← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحَلِّ؛ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ للعموم، ولأنَّ الأصل الإباحة، وليس من صيد الحرم فليس بمعصوم. والثَّانية: يضمنه (١)، اختارها أبو بكرٍ والقاضي وغيرهما؛ اعتبارًا بالقاتل، ولأنه (٢) قريب من (٣) الحرم، والغصن تابعٌ للأصل، فوجب الجزاء احتياطًا. وقدَّم في «المستوعب»: يجب ضمان الفرخ؛ لأنه سبب تلفه. وإن فرَّخ في مكان يحتاج إلى نقله عنه؛ فالخلاف. تنبيهٌ: إذا وقف صيدٌ بعض قوائمه في الحلِّ، وبعضها في الحرم؛ حرم تغليبًا. وعنه: لا؛ لأنَّ الأصل الإباحة، ولم يثبت أنَّه من صيد الحرم. وإن كان رأسه فقط فيه؛ فخرَّجه القاضي على الرَّوايتَين. (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: وهو المنصوص عن أحمد (٤): أنَّه لا يضمن؛ لأنه لم يرسله على صيد في الحرم، بل دخل باختياره، أشبه ما لو استرسل بنفسه. والثَّاني، وهو قول أبي بكر: عليه الجزاء؛ لأنَّه قتل صيدًا حرميًّا بإرسال كلبه عليه، أشبه ما لو قتله بسهمٍ. وحَكَى صالحٌ عن أحمدَ (٥): إن كان الصَّيدُ قريبًا من الحرم ضمنه

стр. 2067

لتفريطه، اختاره ابن أبي موسى وابن عَقيلٍ، وجزم به في «الوجيز». فعلى هذا: لا يضمن صيدًا غيره؛ لأنَّه لم يرسله عليه؛ كاسترساله. وعنه: بلى؛ لتفريطه. (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه قتل صيدًا حرميًّا، أشبه ما لو رمى حجرًا فأصاب صيدًا؛ إذ العمد والخطأ واحدٌ في (١) وجوب الضَّمان، وهذا لا يخرج عن واحد منهما، وبه فارق الكلب؛ لأنَّ له اختيارًا وقصْدًا. وفي «الفروع»: إن قتل السَّهمُ صيدًا غير الذي قصده؛ فكالكلب. وقيل: يضمنه الرَّامي.

стр. 2068

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ) البَرِّيِّ؛ إجْماعًا (١)، وسنده: «ولا يُعضَدُ شجرُها» (٢)، فدخل ما فيه مضرَّةٌ؛ كالشَّوك والعَوْسج، قاله المؤلِّف وغيره. وقال أكثر أصحابنا: لا يحرم؛ لأنه مؤذٍ بطبعه كالسِّباع. (وَحَشِيشِهِ)؛ لقوله: «لا يختلى خلاها» (٣)، قال أحمد للفضل بن زياد (٤): لا يحتش (٥) من حشيش الحرم، ويعُمُّ الأَراك والوَرَق. (إِلاَّ اليَابِسَ)؛ لأنَّه بمنزلة الميت، وفيه احتمالٌ؛ لظاهر الخبر. وكذا ما انكسر، ولم يَبِنْ؛ فإنه كظفر منكسر. ولا بأس بالانتفاع بما زال بغير فعل آدميٍّ، نَصَّ عليه (٦)؛ لأن الخبر في القطع. (وَالإِذْخِرَ)؛ لقوله ﵇ للعبَّاس: «إلاَّ الإذخِر» (٧)، ويلحق به الكمأة والثَّمرة. (وَمَا زَرَعَهُ الآْدَمِيُّ)؛ لأنَّ في تحريمه ضررًا على من زرعه، وهو منفي (٨)

стр. 2069

شرعًا، فيحتمل اختصاصه بالزَّرع، من البقل والرَّياحين والزَّرع. قال (١) ابن المنجَّى: وهو ظاهر كلامه؛ لأنَّه المفهوم من إطلاق الزَّرع، وفيه شيءٌ؛ لأنه يلزم منه المنع فيما أنبته (٢) الآدميُّ من الشَّجر، وهو خلاف الرَّاجح، وهذا إجماع على إباحته. فعلى هذا: لا يباح ما أنبته الآدمي من الأشجار، وجزم ابن البناء في «خصاله» بالجزاء؛ للنهي عن قطع شجرها، وكما لو نبت بنفسه. وقال القاضي: إن أنبته في الحرم أوَّلاً ففيه الجزاء، وإن أنبته في الحلِّ، ثمَّ غرسه في الحرم فلا. وفي «المغني» و «الشَّرح»: (أن ما أنبته من جنس شجرهم لا يحرم؛ كجوز ونخل؛ كالزرع (٣) والأهلي من الحيوان، فإنا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيًّا، دون ما تأنَّس من الوحش، كذا هنا)، وفيه نظرٌ. ويحتمل العموم في كلِّ ما أنبته الآدميُّ، فيعُمُّ الأشجار، وهذا هو (٤) الذي نقله المرُّوذيُّ وأبو طالبٍ وغيرهما (٥)، وجزم به القاضي وأصحابه في كتب الخلاف؛ لأنَّه أنبته آدمي، ولأنه مملوك (٦) الأصل كالأنعام. والجوابُ عن النَّهي: بأنَّ شجر الحرم هو ما أضيف إليه، ولا يملكه أحدٌ، وهذا مضاف إلى مالكه، فلا يعمه الخبر. (وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ)؛ أي: رعي حشيشه؛ (وَجْهَانِ)، وذكر أبو الحسين وجماعةٌ: أنهما روايتان:

стр. 2070

المنْعُ، نصره القاضي وابنه، وجزم به أبو الخطَّاب وابن البنَّاء في كتب الخلاف؛ لأنَّ ما حرم إتلافه بنفسه؛ حرم أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، وعكسه الإذخر. والثَّانية: الجواز، اختاره أبو حفص العكبري؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل سدُّ أفواهها، وللحاجة إليه كالإذخر. وفي تعليق القاضي: الخلاف إن أدخلها للرَّعي، فإن أدخلها لحاجته؛ فلا ضمان. وفي «المستوعب» إن احتشَّه لها فكَرَعْيِه. (وَمَنْ قَلَعَهُ)؛ أي: شجرَ الحرم وحشيشَه؛ (ضَمِنَ)، نقله الجماعةُ (١)، وقاله الأكثر، (الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ: بِبَقَرَةٍ)، جزم به جماعةٌ؛ لما روي عن ابن عبَّاسٍ: «في الدَّوحة: بقرةٌ، وفي الجَزْلَة: شاةٌ» (٢)، وقاله عَطاءٌ (٣)، والدَّوحة: الشَّجرة العظيمة، والجَزْلَة: الصَّغيرة؛ وكالمتوسطة. وعنه: في الكبيرة بدنة. (وَالْحَشِيشَ) والوَرَق؛ (بِقِيمَتِهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ

стр. 2071

القيمة، تُرك فيما تقدَّم؛ لقضاء الصَّحابة، فيبقى ما عداه على مقتضَى الأصل. (وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ)؛ كأعضاء الحيوان، ولأنَّه نقص بفعله، فوجب فيه ما نقصه، كما لو جنى على مال آدمي فنقص. وعنه: في الغصن الكبير شاةٌ. وعنه: يضمن الجميع بقيمته، جزم به في «المحرر». فعلى هذا: إذا لم يجد المثل قوَّمه، ثمَّ صام، نقله ابن القاسم (١). وفي «الوجيز»: يُخيَّر بينها وبين تقويمها، ويُفعل بثمنها (٢) كجزاء صيد. وفي «الفصول»: من لم يجد؛ قوَّم الجزاء طعامًا؛ كصيدٍ. (فَإِنِ اسْتَخْلَفَ؛ سَقَطَ الضَّمَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هو المذهب، كما لو قطع شعر آدميٍّ، ثمَّ نبت. والثَّاني: لا يسقط؛ لأنَّ الثَّاني غير الأوَّل، فهو كما لو حلق المحرم شعرًا ثمَّ عاد. ولا يجوز الانتفاع بالمقطوع، نَصَّ عليه، كالصَّيد. وقيل: ينتفع به غير قاطعه؛ لأنَّه لا فعل له فيه، فهو كقلع (٣) الرِّيح له. تنبيهٌ: إذا قلع شجرةً من الحرم فغرسها فيه، فنبتت؛ فلا ضمان؛ لأنَّه لم يتلفها، ولم تَزُل حرمتُها، فإن نقصت ضمن نقصَها، أو يبست ضمنها؛ لأنه أتلفها. وإن غرسها في الحل فنبتت (٤) ردَّها؛ لإزالة حرمتها (٥)، فإن تعذَّر أو يبست؛ ضمنها.

стр. 2072

وإن قلعها غيرُه من الحل؛ فقال القاضي: يضمنه وحده؛ لأنه (١) أتلفها، بخلاف من نفَّر صيدًا، فخرج من الحرم؛ ضمنه المنَفِّر لا قاتله؛ لتفويته حرمته بإخراجه. ويحتمل فيمن قلعه: أنه كذاك مع قاتل. فظهر منه: أنه لو ردَّ إلى الحرم لم يضمنه، وأنه يلزمه رده، وإلا ضمنه. (وَمَنْ قَطَعَ (٢) غُصْنًا فِي (٣) الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ؛ ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه تابعٌ لأصله، وكذا لو كان بعض الأصل في الحرم؛ تغليبًا للحُرمة، كالصَّيد. (وَإِنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ وَأَصْلُه فِي الْحِلِّ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ)، اختاره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه تابعٌ لأصله. والثَّاني: يضمنه، اختاره ابن أبي موسى؛ لأنَّه في الحرم. وأطلقهما في «المحرَّر» و «الفروع». فائدةٌ: لم يذكر المؤلِّف حدَّ الحرم، وهو من طريق المدينة: ثلاثة أميالٍ عند بيوت السُّقيا، ومن اليمن: سبعة أميالٍ عند أَضاة لِبْن (٤)، ومن العراق كذلك على ثنية زحل (٥)،

стр. 2073

جبل بالمنقطع (١)، ومن الطائف وعرفات وبطن نمرة كذلك، عند طرف عُرَنَة، ومن الجعرانة: تسعة (٢) أميال، ومن جدة: عشرة أميال، عند منقطع الأعشاش، ومن بطن عُرَنَة: أحد عشر مِيلاً. مسألةٌ: قال أحمدُ (٣): لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٤)، ولا يخرج من حجارة مكَّة إلى الحلِّ، والخروج أشدُّ، واقتصر في «الشَّرح» على الكراهة. وقال بعض أصحابنا: يكره إخراجه إلى الحل، وفي إدخاله في الحرم روايتان. وفي «الفصول»: لا يجوز في تراب الحلِّ والحرم، نَصَّ عليه. وفيها يكرَه أيضًا (٥) في تراب المسجد (٦)؛ كتراب الحرم. وظاهر كلام جماعة: يحرم؛ لأن في تراب المسجد (٧) انتفاعًا بالموقوف

стр. 2074

في غير جهته، ولهذا قال أحمد (١): (فإن أراد أن يستشفي بطيب الكعبة لم يأخذ منه (٢) شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه) (٣). فأمَّا ماء زمزم، فلا يكره إخراجه، قال أحمد: (أخرجه كعبٌ) (٤)، ورُوِي عن عائشة: «أنَّها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أنَّ رسول الله ﷺ كان يحمله» رواه التِّرمذي، وقال: (حسَنٌ غريبٌ) (٥)، ولأنه يُستخلَفُ كالثَّمرة.

стр. 2075

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ) نقله الجماعةُ (١)، (وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا)؛ لما رَوَى أنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المدينةُ حَرَمٌ من كذا إلى كذا، لا يُقطَعُ شجرُها» متَّفقٌ عليه، ولمسلِمٍ: «لا يُختَلى خلاها، فمَن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين» (٢)، وعن سعد (٣) مرفوعًا: «إني أُحرِّم ما بين لابَتَي المدينة أن يُقطَع عِضاهُها، أو يُقتل صيدُها» رواه مسلم (٤). وقال القاضي: تحريم (٥) صيدها يدُلُّ على أنَّه لا يصحُّ ذكاته؛ وإن قلنا: يصح؛ فلعدم تأثير هذه الحرمة (٦) في زوال ملك الصَّيد، نَصَّ عليه (٧)، مع أنَّه ذكر في الصِّحة احتمالَين. (إِلاَّ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ (٨) مِنْ شَجَرِهَا للرَّحْلِ (٩)؛ أي: رحلِ البعير، وهو أصغر من القَتَب، (وَالْعَارِضَةِ)؛ أي: ما يُسقَف به المَحْمِل، (وَالقَائِمَةِ)؛ إحدى (١٠) قائمتي الرَّحل اللَّتين في مقدَّمه ومؤخَّره؛ لقول جابرٍ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لما حرَّم المدينة قالوا: يا رسول الله إنَّا أصحابُ عملٍ وأصحاب نضح، وإنا

стр. 2076

لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّص لنا، فقال: «القائمتان، والوسادة (١)، والعارضة، والمَسَد، فأمَّا غير ذلك فلا يُعضَد» رواه أحمدُ (٢)، المَسَد: هو عُود البَكْرة، فاستثنى الشَّارع ذلك، وجعله مباحًا؛ كاستثناء الإذخر بمكَّة. (وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ)؛ لقوله ﵇: «لا يصلح فيها شجرةٌ، إلاَّ أن يعلف رجلٌ بعيره» رواه أحمد وأبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ من حديث عليٍّ (٣)، ولأنَّ ذلك بقُرْبها، فالمنع (٤) منه ضررٌ، بخلاف مكَّة. (وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا؛ فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لقول أنسٍ: كان النَّبيُّ ﷺ أحسنَ الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير ما فعل النُّغَير»، نُغَر كان يَلعَب به، متَّفقٌ عليه (٦).

стр. 2077

وفي «المستوعب» وغيره: حكم حرم المدينة حكم حرم مكة فيما سبق، إلاَّ في هاتين المسألتين. (وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ المَدِينَةِ)، قال أحمدُ في رواية بكر بن محمَّدٍ: (لم يبلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاءٍ) (١)، وهو قول أكثر العلماء، واختاره جمع؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، أو لا تصلح (٢) لأداء النسك أو لذبح الهدايا، وكسائر المواضع وكصيد وجٍّ وشجره، ولا يلزم من الحرمة الضمان، ولا من عدمها عدمه. (وَعَنْهُ جَزَاؤُهُ (٣): سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ)، نقلها الأثرم والميمونيُّ (٤)، وهي المنصورة عند الأصحاب في كتب الخلاف؛ لما سبق في تحريمها؛ كمكَّة، وعن عامر بن سعد: أنَّ سعدًا ركب إلى قصْره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهلُ العبد، فكلَّموه أن يرُدَّ على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: «معاذَ الله أنْ أَرُدَّ شيئًا نفَّلنيه رسول الله ﷺ »، وأبى أن يرده عليهم، رواه مسلمٌ (٥)، ولأنَّه يَحرُم لحرمة ذلك؛ كحرم مكَّة والإحرام. وسَلَبه: ثيابه، قال جماعة: والسراويل، زاد جماعة: وزينة؛ كمنطقة، وسوار، وخاتم، وآلة اصطيادٍ؛ لأنَّها آلة لفعل (٦) المحظور، وليست الدَّابة منه، بخلاف قاتل الكافر، فإنه يأخذها على الأشهر؛ لئلاَّ يستعين بها على الحرب.

стр. 2078

فعليها: إن لم يسلبه أحد؛ لزمه التَّوبة فقط. (وَحَدُّ حَرَمِهَا): ما بين لابتَيها؛ لما روى أبو هريرةَ مرفوعًا: «ما بين لابتَيها حرامٌ» متَّفقٌ عليه (١)، اللابة: الحَرَّة، وهي أرض بها حجارةٌ سُودٌ، قال أحمد: (ما بين لابتيها حرامٌ، بريدٌ في بريدٍ) (٢)، وكذا فسَّره مالك بن أنس (٣)، وهذا حدُّها من جهتي المشرق (٤) والمغرب، ومن روى: «اللهم إني أُحرِّم ما بين جبليها» (٥)؛ فالمراد به من جهتي الجنوب والشَّمال. والمؤلف نبَّه بقوله (٦): (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ)؛ لما روى علي (٧) أن (٨) النَّبيَّ ﷺ قال: «حرم المدينة ما بين ثَور إلى عَير» متَّفقٌ عليه (٩)، قال عياض: (أكثر رواة (١٠) البخاري ذكروا عَيرًا، فأما ثور فمنهم من كنَّى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا (١١)؛ لأنَّهم اعتقدوا ذكر ثَور خطأ) (١٢)، قال أبو عبيد: (أصل الحديث: «من عَير إلى أُحُدٍ» (١٣).

стр. 2079

وذكر بعضهم: أنَّ الرِّوايةَ صحيحةٌ، وهي محمولةٌ على أنَّه أراد حرم المدينة قدر ما بين ثور وعير من مكة، وليس بظاهرٍ. ومنع مصعب الزبيري (١) وجودهما بالمدينة (٢)، وليس كذلك فإن عَيرًا جبل معروفٌ بها، وكذا ثور، وهو جبل خلف أُحُدٍ، كما أخبر به الثِّقات، يؤيِّده الخبر الصَّحيح. (وَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً حِمًى (٣)، رواه مسلمٌ من حديث أبي هريرة ﵁ (٤). تَذْنِيبٌ: مكَّةُ أفضلُ من المدينة، نصره القاضي وأصحابه؛ لما روى الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله (٥) بن عدي بن الحمراء (٦): أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول في سوق مكة: «وَالله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه (٧)، ولمضاعفة الصَّلاة.

стр. 2080

وعنه: المدينة أفضلُ، اختاره ابن حامدٍ وغيره، قال في رواية أبي داود: وسئل عن المقام بمكَّة أحبُّ إليك أم المدينة (١)؟ فقال: (بالمدينة لمن قَوِيَ عليه؛ لأنَّها مهاجَرُ المسلمين) (٢). وعن رافع مرفوعًا: «المدينةُ خيرٌ من مكَّةَ» (٣). ورُدَّ: بأنَّه لا يُعرَف. وحمله القاضي على وقتِ كونِ مكةَ دارَ حرب، أو على الوقت الذي كان فيها والشَّرع يؤخذ منه. وكذا لا يُعرف: «اللهم إنهم (٤) أخرجوني من أحب البقاع إليَّ، فأسكني في أحبِّ البقاع إليك» (٥). قال القاضي: بعد مكَّةَ. وما روي فهو دالٌّ على فضيلتها (٦) لا أفضليتها، وكونه ﵇ خلِقَ منها، وهو خير البشر، فتربته خير التُّرب.

стр. 2081

وأجاب القاضي: بأن (١) فضل الخلقة لا يدلُّ على فضل التُّربة؛ لأنَّ أحد الخلفاء الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل أن تربته أفضل. قال ابن عقيل: الكعبة أفضل من الحجرة، فأما وهو فيها؛ فلا والله، ولا العرش وحملته والجنة؛ لأنَّ بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح (٢). وجزم بعض أصحابنا: بأن (٣) مكَّة أفضل، والمجاورة بالمدينة أفضلُ. وتضاعف الحسنات والسيئات بمكان أو زمان فاضل، ذكره جماعة. وذكر الآجُرِّيُّ أنَّ الحسناتِ تضاعف، ولم يذكر السَّيئات.

стр. 2082

(بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ) وهي علَمٌ على جميع البلدة المعظَّمة المحجوجة، غير منصرفة. وسُمِّيت به؛ لقلَّة مائها. وقيل: لأنها تمُكُّ من ظلَم فيها؛ أي: تهلكه. ويزاد فيها بكة في قول الضَّحاك، وقيل: بالباء اسم لبقعة البيت، وبالميم: ما حوله، وقيل: اسم للمسجد والبيت، ومكَّة للحرم كله، ولها أسماء. (يُسْتَحَبُّ) للمحرِم (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا، مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ)؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل مكة من الثَّنية العُليا التي بالبطحاء، وخرج من الثَّنية السُّفلى»، وعن عائشةَ نحوُه، متَّفقٌ عليهما (١). وظاهره: ليلاً أو نهارًا، واقتصر عليه في «الشَّرح»؛ لأنَّه «﵇ دخلها ليلاً ونهارًا» أخرجه النسائي (٢). وقدم في «الفروع»: نهارًا، وإنَّما كرهه من السُّرَّاقِ. ولم يتعرَّض لخروجه منها، ويستحبُّ من الثَّنية السُّفلى كُدًى، بضم

стр. 2083

الكاف، وتنوين الدال، والأول بفتح الكاف والدال (١)، ممدودٌ مهموزٌ، منصرِفٌ وغير منصرف. والثَّنية في الأصل: الطَّريق بين الجبلين. (ثُمَّ يَدْخُلُ المَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لما روى جابر (٢): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل مكَّة ارتفاع الضُّحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثمَّ دخل» رواه مسلمٌ (٣). ويقول حين دخوله (٤): «باسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللَّهم افتح لي أبوابَ فضلك»، ذكره في «أسباب الهداية». (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ)، نَصَّ عليه (٥)، وهو قول الأكثر؛ لما روى الشَّافعيُّ عن ابن جريج: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه» (٦)، وما

стр. 2084

روي عن جابر لا يمنع منه. (وَكَبَّرَ)، وذكره في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّه رُوِيَ عنه ﵇ أنَّه فعله (١)، ولم يذكره آخرون، وحكاه في «الفروع» قولاً؛ كالتهليل. (وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ)؛ لأنَّ «عمرَ كان يقول ذلك» رواه الشَّافعيُّ (٢). ومعنى السَّلام الأوَّل: اسم الله تعالى، والثَّاني: مَنْ أكرمته (٣) بالسَّلام فقد

стр. 2085

سلم، والثالث: سلِّمنا بتحيتك إيَّانا من جميع الآفات، ذكره الأزهريُّ (١). (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا)؛ أي: تبجيلاً، (وَتَشْرِيفًا)؛ أي: رِفْعةً وإعلاء (٢)، (وَتَكْرِيمًا)، أي: تفضيلاً، (وَمَهَابَةً)؛ أي: توقيرًا وإجْلالاً، (وَبِرًّا) بكسْر الباء، وهو اسمٌ جامِعٌ للخيرِ، (وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ (٣) مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ (٤) تَعْظِيمًا، وَتَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَبِرًّا)، رواه الشَّافعيُّ بإسناده عن ابن جريجٍ (٥). (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كثيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعزِّ جَلَالِه، وَالْحَمْدُ للهِ الذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلاً، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ)؛ سُمِّيَ به؛ لأنَّ حرمته انتشَرت، وأريد بتحريم البيت: سائر الحرم، قاله العلماءُ، (وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)، ذكره الأثرمُ وإبراهيم الحربيُّ. وفي «المحرر» و «الوجيز» ك «المقنع». وفي «الفروع»: (ودعا)، قال: (ومنه: … )، ولم يذكر (٦) الأخير، ومهما زاد من الدُّعاء فحسَنٌ. (يَرْفُعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز» وغيرهما؛ لأنَّه ذِكْرٌ

стр. 2086

مشروعٌ، فاستُحِبَّ رفعُ الصَّوت به كالتَّلبية، وحكاه في «الفروع» قولاً. (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) بالطَّواف؛ لقول عائشةَ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ حين قدم مكَّة توضَّأ، ثمَّ طاف بالبيت» متَّفقٌ عليه (١)، ولحديث جابرٍ، رواه مسلمٌ (٢)، وهو قول أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وغيرهم، ولأنه (٣) تحيته، فاستحبَّ؛ كتحيَّة غيره بالرَّكعتين. ومحله: ما لم يذكر صلاةَ فرضٍ أو فائتة، أو تقام المكتوبة، فإنَّه يقدِّمها عليه، وكذا إن خاف فوت ركعتي الفجر أو الوتر، أو حضرت جنازةٌ. (بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا)؛ لأنَّ الذين أمرهم ﵇ بفسخ نسكهم إليها أمرهم أن يطوفوا للعمرة (٤)، بدليل أنَّه أمرهم بالحلِّ، ولم يحتج إلى طواف قدوم؛ لأنَّ المقصود التَّحيَّةُ، وقد حصلت بفعله. (أَوْ طَوَافِ الْقُدُومِ)، ويسمَّى الورود، (إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا)؛ لفعل الصَّحابة الذين كانوا كذلك. لكن ذكر في «الفصول» و «التَّرغيب» و «المستوعب»: أنَّ ذلك بعد تحيَّة المسجد.

стр. 2087

والمذهب ما ذكره (١) المؤلِّف، نقل حنبلٌ (٢): نرى لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة، والطواف أفضل من الصلاة، وهي بعده، وقال ابن عبَّاسٍ وعَطاءٌ: «الطَّواف لأهل العراق، والصَّلاة لأهل مكَّةَ» (٣)، وذكره القرافي اتِّفاقًا (٤). بخلاف السَّلام على النَّبيِّ ﷺ ؛ لتقديم حقِّ الله على حقِّ الأنبياء، وهو ظاهر كلام أصحابنا. (وَيَضْطَبِعُ (٥) بِرِدَائِهِ) في جميع طوافه، نَصَّ عليه (٦)؛ لما رَوَى يعلى بن أميَّة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طاف مضْطَبِعًا» رواه أبو داود وابن ماجه (٧)، وهو قول عمر (٨) وكثيرٍ من العلماء.

стр. 2088

وفي «التَّرغيب» رواية: في رمله. (فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ)؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعْرَانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرْدِيَتهم تحت آباطهم، ثمَّ قذفوها على عواتقهم اليسْرى» رواه أبو داود (١). فإذا فرغ منه؛ سوَّى رداءه؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة، وقال الأثرم: يزيله إذا فرغ من الرمل. (ثُمَّ يَبْتَدِئُ)؛ أي: بالطَّواف (مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ)؛ لأنَّه ﵇ بدأ به (٢)، (فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ)؛ ليستوعِب جميع البيت بالطَّواف، فظاهره (٣): أنَّه إذا حاذاه ببعضه أنه (٤) لا يجزئه؛ لأنَّ ما لزم استقباله؛ لزمه (٥) بجميع البدن (٦) كالقبلة. واختار جماعة: الإجزاء؛ لأنه حكم متعلق (٧) بالبدن؛ فأجزأ بعضه كالحدِّ.

стр. 2089

فعلى الأوَّل: لا يحتسب له بذلك الشوط، ويصير الثَّاني أوَّله. (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ)؛ أي: يمسحه بيده اليمنى؛ لأنَّ الاستلام افتعال من السَّلام، وهو التحيَّة، ولذلك (١) تسميه أهل اليمن: المحيا (٢)؛ لأنَّ النَّاس يحيونه (٣). (وَيُقَبِّلُهُ)؛ لما رَوَى عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، فقال: «يا عمر ههنا (٤) تُسْكَبُ العبرات» رواه ابن ماجه (٥)، وفي «الصَّحيحين»: أنَّ أسلم قال: رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر، وقال: «إني لأعلم أنَّك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك» (٦)، نقل الأثرم: يسجد عليه (٧)، وفعله (٨) ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٩).

стр. 2090

(وَإِنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ)؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استلمه وقبَّل يده» رواه مسلم (١). ونقل ابن منصور: (لا بأس بتقبيل اليد) (٢)، فظاهره: لا يستحب، قاله القاضي.

стр. 2091

وفي «الروضة»: هل له أن يقبل يده؟ فيه اختلاف بين أصحابنا. (وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ إِلَيْهِ)؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ (١) طاف على بعيره، فلما أتى الرُّكن أشار إليه وكبَّر» رواه البخاريُّ (٢). والإشارة أعمُّ أن تكون (٣) باليد أو غيرها. وظاهره: استواء الأحوال الثلاثة، وليس كذلك، بل المستحبُّ أوَّلاً تقبيله (٤)، فإن شقَّ استلمه بشَيءٍ وقبَّله، فإن لم يمكنه؛ أشار إليه. وجزم به في «الوجيز» و «المغني» و «الشَّرح»، وزاد: مع استقباله بوجهه، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (هو السُّنَّة) (٥). ويكبِّر ويهلِّل، قطع به الأكثر، وقد روى أحمد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعمر: «إنَّك رجلٌ قويٌّ، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضَّعيف، إن وجدت خلوةً فاستلمه، وإلاَّ فاستقبله وهلِّل وكبِّر» (٦). وظاهره: أنه لا يستقبله بوجهه، وهو كذلك في وجهٍ. فائدةٌ: قول الخِرَقِيِّ: (ثمَّ أتى الحجر الأسود إن كان)؛ لأنَّ في زمنه أخذته (٧) القرامطة، واستمر بأيديهم مدَّة، ثمَّ فتح الله بعوده، فلو قُدِّر -

стр. 2092

والعياذ بالله- عدمه في محلِّه؛ وقف مقابلاً لمكانه، واستلم الرُّكن، قال الأصحاب: لا ينتقل النُّسك معه، كآي القُرآن (١). (وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وتصديقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ (٢)، كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ (٣)؛ لحديث عبد الله بن السَّائب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه» (٤). (ثُمَّ يَأْخُذُ (٥) عَلَى (٦) يَمِينِهِ، ويَجْعَلُ (٧) الْبَيْتَ عَلَى (٨) يَسَارِهِ)؛ لأنَّه ﵇

стр. 2093

طاف كذلك، وقال: «خُذوا عنِّي مناسكَكم» (١)، ويُقرِّب جانبه الأيسر إليه، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (لأنَّ الحركة الدَّورية تعتمد (٢) فيها اليمنى على اليسرى، فلمَّا كان الإكرام في ذلك للخارج؛ جعل لليمنى) (٣)، فأول (٤) ركن يمر به يسمى: الشَّامي والعراقيَّ، وهو جهة الشَّام، ثمَّ يليه الرُّكن الغربيُّ والشَّاميُّ، وهو جهة المغرب (٥)، ثمَّ اليمانيْ جهة اليمن، وهو آخر ما يمر (٦) عليه من الأركان؛ لأنَّه يبتدئ بالركن (٧) الذي فيه الحجر الأسود، وهو قبلة أهل خراسان. (فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيْ؛ اسْتَلَمَهُ)، نَصَّ عليه (٨)؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يستلم إلاَّ الحجر والرُّكن اليمانيْ»، قال ابن عمر: «ما تركت استلامهما منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدَّةٍ ولا رخاءٍ» رواه مسلمٌ (٩)، ولأنَّه مبنيٌّ على قواعد إبراهيم، فسُنَّ استلامه؛ كالرُّكن الأسود. (وَقَبَّلَ يَدَهُ)، ذكره في «المحرَّر» و «الفروع» قولاً؛ كما يفعل في الحجر الأسود. وظاهره: أنَّه لا يقبِّله، وجزم (١٠) الخِرَقيُّ وصاحب «الإرشاد» بخلافه؛ لما روى مجاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ إذا استلمه قبَّله،

стр. 2094

ووضع خدَّه الأيمن عليه» (١)، قال ابن عبد البَرِّ: (هذا لا يُعرف، وإنَّما التَّقبيل في الحجر الأسود) (٢). وظاهره: أنه لا [يستلم] (٣) الركنين الآخرين (٤)، نص عليه (٥)، لأنَّهما لم يُتَمَّا على قواعد إبراهيم. (وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَوَلِ مِنْهَا)، لا نعلم خلافًا في سنِّيَّته (٦)؛ «لأنَّه ﵇ طاف سبْعًا، رمل ثلاثة أشواطٍ، ومشى أربعًا»، رواه جابر وابنا (٧) عباس وعمر (٨)، متَّفق عليها (٩)، وهذا كان لسببٍ (١٠) زال، وبقي المسبَّب. ويكون الرمَل من الحجر إلى الحجر في قول الأكثر. (وَهُوَ إِسْرَاعُ المَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا)؛ لأنَّ ذلك ليس

стр. 2095

بمشْيٍ، فإذا فعله لم [يكن] (١) آتيًا بالرَّمَل المشْروع، فإن تمكَّن منه في حاشية النَّاس للازدحام؛ كان أَوْلَى من الدُّنو من (٢) البيت، وإن كان لا يتمكَّن منه أو يختلط بالنساء؛ فالدنو أولى من التأخير. وفي «الفصول»: لا ينتظر للرَّمَل؛ كما لا يترك الصَّف الأوَّل؛ لتعذُّر التَّجافي في الصَّلاة. وبالجملة: يطوف كيفما أمكنه، ما لم يخرج من المسجد، وسواءٌ حال بينه وبين البيت قبَّة أو غيرها. فإن ترك الرَّمَل؛ لم يقضه، ولا بعضَه في غيرها، بل إن تركه في شوطٍ أتى به في الاثنين الباقيين، وفي اثنين أتى به في الثَّالث؛ لأنَّه هيئةٌ فات محلُّها، فسقط؛ كالجهر في الصَّلاة. (وَيَمْشِي أَرْبَعًا)؛ لما سبق (٣)، (وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ)، ونَصَّ عليه في «المحرَّر» في رمله: كبَّر (٤)، وذكر جماعةٌ: وهلل (٥)، ونقل الأثرم: ورفع يديه، (وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ؛ اسْتَلَمَهُمَا)؛ لما روى ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يستلم الرُّكن اليمانيَ والحجر في كل طوفة (٦)» رواه أبو داود، وقال نافعٌ: كان ابن عمر يفعله (٧).

стр. 2096

(أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا)؛ لقول ابن عبَّاسٍ المتقدِّم (١)، وظاهره: أنَّه يخيَّر (٢) بينهما، والمذهب: أنَّه إذا شقَّ عليه استلامهما أشار إليهما، صرح به في «الشَّرح» وغيره. (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الأسودَ: (لا إله إلا الله والله أكبر)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ (٣)، ولقوله في حديث عمر: «وإلا فاستقبِل وهلِّلْ وكبِّرْ» (٤). (وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ)؛ أي: اليمانيْ والأسود: (﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البَقَرَة: ٢٠١])؛ لما رَوَى عبد الله بن السَّائب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول ذلك» رواه أحمد (٥)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ الله وكَّل بالرُّكن اليمانيْ سبعين ألف ملكٍ، فمن قال: اللهم إنِّي أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ قالوا: آمين» (٦). (وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا

стр. 2097

مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ)؛ لأنَّه لائِقٌ بالمحلِّ، فاستُحب ذكره؛ كسائر الأدعية اللائقة بمحالِّها المنصوص (١) عليها. وفي «الفروع» (٢): (ربِّ اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وذكر أحمد: أنَّه يقوله في سعيه). وظاهره: أنَّه لا يرفع يديه، خلافًا «للمستوعب» وغيره. وفيه: يقف في كل طوفة عند الميزاب، والملتزم، وكل ركنٍ. (وَيَدْعُو بَمَا (٣) أَحَبَّ) من الحوائج؛ لأنَّه موضعٌ يُستجاب فيه الدُّعاء، وعن عبد الرحمن بن عوف أنَّه كان يقول (٤): «ربِّ قِني شُحَّ نفسي» (٥). وظاهره: أنَّه لا يقرأ، وهو رواية؛ كتغليطه (٦) المصلِّين، والمذهب: له القراءة، فتستحب (٧)، قاله الآجُرِّيُّ، وسوَّى بينهما في رواية (٨) أبي داود (٩)، واستحبها (١٠) الشَّيخ تقيُّ الدِّين

стр. 2098

بلا جهرٍ (١)، قال القاضي وغيره: لأنَّه (٢) صلاة، وفيها قراءة ودعاء، فيجب كونها مثلها. (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا (٣) أَهْلِ مَكَّةَ)، ولا حاملِ معذورٍ، نَصَّ عليه (٤)، (رَمَلٌ، وَلَا اضْطِبَاعٌ)؛ حكاه ابن المنذر إجماعًا في النساء (٥)؛ لأنَّ ذلك شُرِعَ (٦) لإظهار الجلد، وليس مطلوبًا منهن، بل إنما يقصد فيهنَّ السَّتر. وكذا أهل مكة لا رمل عليهم في قول الأكثر؛ لأن إظهار الجلد (٧) معدوم (٨) في حقِّهم، وحكم من أحرم منها حكم أهلها، ولو كان متمتعًا، ولو عبر بقوله: (ولا محرم من مكة)؛ لعمَّ، ولأنَّ من لا يشرع له الرمل؛ لا يشرع له الاضطباع. وكذا إن طاف راكبًا أو محمولاً لعذرٍ، فلا رمل فيه، وذكر الآجُرِّيُّ: يرمل بالمحمول. (وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ)؛ لأنَّه ﵇ وأصحابه إنما فعلوا ذلك في الطَّواف الأوَّل. وذكر القاضي وصاحب «التلخيص»: إذا تركهما فيه، أو لم يسع عقب طواف القدوم؛ أتى بهما في طواف الزِّيارة أو غيره. وذكر ابن الزَّاغوني: أنَّ الرَّمَل والاضطباع في طواف الزِّيارة، ونفاهما في

стр. 2099

طواف الوداع. (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولاً؛ أَجْزَأَهُ (١)، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ)، أمَّا مع العذر؛ فيجزئ بغير خلاف (٢)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «طاف النَّبيُّ ﷺ على بعير [يستلم] (٣) الرُكن بمِحجَنٍ» (٤) وعن أمِّ سلمة قالت: شكوت إلى النَّبيِّ ﷺ أنِّي أشتكي، قال: «طوفي من وراء النَّاس وأنت راكبةٌ» متَّفقٌ عليه (٥). وإن كان لغير عذرٍ؛ أجزأ في رواية قدَّمها المؤلف، وجزم بها ابن حامد وأبو بكر في الرَّاكب؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا، ولطوافه ﵇ راكبًا، لكن شرط (٦) صحَّته في المحمول نيَّتُه (٧). وعُلِم منه: أنَّ الطَّواف راجلاً أفضل بغير خلاف (٨). والثَّانية: عدم الإجزاء، وهي الأشهر، واختارها القاضي أخيرًا، والشَّريف؛ لأنَّه ﵇ شبَّه الطَّواف بالصَّلاة، وهي لا تفعل كذلك إلاَّ لعذرٍ، فكذا هو. وأجابوا عن فعله ﵇: بأنَّه كان لعذرٍ، كما هو مصرَّح به في رواية أبي داود (٩)،

стр. 2100

أو ليراه (١) الناس، قاله أحمد (٢)، أو ليُشرِف ليسألوه، فإن الناس غَشُوهُ. وأخذ جماعة: أنه لا بأس للإمام الأعظم؛ ليُرِيَ الجهَّال. وعنه: يجبره بدم، حكاها المؤلف، قال الزركشي: ولم أرها لغيره. (وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ)؛ لأنَّ الطَّواف عبادةٌ، أدَّى به فرض غيره، فلم يقع عن فرضه، كالصَّلاة، ولأنَّ الحامل آلة للمحمول، فكان كالراكب، بخلاف حمله بعرفة؛ لأنَّ المقصود الكون فيها، وهو حاصل لهما. وله أحوال: منها: أن ينويا جميعًا عن المحمول، أو ينوي هو دون الحامل، فيجزئ عن المحمول لا الحامل بغير خلاف (٣). ومنها: أن ينويا جميعًا عن الحامل، أو ينوي هو فقط؛ فيصح له وحده. ومنها: أن ينوي كل واحدٍ عن نفسه؛ فيصحُّ للمحمول دون حامله؛ جعْلاً له كالآلة. وحسَّن المؤلِّف صحَّتَه لهما؛ لأنَّ كلًّا منهما طائفٌ بنيَّةٍ صحيحةٍ، كالحمل بعرفات. وذكر ابن الزاغوني ذلك احتمالاً، وفي «الفروع» قولاً. وقال (٤) أبو حفص: لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأنه لا أولوية، والفعل

стр. 2101

الواحد لا يقع عن اثنين. ومنها: لم ينو واحدٌ منهما، أو نوى كل واحد صاحبه؛ فلا يصحُّ لواحدٍ منهما. مسألةٌ: إذا سعى راكبًا أو محمولاً؛ أجزأه، جزم به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ المعنى الذي منع الطواف غير موجودٍ. وقال أحمد في رواية: لا بأس به على الدَّواب لضرورة (١). وظاهر كلام أحمد، واختاره الخِرَقيُّ، وصاحب «التَّلخيص»: حكمه كالطَّواف. (وَإِنْ طَافَ مُنَكّسًا)، يجوز فيه كسر الكاف وفتحها، فعليه يكون (٢) صفة لمصدر محذوف؛ أي: طاف طوافًا منكَّسًا، وعلى الأوَّل يكون حالاً من فاعل «طاف»، والمراد به: جعل البيت على يمينه، (أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ)، وهو مكانٌ معروفٌ إلى جانب البيت، وهو بكسر الحاء وسكون الجيم لا غيرُ، (أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ)، هو (٣) القدر الخارج عن عرض الجدار مرتفعًا عن الأرض قدر ثُلُثيْ ذراعٍ، (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ وَإِنْ قَلَّ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ). أمَّا أوَّلاً؛ فلأنَّ فعله ﵇ وقع بيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحَجّ: ٢٩]، ومثله يتعيَّن، ولقوله (٤): «خذوا عني مناسككم» (٥)، ولأنَّه عبادةٌ تتعلَّق بالبيت، فكان واجبًا كالصَّلاة.

стр. 2102

وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّ ذلك من البيت؛ لقول عائشة: إنِّي نذرت أن أصليَ في البيت، قال: «صلِّي في الحجر، فإنَّ الحجر من البيت» رواه التِّرمذيُّ وصحَّحه (١)، فإذا لم يطُفْ به لم يطُف بكل البيت، والحال (٢) أنَّ الطَّواف بجميعه واجبٌ لنص القرآن، وطاف ﵇ بجميعه، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: الشَّاذروان ليس هو منه، وإنما جعل عمادًا للبيت (٤). وأمَّا ثالثًا؛ فلأنه (٥) لم يأت بالعدد المعتبر المستفاد من فعله ﵇. وأمَّا رابعًا؛ فلقوله: «إنَّما الأعمال بالنيَّات» (٦)، ولا عمل إلاَّ بنيَّةٍ، والطَّواف بالبيت صلاةٌ، ولأنَّه عبادةٌ محْضةٌ تتعلَّق بالبيت، فاشترط له النِّية كالصَّلاة. وقوَّة كلامه: أنه إذا طاف في المسجد من وراء حائل؛ أنَّه يصحُّ، وصرح (٧) بعضهم بخلافه.

стр. 2103

وإن طاف على سطحه؛ توجَّه الإجزاء؛ كصلاته إليها، وكذا إن قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنيَّةٍ حقيقيةٍ (١) لا حكميَّة. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال: كعاطس قصد بحمده قراءة، وفي الإجزاء عن فرض القراءة وجهان. (وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا، أَوْ نَجِسًا، أَوْ عُرْيَانًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) في (٢) ظاهر المذهب؛ لما تقدَّم، ولقوله ﵇ لأبي بكرٍ حين بعثه في الحجَّة التي أَمَّره فيها: «ولا يطوف بالبيت عُريانٌ» (٣)، ولأنَّها عبادةٌ تتعلَّق بالبيت، فكانت الطَّهارة والسُّترة شرطًا فيها كالصَّلاة، بخلاف الوقوف. قال القاضي وغيره: الطواف (٤) كالصلاة في جميع الأحكام (٥)، إلا في إباحة النُّطق. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ)؛ لأنَّ الطَّوافَ عبادةٌ لا يشترط فيها الاستقبال، فلم يشترط فيها ذلك كالسَّعي، (وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ)؛ لأنَّه إذا لم يكن شرطًا فهو واجبٌ، وتركه يوجبه (٦). وظاهره: سواء أمكنه الطَّواف بعد طوافه على الصِّفة المتقدِّمة أم لا. وعنه: إن لم يكن بمكَّة. وعنه: يصحُّ من ناسٍ ومعذور فقط. وعنه: ويجبره بدمٍ.

стр. 2104

وظاهره: صحته من حائض بدم، وهو ظاهر كلام جماعة (١)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)، وأنَّه لا دم لعذر. ويلزم الناس (٣) في الأصحِّ انتظارها لأجله إن أمكن. فرعٌ: إذا طاف فيما لا يجوز (٤) لبسه؛ صحَّ وفدَى، ذكره الآجُرِّيُّ. (وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ، أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ؛ ابْتَدَأَ (٥). أمَّا أوَّلاً؛ فلأنَّ الطَّهارة شرطٌ، فأبطله الحدث كالصَّلاة، وهذا ظاهر في العمد، فإن سبقه الحدث؛ تطهَّر (٦) وابتدأ في رواية، وجزم بها المؤلِّف وغيره، وفيه روايات الصلاة، ذكره ابن عقيل، ومحلُّه -كما صرَّح به الخِرَقيُّ وصاحب «الشَّرح» -: في طواف الفرض، فأمَّا النفل فلا تجب إعادته كالصَّلاة. وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّه ﵇ والى بين طوافه، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٧)، فعُلم أنَّ الموالاة شرطٌ فيه، فمتى قطعه بفصلٍ طويلٍ؛ ابتدأه، سواء كان عمدًا أوْ سهوًا، مثل أن يترك شوطًا منه يظن أنَّه قد أتم، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف؛ كالحرز والقبض. (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا)؛ بنى؛ لأنَّه يُتَسامَح بمثله؛ لما في الاتصال من المشقَّة، فعفي عنه. (أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أَوْ حَضَرَتْ جَنَازَةٌ؛ صَلَّى) في قول أكثر العلماء؛

стр. 2105

لعموم قوله: «إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاةَ إلاَّ المكتوبة» (١)، والطَّواف صلاة (٢)، ورُوِيَ عن ابن عمر (٣) وسالمٍ وعطاءٍ، ولم يُعرَف لهم مخالِفٌ في عصرهم، ولأنَّ الجنازةَ صلاةٌ تفوت بالتَّشاغُل بالطَّواف، وهي أولى من قطعه لها بالمكتوبة؛ لعدم فواتها به. (وَبَنَى)، قال ابن المنذر: (لا نعلم أحدًا خالف فيه إلاَّ الحسن، فإنه قال: يستأنِف) (٤)، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ هذا فعلٌ مشروعٌ، فلم يقطعه كاليسير، فعلى هذا يكون ابتداؤه من الحَجَر، قاله أحمد (٥). (وَيَتَخَرَّجُ: أَنَّ المُوَالَاةَ سُنَّةٌ)؛ لأنَّ الحسنَ غُشِيَ عليه، فلمَّا أفاق أتمَّه (٦). وعن أحمد: ليس بشَرطٍ مع العذر، وهو ظاهرٌ.
следующие страницы →