← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ناعِمٌ، والوادي نَعمان؛ بفتح النُّون، (فَيُحْرِمُ لِيَطُوفَ)؛ لأنَّ إحرامَه قد فسد بالوطء، فلزمه الإحرامُ من الحِلِّ؛ ليقع طواف الزِّيارة في إحرامٍ صحيحٍ، وليس الإحرام من التَّنعيم شرطًا فيه، وإنَّما المراد أن يُحرِم من الحِلِّ؛ ليجمع بين الحِلِّ والحرم، ولكن المؤلِّف تَبِع الخِرَقِيَّ، وهو للإمام؛ لأنَّه أقربُ الحلِّ إلى مكَّةَ. وظاهِرُه: أنَّه لا يلزمه غير الطَّواف إذا كان قد سعى، فإن لم يكن سعى؛ طاف للزِّيارة وسعى وتحلَّل؛ لأنَّ الإحرام إنَّما وجب ليأتي بما بقي من الحجِّ. هذا ظاهر كلام جماعةٍ منهم الخِرَقِيُّ، فقول أحمد (١) ومن وافقه من الأئمة: إنَّه يعتمر، يحتمل أنهم أرادوا هذا وسمَّوهُ عمرةً؛ لأنَّ هذه أفعالها، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»، ويحتمل أنَّهم أرادوا عمرةً حقيقة (٢)، فيلزمه سعي ويُقَصِّر (٣)، وعلى هذا نصوص أحمدَ، وجزم به القاضِي وابن عَقِيلٍ وابن الجَوزيِّ؛ لما سبق عن ابن عبَّاس (٤)، ولأنَّه إحرامٌ مستأنَفٌ، فكان فيه طواف وسعي وتقصير؛ كالعمرة المنفردة، والعمرة تجري مجرى الحجِّ، بدليل القِران بينهما. (وَهُوَ مُحْرِمٌ)؛ أي: أنَّه بعد التَّحلُّل الأوَّل محرِمٌ، وذكره الخِرَقِيُّ والقاضي وغيرهما؛ لبقاء تحريم الوطء المنافي وجوده صحَّة الإحرام. وفي «فنون ابن عقيل»: يبطل إحرامه على احتمالٍ.

стр. 1997

وذكر المؤلِّف في مسألة ما يباح بالتحلل الأوَّل، فمنع أنَّه محرم، وإنَّما بقي عليه بعض الإحرام. ونقل ابن منصور والميمونيُّ (١): من وطئ بعد الرَّمي ينتقض إحرامه، ويعتمر من التنعيم، فيكون إحرام مكان إحرام، فهذا المذهب: أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي جمرة العقبة، والمراد به: فساد ما بقي منه لا ما مضَى؛ إذ لو فسد كله لوقع الوقوف في غير إحرامٍ. (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يلزمه شاةٌ، وهي ظاهر الخِرَقيِّ، وقدَّمها في «المغني» و «الشَّرح»؛ لعدم إفساده للحج، كوطء دون الفرج بلا إنزالٍ، ولخفَّة الجناية فيه. والثَّانية: يلزمه بدنةٌ، روي عن ابن عبَّاسٍ (٢)، واختارها في «الوجيز»؛ لأنَّه وطِئَ في الحجِّ، فأوجبها، كما قبل الرَّمي. فرعٌ: القارن كالمفرد؛ لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر. تنبيه: العمرة كالحجِّ فيما تقدَّم، فإن وطئ قبل الفراغ من الطَّواف؛ فسدت، وكذا قبل سعيها إن قلنا هو ركنٌ أو واجبٌ. وفي «التَّرغيب»: إن وطئ قبله خُرِّج على الرِّوايتين في كونه ركنًا أو غيره. ولا تفسد قبل الحلق إن لم يجب، وكذا إن وجب، ويلزمه دم. وقدم في «الترغيب»: يفسد. ويجب بإفسادها شاةٌ، نقله أبو طالبٍ (٣)، وعليه الأصحاب؛ لنقصها عن الحجِّ. وفي «الموجز» للحلواني: الأشبه بدنةٌ كالحجِّ.

стр. 1998

(فَصْلٌ) (التَّاسِعُ: المُبَاشَرَةُ)؛ أي: الوطْءُ (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ (١)، وكذا إن قبَّل أو لَمَسَ بها، وإنما (٢) كان ذلك من (٣) محظوراته؛ لأنَّه وسيلة إلى الوطء، وهو محرِمٌ، فكان حرامًا. (فَإِنْ فَعَلَ) فأنزل؛ (فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ)، نقله الجماعةُ (٤)، وقاله الأصحابُ؛ لأنَّها مباشرة اقترن بها الإنزال فأوجبتها؛ كالجماع في الفرج. وعنه: شاة، ذكرها القاضي إن لم يفسد (٥)، وأطلقها الحلواني؛ كما لو لم ينزل. وفي القياسين نظرٌ. (وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقهما في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يفسُد، نصرها القاضي وأصحابه، واختارها الخِرَقيُّ وأبو بكر في الوطء دونه وأنزل؛ لأنَّه عبادةٌ يفسدها الإنزال، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصَّوم. والثَّانية: لا يفسُد، صحَّحها في «المغني» و «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لعدم الدَّليل، ولأنَّه استمتاع لم يجب بنوعه الحدُّ، فلم يفسده؛ كما لو لم يُنزل، وفيه شيءٌ.

стр. 1999

والأَوْلى أن الصوم يفسده (١) كل واحد من محظوراته، والحج بالجماع فقط، والرفث مختلف فيه، فلم نَقُلْ بجميعه، مع أنه يلزم القول به في الفسوق والجدال. وعنه ثالثةٌ: إن أمنى بالمباشرة فسد، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ)، بغير خلافٍ نعلمه (٢)؛ لأنَّها مباشرة عَرِيَت عن إنزالٍ، فلم يفسد به كاللَّمس. وظاهر كلام الحلواني: أنَّ لنا فيه خلافًا، وما روي عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال لرجلٍ قبَّل زوجتَه: «أفسدت حجَّك» (٣)، ونحوه عن سعيد بن جبير، محمولٌ على الإنزال. وإن كرَّر النَّظر فأمنى؛ لم يفسد لعدم الدَّليل، وكالإنزال بالفكر، وعليه بدنة في المنصوص، وسيأتي.

стр. 2000

(فَصْلٌ) (وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا)، فيحرُم عليها تغطيته ببرقعٍ أو نقابٍ أو غيره؛ لما روى ابن عمر مرفوعًا (١): «لا تَنتقب المرأة، ولا تلبس القُفَّازَين» رواه البخاريُّ (٢)، وقال ابن عمر: «إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرَّجل في رأسه» رواه الدَّارَقُطْنيٌّ بإسنادٍ جيِّدٍ (٣). ويجب عليها تغطية رأسها كلِّه، ولا يمكنها إلاَّ بجزء من الوجه، ولا يمكنها كشف جميع الوجه إلا بجزء من الرأس (٤)، والمحافظة على ستر الرأس أَوْلَى؛ لأنه آكد؛ لوجوب ستره مطلقًا. وألحقَ أبو الفرج به: الكفين، وحكاه في «المبهج» رواية. فإن (٥) احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرِّجال قريبًا منها؛ جاز أن تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها؛ لفعل عائشة، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٦).

стр. 2001

وشرط القاضي في السَّاتر: ألا يصيب بشرتَها، فإن أصابها ثمَّ ارتفع بسرعةٍ؛ فلا شيءَ عليها، وإلاَّ فدت؛ لاستدامة السَّتر. وردَّه المؤلِّف: بأنَّ هذا الشَّرط ليس عن أحمد، ولا هو في الخبر، بل الظاهر منه (١) خلافه، فإنَّه لا يكاد يسلم المسدول من إصابة البشرة، فلو كان شرطًا لبُيِّن (٢). (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ)؛ من قطع الشَّعر، وتقليم الأظفار، وقتل الصَّيد، ونحوها، (إِلاَّ فِي اللِّبَاسِ، وَتَظْلِيلِ المَحْمِلِ)؛ لحاجتها إلى الستر، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٣)، وكعقْد الإزار للرَّجل، ولأبي داودَ بإسنادٍ جيِّدٍ عن (٤) عائشة قالت: «كنَّا نخرج مع رسول الله ﷺ فنضمد جباهنا بالمسك والطِّيب عند الإحرام، فإذا عَرِقَتْ إحدانا سال على وجهها، فيراها النَّبيُّ ﷺ فلا يُنكِره عليها» (٥)، وإنما كره في الجمعة خوف الفتنة؛ لقربها من الرِّجال، ولهذا لا يلزمها بخلاف الحجِّ. (وَلَا تَلْبَسُ)؛ أي: يحرم عليها لُبْس (الْقُفَّازَيْنِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لخبر ابنِ عمرَ السَّابق، وكالرَّجل، وهما شيءٌ يُعمَل لليدين كما يُعمَل للبُزاة، وفي لُبسهما الفدية كالنِّقاب، ولا يلزم من تغطيتهما بكمِّها لمشقَّة التَّحرُّز؛ جوازه بهما، بدليل تغطية الرَّجل قدمه بإزاره لا بخفٍّ، وإنما جاز تغطية قدميها بكل

стр. 2002

شيء؛ لأنها عورة في الصلاة. وقال (١) القاضي: ومثلهما إن لفَّت على يديها خرقةً أو خرقًا، وشدَّتها على حنَّاءٍ أو لا، كشدِّه على جسده شيئًا، وذكره في «الفصول» عن أحمد، فظاهر (٢) كلام الأكثر لا يَحرُم، وإن لفَّتْها بلا شدٍّ فلا؛ لأنَّ المحرَّمَ اللُّبسُ لا التغطية؛ كبدن (٣) الرَّجل. (وَلَا الخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ)، هذا رواية عن أحمدَ، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ، وحملها في «المغني» و «الشَّرح» على الكراهة؛ لأنَّه من (٤) الزِّينة كالكحل، ولا فدية فيه، بخلاف القفَّازَين. وظاهر المذهب: أنَّ لها لبس (٥) الحلي؛ كالسِّوار والدُّمْلُج، نقله الجماعة (٦)، قال نافعٌ: «كنَّ نساء ابن عمر يلبسن الحلي والمعصفر، وهنَّ محرِمات» رواه الشَّافعي (٧)، وفي خبر ابن عمر: «وتلبس بعد ذلك ما أحبت» (٨)، ولا دليل للمنع، ولا يحرم لباس زينةٍ.

стр. 2003

وفي «الرِّعاية»: يكره، قال أحمد (١): المحرِمة والمتوفَّى عنها زوجها يتركان الطِّيب والزِّينة، ولهما سوى ذلك. وفي «التَّبصرة»: يحرم. ويتوجَّه احتمال؛ كَحُلِيٍّ. (وَلَا تَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ (٢)، نقل ابن منصور: (لا تكتحل بالأسود) (٣)؛ لقول عائشةَ لامرأةٍ اشتكت عينَها وهي محرمةٌ: «اكتحلي بأي كُحْلٍ شئت، غير الإثمد والأسود» (٤)، ولأنَّه يراد للزِّينة، وتجب الفدية به. قال ابن الزَّاغوني: هو كاللِّباس والطِّيب. والمذهب: أنه يجوز، إلاَّ لزينة فيكره، نَصَّ عليه (٥)، ورواه الشافعي عن ابن عمر (٦)، والأصل عدم الكراهة.

стр. 2004

ولا فرق فيه بين الرَّجل والمرأة، لكن إنَّما خُصَّت المرأة بالذِّكر؛ لأنَّها محلُّ الزِّينة، والكراهة في حقِّها أكثر. وتقييدهم بالإثْمِد والأسود؛ لأنَّه هو الذي تحصل به الزِّينة، فدلَّ على أنَّ ما ليس بزينة لا يُمنع (١) منه، كالذي يتداوى به، ما لم يكن فيه طيبٌ، ولهذا كان إبراهيم لا يَرى بالذَّرُور الأحمر بأسًا. (وَيَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِيِّ)؛ لقوله ﵇ في حديث ابن عمر في حقِّ المحرمة: «ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفرٍ، أو خزٍّ، أو كحليٍّ» رواه أبو داود (٢)، وعن عائشة وأسماء: «أنَّهما كانا يحرمان في المعصفرات» (٣)،

стр. 2005

ولأنَّه ليس بطيبٍ، فلم يكرَه المصبوغ به كالسَّواد، فإن كان مصبوغًا بورْسٍ، أو زعفران، فلا؛ لأنَّه طِيبٌ. وأمَّا المصبوغ بالرياحين، فهو مبنيٌّ عليها في (١) نفسها، لكن يكرَه للرَّجل لبس المعصفر لكراهته له في غير الإحرام. (وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ)؛ لما روى عِكرمة قال: «كانت عائشة وأزواج النَّبيِّ ﷺ يختضبن بالحِنَّاء وهُنَّ حُرُمٌ» رواه ابن المنذر (٢). وهو مكروهٌ؛ لأنَّه من الزِّينة؛ كالكحل بالإثمد، فإذا اختضبت وشدَّت يديها بخرقة؛ فدَت، وإلاَّ فلا؛ لأنَّه يقصد لونه لا ريحه عادة؛ كخضابٍ بسوادٍ. ولا بأس به للرَّجل فيما لا يتشبَّه فيه بالنِّساء، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ الأصلَ الإباحةُ، ولا دليل للمنع، وظاهر ما نقله القاضي: أنَّه كالمرأة في الحِنَّاء. وأطلق في «المستوعب»: له الخضاب بالحنَّاء، وقال في موضع آخر: كرهه أحمد؛ لأنه من الزينة. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (هو (٣) بلا حاجةٍ مختص (٤) بالنِّساء) (٥)، واحتج

стр. 2006

بلعن المتشبِّهين والمتشبِّهات (١). فأمَّا خضابها به عند الإحرام فمستحَبٌّ؛ لقول ابن عمر (٢)، ولأنَّه من الزِّينة، فاستحب عند الإحرام كالطِّيب. فائدةٌ: يستحبُّ للمزوَّجة أن تختضب بالحنَّاء لما فيه من الزِّينة، والتَّحبُّب للزَّوج؛ كالطِّيب، ويكره للأيِّم؛ لعدم الحاجة، مع خوف الفتنة، وفي «المستوعب»: لا يستحَبُّ لها، وقد روى أبو (٣) موسى المدِيني، عن جابر مرفوعًا: «يا معاشر النِّساء اختضِبْنَ، فإنَّ المرأة تختضب لزوجها، وإنَّ الأيم تختضب تَعَرَّضُ للرزق (٤) من الله » (٥). (وَالنَّظَرُ فِي المِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا)، رُوِي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز: «أنَّهما كانا ينظران في المرآة، وهما محرِمان» (٦)، ولأنَّه لم يرد فيه ما يقتضي

стр. 2007

المنع منه. ثمَّ إن كان القصدُ منه إزالةَ شعث، أو تسويةَ شعرٍ، أو شَيءٍ من الزِّينة؛ كره، ذكره (١) الخِرَقيُّ، وهو ظاهر ما نقل عن أحمد (٢)، ولا فدية فيه؛ لأنَّ ذلك أدبٌ، وفي قول: يحرم. وقوله: (لَهُمَا) يحتمل أنَّه متعلِّقٌ بالنَّظر لقربه، ويحتمل أنَّه متعلِّق ب (يجوز) (٣)، وهو الظاهر. مسألةٌ: يجوز للمحرم أن يتَّجِر ويصنع الصَّنائع، بغير خلافٍ نعلمه (٤)، ما لم يشغله عن واجبٍ أو مستحبٍّ، وقال الآجُرِّي وابن الزَّاغوني: ويلبس الخاتم، لكن يكره إن كان لزينةٍ؛ كَحلي، ونظر في مرآة.

стр. 2008

(بَابُ الفِدْيَةِ) قال الجوهري: (فداه وأفداه (١): إذا أعطى فداءه، وفداه بنفسه، وفدَّاه: إذا قال له: جُعِلت فداك) (٢) انتهى. وهي: ما تجب بسبب نسكٍ، أو حرَمٍ. (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ)، منها ما ورد النَّص بالتَّخيير فيه، ومنها ما ورد بالترتيب (٣)، ومنها ما لم يَرِدْ فيه تخييرٌ ولا ترتيبٌ؛ كفدية الفوات. (أَحَدُهَا: مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوُ نَوْعَانِ)؛ لأنَّه تارةً يكون فدية الأذى ونحوه، وتارةً جزاء صَيدٍ. فأشار إلى الأوَّل بقوله: (أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ صِيَامِ (٤) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لقوله تعالى: الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا … ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]، ولحديث كعبٍ السَّابق، وفي لفظ: «احلِقْ رأْسَك، وصُمْ ثلاثة أيَّامٍ، أو أطعم ستَّة مساكين، أو انسك شاةً» متَّفقٌ عليه (٥)، فقد دلاَّ على وجوب الفدية على صفة التَّخيير بين الصيام والصَّدقة والذَّبح في حلق الرَّأس؛ لأنَّ «أو» للتَّخيير، وليس في الآية ذكر الحلق؛ لأنه محذوف، تقديره: فحَلَقَ فَفِديةٌ (٦)، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]؛ أي: فأفْطَرَ.

стр. 2009

(وَهِيَ: فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ) المنصوص عليه، وقسنا الباقي عليه، وهو (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَاللُّبْسُ، وَالطِّيبُ)؛ لاستواء الكلِّ في كونه حُرِّم في الإحرام لأجل الرَّفه. فالصوم ثلاثة أيام عند أحمد وأصحابه. واختار الآجري: يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع. وما ذكره (١) من الإطعام ورد في بعض الألفاظ، وهو أشهر؛ لأنه أنفع من غيره؛ ككفارة اليمين. وعنه: نصف صاع كغيره؛ لأنَّه ليس بمنصوصٍ عليه، فيعتبر بالتَّمر والزَّبيب المنصوص كالشَّعير. وظاهره: أنَّ غير المعذور مثله في التَّخيير في ظاهر المذهب؛ لأنَّه تبعٌ للمعذور، والتَّبَعُ لا يخالف أصله؛ ولأنَّ كلَّ كفَّارةٍ ثبت التَّخيير فيها مع العذر، ثبت مع عدمه؛ كجزاء الصَّيد، والشَّرط لجواز الحلق لا للتخيير (٢). (وَعَنْهُ: يَجِبُ الدَّمُ) عينًا، فإن عدمه أطعم، فإن (٣) تعذَّر صام، (إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ؛ فَيُخَيَّرُ)، جزم به القاضي وأصحابه في كتب الخلاف؛ لأنَّه دمٌ يتعلق بمحظورٍ يختصُّ الإحرام؛ كدم يجب بترك رميٍ ومجاوزة ميقاتٍ. (الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فِيهِ)، نَصَّ عليه (٤)، وقاله الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المَائدة: ٩٥]، فعطف هذه الخصال بعضها على بعضٍ ب ﴿أو﴾ المقتضية للتَّخيير، كفدية (٥) الأذى

стр. 2010

واليمين، بخلاف كفَّارة القتل وهدي المتعة؛ لأنَّها كفَّارة إتلافٍ منع منه للإحرام، أو فيها أجناس كالحلق، ولأن (١) الله ذكر الطَّعام فيها للمساكين، فكان من خصالها (٢) كغيرها. فعلى هذا: يخيَّر فيه (بَيْنَ المِثْلِ)، وسيأتي، فإن اختاره ذبحه وتصدَّق به على المساكين، وله ذبحه متى شاء، ولا يتصدَّق به حيًّا. (أَوْ تَقْوِيمِهِ (٣)؛ أي: المثل (بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا)؛ نَصَّ عليه (٤)، وقاله الأصحاب؛ لأنَّ كلَّ متلَفٍ وجب مثله (٥) إذا قُوِّم؛ وجب (٦) قيمة (٧) مثله؛ كالمثلِيِّ من مال الآدميِّ، فعلى هذا يقوَّم بالموضع الذي أتلفه فيه وبقُرْبِه (٨)، جزم به القاضي وغيره. وجزم آخرون: يقوَّم بالحرم؛ لأنَّه محلُّ ذبحه. وعنه: يقوَّم مكان (٩) إتلافه أو بقُرْبِه، لا المثل؛ كما لا مثل له، والفرقُ واضحٌ. وعنه: يجوز له الصَّدقة بالدَّراهم، ولا يتعيَّن أن يشتري بها طعامًا، والقيمة ليست ممَّا خيَّر الله فيه. والطَّعام المخرَج هو الذي يخرج في فدية الأذى والفطرة والكفَّارة.

стр. 2011

وقيل: يجزئ كل ما يسمَّى طعامًا، جزم به في «الخلاف»، وذكره في «المغني» و «الشَّرح» احتمالاً؛ لإطلاق لفظه. (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا)؛ أي: من البُرِّ، ومن غيره مُدَّين، نَصَّ عليه (١)، والمؤلِّف أطلق العبارة كالخِرَقِيِّ. (أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا)، ذكره الخرقي (٢)، وحكاه في «المغني» روايةً؛ لأنَّها كفَّارةٌ دخلها (٣) الصَّوم والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المدِّ، ككفارة الظهار. وعنه: يصوم عن كلِّ نصف صاع يومًا. وحمل القاضي الأُولى على الحنطة، والثَّانية على التَّمر (٤) والشَّعير؛ إذ الصِّيام يقابل الإطعام في كفَّارة الظِّهار وغيرها، فكذا هنا. وبالجملة: فيعتبر كل مذهب على أصله، فعندنا من البُرِّ مد، ومن غيره مدَّانِ. فرع: إذا بقي من الطَّعام ما لا يعدل يومًا؛ صام يومًا، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه لا يتبعَّض، ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، كبقية الكفَّارات. (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ؛ خُيِّرَ بَيْنَ الإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ)؛ لأنَّ النَّصَّ بالتَّخيير بين الثَّلاثة، فإذا عدم أحدها (٦)؛ بقي (٧) التَّخيير ثابتًا بين الباقيين، فإذا اختار

стр. 2012

الإطعام قُوِّم الصَّيد؛ لأنَّه متلَفٌ غير مثليٍّ؛ فلزمته قيمته كمال الآدمي، فيشتري بها طعامًا ويطعمه المساكين، وإذا اختار الصيام، فعلى ما سبق. وظاهره: أنَّه لا يجوز إخراج القيمة في ظاهر نقل حنبل (١)، وروي عن ابن عبَّاسٍ (٢)؛ كالذي له مثل. وقيل: بلى، روي عن عمر وعطاءٍ (٣). (وَعَنْهُ: أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ)، نقلها محمَّد بن عبد (٤) الحكم (٥)، وروي عن ابن عبَّاسٍ (٦) وابن سيرين والثَّوري؛ كالمتعة، وهذا أوكد منها؛ لأنَّه يجب بفعل محظورٍ، (فَيَجِبُ المِثْلُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ؛ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ؛ صَامَ)؛ لما ذكرنا.

стр. 2013

والصَّحيحُ الأول؛ لأنَّ دليل التَّرتيب قياسٌ مع وجود النَّصِّ. ونقل الأثرم (١): لا إطعام فيها، وإنما ذكره في الآية ليعدل (٢) به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح، وكذا قاله ابن عباس (٣).

стр. 2014

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ): (أَحَدُهَا: دَمُ المُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الهَدْيُ) في المتعة بقوله (١) تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، وفي القِران؛ قياسًا عليه. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الهدي في موضعه، ولو وجده ببلده، أو وجد من يقرضه (٢)، نص عليه (٣)؛ لأن وجوبه مؤقت، فاعتبرت له القدرة في موضعه؛ كماء الوضوء، بخلاف رقبة الكفَّارة، (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ)؛ لما سبق، (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ)، هذا هو الأشهر عنه، وعليه أصحابنا؛ ليكون إتيانُها أو بعضُها بعد إحرامه بالحجِّ، واستُحِبَّ صوم عرفة لموضع الحاجة، وفيه نظرٌ. وأجاب القاضي: بأنَّ عدم استحباب صومه يختصُّ بالنفل (٤)، وعليه: يستحبُّ له تقديم الإحرام بالحجِّ قبل يوم التروية؛ ليصومها في الحج. وعنه: الأفضل أن يكون آخرُها يومَ التروية، وفي «المجرد»: أنَّه المذهب، رُوي عن ابن عمر وعائشة (٥)؛ لأنَّ صوم يوم عرفة غير مستحبٍّ له،

стр. 2015

ولعله أظهر من الأول؛ لأنه يلزم منه المخالفة من وجهين. ووقت جوازها: إذا أحرم بالعمرة، نَصَّ عليه (١)، كالنِّصاب والحول. وعنه: بالحل منها. وعنه: وقبل إحرامها، وأنكرها جماعة. والمراد: في أشهر الحج، ونقله الأثرم (٢)؛ لأنه أحد نسكي التَّمتُّع، فجاز تقديمها عليه كالحجِّ. وأمَّا وقت وجوبها: فوقت (٣) وجوب الهدي؛ لأنه بدل كسائر (٤) الأبدال. (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)؛ للآية، ولأنَّه ظاهر في الرُّجوع بالكليَّة، وهو الرُّجوع إلى الأهل، وحديث ابن عمر المرفوع: «فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» متَّفقٌ عليه (٥)، شاهد بذلك، وللخروج من الخلاف. (فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ أَجْزَأَهُ)؛ لأنَّ كلَّ صومٍ واجبٍ جاز في وطن فاعلِه؛ جاز في غيره؛ كسائر الفروض. فعلى هذا: يجوز بعد أيَّام التَّشريق، نَصَّ عليه (٦)، ومحله إذا كان (٧) طاف للزِّيارة، قاله القاضي، فيكون المراد من الآية: إذا رجعتم من عمل الحجِّ؛ لأنه المذكور، ويعتبر لجواز الصوم، وتأخيرها إنما كان رخصةً وتخفيفًا؛

стр. 2016

كتأخير رمضان لسفر ومرض (١)، ولأنه وجد سببه. (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ) الثلاثة (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَعَنْهُ: لَا يَصُومُهَا)، والتَّرجيح مختلف (٢)، قاله في «الفروع»، والسَّبعة لا يجوز صومها في أيَّام التَّشريق، نَصَّ عليه (٣)، وعليه الأصحاب؛ لبقاء أعمالٍ من الحجِّ. (وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ)؛ لوجوب قضائها بفواته؛ كرمضان، وسواء قلنا بعدم جواز صومها أو بجوازه ولم يصمها، (وَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لأنَّه أخَّر الواجب عن وقته، فلزمه؛ كرمي الجمار، فعلى هذا: لا فرق بين المؤخِّر للعذر أو لغيره. وعنه: لا يلزمه، وعلَّله في «الخلاف»: بأنه نسك أخَّره إلى وقت جواز فعله؛ كالوقوف إلى الليل، وفيه شيء. (وَعَنْهُ: إِنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ قَضَاؤُهُ)؛ لأنَّ الدَّم الذي هو المبدل لو أخَّره لعذر لم يكن عليه دم لتأخيره، فالبدل أَوْلَى، (وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ)، فدلَّ أنَّه إن صام أيام التَّشريق على القول بجوازه؛ أنَّه لا دم عليه، جزم به جماعةٌ، قال في «الفروع»: (ولعلَّه مراد القاضي وأصحابه، و «المستوعب»: بتأخير الصَّوم عن أيَّام الحجِّ). (وَقَالَ أَبُو الخَطَّابِ: إِنْ أَخَّرَ الهَدْيَ) الواجب لعذر، مثل إن ضاعت نفقته، (أَوِ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ قَضَاؤُهُ)؛ كسائر الهدايا الواجبة، (وَإِنْ أَخَّرَ الهَدْيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يلزمه شيء زائد؛ كالهدايا الواجبة.

стр. 2017

والثَّانية: يلزمه دم، روي عن ابن عبَّاسٍ (١)، قال أحمد: (من تمتَّع فلم يُهْدِ إلى قابل يهدي هديين) (٢)؛ لأنَّ الدَّم في المتعة نُسُكٌ مؤقَّتٌ، فلزم (٣) الدَّم بتأخيره (٤) عن وقته، كتأخير رمي الجمار عن أيَّام التَّشريق. (قَالَ (٥): وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ)، هذا روايةٌ عن أحمد؛ لأنَّه صومٌ واجبٌ يجب القضاء بفواته، فلم يجب بفواته دم؛ كصوم رمضان. (وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ)، ولا التَّفريق (فِي الصِّيَامِ)، لا في الثَّلاثة ولا (٦) السَّبعة، نَصَّ عليه (٧)، وفاقًا (٨)؛ لإطلاق الأمر، وذلك لا يقتضِي جمْعًا ولا تفريقًا. وشمل ما إذا قضاهما فإنه لا يجب التفريق؛ كسائر الصوم، وأوجبه بعض الشافعية (٩)، ومنعه في «المغني» و «الشَّرح»: بأن وجوب التفريق في الأداء إذا صام أيام منى وأتبعها السَّبعة، ثمَّ إنما (١٠) كان (١١) من حيث الوقت، فسقط

стр. 2018

بفواته؛ كالتَّفريق بين الصَّلاتَين؛ بخلاف أفعال الصَّلاة من ركوعٍ وسجودٍ، فإنَّه من حيث الفعل؛ فلم يسقط. فرعٌ: إذا مات ولم يصم (١)؛ فكصوم رمضان، نَصَّ عليه (٢)، تمكن منه (٣) أم لا. (وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ (٤) الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الهَدْيِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ إِلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ (٥)، وأجزأه الصَّوم، كما لو وجد الرقبة بعد الشُّروع في صوم الكفَّارة. وظاهره: أن له الانتقالَ إلى الهدي؛ لأنَّه أكمل. وفي «الفصول» تخريج (٦): يلزمه الانتقال؛ اعتبارًا بالأغلظ في الكفارة. والفرق ظاهر؛ لأن المظاهر (٧) ارتكب محرَّمًا، فناسبه المعاقبة، بخلاف الحاج، فإنَّه في طاعة، فناسبه التخفيف. وقيل: إن قدر على الهدي قبل يوم النحر؛ انتقل إليه، وإن وجده بعد أن مضت أيام النحر؛ أجزأه الصيام؛ لكونه قدر على المبدل في وقت وجوبه، فلم يجزئه البدل، كما لو لم يصم. وعلى المذهب: يُفرَّق بينه وبين المتيمِّم يجد الماء في الصَّلاة إن قلنا تبطل؛ لأنَّ ظهور المبدل هناك (٨) يبطل حكم البدل من أصله، ويبطل ما مضَى

стр. 2019

منها، وهنا صومه صحيحٌ يثاب (١) عليه (٢). (وَإِنْ وَجَبَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاِنْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يلزمه، نقلها المروذي (٣)؛ لأنَّ الصَّوم استقرَّ في ذمَّته حال وجود السَّبب المتَّصل بشرطه، وهو عدم الهدي. والثَّانية: بلى، نقلها يعقوب (٤)، وهي ظاهر «الوجيز»؛ كالمتيمم يجد الماء. (النَّوْعُ الثَّانِي: المُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ الهَدْيُ)، إجماعًا (٥)، وسنده قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ (٦)؛ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ)؛ لأنَّه دمٌ واجبٌ، فكان (٧) ذلك بدله؛ كدم المتعة، (ثُمَّ حَلَّ)؛ نقله الجماعةُ (٨). وظاهرُه: أنَّه لا يَحِلُّ قبل ذلك، وفيه خلاف يذكر، وأنَّه لا إطعام فيه، وهو الأشهر. وعنه: بلى، قال الآجُرِّي: إن عدم الهدي مكانه؛ قوَّمه طعامًا، وصام عن كلِّ مدٍّ يومًا وحلَّ. (الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الْوَطْءِ، يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ)، نَصَّ عليه (٩)؛ لقول الصَّحابة (١٠)،

стр. 2020

وكسائر (١) المحظورات، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا؛ صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ؛ كَدَمِ المُتْعَةِ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ)، وقد تقدَّم، ورَوَى الأثرمُ: أنَّ العبادِلة أفتَوْا به (٢). (وَقَالَ (٣) الْقَاضِي: إِنْ (٤) لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ؛ أَخْرَجَ بَقَرَةً)؛ لأنَّها تشاركه في الهدي والأضاحي، وقد روى أبو الزُّبير عن جابِرٍ قال: «كنَّا ننحر البدنة عن سبعة»، فقيل له: والبقرة، فقال: «وهل هي إلاَّ من البُدن» (٥)، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ)؛ لقيامها مقامها في الأضاحي، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا)؛ أي: قيمة البدنة (طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا)؛ كجزاء الصَّيد في أنَّه لا ينتقل (٦) إلى الإطعام مع وجود المثل، ولا إلى الصِّيام مع القدرة على الإطعام. وهذا رواية، والمذهب خلافها. وما تقدَّم صريح في الترتيب، وأنه لا ينتقل إلى خصلةٍ إلا عند تعذُّر التي قبلها. (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّها كَفَّرَ أَجْزَأَهُ)؛ لأنَّها كفَّارة تجب بفعلِ محظورٍ، فكان مخيَّرًا فيها؛ كفدية الأذى. وعلله ابن المنجى فقال: بعضها قريبٌ من بعض. وذكر في «النهاية»: أنَّ منشأ الخلاف بين الخِرَقِيِّ والقاضي: أنَّ الوطء

стр. 2021

هل هو من قبيل الاستمتاعات أو الاستهلاكات؟ فإن كان الأوَّل فهي على التَّخيير؛ كالطِّيب، وإن كان الثَّاني فهي على الترتيب؛ كقتل الصَّيد، فإنَّ (١) كفارته على الترتيب على الصَّحيح، وفيه شيءٌ، وقد عُورِض المؤلِّف فيما نقله عن الخِرَقيِّ؛ فإنَّه لم يصرِّح في «مختصره» إلاَّ بإجزاء سبعٍ من الغنم مع وجود البدنة. واعتذر عنه في «الشَّرح»: بأن يكون بعض الأصحاب نقله عنه في غير كتابه، وفيه بحثٌ. تنبيهٌ: ما ذكره المؤلِّف من الانتقال إلى الصَّوم إذا عدم البدَنة هو الصَّحيح من المذهب، واعترضه ابن المنجَّى، وقال: لم نجده قولاً لأحمدَ، ولا لأحدٍ من الأصحاب، وأَورد عليه ما ذكره في «المغني» في المُحرِم إذا جامع، فإنه يَفسد حجُّهما وعليه بدَنةٌ وعلى المجامَع أخرى، رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٢)، فإن لم يجد فشاةٌ، وبأنَّ المرويَّ عن العبادلة إنَّما هو إذا عدم الهدي؛ لأنَّه لا يقال لمن عدم البدنة: عدم الهدي؛ لأنَّه قد يجد بقرةً أوْ شاةً. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه نَصَّ على البدنة تبعًا للمروي عن بعض الصَّحابة، وبأنَّ البقرة قائمة مقامها، والسَّبْعُ من الغنم كذلك. (وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ: بَدَنةٌ إِنْ كَانَ فِي الْحَجِّ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ (٣)، (وَشَاةٌ إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ)؛ لأنَّها أحد النُّسكين، فوجب أن يجب بالوطء فيها شيء كالآخَر، وإنَّما كان شاةً؛ لأنَّ حكمَ العمرة أخفُّ. (وَيَجِبُ عَلَى المَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما على الرَّجل (إِنْ كَانَتْ

стр. 2022

مُطَاوِعَةً)، نقله الجماعة (١)، وروي عن ابن عبَّاسٍ وجمع (٢)؛ لوجود الجماع منها (٣)، بدليل الحدِّ، ولأنَّهما اشتركا في السَّبب الموجب؛ كما لو قتلا رجلاً، وكنفقة القضاء، ولأنَّه آكد من الصَّوم. وعنه: يجزئهما هديٌ واحدٌ؛ لأنَّه جماعٌ واحد. وعنه: لا فدية عليها، ذكرها وصححها جماعة؛ لأنه لا وطء منها، وكالصوم. (وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً؛ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا)، نَصَّ عليه (٤)؛ لقوله ﵇: «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ، والنِّسيانُ، وما استكرهوا عليه» (٥)، ولأنَّه (٦) لا يضاف إليه الفعل، وكالصَّوم. وعنه: يلزمها؛ كالمطاوِعة. (وَقِيلَ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ: (يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ)؛ لحصول الوطْء، (يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا)؛ لأنَّ الإفساد منه، فوجب أن يلزَمه؛ كإفساد حجِّه، وكنفقة القضاء، نقل الأثرمُ (٧): على الزَّوج حملُها ولو طُلِّقت وتزوَّجت بغيره، ويجبر الزَّوج الثَّاني على أن يدعها. وأغرب في «الروضة» فقال: المكرهة يفسد صومها، ولا يلزمها كفَّارةٌ، ولا يفسد حجُّها، وعليها بدنة.

стр. 2023

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ)؛ أي: فوات الحجِّ، ويجب به بدنة في الأصحِّ، (أَوْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ)؛ كالإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى اللَّيل ونحوهما، (أَوْ لِلْمُبَاشَرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ)، كما يأتي. والحاصل أنَّ الهدْيَ الواجب بغير النَّذر ينقَسِم قِسمَينِ: منصوص عليه: وهو فدية الأذى، وجزاء الصَّيد، ودم الإحصار، والمتعة، والبدنة الواجبة بالوطء في الفرج؛ لقضاء الصَّحابة (١). وما سوى ذلك مقيسٌ. فأشار المؤلِّف إلى ذلك فقال: (فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً)؛ كالبدنة الواجبة بالمباشرة فيما دون الفرج؛ (فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ)؛ أي (٢): هي مقيسةٌ عليها؛ لأنَّها بدنةٌ وجبت بسبب في إحرامه، أشبهت البدنة الواجبة بالوطء، فعلى هذا تجب. فإن لم يجدها؛ انتقل إلى صيام ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع، وعلى قول القاضي: تجب البدنة، ثمَّ بقرة (٣)، ثمَّ سَبْعٌ من الغنم، ثمَّ قيمة البدنة طعامًا، ثمَّ يصوم عن كل مدٍّ يومًا، وعلى قول الخِرَقِيِّ: يخير فيها. (وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ القَاضِي: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ)؛ كالمبيت بمنًى ومزدَلفةَ، وطواف الوداع؛ (مُلْحَقٌ بِدَمِ المُتْعَةِ)؛ لأنَّ دم المتعة وجب لترفُّهِه بأحد السَّفرَين، فيقاس عليه (٤) كلُّ دمٍ واجبٍ لترك واجبٍ.

стр. 2024

(وَمَا وَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ)؛ كالقُبلة، واللَّمس، والوطء في العمرة وفي الحجِّ بعد رمي جمرة العقبة؛ (مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ (١) الْأَذَى)؛ لأنَّه في معناه، فيقاس عليه. وأمَّا الشَّاة الواجبة؛ فيخيَّر فيها كما يخيَّر في فدية الأذى؛ للتَّرفُّه. (وَمَتَى أَنْزَلَ بِالمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ)، وقد تقدَّم، (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ؛ فَعَلَيْهِ شَاةٌ)، جزم به الخِرَقِيُّ و «الوجيز»، واختاره جمْعٌ منهم المؤلِّف؛ لأنَّه هَتَكَ إحرامَه بالفعل المذكور؛ كالطيب. (وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ)، نصره القاضي وأصحابه؛ كالوطء. والأوَّلُ أصحُّ، وسواء مذى (٢) أو لم يُمْذِ. واللَّمس لشهوة (٣) كالقبلة فيما ذكرنا؛ لكونه (٤) استمتاعًا يلتذُّ به. (وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ)؛ أي: أمْنَى، (أَوِ اسْتَمْنَى؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لأنَّه هَتَكَ إحرامَه بذلك، أشبه ما لو أنزل بالمباشرة. (وَهَلْ (٥) هُوَ بَدَنَةٌ؟)، قدَّمه في «المحرَّر»، ونَصَّ عليه فيما إذا أمْنى بتكرار النَّظر (٦)، واختاره الخِرَقيُّ، ونصره القاضي وأصحابه؛ لأنَّه من دواعي الجماع (٧) كالقبلة، (أَوْ شَاةٌ؟)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنه (٨) إنزال بفعل محظور، فوجبت؛ كالإنزال باللمس؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، هما قولان لابن عبَّاسٍ (٩).

стр. 2025

(وَإِنْ مَذَى بِذَلِكَ)؛ أي: بتكرار (١) النَّظر، أو (٢) الاستمناء؛ (فَعَلَيْهِ شَاةٌ)؛ ذكره أبو الخطَّاب، وجزم به في «الشرح» (٣) و «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه جزءٌ من المني؛ لكونه (٤) خارجًا بسبب الشَّهوة، ولأنَّه حصل به لذَّةٌ، فهو كاللَّمس. وفي «الروضة» و «المستوعب»: أو مذى بنظرةٍ فكذلك، وظاهر كلام الأكثر خلافه. وفي «الكافي»: لا فدية بمذي بتكرار نظر، وجزم به في «الوجيز»، قال في «الفروع»: فيتوجه منه تخريج: ولا بمذي بغيره، وجزم به الأَدَمي إنْ مذى باستمناء. وذكر القاضي رواية: يفدي بمجرَّد النظر، أنزل أو لا، ومراده: إن (٥) كرره، وأخذها من نقلِ الأثرم فيمن جرَّد امرأتَه، ولم يكن منه غير التَّجريد: عليه شاةٌ (٦). وحمله في «المغني» و «الشَّرح»: على أنَّه لمس، فإن التجريد لا يخلو عن

стр. 2026

لمس ظاهر، أو أنه أمنى أو أمذى؛ إذ مجرَّده لا شيء فيه؛ لأنَّه ﵇ كان ينظر إلى نسائه وهو محرم، وكذلك أصحابه. (وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ؛ فَلَا فِدْيَةَ (١) عَلَيْهِ)؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم أو تعمَلْ به» متَّفقٌ عليه (٢)، ولأنه يعرض (٣) للمرء من غير إرادة ولا اختيار؛ لأنه دون النظر. وقال أبو حفص البرمكي وابن عقيل: حكمه حكم تكرار النظر إذا اقترن به الإنزال؛ لقدرته (٤)، وفيه شيءٌ. تنبيهٌ: لم يتعرَّض المؤلِّف هنا لذكر النِّسيان، وذكره في مفسدات الصوم، والمذهب: لا فرق بين العامد والناسي. وقيل: لا؛ لأن الوطء لا يتطرق إليه نسيان غالبًا، ويفسد العبادة؛ أي: الصوم بمجرده (٥). والجاهل والمكره كالناسي. والمرأة كالرجل مع شهوة (٦).

стр. 2027

(فَصْلٌ) (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ، مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ، قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)، نَصَّ عليه (١)، وقاله الأصحاب، سواءٌ تابعه، أو فرَّقَه، أو وطئها، أو غيرَها. فظاهره: لو قلَّم خمسة أظفار في خمسة أوقات؛ لزمه دم، قاله القاضي، وعلَّله: بأنَّه لما بُنيت (٢) الجملة فيه على الجملة في تداخل الفدية، كذا الواحد على الواحد في تكميل الدَّم، ولأنَّ ما تداخل متتابِعًا تداخل متفرِّقًا؛ كالأحداث والحدود، ولأنَّه تعالى أوجب في حلق الرَّأس فدية، ولم يفرِّق. (وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لَزِمَهُ (٣) لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ)؛ لأنَّه صادف إحرامًا، فوجبت كالأوَّل، وتعتبر (٤) بالحدود والأيمان. وعنه: لكل وطء كفارةٌ؛ لأنه سبب لها، كالأول، فيطرد في غيره. وعنه: إن (٥) تعدَّد سبب المحظور، فلبس (٦) للحَرِّ ثمَّ للبرد؛ فكفَّارات، وإلاَّ فواحدةٌ. وقال ابن أبي موسى: إذا لبس وغطَّى رأسه متفرِّقًا؛ فكفَّارتان، وإن كان في وقت واحد فروايتان.

стр. 2028

(وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ؛ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا)، نقله الجماعة (١)، وهو المذهب؛ لأنَّ الآية تدل على أنَّ من قتل صيدًا لزمه (٢) مثله، ومن قتل أكثر لزمه مثل ذلك، ولأنه لو قتل صيودًا معًا؛ تعدَّد الجزاء، فكذا متفرِّقًا، بل أَوْلَى، ولأنَّها كفَّارةُ قتلٍ كقتل الآدمي، أو بدلُ متلف؛ كبدل مال الآدمي. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ (٣) جَزَاءٌ وَاحِدٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٩٥]، ولم يوجب جزاء ثانيًا، ولأنه محظور أشبه غيره، ونقل حنبل: لا يتعدد إن لم يكفر عن الأوَّل، ونقل (٤) أيضًا: إن تعمَّد قتْله ثانيًا فلا جزاء (٥)، وقاله جمع من السَّلف (٦). والصَّحيح الأول؛ لأن ذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب، كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، وللعائد ما سلف، وأمره إلى (٧) الله تعالى، وقياسه على غيره لا يصح؛ لأنَّ جزاء الصيد مُقَدَّرٌ به، ويختلف (٨) بكِبَرِه وصِغَرِه، بخلاف غيره. (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ)؛ كحلقٍ ولبسٍ وطيبٍ؛ (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ

стр. 2029

فِدَاءٌ)، نصَّ عليه (١)، وهو المشهور؛ لأنَّها مختلفة، فلم تتداخل (٢) كالحدود المختلفة، وسواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرِّقًا. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لأنَّه فعلٌ محظورٌ، فلم يتعدَّد؛ كالجنس الواحد، وفيه نظرٌ. وعنه: إن كانت في وقت واحد، وإلا فلكل واحد كفارة، وقاله إسحاق، واختاره أبو بكر، قال القاضي وابن عقيل: لأنَّها أفعالٌ مختلِفةٌ، وموجباتها مختلفة؛ كالحدود المختلفة. وقيل: إن قرب الوقت لم يتعدد الفداء، وإلا تعدد. ومحل الخلاف فيما إذا كانت المحظورات تتحد (٣) كفارتها، فإن تعددت فلا تداخل. (وَإِنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا؛ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)، نَصَّ عليه (٤)، وعليه الأصحاب؛ لأنَّه إتلاف، فاستوى عمدُه وسهوُه؛ كإتلاف مال الآدمي، ولأن الله أوجب الفدية على من حلق لأذًى به وهو معذورٌ، فدل على وجوبها على معذور بنوع آخر، وقال الزهري: «تجب الفدية على من قتل الصيد متعمدًا بالكتاب، ومخطئًا بالسنة» (٥)، قال الشَّافعيُّ (٦): أنا سعيدٌ، عن ابن جريجٍ، قلت لعطاءٍ: فمن قتله خطأ أيغرم؟ قال: «نعم، فعظَّم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن (٧)»، وقال عمر:

стр. 2030

«ليحكم عليه في الخطأ والعمد» رواه النجاد (١). (وَعَنْهُ فِي الصَّيْدِ: لَا كَفَّارَةَ إِلاَّ فِي الْعَمْدِ)، وهو قول ابن عبَّاسٍ (٢) وسعيد بن جبيرٍ، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لظاهر الآية، ولأنَّ الأصل براءة الذمة، فلا يشغلها إلا بدليل. وجوابه: أنَّه ﵇ أوجب فيه الجزاء، وفي بيضه (٣)، ولم يفرِّق. وأجاب القاضي عن الآية: بأنَّها حُجَّةٌ لنا من وجهٍ؛ لأنها (٤) تقتضِي أن من نسِي الإحرام فقتل الصيد متعمِّدًا؛ يلزمه (٥) الجزاء، وعندهم لا يلزمه، وخص العمد بالذكر؛ لأجل الوعيد في آخرها، ولأن ما سبق أخص، والقياس يقتضيه. وحُكي عن مجاهد والحسن: يجب الجزاء في الخطأ والنسيان دون العمد، وهو غريب. (وَيَتَخَرَّجُ فِي الْحَلْقِ مِثْلُهُ)، هذا وجه، وهو روايةٌ مخرَّجةٌ من قتل الصَّيد؛ أي: لا تجب الكفَّارة إلاَّ في العمد؛ لعموم: «إنَّ الله تعالى تَجاوَز» (٦)، ولأنَّه

стр. 2031

محرم بسبب في إحرامه، أشبهَ الصيد. وقَصَر المؤلف التخريج في الحلق وحده، وليس كذلك، بل الباقي مثله. فرعٌ: المكرَه عندنا كمخطئ، وذكر المؤلِّف أنَّه: لا يلزمه، وإنَّما هي على المكرِه، وجزم به ابن الجوزيِّ. (وَإِنْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ، نَاسِيًا)، أو جاهِلاً، أو مكرَهًا؛ (فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ)، نقله الجماعةُ (١)، وهو ظاهر المذهب؛ لما روى ابن ماجه بإسنادٍ جيِّدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «إنَّ الله وضع (٢) عن أمَّتي الخطأ والنِّسيان، وما استُكرِهوا عليه»، قال عبد الحقِّ الإشبيلي: (رويته بالإسناد المتَّصل إلى ابن عبَّاسٍ … ) وذكره (٣)، وعن يعلى بن أميَّة: أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، وعليه جُبَّة، وهو متضمِّخ بالخَلوق، فأمره بخلعها وغسله، ولم يأمره بفدية (٤)، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)، نصَرها القاضي وأصحابه؛ لأنَّه فعلٌ حرَّمه الإحرام، فاستوى عمده وسهوه؛ كقتل الصيد والحلق. والفرق: بأن الحالق وما في معناه لا يمكن تلافي ما فعله، بخلاف اللابس والمتطيب (٥) والمغطي رأسه، فإنه يمكنه ذلك بإزالته، وفيه نظر؛ لأن ما مضى (٦) لا يمكن تلافيه. وظاهره: أنَّ العمدَ محلُّ وِفاقٍ، لكن عمد الصبي ومن زال عقله (٧) بعد

стр. 2032

إحرامه خطأ، وأنه لا فرق بين القليل والكثير. (وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ)؛ أي: قطع نية النسك، (ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا؛ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ)؛ لأنَّ حكم الإحرام باقٍ؛ لأنه لا يفسد بالرَّفض وِفاقًا (١)؛ لكون أن الحج عبادة لا يخرج منه بالفساد، بخلاف سائر العبادات. فعلى هذا: يجب عليه كفارة ما فعله (٢) من المحظور؛ لأنه صادف الإحرام؛ كفعله على غير وجه الرفض. وعنه: كفَّارةٌ واحدةٌ، ذكرها في «المستوعب». وظاهره (٣): أنَّه لا شيء عليه لرفضه، وقطع به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه مجرد (٤) نية لم يُفِدْ شيئًا. وفي «الترغيب»، وقدَّمه في «الفروع»: يلزمه دمٌ لرفضه. وعلم منه: أنَّه لا يفسد الإحرام بالجنون (٥) والإغماء، وذكر ابن عقيل وجهين، وفي «مفرداته»: مبناه على التوسعة وسرعة الحصول، فلهذا لو أحرم مجامعًا؛ انعقد، وحكمه كالصحيح. (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ؛ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ (٦) ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ)؛ لحديث عائشة (٧)، وظاهره: أنه إذا كان (٨) في ثوبه؛ لم يكن له استدامته.

стр. 2033

لكن في «المغني» و «الشرح»: إن طيب ثوبَه؛ له لبسه ما لم ينزعه؛ لأنَّ الإحرام يمنع من ابتداء (١) الطيب دون استدامته (٢)، وفيه نظر؛ لأنه لم يرد في الشَّرع ما يقتضي جواز استدامة لبس المُطيَّب. (وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ)؛ أي: بعد إحرامه؛ لقوله: «لا تَلْبَسوا شيئًا من الثِّياب مسَّه وَرْسٌ أو زعفران» (٣). (وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ)، أو سراويل، أو جبَّة، ولو عبَّر بالمخيط لعَمَّ؛ (خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ)؛ لحديث يَعْلَى (٤)، ولو وجب شقُّها أو وجب عليه فدية؛ لأمره بها؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولِما في الشَّقِّ من إضاعة المال المنهيِّ عنه شرعًا. (فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)؛ لأنَّ خلعَه واجِبٌ؛ للأمر به، فوجبت الفدية، كما لو حلق رأسَه، ولأنَّ استدامة اللُّبس تسمَّى لُبسًا؛ كقولهم: لبست شهرًا. لا يقال: قد أمره بغسل الطيب؛ لأنه قد ورد ما يقتضي استدامة الطيب دون لبسه؛ لأنَّ حديث عائشة راجح على حديث صاحب الجبة من وجهين: أحدهما: أن في بعض ألفاظه (٥): «عليه جُبَّةً بها (٦) أثر الخلوق» (٧)، وفي

стр. 2034

بعضها: «وهو مُتضمِّخ بالخَلُوق» (١)، وفي بعضها: «عليه ردع (٢) من زعفران» (٣)، فيدل (٤) على أن الطيب كان من زعفران، وهو منهي عنه في غير الإحرام، ففيه (٥) أولى؛ لنهيه ﵇ عنه (٦). الثَّاني: أنَّه كان سنة ثمان عام الجعرانة، وحديث (٧) عائشة سنة عشر، فهو متأخر، والحكم له. (وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ ماءٌ (٨) فَاحَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ (٩)؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)؛ لأنَّه مُطيَّب (١٠)، بدليل أنَّ رائحته تظهر عند رشِّ الماء، والماء لا رائحة له؛ أشبه ما لو ظهر بنفسه. ومقتضاه: أنه لا فدية عليه إذا لم يظهر ريحه؛ لأنه ليس بمطيب الآن، أشبه الذي لم يتطيب أصلاً. تنبيهٌ: القارن كغيره، نَصَّ عليه (١١)، وقاله الأكثر؛ لظاهر الكتاب والسنة؛ لأنهما حرمتان كحرمة الحرم وحرمة الإحرام.

стр. 2035

واختار القاضي: أنَّه إحرامان، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه شبهه بحرمة الحرم وحرمة الإحرام؛ لأنه نية النسك، ونية الحج غير نية العمرة. واختار جمع: أنه إحرام واحد؛ كبيع دار وعبد صفقة واحدة (١). وعنه: يلزمه بفعل (٢) المحظور (٣) جزاءان، ذكرها في «الواضح». وذكر القاضي تخريجًا: إن لزمه طوافان وسعيان. وخصَّها ابنُ عَقيلٍ بالصَّيد؛ كما لو أفرد كل واحد بإحرام، والفرق ظاهر، وكما لو وطئ وهو محرم صائمٌ
следующие страницы →