← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الواحد لا يقع عن اثنين. ومنها: لم ينو واحدٌ منهما، أو نوى كل واحد صاحبه؛ فلا يصحُّ لواحدٍ منهما. مسألةٌ: إذا سعى راكبًا أو محمولاً؛ أجزأه، جزم به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ المعنى الذي منع الطواف غير موجودٍ. وقال أحمد في رواية: لا بأس به على الدَّواب لضرورة (١). وظاهر كلام أحمد، واختاره الخِرَقيُّ، وصاحب «التَّلخيص»: حكمه كالطَّواف. (وَإِنْ طَافَ مُنَكّسًا)، يجوز فيه كسر الكاف وفتحها، فعليه يكون (٢) صفة لمصدر محذوف؛ أي: طاف طوافًا منكَّسًا، وعلى الأوَّل يكون حالاً من فاعل «طاف»، والمراد به: جعل البيت على يمينه، (أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ)، وهو مكانٌ معروفٌ إلى جانب البيت، وهو بكسر الحاء وسكون الجيم لا غيرُ، (أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ)، هو (٣) القدر الخارج عن عرض الجدار مرتفعًا عن الأرض قدر ثُلُثيْ ذراعٍ، (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ وَإِنْ قَلَّ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ). أمَّا أوَّلاً؛ فلأنَّ فعله ﵇ وقع بيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحَجّ: ٢٩]، ومثله يتعيَّن، ولقوله (٤): «خذوا عني مناسككم» (٥)، ولأنَّه عبادةٌ تتعلَّق بالبيت، فكان واجبًا كالصَّلاة.

стр. 2102

وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّ ذلك من البيت؛ لقول عائشة: إنِّي نذرت أن أصليَ في البيت، قال: «صلِّي في الحجر، فإنَّ الحجر من البيت» رواه التِّرمذيُّ وصحَّحه (١)، فإذا لم يطُفْ به لم يطُف بكل البيت، والحال (٢) أنَّ الطَّواف بجميعه واجبٌ لنص القرآن، وطاف ﵇ بجميعه، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: الشَّاذروان ليس هو منه، وإنما جعل عمادًا للبيت (٤). وأمَّا ثالثًا؛ فلأنه (٥) لم يأت بالعدد المعتبر المستفاد من فعله ﵇. وأمَّا رابعًا؛ فلقوله: «إنَّما الأعمال بالنيَّات» (٦)، ولا عمل إلاَّ بنيَّةٍ، والطَّواف بالبيت صلاةٌ، ولأنَّه عبادةٌ محْضةٌ تتعلَّق بالبيت، فاشترط له النِّية كالصَّلاة. وقوَّة كلامه: أنه إذا طاف في المسجد من وراء حائل؛ أنَّه يصحُّ، وصرح (٧) بعضهم بخلافه.

стр. 2103

وإن طاف على سطحه؛ توجَّه الإجزاء؛ كصلاته إليها، وكذا إن قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنيَّةٍ حقيقيةٍ (١) لا حكميَّة. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال: كعاطس قصد بحمده قراءة، وفي الإجزاء عن فرض القراءة وجهان. (وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا، أَوْ نَجِسًا، أَوْ عُرْيَانًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) في (٢) ظاهر المذهب؛ لما تقدَّم، ولقوله ﵇ لأبي بكرٍ حين بعثه في الحجَّة التي أَمَّره فيها: «ولا يطوف بالبيت عُريانٌ» (٣)، ولأنَّها عبادةٌ تتعلَّق بالبيت، فكانت الطَّهارة والسُّترة شرطًا فيها كالصَّلاة، بخلاف الوقوف. قال القاضي وغيره: الطواف (٤) كالصلاة في جميع الأحكام (٥)، إلا في إباحة النُّطق. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ)؛ لأنَّ الطَّوافَ عبادةٌ لا يشترط فيها الاستقبال، فلم يشترط فيها ذلك كالسَّعي، (وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ)؛ لأنَّه إذا لم يكن شرطًا فهو واجبٌ، وتركه يوجبه (٦). وظاهره: سواء أمكنه الطَّواف بعد طوافه على الصِّفة المتقدِّمة أم لا. وعنه: إن لم يكن بمكَّة. وعنه: يصحُّ من ناسٍ ومعذور فقط. وعنه: ويجبره بدمٍ.

стр. 2104

وظاهره: صحته من حائض بدم، وهو ظاهر كلام جماعة (١)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)، وأنَّه لا دم لعذر. ويلزم الناس (٣) في الأصحِّ انتظارها لأجله إن أمكن. فرعٌ: إذا طاف فيما لا يجوز (٤) لبسه؛ صحَّ وفدَى، ذكره الآجُرِّيُّ. (وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ، أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ؛ ابْتَدَأَ (٥). أمَّا أوَّلاً؛ فلأنَّ الطَّهارة شرطٌ، فأبطله الحدث كالصَّلاة، وهذا ظاهر في العمد، فإن سبقه الحدث؛ تطهَّر (٦) وابتدأ في رواية، وجزم بها المؤلِّف وغيره، وفيه روايات الصلاة، ذكره ابن عقيل، ومحلُّه -كما صرَّح به الخِرَقيُّ وصاحب «الشَّرح» -: في طواف الفرض، فأمَّا النفل فلا تجب إعادته كالصَّلاة. وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّه ﵇ والى بين طوافه، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٧)، فعُلم أنَّ الموالاة شرطٌ فيه، فمتى قطعه بفصلٍ طويلٍ؛ ابتدأه، سواء كان عمدًا أوْ سهوًا، مثل أن يترك شوطًا منه يظن أنَّه قد أتم، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف؛ كالحرز والقبض. (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا)؛ بنى؛ لأنَّه يُتَسامَح بمثله؛ لما في الاتصال من المشقَّة، فعفي عنه. (أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أَوْ حَضَرَتْ جَنَازَةٌ؛ صَلَّى) في قول أكثر العلماء؛

стр. 2105

لعموم قوله: «إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاةَ إلاَّ المكتوبة» (١)، والطَّواف صلاة (٢)، ورُوِيَ عن ابن عمر (٣) وسالمٍ وعطاءٍ، ولم يُعرَف لهم مخالِفٌ في عصرهم، ولأنَّ الجنازةَ صلاةٌ تفوت بالتَّشاغُل بالطَّواف، وهي أولى من قطعه لها بالمكتوبة؛ لعدم فواتها به. (وَبَنَى)، قال ابن المنذر: (لا نعلم أحدًا خالف فيه إلاَّ الحسن، فإنه قال: يستأنِف) (٤)، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ هذا فعلٌ مشروعٌ، فلم يقطعه كاليسير، فعلى هذا يكون ابتداؤه من الحَجَر، قاله أحمد (٥). (وَيَتَخَرَّجُ: أَنَّ المُوَالَاةَ سُنَّةٌ)؛ لأنَّ الحسنَ غُشِيَ عليه، فلمَّا أفاق أتمَّه (٦). وعن أحمد: ليس بشَرطٍ مع العذر، وهو ظاهرٌ.

стр. 2106

تنبيهٌ: إذا شكَّ في عدده (١) بنى على اليقين، نَصَّ عليه (٢)، وذكر أبو بكر: يعمل بظنه، ويأخذ بقول عدلَين، نَصَّ عليه (٣)، وينبغي تقييده بما (٤) لم يتيقَّن صواب نفسه. وفي «المغني» و «الشَّرح»: يكفي ثقةٌ. فإن شكَّ في الطَّهارة وهو فيه؛ بطل، لا بعد الفراغ منه. فرعٌ: إذا فرغ المتمتِّع ثمَّ علم أنه كان (٥) على غير طهارةٍ في أحد طوافيه، وجهله؛ لزمه الأشدُّ، وهو من الحجِّ، فيلزمه طوافه وسعيه ودمٌ، وإن كان وطئ بعد حلِّه من (٦) عمرته؛ لم يصحَّا؛ لأنَّه أدخل حجًّا على عمرةٍ فاسدةٍ، وتحلَّل بطوافه الذي نواه لحجِّه من عمرته الفاسدة، وعليه دمٌ للحلق، ودمٌ للوطء في عمرته. (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) بعد فراغه من الطَّواف؛ لأنَّه ﵇ ركعهما (٧)، وفي «أسباب الهداية»: أنه يأتي الملتزَم قبلهما، (وَالأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ (٨) خَلْفَ المَقَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البَقَرَة: ١٢٥]. وظاهره: أنَّه لا يُشرَع تقبيلُ المقام ولا مسحه (٩) إجماعًا (١٠)، فسائر

стр. 2107

المقامات أَوْلَى، ونقل الفضل عنه: كراهة مسه (١). وفي «منسك ابن الزَّاغوني»: فإذا بلغ مقام إبراهيم فليمس الصَّخرة بيده، وليمكِّن منها كفَّه، ويدعو. (يَقْرَأُ فِيهِمَا) بعد الفاتحة: (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾)؛ لحديث جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طاف بالبيت سبْعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾» (٢). وظاهره: جواز فعلهما في غير ذلك الموضع، وبغير تلك القراءة؛ لأنَّ «عمر ركعهما بذي طُوًى» رواه البخاريُّ (٣)، وقراءة غير الفاتحة لا تتعيَّن في الفرض، فالنفل (٤) أَوْلَى، ولا شكَّ أنَّهما سنَّةٌ مؤكدة؛ للنُّصوص. وعنه: وجوبهما، وهي أظهر، فلو صلَّى الفريضة بعده أجزأه عنهما؛ كركعتي الإحرام. وعنه: أنَّه يصلِّيهما بعد المكتوبة، قال أبو بكر عبد العزيز: وهو أقْيس؛ كركعتي الفجر. تنبيهٌ: له جمْعُ أسابيعَ، ثم يُصَلِّي لِكلِّ أُسْبوعٍ ركعتَين، نَصَّ عليه (٥)؛ لفصله بين الفرض والسُّنَّة، بخلاف تكبير تشريقٍ عن فرضٍ وسجدة تلاوةٍ، فإنَّه

стр. 2108

يكره؛ لئلاَّ يؤدِّي إلى إسقاطه، ذكره القاضي. وعنه: يُكرَه قطعُه على شفعٍ، فيكره الجمع إذَنْ، ولأنَّه ﵇ لَمْ يفعلْه، ويلزم (١) منه الإخْلالُ بالموالاة بينهما (٢). وفيه نظرٌ. وله تأخير السَّعْي عن الطَّواف بطوافٍ وغيرِه، نَصَّ عليه (٣). (ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ)، وهو الحَجَرُ الأسودُ، (فَيَسْتَلِمُهُ (٤)، نَصَّ عليه (٥)؛ لفعله (٦) ﵇ (٧)، ولا نعلمُ فيه خِلافًا (٨). (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا)، بالقَصْرِ، وهو في الأصل الحجارة الصُّلْبة، والآن ثَم (٩) مكانٌ معروف (١٠) عند باب المسجد، (مِنْ بَابِهِ، وَيَسْعَى سَبْعًا (١١)، يَبْدَأُ بِالصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهِ)، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّه لو تركه فلا شَيءَ عليه، (حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ)؛ أي (١٢): يُشاهِدَه، (فَيَسْتَقْبِلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)،

стр. 2109

اقْتَصَر عليه في «الفروع»، وليس فيه: (يُحيِي ويُميت، وهو حيٌّ لا يموتُ، بيده الخيرُ)، وزاد: ويقول ذلك ثلاثًا؛ لفعله ﵇، فإنه رَقِيَ على الصَّفا وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٥٨] «نبدأ بما بدأ الله به (١)»، فبدأ بالصَّفا (٢). والأحزاب: هم الذين تحزَّبوا على النبي ﷺ يوم الخندق، وهم قريشٌ وغَطَفانُ واليهودُ. (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يزيده على ما سبق، رواه إسماعيل، عن أيُّوب، عن نافعٍ، عنه (٣). (ثُمَّ يُلَبِّي)؛ لأنَّه «﵇ لم يَزَلْ يُلبِّي حتَّى رمَى جَمْرةَ العَقَبة» (٤). وظاهِرُه: أنَّه لا يُلبِّي على الصَّفا؛ لعدم نقله (٥). وما ذكره محمولٌ على غير المتمتِّع؛ لأنَّه يقطعها إذا استلم الحَجَر كما يأتي. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ)؛ لما رَوَى أبو هريرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصَّفا، فَعَلَا عليه حتَّى نَظَرَ إلى البيت، ورفع يدَيْه، فجعل (٦) يحمَد الله،

стр. 2110

ويدعو بما شاء أنْ يدعو» رواه مسلمٌ (١)، ولأنَّه مَوضِعٌ تُرجَى فيه الإجابةُ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَرفع يدَيه، والظَّاهر: بلَى؛ للخبر. (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا، وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ)، وهو المِيل الأخضر في ركن (٢) المسجد، قال في «الشَّرح» وغيره: إذا كان منه نحو ستَّة أذرُعٍ، قال في «الفروع»: وهو أظهرُ. (فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى الْعَلَمِ)، وهو الميل الأخضر بفِناء المسجد، حِذاء دار العبَّاس. وظاهره: أنَّه لا يرمُل بينهما، وقاله جماعةٌ كالمؤلِّف، وهو أظهرُ. وقيل: بلَى؛ لوروده في الخبر (٣). (ثُمَّ يَمْشِي (٤) حَتَّى يَأْتِيَ المَرْوَةَ)، وهي (٥) في الأصل: الحجارة البِيض البرَّاقة التي تُقدح (٦) منها النَّارُ، والآن هو (٧) المكانُ المعروفُ بطرَف السعي، (فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا)؛ من الاستقبال، والتَّكبير، والتَّهليل، والدُّعاء، (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً)؛ لفعله ﵇ لذلك، رواه مسلمٌ من حديث جابِرٍ (٨).

стр. 2111

ويُكثِرُ الدُّعاءَ والذِّكر بين (١) ذلك، قال أحمدُ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سَعَى بين الصَّفا والمروةِ، قال: «ربِّ اغفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ عمَّا تعلمُ، وأنت الأعزُّ الأكرمُ» (٢)، وقد رَوَى التِّرمذيُّ، وصحَّحه مرفوعًا: «إنَّما جُعِل السَّعْي بيْنهما؛ لِإِقامة ذِكْر الله تعالَى» (٣). ويجب استِيعاب ما بينهما، فيلصق (٤) عقِبَه بأصلهما، فلو ترك بينهما شيئًا -ولو ذِراعًا-؛ لم يُجزئْه حتى يأتي به، والأَوْلَى أن يَرْقَى كما مرَّ. (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا)؛ لقوله: «نبدأ بما بدأ الله به» (٥)، وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّه قرأ الآيةَ، وقال: «نبدأ بالصَّفا، اتبعوا القرآنَ، فما بدأ به القرآنُ فابدؤوا به» (٦).

стр. 2112

(وَيَخْتِمُ بِالمَرْوَةِ)؛ لقول جابِرٍ: فلمَّا كان آخِرُ طوافه قال: «لو اسْتقبلْتُ من أمري ما استدبرت؛ لم أسُقِ الهدي، ولجعلتها عمرةً» (١)، ولأنه (٢) يلزم من البَداءة به الختمُ بها. (فَإِنْ (٣) بَدَأَ بِالمَرْوَةِ؛ لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ)؛ لِمخالفة فعل النبي ﷺ وأمرِه (٤)، فعلَى هذا: إذا صار إلى الصَّفا؛ اعتد بما يأتي بعدَه. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا (٥) من الحدث والنَّجاسة؛ كبقيَّة المناسِك، في قَول الأكثر، ولأنَّه عبادةٌ لا تتعلَّق بالبيت (٦)؛ كالوقوف بعرفةَ. (مُسْتَتِرًا)؛ لأنَّه إذا لَمْ تشترط (٧) الطَّهارة مع آكديتها؛ فغَيرُها أَوْلَى. (مُتَوَالِيًا)، في ظاهر كلامِ أحمدَ (٨)، وهو الأصحُّ؛ لأنَّه لا تعلُّق له بالبيت، فلم يُشتَرَط له الموالاةُ؛ كالرَّمْيِ والحلْق. (وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ)، وقاله القاضِي في (٩) الموالاة؛ لأنَّ السَّعْيَ أحدُ الطَّوافَين، فاشتُرِط فيه ذلك؛ كالطَّواف بالبيت. قال في «الشَّرح»: ولا عَمَلَ علَيه. تنبيهٌ: ظاهِرُه أنَّ السَّعي بعد الطَّواف، فلو عَكَسَ؛ لم يُجزِئْه، نَصَّ

стр. 2113

عليه (١). وعنه: بلى سهوًا وجهْلاً. وعنه: مطلقًا. وعنه: مع دمٍ. ومِن شَرْطِه النِّيَّةُ، قاله في «المذهب»، و «المحرَّر» وزاد: وألاَّ يقدِّمه على أشهُر الحجِّ، وظاهر كلام الأكثرِ خلافهما، وصرَّح به أبو الخطَّاب في الأخيرة أنَّه لا يُعرَفُ منعُه عن أحمدَ. (وَالمَرْأَةُ لَا تَرْقَى)؛ لئلاَّ تُزاحِم الرِّجالَ، ولأنَّه أسْتَرُ لها. (وَلَا تَرْمُلُ)، حكاه ابن المنذر إجماعَ مَنْ يحفَظُ عنه (٢)؛ لأنَّه يُقصَد لها السَّتْرُ، وفيما ذُكِر انكشافٌ لها، وكذا لا تَسْعَى سعيًا شديدًا بين العلَمين. ولا يُسنُّ فيه اضْطِباعٌ، نَصَّ عليه (٣). (وَإِذَا (٤) فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا؛ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَحَلَّلَ)؛ لأنَّه ﵇ اعْتَمَرَ ثلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرتِه التي مع حجِّه (٥)، وكان يَحِلُّ إذا سَعَى. وظاهِرُه: أن التَّقْصير له أفضلُ من الحَلْق، نَصَّ عليه؛ للأمْر به في حديث جابِرٍ (٦)، وليتوفَّرَ الحَلْقُ للحجِّ. وفي «المستوعب» و «الترغيب»: حَلْقُه. وفي كلامه إشعارٌ بالمبادَرة إلى ذلك، ولا شكَّ في استحبابه. فلو أحرم بالحجِّ قبل التَّقصير، وقلنا: هو نُسُكٌ؛ صار قارِنًا، فإنْ

стр. 2114

تركهما؛ فعليه دمٌ، إن قلنا هما (١) نُسُكٌ، فإن وطئ قبله؛ فعليه دمٌ، وعمرتُه صحيحةٌ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ المُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا (٢)؛ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحُجَّ)، بل يقيم على إحرامه، ويُدخِل عليها الحجَّ بعد طوافه وسعيه لها (٣)، ثمَّ لا يَحِلُّ حتَّى يحل منهما جميعًا يوم النَّحر، نَصَّ عليه (٤)؛ لحديث ابن عمر وعائشة، متَّفقٌ عليهما (٥). وعنه: من لبَّد رأسَه أو ضفَره، جزم به في «الكافي»، هو بمنزلة من ساق الهدْيَ؛ لحديث حفصةَ (٦). وقيل: يَحِلُّ؛ كمن لم يُهْدِ، وهو ظاهِرُ ما نقله يوسفُ بن مُوسَى (٧). وعنه: إن قدِم في العَشْرِ؛ لم ينحَر الهدي حتَّى ينحَره يوم النَّحْر، وإن قدِم قبل العشر؛ نحر الهدْيَ، فدلَّ على أن المتمتِّع إذا قدِم قبل العشر؛ حلَّ وإن

стр. 2115

كان معه هدي، وإن كان فيه لم يَحِلَّ. واستِثْنَاءُ المتمتِّع من المعتمِر؛ دليلُ عمومه. (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا وَصَلَ الْبَيْتَ)، والمرادُ: إذا اسْتَلَم الحَجَر الأسودَ، نص عليه (١)؛ لما روى ابنُ عبَّاس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُمسِكُ عن التَّلبية في العمرة إذا اسْتلَمَ الحجَر» رواه التِّرمذيُّ وصحَّحه (٢)، أي: شَرَعَ في الطَّواف، ولأنَّ التَّلبيةَ إجابةٌ إلى العبادة، وشعارٌ للإقامة عليها، والأخْذ في التَّحلُّل ينافيها (٣)، وهو يحصُل بالطَّواف والسَّعي، فإذا شرع في الطَّواف؛ فقد أخذ في التَّحلُّل، فيقطعها، كما يَقطَعُ الحاجُّ التَّلبيةَ إذا شَرَع في رَمْي جمرة العقبة؛ لحصول التَّحلُّل به. وظاهِرُه: اخْتِصاصُ القطع بالمتمتِّع؛ ك «الخِرَقيِّ» و «الوجيز»، وليس كذلك؛ لأنَّ الحكمَ يَسْتَوِي فيه المتمتِّعُ وغيرُه من المعتمِرين

стр. 2116

(بَابُ صِفَةِ الحَجِّ) أصلُه حديثُ جابِرٍ، رواه مسلمٌ (١). (يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الذِي حَلَّ) من عمرته (وَغَيْرِهِ مِنَ المُحِلِّينَ بِمَكَّةَ)، سواءٌ كان مقيمًا بها من أهلها، أو من غيرِهم؛ (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لحديث جابِرٍ قال: «أمَرَنا رسولُ الله ﷺ لمَّا حلَلْنا أن نُحرِم إذا توجَّهنا إلى مِنًى، فأهلَلْنا من الأبطح، حتى إذا كان يوم التَّروية جعلنا مكَّةَ بِظَهْرٍ أهْلَلْنا بالحجِّ» رواه مسلمٌ (٣). وعنه: المَكِّيُّ يُهِلُّ إذا رأى الهلالَ؛ لقول عُمَرَ لأهل مكَّة: «إذا رأيتم الهلالَ فأهِلُّوا بالحجِّ» (٤). فعلَى الأوَّل: لو جاوَز يوم التَّروية بغَير إحرامٍ؛ لزمه دم الإساءة (٥) مع دم (٦) التَّمتُّع علَى الأصحِّ، قاله في «الترغيب».

стр. 2117

وفي «الرِّعاية»: يُحرِم يوم ترويةٍ أوْ عرفةَ، فإن عَبَره؛ فدم. ولا يَطوفُ بعدَه قبْلَ خروجه، نقله الأثْرمُ (١)، واختاره الأكثرُ. ونقل ابنُ منصورٍ وغيره: لا يَخْرُجُ حتَّى يودِّعه، وطوافُه بعد رجوعه من منًى للحجِّ (٢)، جزم به في «الواضح» و «الكافي». فعلى الأوَّل: لو أتَى به وسَعَى بعدَه؛ لم يجزئه (٣). (وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ)، سُمِّيَ به؛ لأنَّ النَّاس كانوا يتَروَّوْن فيه الماءَ لما بعدَه، وقيل: لأنَّ إبراهيمَ أصبح يتروَّى في أمْر الرُّؤيا، وقيل غيرُ ذلك. (مِنْ مَكَّةَ)؛ لقوله ﵇: «حتَّى أهْلُ مكَّةَ يُهِلُّون منها» (٤)، وكان عَطاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكنَ، ثمَّ يَنطلِق مُهِلًّا بالحجِّ (٥)، والأفضلُ فيه أن يكون من المسجد، وفي «المبهج» و «الإيضاح» من تحت المِيزاب. ويُستحَبُّ له أن يفعل في إحرامه ما يفعله في إحرامه من الميقات؛ من غسلٍ وغيره، ويطوف سَبْعًا، ويصلِّي ركعتَينِ. (وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ؛ جَازَ)؛ لحديث جابِرٍ (٦)؛ لأنَّ الأبْطَح خارجٌ من البلد داخِلٌ في الحرم، ولأنَّ المقصودَ حاصِلٌ به؛ لجَمْعه في نُسُكه بين الحلِّ والحَرَم. (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى مِنًى) قَبْلَ الزَّوال، (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ)، مع الإمام إن

стр. 2118

أمكنه، وبقيَّة الصَّلوات إلى الفجر، نَصَّ عليه (١). (وَيَبِيتُ بِهَا)؛ لقول جابِرٍ: «فلمَّا كان يوم التَّروية؛ توجَّهوا إلى مِنًى، فأهلُّوا بالحجِّ، فركب النَّبيُّ ﷺ ، فصلَّى بها الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاء والفجرَ» (٢). وظاهِرُه: أنَّ المَبِيتَ بها ليس بواجبٍ؛ لأنَّه عطفه على المستحَبَّات، فلو صادف يوم التَّروية يوم الجمعة؛ وجب عليه فعلها، كمن تَجِب عليه، وأقام حتَّى زالت الشَّمس، وإلاَّ لم تَجِبْ. (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ)، هي اسْمٌ لموضع الوقوف، (وَأَقَامَ (٣) بِنَمِرَةَ)، هي موضعٌ بعرفةَ، وظاهر «المحرَّر» وغيره: أنَّها لَيْسَتْ منه. قال الأزْرَقِيُّ: (هو الجبل الذي عليه أنْصاب الحرم، عن يمينك إذا خرجْتَ عن مأْزِمَيْ عرفةَ) (٤). (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ)؛ لحديث جابِرٍ: «وأمَر بقُبَّةٍ من شَعَر، فضُرِبتْ له بنَمِرةَ، فسار رسولُ الله ﷺ حتَّى إذا (٥) أتى على (٦) عرفةَ، فوجد القُبَّة قد ضُرِبت له بنَمِرةَ، فنزل بها، حتَّى إذا زالت الشَّمس، أمَر بالقَصْواء فرُحِلت له» (٧). (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً)؛ لقول جابِرٍ: «ثمَّ أتى بطْن الوادي، فخَطَب

стр. 2119

النَّاسَ» (١)، يفتتحها (٢) بالتَّكبير، قاله في «المستوعِب» و «التَّرغيب» وغيرهما، ويسن تقصيرها، (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الوُقُوفَ وَوَقْتَهُ (٣)، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ)، فيذكُر العالِمُ، ويتعلَّم الجاهلُ. وظاهره: أنَّه لا خُطْبةَ في اليوم السَّابع بعد صلاة الظُّهر بمكَّة. واخْتارَ الآجُرِّيُّ: بلى، يعلِّمهم ما (٤) يَفْعلونه يَوْمَ التَّروية. (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ)؛ لقول جابِرٍ: «ثمَّ أذَّن بلالٌ، ثمَّ أقام فصلَّى الظهر، ثمَّ أقام فصلَّى العَصْرَ، لَمْ يُصَلِّ بينهما شيئًا» (٥). وقال أبو ثَورٍ: يؤذّن إذا صَعِد الإمامُ المنبرَ، فإذا فرغ؛ قام فخطب. وقيل: يؤذّن في آخر خُطْبة الإمام. قال في «الشَّرح»: (وكيفما فَعَلَ فحسَنٌ). فإن لم يؤذّنْ؛ فلا بأْسَ، قاله أحمدُ (٦) والخِرَقيُّ؛ لأنَّ كلًّا منهما رُوِي عنه ﵇ (٧).

стр. 2120

وظاهِرُه: يشمَل كلَّ واقفٍ بعرفةَ، من مكِّيٍّ وغيرِه؛ لأنَّه ﵇ جَمَعَ بينهما، وكذلك كلُّ مَنْ صلَّى معه، ولم يأمُرْهم بترك الجَمْع كما أمرهم بتَرْك القَصْرِ، فقال: «أتِمُّوا فإنَّا سَفْرٌ» (١)، ولو حَرُم لَبَيَّنَهُ؛ لأنَّه لا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، وبأنَّ عثمانَ كان تَمَّ (٢) الصَّلاة؛ لأنَّه اتَّخذ بمكَّة أهلاً (٣)، ولم يَتْرُك الجَمْعَ (٤)، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ من المتقدمين خلافُه. وشرط القاضي وأصحابه: أنَّه يَختصُّ بمَنْ يجوز له الجَمْعُ؛ لأنَّ سببَه

стр. 2121

السَّفَرُ الطَّويل، فلا يجوز إلاَّ حيث وُجِد سببُه؛ لأنَّ الجمع كالقصْر، والقصْرُ مختص بمن ذكرنا، فكذا الجَمْعُ. وقال القاسِمُ وسالِمٌ: يجوز لهم القَصْرُ؛ كالجَمْع. وعلى الأوَّل: يسن أن يُعجِّل، فإن فاته الجمع مع الإمام؛ جمع في رحله، نَصَّ عليه (١). (ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى المَوْقِفِ)؛ لقول جابِرٍ: «ثمَّ ركب النبي ﷺ حتَّى أتى الموقِفَ» (٢)، (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ)؛ لقوله ﵇: «كُلُّ عَرَفةَ مَوْقِفٌ، وارْفَعوا عن بطن عُرَنَةَ» رواه ابن ماجَهْ (٣)، ولأنَّه لَمْ يَقِفْ بعرفة (٤) فلم يُجْزِئْه، كما لو وقَف بمزدَلِفة، وحكاه ابنُ المنذِر إجماعَ الفقهاء (٥). (وَهِيَ)؛ أي: حدُّ عَرَفةَ: (مِنَ الْجَبَلِ المُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ (٦) إِلَى الْجِبَالِ

стр. 2122

المُقَابِلَةِ لَهَا (١)، إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ)؛ لقوله ﵇: «كُونُوا علَى مشاعِرِكم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيمَ» (٢). (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ)، واسمُه: إِلَالٌ، علَى وزن هلالٍ، (رَاكِبًا)، مستقبِلَ القبلة؛ لقول جابِرٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات، وجعل حبل المشاة بين يدَيْه، واستقبل القِبلةَ» (٣)، ولأنَّ الركوب أعْوَنُ له على الدُّعاء. ولا يُشرَع صُعودُه إجْماعًا، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٤). (وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ)، اختاره ابنُ عَقيلٍ وأبو يعلى الصَّغيرُ، وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ الجوزي، وحكاه بعضهم نصًّا (٥)، روى (٦) ابنُ ماجَهْ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ الأنبياء ﵈ كانوا يدخلون الحرَمَ مَشاةً، ويطوفون بالبيت، ويَقْضُون المناسِكَ مُشاةً» (٧)، ورُوِي: «أنَّ آدمَ حجَّ أربعين مرَّةً من الهند على رِجْلَيهِ»، ذكره ابن الجَوزيِّ (٨)، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «مَنْ حجَّ من مكَّةَ ماشيًا حتَّى

стр. 2123

يَرجِع إلى مكَّة؛ كتب الله (١) له بكلِّ خطوةٍ سبعَمائةِ حسنةٍ من حسنات الحرَمِ»، قيل له: وما حسناتُ الحرم؟ قال: «بكلِّ حسنة مائةُ ألْفِ حسنةٍ» (٢)، ولأنَّه أخفُّ على الرَّاحلة، وكسائر المناسِكِ والعبادات، وركوبه ﵇؛ ليعلِّمهم المناسِكَ ويَرَوْهُ، فإنَّها عبادةٌ. وقيل: سواءٌ. وقال الغزالِيُّ والشيخ (٣) ابن تيمية (٤): يَختلِفُ ذلك بحسَب النَّاس. (وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ)، رافِعًا يدَيه، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه يومٌ ترجى فيه الإجابةُ. (وَ) يُكثِرُ (مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ لما رَوَى عَلِيٌّ مرفوعًا: «أكْثرُ دعاء الأنبياء قبلِي، ودعائي عشيَّةَ عرفةَ: لا إله إلاَّ الله … »، وذكره إلا قوله: «بِيده الخَيْر»، وعن عمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه، عن جدِّه قال: كان أكثرُ دعاء النَّبيِّ ﷺ يومَ عرفة: «لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شَريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ»

стр. 2124

رواه التِّرمذيُّ (١)، وسُئِل سفيانُ بن عُيَيْنةَ عن أفْضَل الدُّعاء يومَ عرفةَ، فقال: لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شَيْءٍ قدير، قيل له: هذا ثناءٌ، وليس بدعاءٍ، فقال: أما سمعْتَ قَولَ الشَّاعر: أأذكر حاجَتِي أمْ قد كفانِي حياؤك إنَّ شيمتَك الحياءُ إذا أَثْنى عليك المرءُ يومًا كفاه من تعرُّضه الثَّناءُ (٢) (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)، روي (٣) ذلك عنه ﵇ (٤)، وفي «المحرَّر» ك «المقنع». وفي «الفروع»: الاِقْتصارُ على حديث عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ.

стр. 2125

وفي «الوجيز»: يَدْعُو بما ورد، فمِنْه: ما رُوي عنه ﵇ أنَّه دعا فقال: «اللَّهم إنَّك تَرَى مكانِي، وتَسمَع كلامِي، وتَعْلَمُ سِرِّي وعلانِيَتِي، ولا يَخْفَى علَيكَ شَيءٌ من أمْرِي، أنَا البائِسُ الفقيرُ، المستغِيثُ المستجِيرُ، الوَجِلُ المشفِقُ، المقِرُّ المعترف بذَنْبه، أسألك مسألة (١) المسْكينِ، وأبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهالَ المذنِبِ الذَّليلِ، وأدْعوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَّريرِ، مَنْ خَشَعَتْ لك رقبتُه، وذلَّ لك جسدُه، وفاضَتْ لك عينه (٢)، ورغِمَ لك أنفُه» (٣). (وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ)؛ لما رَوَى عروةُ بنُ مضرس الطائي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شَهِد صلاتَنا هذه، ووَقَفَ مَعَنَا حتَّى ندفع، وقد وَقَف قَبْلَ ذلك بعرفةَ لَيلاً أوْ نهارًا؛ فقد تمَّ حجُّه، وقضى تفثه» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ، ولفظه له، ورواه الحاكِمُ، وقال: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط كافَّة أئمَّة الحديث) (٤)، ولأنَّ ما قبل الزوال من يوم عرفةَ، فكان وقتًا للوقوف كما بَعْدَ الزَّوال، وتَرْكُ الوقوف فيه لا يَمنَعُ كونَه وقتًا؛ كما بعْدَ العِشاء، وإنَّما ذلك وقتُ الفضيلة. وقال ابْنُ بَطَّةَ وأبو حفصٍ العُكْبريُّ، وهو روايةٌ: أوَّله من الزَّوال يومَ

стр. 2126

عَرَفَةَ، وحكاه ابنُ المنذِر والقُرْطُبِيُّ إجماعًا (١)، وفيه نَظَرٌ. (فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ)، ولو لحظةً، (وَهُوَ) مسلم (٢)، (بَالِغٌ، عَاقِلٌ؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)، سواءٌ كان جالسًا أوْ قائمًا، راكبًا أو راجِلاً، ولو نائمًا، صحَّحه صاحبُ «التَّلخيص»، وجزم به المؤلِّف، أو مارًّا مجتازًا (٣) ولم يعلَمْ أنَّها عرفةُ في الأصحِّ. فلا يصحُّ من سكرانَ، ومُغْمًى عليه في المنصوص (٤)، بخلاف إحرامٍ وطوافٍ، ويتوجَّه في سَعْيٍ مثلُه، ولا مجْنونٍ، بخلاف رَمْيِ جِمارٍ ومَبيتٍ. (وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ؛ فَاتَهُ الْحَجُّ) بغَيْرِ خلافٍ نعلَمُه (٥)، وسَنَدُه: قَولُه ﵇: «الحجُّ عرفةُ، فمَنْ جاء قَبْلَ صلاة الفجر ليلةَ جَمْعٍ؛ فقَدْ تمَّ حجُّه» رواه أبو داودَ (٦)، ولأنَّه ركنٌ للعبادة، فلم يتمَّ بدونه؛ كسائر العبادات. فرعٌ: إذا كان بينه وبين المَوقِف مقدارُ صلاةٍ؛ صلاَّها صلاةَ خائف في الأظهر، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧). وقيل: يقدِّم الصَّلاة. وقيل: عكسُه. (وَمَنْ وَقَفَ بِهَا (٨)؛ أي: بعرفة نهارًا (٩)، (وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ أي: يجب عليه الوقوف بها إلى غروب الشَّمس؛ ليجمع بين اللَّيل والنَّهار في ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وقف بها حتَّى غربت الشَّمس، رواه مسلمٌ من

стр. 2127

حديث جابرٍ، وقال: «خُذُوا عنِّي مناسِكَكُم» (١). وظاهِرُه: صحَّة حجِّه في قول الجماهير، إلاَّ م، فإنَّه قال: لا حجَّ له، قال ابن عبد البَرِّ: (لا نعلم أحدًا من العلماء قال بقوله) (٢). ومِمَّن أوجب الدَّم أكثرُ العلماء؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «من ترك نُسُكًا فعليه دمٌ» (٣)، ويُجزِئُه شاةٌ، ومحلُّه إذا لم يَعُدْ قبل الغروب إليها. وفي «الإيضاح»: قبل الفجر. وقيل: إن عاد مطلقًا. وفي «الواضح»: ولا عُذْرَ. وعنه: لا يلزمه (٤) دم لواقفٍ ليلاً. وعنه (٥): يلزم من دفع قبل الإمام؛ لفعل الصَّحابة (٦). (وَإِنْ وَافَاهَا لَيْلاً، فَوَقَفَ بِهَا؛ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ)، وحجُّه تامٌّ، بغير خلافٍ نعلمه (٧)؛ لقوله ﵇: «من أدرك عرفاتٍ بليلٍ؛ فقد أدرك الحجَّ» (٨)، ولأنَّه لَمْ

стр. 2128

يُدْرِكْ جُزْءًا من النَّهار، فلَمْ يَلْزَمْه شَيءٌ، كَمَنْ منزلُه دون الميقات وأحرم منه. (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ (١) غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ)، سُمِّيت به من الزَّلَف، وهو التَّقرُّب؛ لأنَّ الحاجَّ إذا أفاضوا من عرفاتٍ ازْدَلَفوا إليها؛ أيْ: تقربوا ومَضَوْا إلَيها، ويُسمَّى جَمْعًا؛ لاجْتماع النَّاس بها، (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ)، قال أبو حَكِيمٍ (٢): مستغْفِرًا، وقال الخِرَقِيُّ: يكون في طريقه ملبيًا، ويَذكُرُ الله تعالَى؛ لقوله ﵇ في حديث جابرٍ -وقد شنق (٣) القَصْواء بالزِّمام- ويقول بيده اليُمْنَى: «أيُّها النَّاسُ السكينة السكينة (٤)»، وفيه: «أردف الفضلَ، ولم يَزَلْ يُلَبِّي حتَّى رمَى جمرةَ العقبةِ» (٥). (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ)؛ لقول أُسامةَ: «كان النبي ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ، فإذا وَجَدَ فجوةً نَصَّ»؛ أي: أسرع، قال هشام: النَّصُّ فوق العَنَق، متَّفقٌ عليه (٦). (فَإذَا وَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ؛ صَلَّى المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ)، قال ابن المنذِر: (لا اختلاف بين العلماء أنَّ السُّنَّة يَجمَع بَيْنَهما) (٧)؛ لفعله ﵇، رواه جابِرٌ وابنُ عمرَ وأُسامةُ (٨).

стр. 2129

وَظَاهِرُه: أنَّه بغَير أذانٍ، وإنَّما هو بإقامتَينِ فقط، فإن اقْتَصر على إقامةٍ للأُولَى (١) فلا بأْسَ؛ لحديث ابن عمر: «أنَّه ﵇ جمع بينهما بإقامةٍ واحدةٍ» رواه مسلمٌ (٢). وإن أذَّن للأولى وأقام للثانية (٣)؛ فحسَنٌ، قاله في «المغني» و «الشَّرح»، فإنَّه مرويٌّ عن جابِرٍ (٤)، وهو متضمِّنٌ لزيادة، وكسائر (٥) الفوائت والمجموعات. قال في «الشَّرح»: (واختار الخِرَقيُّ الأوَّل)، وفيه شَيءٌ. قال ابنُ المنذِر: وهو آخِرُ قولَيْ أحمد (٦)؛ لأن (٧) أسامةَ أعلمُ بحاله؛ لأنَّه كان رديفَه، وإنَّمَا لم يؤذِّن للأولى؛ لأنَّها في غير وقتها، بخلاف المجموعتَينِ بعرفةَ. والسُّنَّةُ ألاَّ يتطوَّع بينهما بغَير خلافٍ (٨). (فَإِنْ صَلَّى المَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ؛ تَرَكَ السُّنَّةَ) المأثورةَ عن النَّبيِّ ﷺ ، (وَأَجْزَأَهُ)؛ لأنَّ كلَّ صلاتَينِ جاز الجمْعُ بَينهما؛ جاز التَّفريقُ؛ كالظُّهر والعصر بعرفةَ. (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ بِعَرَفَةَ؛ جَمَعَ وَحْدَهُ)؛ لفعل

стр. 2130

ابن عمر (١)، وهو في الأُولَى إجماعٌ (٢)؛ لأن الثَّانية منهما تصلَّى في وقتها، ولأنَّ كلَّ جمْعٍ جازَ مع الإمام؛ جاز منفردًا (٣)؛ كالجمْع في السَّفر. (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا)، وهو واجِبٌ؛ لأنَّه ﵇ بات بها، وقال: «خُذوا عنِّي مناسِكَكُم» (٤)، وسمَّاها مَوقِفًا. (فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لأنَّ مَبِيتَ كلِّ اللَّيل أو أكثرِه بها واجِبٌ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، فيكون تارِكًا للواجِب، فيجب الدَّم إذا لم يَعُدْ لَيْلاً، نَصَّ عليه (٥). وعنه: لا يَجِبُ؛ كرعاة وسُقاةٍ، قاله في «المستوعب» وغيره. وعلى المذهب: لا فرْقَ بين العامِد والسَّاهِي، والعالِم والجاهِلِ؛ لتركه النُّسُكَ. (وَإِنْ دَفَعَ (٦) بَعْدَهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لقول عائشة: «أرسل النَّبيُّ ﷺ بأمِّ سلمةَ ليلة النَّحر، فرَمَت الجمرةَ قبل الفجر، ثمَّ مضَتْ فأفاضت» رواه أبو داودَ (٧)، ولأنَّه فات مُعْظَمُ الليل، والمُعظَمُ كالكُلِّ، فلم يكن تارِكًا للواجِبِ.

стр. 2131

(وَإِنْ وَافَاهَا (١) بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه لم يُدرِكْ جزْءًا من النِّصف الأوَّل، فلم يتعلَّقْ به حكمٌ، كَمَنْ أدْرَك عرفاتٍ لَيْلاً. (وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الفَجْرِ)؛ أيْ: طلوعه؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِتَرْكه الواجبَ، وهو المبيت بها. ولا بأْسَ بتقديم الضَّعَفَة والنِّساء؛ لقول ابنِ عبَّاسٍ: «كنتُ فيمَنْ قدَّم النَّبيُّ ﷺ في ضَعَفة أهلِه من مُزْدَلِفةَ إلى مِنًى» متَّفَقٌ عليه (٢)؛ لما فيه من الرِّفْق بهم، ودفع المشقَّة عنهم. (وَحَدُّ المُزَدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ المَأْزِمَيْنِ)؛ أي: مأْزِمَيْ عرفةَ، وهما جبلانِ، (وَوَادِي مُحَسِّرٍ)، وما على يمين (٣) ذلك وشماله من الشِّعاب. ونبَّه المؤلِّف على ذلك؛ ليعلمك أنَّ أيَّ موضع وقف (٤) منها أجزأه؛ لأنَّه ﵇ وقف بجَمْعٍ، وقال: «ارْفَعُوا عن بطْن مُحَسِّرٍ» (٥). (فَإِذَا أَصْبَحَ (٦) صَلَّى الصُّبْحَ) بأذانٍ وإقامةٍ، (بِغَلَسٍ)؛ لقول جابِرٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الصُّبح بها حين تبين له الصُّبح، بأذانٍ وإقامةٍ» (٧)؛ وليتسع (٨) وقتُ الوقوف عند المشعَر الحرام.

стр. 2132

(ثُمَّ يَأْتِي المَشْعَرَ الْحَرَامَ)، سُمِّي به؛ لأنَّه من علامات الحجِّ، (فَيَرْقَى عَلَيْهِ) إنْ أمْكَنَه، (أَوْ يَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَحْمَدُ اللهَ وَيُكَبِّرُهُ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ … ﴾ الآية [البَقَرَة: ١٩٨]، وفي حديث جابِرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى المشعَرَ الحرامَ، فَرَقِيَ عليه، فحمِد اللهَ وهلَّله وكبَّره» (٢). (وَيَدْعُو فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ؛ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وَقَوْلُكُ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البَقَرَة: ١٩٨ - ١٩٩])، ويُكرِّر ذلك. (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ)؛ لحديث جابِرٍ: «فلم يزل واقِفًا حتَّى أسْفَرَ جِدًّا» (٣)، (ثُمَّ يَدْفَعُ) من مزدَلِفةَ (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)، ولا خلافَ في اسْتِحْبابه (٤)؛ لفعله ﵇، وقال عمر: «كان أهلُ الجاهليَّة لا يُفيضون من جَمْعٍ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، ويقولون: أشْرِقْ ثَبِيرُ، وإنَّ رسول الله ﷺ خالَفَهم، فأفاض (٥) قبل طلوع الشَّمس» رواه البخاريُّ (٦). (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا)، وهو وادٍ بين مُزدَلِفةَ ومِنًى، سُمِّي به؛ لأنَّه يُحَسِّرُ سالِكَه، (أَسْرَعَ) إن كان راجلاً، أو حرَّك مركوبَه إن كان راكِبًا؛ لقول جابِرٍ:

стр. 2133

«فلمَّا أتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حرَّك قليلاً» (١)، قال الشَّافعيُّ في «الإملاء»: لعله فعل ذلك لسَعة المَوضِع، وقيل: لأنه مأْوَى الشَّياطين (٢). (قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ)، قال الأصحابُ: وعليه السَّكينة والوقار، ويُلبِّي مع ذلك. (وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ)؛ لِئلاَّ يَشتغِلَ عند قدومه إلى مِنًى بغير الرَّمْيِ، فإنَّه تحيَّةُ مِنًى، كما أنَّ الطَّوافَ تحيَّةُ البيت، وكان ابن عمرَ يأخذه من جَمْعٍ (٣)، وفعله سعيدُ بن جبَيرٍ، ولأنَّه إذا أخذه من غير مِنًى؛ كان أبعدَ من أن يكون قد رُمي به. (وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ؛ جَازَ) قاله أحمدُ (٤)، ولا خلاف في الإجزاء (٥)؛ لقوله ﵇ لابن عبَّاسٍ غداةَ العقبة، وهو علَى ناقته: «القُطْ لِي حصًى»، فلقطْتُ له سبع حصَيَاتٍ من حصى الخذف، فجعل يَنفُضهنَّ من كفه، ويقول: «مثل (٦) هذا فارْمُوا» رواه ابن ماجَهْ (٧). ويُكرَه من الحرم، وتكسيره، وكذا من الحشِّ، قاله في «الفصول».

стр. 2134

(وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ)؛ كحصى الخذف؛ لقول جابِرٍ: «كلُّ حصاةٍ منها مثلُ حصى الخذف» (١). (وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً)؛ لأنَّه يَرمِي جمرةَ العقبة يوم النَّحر بسبعٍ، وباقيها في أيَّام مِنًى كلُّ يومٍ بأحدٍ وعشرين، كلُّ جمرةٍ بسبعٍ، فيكون المجموع ما (٢) ذكره. (فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى)، سُمِّيت به؛ لأنَّه قُدِّر فيها موت الهدايا والضحايا، (وَحَدُّهَا: مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ)، فدلَّ على أنَّهما لَيْسا من مِنًى؛ لأنَّ الحد غير المحدود، ويُستحَبُّ سلوك الطَّريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى؛ لفعله ﵇ (٣)، (بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ)، هي آخِرُ الجمرات مِمَّا يَلِي مِنًى، وأوَّلها مِمَّا يَلِي مكَّةَ، وهي عند العقبة، وبها سُمِّيت؛ فصار علَمًا بالغَلَبة؛ لأنَّه ﵇ بدأ بها (٤)، ولأنها (٥) تحيَّةٌ، فلم يتقدَّمْها شَيءٌ؛ كالطَّواف بالبيت (٦). (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ)، راكِبًا إن كان، والأكثر ماشِيًا، نَصَّ عليه (٧)، (وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)؛ لحديث جابِرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رماها بسبْع حَصَياتٍ، يكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ» رواه مسلمٌ (٨). ونقل حَرْبٌ: يَرمِي ثمَّ يُكبِّر (٩).

стр. 2135

ويقول: اللَّهمَّ اجعله حجًّا مبرورًا، وسعْيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ وابن عمر كانا يقولان ذلك (١). وظاهِرُه: أنَّه إذا وضعها من غَير رَمْيٍ؛ لا يُجزِئُه؛ لعدم الرَّمي، بل لو طرحها؛ أجزأت. وظاهر «الفصول»: لا؛ لأنَّه لم يَرمِ. فلو رماها دفعةً واحدةً، لَمْ تُجْزِئْهُ عنها، ويؤدَّب، نقله الأثرم (٢)، فيُجزئُه عن واحدةٍ، ويُكْمِل السَّبعَ. وظاهِرُه: أنه لا يُستحَبُّ غسلُها، واستحبَّه الخِرَقيُّ في روايةٍ؛ لأنَّه يُروَى عن ابن عمر (٣).

стр. 2136

وفي حَجَرٍ نجَسٍ؛ وجهان. ويَسْتَبْطِن الوادِيَ، ويَسْتقْبِلُ القِبلةَ، ويَرمِي على حاجِبه الأيمن؛ لفعل عبد الله، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ صحيحٌ (١). وله الرَّمْيُ من فوقها؛ لفِعْل عمرَ (٢).

стр. 2137

والأوَّلُ أفضلُ. (وَيَرْفَعُ يَدَهُ (١)، قال جماعةٌ: يُمْناه، (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنَّه أعْونُ على الرَّمْي وأمْكَنُ. ويُشترَط عِلْمُ حصولها في المَرْمَى، فلو رماها فوقعت في غَيرِ المَرْمَى، فتدحرجت حصاةٌ بسببها، فوقعت فيه، أو التقطها طائِرٌ بعد رَمْيِها قبل وصولها؛ لَمْ يُجْزِئْه، فلو وقعت في مكانٍ صلْبٍ، ثمَّ تدحرجت إليه، أو وقعت على ثوب إنسانٍ فنفضها (٢) مَنْ وقعت عليه؛ أجزأه، نَصَّ عليه (٣). وقال ابنُ عقيل: لا يجزئه، قال في «الفروع»: وهو أظْهرُ؛ لأنَّ فعل الأوَّل انقطع. فلو رماها، وشكَّ في وقوعها فيه؛ لم تسقط. وعنه: بلى، ذكره ابن البنَّاء. وقيل: يكفي الظَّنُّ بوقوعها فيه. فَرعٌ: إذا عَجَز عن الرَّمْي؛ جاز أنْ يستنيب فيه، فإذا رَمَى، ثمَّ برأ؛ لَمْ يلزمه إعادتُه؛ لأنَّ الواجب سقط عنه. (وَلَا) يُسنُّ أن (يَقِفَ عِنْدَهَا)؛ لما رَوَى ابْنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رَمَى جمرة العقبة انصرف، ولم يَقِفْ» رواه ابنُ ماجَهْ، وروى البخاريُّ معناه من حديث ابن عمر (٤)، ولضِيقِ المكان.

стр. 2138

(وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) في قول الجمهور؛ لما رَوَى الفَضْلُ بنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزَلْ يلبِّي حتَّى رَمَى جمرةَ العقبة» أخرجاه في «الصَّحيحين» (١)، ولأنَّه كان رديفَه، فهو أعْلَمُ بحاله، وفي لفظٍ: «قطع عند أوَّل حصاةٍ» رواه حنبلٌ في المناسِك (٢)، ولأنَّه يتحلَّل به، فشُرِع قطعها في ابتدائه، كالمعتمِر يقطعها بالشُّروع في الطَّواف. (فَلَوْ (٣) رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)؛ لَمْ يُجْزئْه؛ لأنَّه ﵇ لَمْ يَرْمِ إلاَّ بالحصى، وهو تعبُّديٌّ. وعنه: بلَى.

стр. 2139

فإنْ رَمَى بخاتمٍ فصُّه حصاة (١)؛ فوجهان. (أَوْ غَيْرِ الْحَصَى)، الظَّاهر أنَّه أراد به نحو الكحل والرخام (٢)، وصرَّح به أبو الخطاب؛ لأنَّ شرطه الحجريَّة، وهذا ليس منه، ويلحق به: الجواهر المنطبعة، والزبردج (٣)، والياقوت على المشهور. وعنه: يُجْزِئُ مع الكراهة. وعنه: يجزئ مع الجهل، لا القصد، لكن الرُّخام والكَدَّان (٤)، صرح في «المغني» و «الشَّرح» بالإجزاء فيه، فدلَّ أنَّه ملحَقٌ بالأحجار. وعلى الأوَّل: لا. ويحتمل (٥) أنَّه أراد الحجر (٦) الكبير، وفيه روايتان، والمذهب: أنه لا يُجزِئُ، ونقل الزَّركشيُّ أنَّه يجزئ على المشهور؛ لوجود الحجريَّة، وكذا القولان في الصَّغير، قاله في «المغني». (أَوْ حَجَرٍ رَمَى بِهِ مَرَّةً؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) في المنصوص؛ لأنَّه استُعمِل في عبادةٍ، فلم يُستعمَلْ ثانيًا؛ كماء الوضوء، ولأخْذِه ﵇ إيَّاه من غير المَرْمَى، ولأنَّه لو جاز لما احْتِيج إلى أخذه من غَير مكانه. (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)، هذا هو الأفضلُ، وحكاه ابن عبد البَرِّ إجْماعًا (٧)؛ لقول جابِرٍ: «رأيت النَّبيَّ ﷺ رمَى الجمرة ضُحَى يوم النَّحْر»

стр. 2140

رواه مسلمٌ (١). وذكر جماعةٌ: يُسَنُّ بعد الزَّوال. (فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ أي: ليلة الأضحى؛ (أَجْزَأَهُ)؛ لما رَوتْ عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر أمَّ سَلَمةَ ليلةَ النَّحْر، فرَمَتْ جمرة العقبة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت» رواه أبو داودَ (٢). وعنه: يُجزئُ بعد الفجر قبل طلوع الشَّمس. وقال ابنُ عَقِيلٍ: نَصُّه: للرِّعاء خاصَّةً الرمي ليلاً، نقله ابن منصور (٣). والأول أولى؛ لأنه وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي (٤)؛ كبعد طلوع الشَّمس، والأخبار محمولةٌ على الاستحباب. فإنْ أخَّره إلى آخر النَّهار؛ جاز، فإن غربت قبله؛ فمن غد بعد الزَّوال. (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا)، واجبًا كان أو تطوُّعًا، (إِنْ كَانَ مَعَهُ)؛ لحديث جابِرٍ: «أنَّه ﵇ رمى من بطن الوادي، ثمَّ انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستِّين بدَنةً بيده، ثمَّ أعطى علِيًّا فنحر ما غبَر-أي (٥): بقِيَ-، وأشْرَكَه في هديه» (٦). فإن لم يكن معه هدْيٌ، وعليه هدي واجبٌ؛ اشتراه ونحره، وإلاَّ فإن أحبَّ الأُضحيَّة اشترى ما يُضحِّي به.
следующие страницы →