسد حجُّه؛ محمولٌ على ما قبل التحلل. فإن طاف للزِّيارة، ولم يَرْمِ؛ فذكر في «الشَّرح» وقدَّمه غيرُه: أنَّه لا شَيءَ عليه مطلقًا؛ لأن الحجَّ قد تمَّت أركانُه كلُّها، وظاهر كلام جماعةٍ خلافُه؛ لوجوده قبل ما يَتِمُّ به التَّحلُّلُ. (وَيَمْضِي إِلَى التَّنْعِيمِ)، وهو من الحِلِّ بين مكَّةَ وسرِف، على فرسخين من مكَّة، وسُمِّي به؛ لأنَّ جبلاً عن يمينه اسمه نَعِيمٌ، وآخر عن شماله اسمه

стр. 1996

ناعِمٌ، والوادي نَعمان؛ بفتح النُّون، (فَيُحْرِمُ لِيَطُوفَ)؛ لأنَّ إحرامَه قد فسد بالوطء، فلزمه الإحرامُ من الحِلِّ؛ ليقع طواف الزِّيارة في إحرامٍ صحيحٍ، وليس الإحرام من التَّنعيم شرطًا فيه، وإنَّما المراد أن يُحرِم من الحِلِّ؛ ليجمع بين الحِلِّ والحرم، ولكن المؤلِّف تَبِع الخِرَقِيَّ، وهو للإمام؛ لأنَّه أقربُ الحلِّ إلى مكَّةَ. وظاهِرُه: أنَّه لا يلزمه غير الطَّواف إذا كان قد سعى، فإن لم يكن سعى؛ طاف للزِّيارة وسعى وتحلَّل؛ لأنَّ الإحرام إنَّما وجب ليأتي بما بقي من الحجِّ. هذا ظاهر كلام جماعةٍ منهم الخِرَقِيُّ، فقول أحمد (١) ومن وافقه من الأئمة: إنَّه يعتمر، يحتمل أنهم أرادوا هذا وسمَّوهُ عمرةً؛ لأنَّ هذه أفعالها، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، ويحتمل أنَّهم أرادوا عمرةً حقيقة (٢)، فيلزمه سعي ويُقَصِّر (٣)، وعلى هذا نصوص أحمدَ، وجزم به القاضِي وابن عَقِيلٍ وابن الجَوزيِّ؛ لما سبق عن ابن عبَّاس (٤)، ولأنَّه إحرامٌ مستأنَفٌ، فكان فيه طواف وسعي وتقصير؛ كالعمرة المنفردة، والعمرة تجري مجرى الحجِّ، بدليل القِران بينهما. (وَهُوَ مُحْرِمٌ)؛ أي: أنَّه بعد التَّحلُّل الأوَّل محرِمٌ، وذكره الخِرَقِيُّ والقاضي وغيرهما؛ لبقاء تحريم الوطء المنافي وجوده صحَّة الإحرام. وفي «فنون ابن عقيل»: يبطل إحرامه على احتمالٍ.

стр. 1997

وذكر المؤلِّف في مسألة ما يباح بالتحلل الأوَّل، فمنع أنَّه محرم، وإنَّما بقي عليه بعض الإحرام. ونقل ابن منصور والميمونيُّ (١): من وطئ بعد الرَّمي ينتقض إحرامه، ويعتمر من التنعيم، فيكون إحرام مكان إحرام، فهذا المذهب: أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي جمرة العقبة، والمراد به: فساد ما بقي منه لا ما مضَى؛ إذ لو فسد كله لوقع الوقوف في غير إحرامٍ. (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يلزمه شاةٌ، وهي ظاهر الخِرَقيِّ، وقدَّمها في «المغني» و «الشَّرح»؛ لعدم إفساده للحج، كوطء دون الفرج بلا إنزالٍ، ولخفَّة الجناية فيه. والثَّانية: يلزمه بدنةٌ، روي عن ابن عبَّاسٍ (٢)، واختارها في «الوجيز»؛ لأنَّه وطِئَ في الحجِّ، فأوجبها، كما قبل الرَّمي. فرعٌ: القارن كالمفرد؛ لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر. تنبيه: العمرة كالحجِّ فيما تقدَّم، فإن وطئ قبل الفراغ من الطَّواف؛ فسدت، وكذا قبل سعيها إن قلنا هو ركنٌ أو واجبٌ. وفي «التَّرغيب»: إن وطئ قبله خُرِّج على الرِّوايتين في كونه ركنًا أو غيره. ولا تفسد قبل الحلق إن لم يجب، وكذا إن وجب، ويلزمه دم. وقدم في «الترغيب»: يفسد. ويجب بإفسادها شاةٌ، نقله أبو طالبٍ (٣)، وعليه الأصحاب؛ لنقصها عن الحجِّ. وفي «الموجز» للحلواني: الأشبه بدنةٌ كالحجِّ.

стр. 1998

(فَصْلٌ) (التَّاسِعُ: المُبَاشَرَةُ)؛ أي: الوطْءُ (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ (١)، وكذا إن قبَّل أو لَمَسَ بها، وإنما (٢) كان ذلك من (٣) محظوراته؛ لأنَّه وسيلة إلى الوطء، وهو محرِمٌ، فكان حرامًا. (فَإِنْ فَعَلَ) فأنزل؛ (فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ)، نقله الجماعةُ (٤)، وقاله الأصحابُ؛ لأنَّها مباشرة اقترن بها الإنزال فأوجبتها؛ كالجماع في الفرج. وعنه: شاة، ذكرها القاضي إن لم يفسد (٥)، وأطلقها الحلواني؛ كما لو لم ينزل. وفي القياسين نظرٌ. (وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقهما في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يفسُد، نصرها القاضي وأصحابه، واختارها الخِرَقيُّ وأبو بكر في الوطء دونه وأنزل؛ لأنَّه عبادةٌ يفسدها الإنزال، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصَّوم. والثَّانية: لا يفسُد، صحَّحها في «المغني» و «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لعدم الدَّليل، ولأنَّه استمتاع لم يجب بنوعه الحدُّ، فلم يفسده؛ كما لو لم يُنزل، وفيه شيءٌ.

стр. 1999

والأَوْلى أن الصوم يفسده (١) كل واحد من محظوراته، والحج بالجماع فقط، والرفث مختلف فيه، فلم نَقُلْ بجميعه، مع أنه يلزم القول به في الفسوق والجدال. وعنه ثالثةٌ: إن أمنى بالمباشرة فسد، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ)، بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ لأنَّها مباشرة عَرِيَت عن إنزالٍ، فلم يفسد به كاللَّمس. وظاهر كلام الحلواني: أنَّ لنا فيه خلافًا، وما روي عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال لرجلٍ قبَّل زوجتَه: «أفسدت حجَّك» (٣)، ونحوه عن سعيد بن جبير، محمولٌ على الإنزال. وإن كرَّر النَّظر فأمنى؛ لم يفسد لعدم الدَّليل، وكالإنزال بالفكر، وعليه بدنة في المنصوص، وسيأتي.

стр. 2000

(فَصْلٌ) (وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا)، فيحرُم عليها تغطيته ببرقعٍ أو نقابٍ أو غيره؛ لما روى ابن عمر مرفوعًا (١): «لا تَنتقب المرأة، ولا تلبس القُفَّازَين» رواه البخاريُّ (٢)، وقال ابن عمر: «إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرَّجل في رأسه» رواه الدَّارَقُطْنيٌّ بإسنادٍ جيِّدٍ (٣). ويجب عليها تغطية رأسها كلِّه، ولا يمكنها إلاَّ بجزء من الوجه، ولا يمكنها كشف جميع الوجه إلا بجزء من الرأس (٤)، والمحافظة على ستر الرأس أَوْلَى؛ لأنه آكد؛ لوجوب ستره مطلقًا. وألحقَ أبو الفرج به: الكفين، وحكاه في «المبهج» رواية. فإن (٥) احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرِّجال قريبًا منها؛ جاز أن تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها؛ لفعل عائشة، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٦).
следующие страницы →