← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

محرم بسبب في إحرامه، أشبهَ الصيد. وقَصَر المؤلف التخريج في الحلق وحده، وليس كذلك، بل الباقي مثله. فرعٌ: المكرَه عندنا كمخطئ، وذكر المؤلِّف أنَّه: لا يلزمه، وإنَّما هي على المكرِه، وجزم به ابن الجوزيِّ. (وَإِنْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ، نَاسِيًا)، أو جاهِلاً، أو مكرَهًا؛ (فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ)، نقله الجماعةُ (١)، وهو ظاهر المذهب؛ لما روى ابن ماجه بإسنادٍ جيِّدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «إنَّ الله وضع (٢) عن أمَّتي الخطأ والنِّسيان، وما استُكرِهوا عليه»، قال عبد الحقِّ الإشبيلي: (رويته بالإسناد المتَّصل إلى ابن عبَّاسٍ … ) وذكره (٣)، وعن يعلى بن أميَّة: أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، وعليه جُبَّة، وهو متضمِّخ بالخَلوق، فأمره بخلعها وغسله، ولم يأمره بفدية (٤)، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)، نصَرها القاضي وأصحابه؛ لأنَّه فعلٌ حرَّمه الإحرام، فاستوى عمده وسهوه؛ كقتل الصيد والحلق. والفرق: بأن الحالق وما في معناه لا يمكن تلافي ما فعله، بخلاف اللابس والمتطيب (٥) والمغطي رأسه، فإنه يمكنه ذلك بإزالته، وفيه نظر؛ لأن ما مضى (٦) لا يمكن تلافيه. وظاهره: أنَّ العمدَ محلُّ وِفاقٍ، لكن عمد الصبي ومن زال عقله (٧) بعد

стр. 2032

إحرامه خطأ، وأنه لا فرق بين القليل والكثير. (وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ)؛ أي: قطع نية النسك، (ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا؛ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ)؛ لأنَّ حكم الإحرام باقٍ؛ لأنه لا يفسد بالرَّفض وِفاقًا (١)؛ لكون أن الحج عبادة لا يخرج منه بالفساد، بخلاف سائر العبادات. فعلى هذا: يجب عليه كفارة ما فعله (٢) من المحظور؛ لأنه صادف الإحرام؛ كفعله على غير وجه الرفض. وعنه: كفَّارةٌ واحدةٌ، ذكرها في «المستوعب». وظاهره (٣): أنَّه لا شيء عليه لرفضه، وقطع به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه مجرد (٤) نية لم يُفِدْ شيئًا. وفي «الترغيب»، وقدَّمه في «الفروع»: يلزمه دمٌ لرفضه. وعلم منه: أنَّه لا يفسد الإحرام بالجنون (٥) والإغماء، وذكر ابن عقيل وجهين، وفي «مفرداته»: مبناه على التوسعة وسرعة الحصول، فلهذا لو أحرم مجامعًا؛ انعقد، وحكمه كالصحيح. (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ؛ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ (٦) ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ)؛ لحديث عائشة (٧)، وظاهره: أنه إذا كان (٨) في ثوبه؛ لم يكن له استدامته.

стр. 2033

لكن في «المغني» و «الشرح»: إن طيب ثوبَه؛ له لبسه ما لم ينزعه؛ لأنَّ الإحرام يمنع من ابتداء (١) الطيب دون استدامته (٢)، وفيه نظر؛ لأنه لم يرد في الشَّرع ما يقتضي جواز استدامة لبس المُطيَّب. (وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ)؛ أي: بعد إحرامه؛ لقوله: «لا تَلْبَسوا شيئًا من الثِّياب مسَّه وَرْسٌ أو زعفران» (٣). (وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ)، أو سراويل، أو جبَّة، ولو عبَّر بالمخيط لعَمَّ؛ (خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ)؛ لحديث يَعْلَى (٤)، ولو وجب شقُّها أو وجب عليه فدية؛ لأمره بها؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولِما في الشَّقِّ من إضاعة المال المنهيِّ عنه شرعًا. (فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)؛ لأنَّ خلعَه واجِبٌ؛ للأمر به، فوجبت الفدية، كما لو حلق رأسَه، ولأنَّ استدامة اللُّبس تسمَّى لُبسًا؛ كقولهم: لبست شهرًا. لا يقال: قد أمره بغسل الطيب؛ لأنه قد ورد ما يقتضي استدامة الطيب دون لبسه؛ لأنَّ حديث عائشة راجح على حديث صاحب الجبة من وجهين: أحدهما: أن في بعض ألفاظه (٥): «عليه جُبَّةً بها (٦) أثر الخلوق» (٧)، وفي

стр. 2034

بعضها: «وهو مُتضمِّخ بالخَلُوق» (١)، وفي بعضها: «عليه ردع (٢) من زعفران» (٣)، فيدل (٤) على أن الطيب كان من زعفران، وهو منهي عنه في غير الإحرام، ففيه (٥) أولى؛ لنهيه ﵇ عنه (٦). الثَّاني: أنَّه كان سنة ثمان عام الجعرانة، وحديث (٧) عائشة سنة عشر، فهو متأخر، والحكم له. (وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ ماءٌ (٨) فَاحَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ (٩)؛ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ)؛ لأنَّه مُطيَّب (١٠)، بدليل أنَّ رائحته تظهر عند رشِّ الماء، والماء لا رائحة له؛ أشبه ما لو ظهر بنفسه. ومقتضاه: أنه لا فدية عليه إذا لم يظهر ريحه؛ لأنه ليس بمطيب الآن، أشبه الذي لم يتطيب أصلاً. تنبيهٌ: القارن كغيره، نَصَّ عليه (١١)، وقاله الأكثر؛ لظاهر الكتاب والسنة؛ لأنهما حرمتان كحرمة الحرم وحرمة الإحرام.

стр. 2035

واختار القاضي: أنَّه إحرامان، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه شبهه بحرمة الحرم وحرمة الإحرام؛ لأنه نية النسك، ونية الحج غير نية العمرة. واختار جمع: أنه إحرام واحد؛ كبيع دار وعبد صفقة واحدة (١). وعنه: يلزمه بفعل (٢) المحظور (٣) جزاءان، ذكرها في «الواضح». وذكر القاضي تخريجًا: إن لزمه طوافان وسعيان. وخصَّها ابنُ عَقيلٍ بالصَّيد؛ كما لو أفرد كل واحد بإحرام، والفرق ظاهر، وكما لو وطئ وهو محرم صائمٌ

стр. 2036

(فَصْلٌ) (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) متعلِّق بالحرم أو الإحرام؛ (فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ) إن قدر على إيصاله إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المَائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحَجّ: ٣٣]. ويجب نحره بالحرم، ويجزئ جميعه، قال: أحمد: (مكة ومنى واحد) (١)، واحتج الأصحاب بما رواه أحمد وغيره، من رواية أسامة بن زيد الليثي، عن جابر مرفوعًا: «كلُّ فِجاج مكَّةَ طريقٌ ومنحَرٌ» (٢). وفي «الفروع» توجيه (٣): لا ينحر في الحجِّ إلاَّ بمنًى، ولا في العمرة إلاَّ بمكَّةَ. ويجب تفرقة لحمه بالحرم، أو إطلاقه لمساكينه؛ لأنَّه مقصودٌ كالذَّبح، والتَّوسعة عليهم مقصودة، فلو سلَّمه للفقراء سليمًا فذبحوه؛ أجزأ، وإلا استرده ونحره، فإن أبى أو عجز ضمنه، والطعام كالهدي؛ لقول ابن عباس: «الهدي والإطعام (٤) بمكة» (٥)، ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين؛

стр. 2037

فاختص بهم كالهدي. ومساكين الحرم: من له أخذ الزَّكاة، مقيمًا كان أو مجتازًا، من الحاجِّ وغيرهم، فإن بان بعد الدَّفع غناه؛ فكالزَّكاة. وما جاز (١) تفريقه؛ لم يجز دفعه إلى فقراء الذِّمَّة (٢) كالحربيِّ. وهل يجوز أن يُغدِّي (٣) المساكين أو يعشِّيهم إن جاز في كفارة اليمين؟ فيه احتمالان. فإن تعذَّر إيصاله إلى فقراء الحرم؛ فالأظهر: أنه يجوز ذبحه وتفرقته (٤) في غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. (إِلاَّ فِدْيَةَ الْأَذَى، وَاللُّبْسِ، ونَحْوِهِمَا (٥)؛ كالتَّقليم والطِّيب، (إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ؛ فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا)؛ لأنَّه «﵇ أمر كعبًا بها بالحديبية، وهي من الحلِّ» (٦)، «واشتكى الحسين بن عليٍّ رأسَه، فحلقه عليٌّ، ونحر عنه جزورًا بالسُّقيا» رواه مالكٌ (٧).

стр. 2038

وعن أحمد: في الحرم، وقاله الخِرَقيُّ في غير الحلق؛ لأنه الأصل، خولف فيه لما سبق. واعتبر في «المجرد» و «الفصول» العذر في المحظور، وإلا فغير المعذور كسائر الهدي. وعنه في جزاء الصيد: حيث قتله؛ كحلق الرأس، وهي ضعيفة؛ لمخالفة الكتاب. فَرعٌ: وقت ذبحه حين فعلِه، وله الذَّبح قبله لعذر؛ ككفارة قتل الآدمي. (وَدَمُ الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ)، من حلٍّ أو حرَمٍ، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه ﵇ لمَّا أُحصِر هو وأصحابه بالحديبية، نحروا هديهم وحَلُّوا (٢)، ولأنه موضع (٣) تحلُّلِه، فكان موضعَ (٤) ذبحِه كالحرم. لكن إن كان قادرًا على أطراف الحرم؛ فوجهان. وعنه: ليس للمحصر نحر هديه إلاَّ في الحرم، فيبعثه إلى الحرم، ويواطئ رجلاً على نحره في وقت تحلُّله، روي عن ابن مسعود (٥)؛ لأنه أمكنه النحر

стр. 2039

في الحرَم، أشبه ما لو حصر فيه. وحمله في «المغني»: على ما إذا كان حصره خاصًّا، وأمَّا الحصر العامُّ فلا، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحَجّ: ٣٣] في حق غير المحصر، ولا يمكن قياسه عليه؛ لأنَّ تحلل المحصر من (١) الحل، وتحلل غيره من الحرم، فكلٌّ ينحر في موضع تحلُّله. (وَأَمَّا الصِّيَامُ)، والحلق، وهدي تطوع، ذكره القاضي وغيره، وما سمي نسكًا؛ (فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ)، لا نعلم فيه خلافًا (٢)؛ لقول ابن عبَّاس: «الصوم حيث شاء» (٣)؛ لعدم تعدِّي نفعه، ولا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي. (وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ (٤) يُجْزِئُ فِيهِ: شَاةٌ، أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، قال ابن عبَّاس: «شاةٌ أو شِرك في دم» (٥)، وفسَّر ﵇ النُّسك في خبر كعب: «بذبح شاة» (٦)، والباقي (٧) مقيس.

стр. 2040

فإن اختار ذبح بدنة أو بقرة (١)؛ فهو أفضل؛ لأنَّه أوفر لحمًا، وأنفع للفقراء، ويلزمه كلُّها، اختاره ابن عقيلٍ، كما لو اختار الأعلى من خصال الكفَّارة. وقيل: سُبُعُها، والباقي له أكله والتصرف فيه؛ كذبح سَبْعِ شياه. وهو كالأضحية، نص عليه (٢)، فلا يجزئ (٣) ما لا يضحَّى به. (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ)؛ لقول جابر: «كنا ننحر البدنة عن سبعة»، فقيل له: والبقرة؟ فقال: «وهل هي إلاَّ من البُدْن» رواه مسلمٌ (٤)، وكعكسها. وظاهره: ولو كانت منذورة، ونصره جماعة. وقال القاضي وأصحابه: يلزمه ما نواه، وإن أطلق فروايتان: إحداهما: تجزئه بقرةٌ. والثَّانية: تجزئه مع عدم البدنة؛ لأنَّها بدلٌ. قال المؤلِّف: والأوَّل أَوْلَى. فإن كانت جزاء صيد؛ أجزأت أيضًا. وقيل: لا؛ لأنَّها لا تشبه النَّعامة. ويجزئ عنها سَبْعِ شياهٍ، ذكره الأصحاب؛ لأنَّها معدولةٌ بسُبُع بدنة، وهي دم كامل، وأطيب لحمًا. وعنه: عند (٥) عدمها؛ لأنَّها بدلٌ. وعنه: لا يجزئ إلا عشر شياهٍ؛ لقول رافع: «كان النبي ﷺ يجعل في

стр. 2041

قسم الغَنَمِ: عشرًا من الشِّياه ببعير» رواه النسائي بإسنادٍ جيِّدٍ (١). قال الخلاَّل: والعمل على الأوَّل. ومن لزمه سَبع شياه؛ أجزأه (٢) بدنةٌ أو بقرةٌ، ذكره في «الكافي»؛ لإجزائهما عن سبعة. وذكر جماعة: إلاَّ في جزاء الصيد، وفي «المغني»: أنه الظَّاهر؛ لأنَّ الغنم أطيب. والبقرة كالبدنة (٣) في إجزاء سَبع شياه عنها (٤).

стр. 2042

(بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ) وهو واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ (١) مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ … ﴾ الآية [المَائدة: ٩٥]، «فجزاء»: مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ؛ أي: فعليه جزاء. ومن نَوَّن (٢) «جزاءٌ»، وقُرئ به في السَّبعة، ف ﴿مِثْلُ﴾ صفة، و ﴿من النعم﴾ وصفة أخرى له، ويجوز أن يكون ﴿مِثْلُ﴾ بدلاً. وقُرِئ شاذًّا بنصب ﴿مِثْلَ﴾؛ أي: يُخْرِج مثل؛ لأنَّ الجزاء يتعدى بحرف الجرِّ. وقرئ بإضافة الجزاء إلى (مثل)، فيكون في حكم الزَّائد، كقولهم: مثلك لا يبخل. ويجوز أن يتعلَّق ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بقوله: ﴿فَجَزَآءٌ﴾ إن نصبت (مثلاً)؛ لعمله فيهما؛ لأنَّهما من صلته، لا إن رفعته؛ لأنَّ ما يتعلَّق به من صلته، ولا يفصل بين الصِّلة والموصول بصفة أو بدل. ويجوز تعلُّقُه به إن أضفته، ويجوز جعْلُه حالاً من الضَّمير في ﴿قَتَلَ﴾؛ لأن المقتول يكون من النَّعم، و ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ صفة ل ﴿جَزَاءٌ﴾ إذا نوَّنته، وإذا أضفته؛ ففي موضع حال، عاملها معنى الاستقرار المقدر في الخبر المحذوف. (وَهُوَ ضَرْبَانِ): (أَحَدُهُمَا: مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ)، ليس المراد به حقيقة المماثلة، فإنَّها لا

стр. 2043

تتحقَّق بين الأنعام والصَّيد، وإنما أريد بها من حيث الصُّورة، (فَيَجِبُ فَيهِ (١) مِثْلُهُ)، نَصَّ عليه، (وَهُوَ نَوْعَانِ): (أَحَدُهُمَا: قَضَتْ (٢) فِيهِ الصَّحَابَةُ)، ليس المرادُ به كلَّهم، (فَفِيهِ: مَا قَضَتْ)؛ لقوله ﵇: «أصحابي كالنُّجوم، بأيهم (٣) اقتدَيتم اهتدَيتم» (٤)، ولقوله: «علَيكم بسنَّتِي، وسنَّةِ الخلفاء الرَّاشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ» رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٥)، وعن حذيفةَ مرفوعًا: «اقتَدُوا باللَّذين من بعدي؛ أبو بكرٍ وعبمرَ» رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٦)، ولأِنَّهم أقرب إلى

стр. 2044

الصَّواب، وأعرف بمواقع الخطاب، فكان حكمهم حجة (١) على غيرهم؛ كالعالم مع العامِّيِّ. (فَفِي (٢) النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ)، حكم به عمر، وعثمان، وعلي، وزيدٌ (٣)، وأكثر العلماء؛ لأنها تشبه البعير في خَلقِه، فكان مثلاً لها (٤)، فيدخل في عموم النَّصِّ، وجعلها الخِرَقيُّ من أقسام الطَّير؛ لأن لها جناحَين، فيُعايا بها، فيقال: طائرٌ تجب فيه بدنةٌ. (وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ): بقرةٌ، قضى به عمر (٥)، وقاله عروةُ ومجاهِد؛

стр. 2045

لأنَّها شبيهٌ (١) به. وعنه: بدنةٌ، وقاله أبو عبيدةَ وابنُ عبَّاسٍ (٢). (وَبَقَرَتِهِ)؛ أي: في بقرة الوحش: بقرةٌ، قضى به ابن مسعود (٣)، وقاله عطاء وقتادة. وعنه: لا جزاء لبقرة وحش؛ كجاموسٍ. (وَالإِيَّلِ)، بكسر الهمزة وفتح الياء (٤) مشدَّدة: الذَّكر من الأوعال، فيه بقرةٌ؛ لقول ابن عبَّاسٍ (٥). (وَالثَّيْتَلِ)، هو الوعل المسنُّ، (وَالْوَعَلِ)، هو تَيس الجبل وجمعه: وُعولٌ: (بَقَرَةٌ)، قال الأصحاب (٦): كالإيَّل (٧).

стр. 2046

وعنه: في كلٍّ منها (١) بدنةٌ، ذكرها في «الواضح». وفي «صحاح الجوهري»: والوعَل هي: الأروى (٢)، وعن ابن عمر: «فيها بقرةٌ» (٣)، وهو من أولاد البقر ما بلغ أن يُقبَض على قرنه، ولم يبلغ أن يكون ثورًا (٤). (وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ)؛ لما روى أبو داود بإسناده عن جابِرٍ قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ عن الضَّبُع، فقال: «هو صَيدٌ، وفيه كبشٌ إذا صاده المحرِم»، وروى ابن ماجه والدَّارَقُطْنيُّ عن جابرٍ نحوه مرفوعًا (٥)، وقضى به عمر وابن عبَّاسٍ (٦).

стр. 2047

وقال الأوزاعيُّ: كان العلماء بالشَّام يعدونها من السِّباع، ويكرهون أكلها (١)، قال في «المغني» و «الشَّرح»: وهو القياس، إلاَّ أنَّ اتباع السُّنَّة والآثار أَوْلَى. (وَفِي الغَزَالِ): عنْزٌ، قضى به عمر (٢)، وابن عبَّاسٍ (٣)، ورُوي عن علِيٍّ (٤)، وقاله عطاءٌ، قال ابن المنذر: (ولا نحفظ عن غيرهم خلافَه) (٥)؛

стр. 2048

لأنَّ فيه شبهًا بالعنز؛ لأنَّه أجرد الشَّعر مُتقلِّص (١) الذَّنَب. (وَالثَّعْلَبِ: عَنْزٌ)؛ لأنَّه كالغزال، وسبق أنَّ الأشهر: يجب فيه الجزاء، وإن حرَّمنا أكله؛ تغليبًا للتَّحريم، كما وجب الجزاء في المتولِّد من المأكول وغيره. وعنه: فيه شاة؛ لأنَّه أعظم من الغزال إذا قلنا بإباحته، وإلاَّ فلا شَيءَ فيه على المذهب. (وَفِي الْوَبْرِ)، بسكون الباء: دُوَيِّبةٌ أصغرُ من السِّنَّوْر، كحْلاء، ولا ذنَبَ لها، (وَالضَّبِّ)، حيَوانٌ صغيرٌ له ذنَبٌ شبيهٌ بالحرذون (٢): (جَدْيٌ)، قضَى به عمر وعبد الرَّحمن بن عوف في الضَّب (٣).

стр. 2049

وعنه: شاة (١)، وقاله (٢) جابِرٌ وعطاء (٣). والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ الجدْيَ أقرب إليه من الشَّاة. وأمَّا الوبر فبالقياس على الضب، وفي «المغني»: فيه شاة، وحكاه عن مجاهد وعطاء (٤). وقال القاضي: فيه جَفْرةٌ؛ لأنَّه ليس بأكبر منها. (وَفِي الْيَرْبُوعِ)، قال أبو السَّعادات: هو الحيوان (٥) المعروف، وقيل: هو نوع من الفأر (٦): (جَفْرَةٌ)، قضى به عمرُ، وابنُ مسعودٍ، وجابِرٌ (٧)، وهي من

стр. 2050

أولاد المعْز، (لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ)، قال أبو (١) الزُّبَير: (هي التي فُطِمت ورَعتْ) (٢). (وَفِي الْأَرْنَبِ: عَنَاقٌ)، قضى به عمر، ورواه مالكٌ بإسناده (٣) عن جابر عنه (٤)، وعن جابر (٥): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «فِي الأرنب عَناقٌ، وفي اليربوع جَفرةٌ» رواه الدَّارَقُطنيُّ (٦)، والعَناق: الأنثى من ولد المعز، أصغر من الجفرة. (وَفِي الْحَمَامِ، وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ: شَاةٌ)، حكم به عمر، وابنه، وعثمان، وابن عبَّاسٍ (٧)، قال الأصحاب: هو إجماع الصَّحابة، وليس ذلك

стр. 2051

على وجه القيمة؛ لما سبق، ولاِخْتِلاف القيمة بالزَّمان والمكان والسعر وصفة

стр. 2052

المتلَف، ولم يوصف، ولم يسألوا عنه، مع أنَّ م (١) وافق في حمام الحرم دون الإحرام. والقياس يقتضي القيمة في كل طير، تركناه في حمام الحرم؛ لما تقدَّم، فيبقى ما عداه على الأصل، قلنا: وقد رُوي عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه قضى في حمامة حال الإحرام بشاة» (٢)؛ لأنَّها حمامة مضمونة لحق (٣) الله، فضمنت بشاة؛ كحمامة الحرم. وقوله: (كُلُّ مَا عَبَّ) بالعين المهملة؛ أي: وضع منقاره في الماء، فيَكرَع كما تكرع (٤) الشَّاة، ولا يأخذ قطرةً قطرة كالدَّجاج والعصافير، (وَهَدَر) أي: صوَّت، وإنما أوجبوا فيه شاة؛ لشبهه في كرع الماء، ولا يشرب كبقية الطُّيور، ومن هنا قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي: (كل طير يعبُّ الماء كالحمام: فيه شاة) (٥) فيدخل فيه: الفواخت، والقمري، والقطا، ونحوها؛ لأنَّ العرب تسميها حمامًا.

стр. 2053

(وَقَالَ الْكِسَائِيُّ (١): كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ)، فعلى هذا يكون الحَجَل من الحمام؛ لأنه مطوَّق. (النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ (٢) الصَّحَابَةُ لَهُ (٣) بشَيءٍ، (فَيُرْجَعُ) فيه (إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المَائدة: ٩٥]، وظاهره: لا يكفي واحدٌ، (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ)؛ لأنَّه لا يتمكَّن من الحكم بالمثل إلاَّ بها، ولاعتبارها بكل ما يحكم به، فيَعتبران الشبه خلقة لا قيمة؛ كفعل الصَّحابة. وظاهره: أنه لا يشترط فقهه؛ لأنَّه زيادةٌ على النص. (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا)، نَصَّ عليه (٤)؛ لظاهر الآية، وروي (٥): «أن عمر أمر كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللَّتَين صادهما وهو محرِمٌ» (٦)، ولأنَّه حقٌّ يتعلَّق به حقٌّ آدمي؛ كتقويمه عرض التجارة لإخراجها.

стр. 2054

وكذا يجوز أن يكونا القاتلين (١). وقيَّده ابن عقيل: بما إذا قتله خطأ؛ لأنَّ العمد ينافي العدالة، أو جاهلاً بتحريمه؛ لعدم فسقه، قال في «الشرح»: وعلى قياسه قتله لحاجة أكله. (وَيَجِبُ (٢) فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ والصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالمَعِيبِ)، والذَّكر والأنثى، والحائل؛ (مِثْلُهُ)؛ للآية، ولأنَّ ما ضمن باليد والجناية يختلف (٣) ضمانه بذلك كالبهيمة. وقياس قول أبي بكرٍ في الزَّكاة: يضمن معيبًا بصحيحٍ، ذكره الحلوانيُّ، وخرَّجه في «الفصول» احتمالاً من الرواية هناك، وفيها تعيين الكبير أيضًا، فمثله هنا. وجوابه: أنَّ الهدي في الآية مقيَّدٌ بالمثل، وقد أجمع الصَّحابة على إيجاب ما لا يصلح هديًا؛ كالجفرة والعناق، ولا يجري (٤) مجرى الضَّمان، بدليل أنَّها لا تتبعض في أبعاضه، لكن إن فدى المعيب بصحيحٍ؛ فهو أفضل بلا نزاعٍ. (إِلاَّ المَاخِضَ)؛ أي: الحامل التي دنا وقتُها، وليس بمراد، بل العبرة بالحمل، (تُفْدَى (٥) بِقِيمَةِ مِثْلِهَا)، قاله القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ قيمتها أكثر من قيمة لحمها.

стр. 2055

(وَقَالَ (١) أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيهَا مِثْلُهَا)، هذا هو المذهب؛ للآية، ولأنَّ إيجاب القيمة عدولٌ عن المثل مع إمكانه، وذلك خلاف المنصوص. وقيل: تُفدى بحائلٍ؛ لأنَّ هذه الصِّفة لا تزيد في لحمها؛ كلونها. تنبيهٌ: إذا جنى على ماخض، فألقت جنينها ميتًا؛ ضمن نقص الأمِّ فقط، كما لو جرحها؛ لأنَّ الحمل في البهائم زيادةٌ. وفي «المبهج»: إذا صاد حاملاً؛ فإن تلف حملها ضمنه. وفي «الفصول»: يضمنه إن تهيأ لنفخ الرُّوح؛ لأنَّ الظاهر أنه يصير حيوانًا، كما يضمن جنين امرأةٍ بغرَّةٍ. وإن خرج حيًّا، ثمَّ مات؛ وجب جزاؤه. قال في «الشرح»: ومثله يعيش. وقيل: يضمنه ما لم يحفظه إلى أن يطير؛ لأنَّه مضمونٌ وليس بممتنعٍ. (وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى)؛ لأنَّه اختلافٌ يسيرٌ، ونوع (٢) العيب واحدٌ، وإنَّما اختلف محلُّه، ومثله أعرج (٣) من قائمةٍ بأعرج من أخرى. وظاهره: أنه لا يجوز فداء أعور بأعرج، وعكسه؛ لعدم المماثلة. (وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى)؛ لأنَّ لحمَها أطيبُ وأرطبُ، قال جماعةٌ: بل هو (٤) أفضلُ. (وَفِي فِدَائِهَا بِهِ وَجْهَانِ)، كذا في «الشَّرح» و «الفروع»: أحدهما: يجوز، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لأنَّ لحمَه أوفرُ، وهي أطيبُ، فيتساويان.

стр. 2056

والثَّانِي: المنعُ؛ لأنَّ زيادته (١) ليست من جنس زيادتها (٢)، أشبه فداء المعيب من (٣) نوعٍ آخَرَ، وكالزَّكاة.

стр. 2057

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ (١) لَهُ، وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ) إذا كان دون الحمام، (فَفِيهِ (٢) قِيمَتُهُ)؛ لما روى النجاد عن ابن عبَّاسٍ قال: «ما أصيب من الطَّير دون الحمام؛ ففيه الدية» (٣)؛ أي: يضمنه بقيمته في موضعه الذي أتلفه فيه؛ كمال الآدَمِيِّ. (إِلاَّ مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ)؛ كالكركي والإوز والحُبارى، (فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ (٤)، أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الشَّرح» و «الفروع»: أحدُهما: يضمنه بقيمته، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لأنَّه القياس، تركناه في الحمام؛ لقضاء الصَّحابة (٥). ولا يجوز إخراج القيمة، بل طعامًا. وقيل: بلى. والثَّاني: تجب شاةٌ، روي عن ابن عبَّاسٍ (٦) وعَطاء، وكالحمام بطريق الأَوْلَى.

стр. 2058

(وَإِنْ (١) أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ)، أو تلف في يده؛ (فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) إن لم يكن مِثْلِيًّا؛ لأنَّ ما ضُمِنتْ جملتُه؛ ضُمِنتْ أبعاضُه كالآدَمِيِّ، فيقوَّم الصَّيد سليمًا، ثمَّ مجنيًّا عليه، فيجب ما بينهما؛ بأن كانت قيمته أوَّلاً عشرة، وثانيًا ثمانيةً؛ فالواجب درهمان. (أَوْ قِيمَةُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا)، هذا هو المجزوم به عند الأكثر؛ لأنَّ الجزء يشق (٢) إخراجه، فيمتنع إيجابه، ولهذا عدل الشَّارع في خمسٍ من الإبل إلى الشَّاة، فيقوَّم المثل سليمًا بعشرةٍ مَثلاً (٣)، ومعيبًا بستَّةٍ، فيكون الواجب ستَّةً (٤). وظهر بذلك الفرق بين التَّقويمين؛ لأنَّ المثل قد ينقص شيئًا لا ينقص الصَّيد بقدره. وتحقيقه: أنَّه لو جَنَى على نعامةٍ قيمتُها صحيحةً: عشرون، ومقطوعةً يدُها: خمسةَ عَشَرَ، فالنُّقصانُ الرُّبع، وإذا نظرت إلى مثلها -وهي البدنة- فقيمتها مَثلاً سليمة مائة، ومقطوعة يدها خمسون، فالنقصان النصف، فلو اعتبر نفس الصيد كان الواجب خمسة، ولو اعتبر المثل كان الواجب خمسين. والوجه الثَّاني: أنَّه يضمن بمثله؛ لأنَّ ما وجب ضمان جملته بالمثل وجب في بعض مثله كالمكيلات. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ المشقَّة هنا غير (٥) ثابتةٍ؛ لوجود الخيرة (٦) له في

стр. 2059

العدول عن المثل إلى عدله من الطَّعام أو الصِّيام، فينتفي المانع. (وَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأنَّ «عمر دخل دار النَّدوة، فعلَّق رداءه، فوقع عليه حمام، فخرجت حيَّةٌ فقتلته، فسأل من معه، فحكم عليه عثمان بشاةٍ» رواه الشَّافعي (١). وكذا إن جرحه فتحامل فوقع في شيءٍ تلف به؛ لأنَّه تلف بسببه. أمَّا إن نفره إلى مكان فأكنَّ (٢) به، ثمَّ تلف؛ فلا ضمان في الأشهر. (وَإِنْ (٣) جَرَحَهُ فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَه؛ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ) إذا كان الجرح غير موحٍ؛ لأنَّا لا نعلم حصول التَّلف بفعله، فنقوِّمه صحيحًا وجريحًا جراحة (٤) غير مندملةٍ، فيجب ما بينهما. فإن كان سُدسه، وهو مثليٌّ؛ فقيل: يجب سُدس مثله، وقيل: قيمة (٥) سُدس مثله، وقيل: يضمن (٦) كلَّه. فلو كان موحيًا وغاب غير مندمِلٍ؛ فعليه جزاؤه؛ كقتله. وذكر القاضي وأصحابه في كتب الخلاف: إذا جرحه وغاب، وجهل خبره؛ فعليه جزاؤه؛ لأنَّه سبب للموت. (وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ (٧) مَيْتًا، وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ)؛ لما ذكرنا، وقيل: يضمن (٨) كله؛ إحالةً للحكم على السَّبب المعلوم، كما لو وقع في الماء

стр. 2060

نجاسةٌ فوجده متغيِّرًا بها، وهذا أقْيَسُ كنظائره. (وَإِنِ انْدَمَلَ)؛ أَيْ صلح (غَيْرُ مُمْتَنِعٍ؛ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ)؛ لأنَّه عطَّله، فصار كتالِفٍ (١) وكجرح تيقن به موته. وقيل: يضمن ما نقص؛ لئلاَّ يجب جَزَاءان لو قتله محرِمٌ آخَرُ. فلو جرحه جرحًا غير موحٍ فوقع في ماءٍ، أو تردَّى فمات؛ ضمنه كلَّه؛ لتلفه بسببه. وعلم منه: أنَّ الصَّيد يُضمن (٢) بما يُضمن (٣) به الآدميُّ من مباشَرةٍ أو سببٍ. (وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ)، أو شعره، أو وبره، (فَعَادَ)، بأن حفظه وأطعمه وسقاه؛ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ النَّقص زال، أشبه ما لو اندمل الجرح. (وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ)؛ لأنَّ الثَّانِيَ غيرُ الأوَّل، فإن صار غير ممتنعٍ بنتف الريش فهو كالجرح، وإن غاب ففيه ما نقص، لا كل الجزاء. (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا؛ حُكِمَ عَلَيْهِ) بجزائه؛ لأنَّه إتلافٌ، فوجب أن يتعدَّد (٤) عليه الحكم بالضمان بتعدُّد الإتلاف؛ كمال الآدميِّ. والأَوْلَى حملُ كلامه (٥) هنا على ما إذا تعدَّد قتل الصَّيد، وكان الجزاءُ فيه مختلِفًا؛ كالبدَنة والبقرة والكبش؛ لأنَّه لا (٦) يمكن تداخله كالحدود، وصونًا له من التكرار، لأنَّه (٧) سبق ذكر الخلاف فيه.

стр. 2061

فرعٌ: يجوز إخراج جزاء الصَّيد بعد جرحه وقبل موته، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّها كفَّارة قتْلٍ، فجاز تقديمها، ككفَّارة قتل الآدميِّ. (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ؛ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ)، هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّه تعالى أوجب المثل بقتله، فلا يجب غيره، وهو ظاهر في الواحد والجماعة، والقتل هو الفعل المؤدِّي إلى خروج الرُّوح، وهو فعل الجماعة، لا كلِّ واحدٍ، كقوله: من جاء بعبدي فله درهمٌ، فجاء به جماعةٌ، ولأنَّه «﵇ جعل في الضَّبُع كبْشًا» (٢)، ولم يفرِّق، وهذا قول عمر، وابنه، وابن عباس (٣)، ولم يعرف لهم مخالف، ولأنَّه جزاءٌ عن مقتولٍ يختلف

стр. 2062

باختلافه (١)، ويحتمل التَّبعيض، فكان واحدًا كقِيَم المتلفات، وكذا الدِّية، لا كفَّارة القتل على الأصحِّ فيهما، ومتى ثبت اتِّحاد الجزاء في الهدي ثبت في الصَّوم؛ للنَّصِّ. (وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ)، اختاره أبو بكرٍ، أشبه كفارة قتل الآدميِّ. (وَعَنْهُ: إِنْ كَفَّرُوا بِالمَالِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لأنَّ المال ليس بكفَّارةٍ، وإنَّما هو بدلُ مُتْلَفٍ، فلم يكمل؛ كالدية (٢).

стр. 2063

(وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ)، نقلها الجماعةُ (١)، ونصَرها القاضي وأصحابه، وذكرها الحلوانيُّ عن الأكثر؛ لأنَّ الصَّومَ كفَّارةٌ، فوجب أن يكمل في حقِّ الفاعل، ككفَّارة قتل الآدميِّ، بدليل أنَّه تعالى (٢) عطف على البدل الكفَّارة. وقيل: لا جزاء على محرمٍ ممسكٍ مع محرِمٍ قاتلٍ، فيلزم منه عدم لزوم المتسبِّب مع المباشر (٣). وقيل: القرار عليه؛ لأنَّه هو الذي جعل فعل الممسِك علة (٤)، قال في «الفروع»: (وهذا متوجِّهٌ، وجزم به (٥) ابن شهابٍ أنه على الممسك؛ لتأكده، وأن عكسه المال (٦)، وفيه نظرٌ.

стр. 2064

(بَابُ صَيْدِ الحَرَمِ وَنَبَاتِهِ) (وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى (١) الْحَلَالِ وَالمُحْرِمِ)، إجماعًا (٢)، وسنده ما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا أنه قال يوم فتح مكَّة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السَّماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُختَلَى خلاها، ولا يُعضَد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط (٣) لقطتها إلاَّ مَنْ عرَّفها»، فقال العبَّاس: إلاَّ الإذْخِر، فإنَّه لِقَيْنهم وبيوتهم، فقال: «إِلاَّ الإذخر» متَّفقٌ عليه (٤). ويَحرُم على دالٍّ لا يتعلَّق به ضمانٌ. وعلم منه: أنَّ مكة كانت حرمًا قبل إبراهيم، وعليه أكثر العلماء، وقيل: إنِّما حرِّمت بسؤال إبراهيم، وفي «الصَّحيحين» من غير وجْهٍ: «أنَّ إبراهيم حرَّمها» (٥)؛ أي: أظهر تحريمها وبيَّنه. (فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا؛ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه كصيد الإحرام، ولاستوائهما في التَّحريم، فوجب أن يستويا في الجزاء، فعلى هذا: إن كان الصيد مثليًّا؛ ضمنه بمثله، وإلاَّ بقيمته. ودل (٧) على أنَّ كلَّ ما يُضمَنُ في الإحرام؛ يُضمَن في الحرم، إلاَّ القمل،

стр. 2065

فإنَّه مباحٌ في الحرم بغير خلافٍ نعلمه (١)؛ لأنَّه حُرِّم في حقِّ المحرم لأجل الترفه (٢)، وهو مباحٌ في الحرم كالطِّيب ونحوه. ولا يجوز تملُّكه، نقله الأثرم (٣)، ذكره القاضي. ولا يلزم المحرم جزاءان، نَصَّ عليه (٤). وقيل: بلى. فرع: إذا دلَّ مُحِلٌّ حلالاً على صيد في الحرم، فقتله؛ ضَمِنَاه بجزاء (٥) واحدٍ، نقله الأثرم (٦). (وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِي الْحَلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ؛ ضَمِنَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، وهو قول الأكثر؛ لعموم قوله: «لا يُنفَّر صيدُها» (٧)، وقد أجمعوا على تحريم صيد الحرم، وهذا من صيده، ولأنَّه أتلف صيدًا حرميًّا فضمنه، كما لو كان في الحرم، ولأنَّ صيده معصومٌ بمحله (٨) بحرمة الحرم، فلا يختصُّ بمن في الحرم، وحينئذ يضمن الفراخ دون أمِّها؛ لأنِّها من صيد الحِلِّ. والثَّانية: لا ضمان في ذلك؛ لأن الأصل براءة الذِّمة؛ إذ القاتل حلال في الحِلِّ. (وَإِنْ قَتَلَ مِنَ الحَرَمِ (٩) صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ، أَوْ صَيْدًا عَلَى

стр. 2066

غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحَلِّ؛ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ للعموم، ولأنَّ الأصل الإباحة، وليس من صيد الحرم فليس بمعصوم. والثَّانية: يضمنه (١)، اختارها أبو بكرٍ والقاضي وغيرهما؛ اعتبارًا بالقاتل، ولأنه (٢) قريب من (٣) الحرم، والغصن تابعٌ للأصل، فوجب الجزاء احتياطًا. وقدَّم في «المستوعب»: يجب ضمان الفرخ؛ لأنه سبب تلفه. وإن فرَّخ في مكان يحتاج إلى نقله عنه؛ فالخلاف. تنبيهٌ: إذا وقف صيدٌ بعض قوائمه في الحلِّ، وبعضها في الحرم؛ حرم تغليبًا. وعنه: لا؛ لأنَّ الأصل الإباحة، ولم يثبت أنَّه من صيد الحرم. وإن كان رأسه فقط فيه؛ فخرَّجه القاضي على الرَّوايتَين. (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: وهو المنصوص عن أحمد (٤): أنَّه لا يضمن؛ لأنه لم يرسله على صيد في الحرم، بل دخل باختياره، أشبه ما لو استرسل بنفسه. والثَّاني، وهو قول أبي بكر: عليه الجزاء؛ لأنَّه قتل صيدًا حرميًّا بإرسال كلبه عليه، أشبه ما لو قتله بسهمٍ. وحَكَى صالحٌ عن أحمدَ (٥): إن كان الصَّيدُ قريبًا من الحرم ضمنه

стр. 2067

لتفريطه، اختاره ابن أبي موسى وابن عَقيلٍ، وجزم به في «الوجيز». فعلى هذا: لا يضمن صيدًا غيره؛ لأنَّه لم يرسله عليه؛ كاسترساله. وعنه: بلى؛ لتفريطه. (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه قتل صيدًا حرميًّا، أشبه ما لو رمى حجرًا فأصاب صيدًا؛ إذ العمد والخطأ واحدٌ في (١) وجوب الضَّمان، وهذا لا يخرج عن واحد منهما، وبه فارق الكلب؛ لأنَّ له اختيارًا وقصْدًا. وفي «الفروع»: إن قتل السَّهمُ صيدًا غير الذي قصده؛ فكالكلب. وقيل: يضمنه الرَّامي.

стр. 2068

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ) البَرِّيِّ؛ إجْماعًا (١)، وسنده: «ولا يُعضَدُ شجرُها» (٢)، فدخل ما فيه مضرَّةٌ؛ كالشَّوك والعَوْسج، قاله المؤلِّف وغيره. وقال أكثر أصحابنا: لا يحرم؛ لأنه مؤذٍ بطبعه كالسِّباع. (وَحَشِيشِهِ)؛ لقوله: «لا يختلى خلاها» (٣)، قال أحمد للفضل بن زياد (٤): لا يحتش (٥) من حشيش الحرم، ويعُمُّ الأَراك والوَرَق. (إِلاَّ اليَابِسَ)؛ لأنَّه بمنزلة الميت، وفيه احتمالٌ؛ لظاهر الخبر. وكذا ما انكسر، ولم يَبِنْ؛ فإنه كظفر منكسر. ولا بأس بالانتفاع بما زال بغير فعل آدميٍّ، نَصَّ عليه (٦)؛ لأن الخبر في القطع. (وَالإِذْخِرَ)؛ لقوله ﵇ للعبَّاس: «إلاَّ الإذخِر» (٧)، ويلحق به الكمأة والثَّمرة. (وَمَا زَرَعَهُ الآْدَمِيُّ)؛ لأنَّ في تحريمه ضررًا على من زرعه، وهو منفي (٨)

стр. 2069

شرعًا، فيحتمل اختصاصه بالزَّرع، من البقل والرَّياحين والزَّرع. قال (١) ابن المنجَّى: وهو ظاهر كلامه؛ لأنَّه المفهوم من إطلاق الزَّرع، وفيه شيءٌ؛ لأنه يلزم منه المنع فيما أنبته (٢) الآدميُّ من الشَّجر، وهو خلاف الرَّاجح، وهذا إجماع على إباحته. فعلى هذا: لا يباح ما أنبته الآدمي من الأشجار، وجزم ابن البناء في «خصاله» بالجزاء؛ للنهي عن قطع شجرها، وكما لو نبت بنفسه. وقال القاضي: إن أنبته في الحرم أوَّلاً ففيه الجزاء، وإن أنبته في الحلِّ، ثمَّ غرسه في الحرم فلا. وفي «المغني» و «الشَّرح»: (أن ما أنبته من جنس شجرهم لا يحرم؛ كجوز ونخل؛ كالزرع (٣) والأهلي من الحيوان، فإنا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيًّا، دون ما تأنَّس من الوحش، كذا هنا)، وفيه نظرٌ. ويحتمل العموم في كلِّ ما أنبته الآدميُّ، فيعُمُّ الأشجار، وهذا هو (٤) الذي نقله المرُّوذيُّ وأبو طالبٍ وغيرهما (٥)، وجزم به القاضي وأصحابه في كتب الخلاف؛ لأنَّه أنبته آدمي، ولأنه مملوك (٦) الأصل كالأنعام. والجوابُ عن النَّهي: بأنَّ شجر الحرم هو ما أضيف إليه، ولا يملكه أحدٌ، وهذا مضاف إلى مالكه، فلا يعمه الخبر. (وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ)؛ أي: رعي حشيشه؛ (وَجْهَانِ)، وذكر أبو الحسين وجماعةٌ: أنهما روايتان:

стр. 2070

المنْعُ، نصره القاضي وابنه، وجزم به أبو الخطَّاب وابن البنَّاء في كتب الخلاف؛ لأنَّ ما حرم إتلافه بنفسه؛ حرم أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، وعكسه الإذخر. والثَّانية: الجواز، اختاره أبو حفص العكبري؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل سدُّ أفواهها، وللحاجة إليه كالإذخر. وفي تعليق القاضي: الخلاف إن أدخلها للرَّعي، فإن أدخلها لحاجته؛ فلا ضمان. وفي «المستوعب» إن احتشَّه لها فكَرَعْيِه. (وَمَنْ قَلَعَهُ)؛ أي: شجرَ الحرم وحشيشَه؛ (ضَمِنَ)، نقله الجماعةُ (١)، وقاله الأكثر، (الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ: بِبَقَرَةٍ)، جزم به جماعةٌ؛ لما روي عن ابن عبَّاسٍ: «في الدَّوحة: بقرةٌ، وفي الجَزْلَة: شاةٌ» (٢)، وقاله عَطاءٌ (٣)، والدَّوحة: الشَّجرة العظيمة، والجَزْلَة: الصَّغيرة؛ وكالمتوسطة. وعنه: في الكبيرة بدنة. (وَالْحَشِيشَ) والوَرَق؛ (بِقِيمَتِهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ
следующие страницы →