← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وفي حَجَرٍ نجَسٍ؛ وجهان. ويَسْتَبْطِن الوادِيَ، ويَسْتقْبِلُ القِبلةَ، ويَرمِي على حاجِبه الأيمن؛ لفعل عبد الله، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ صحيحٌ (١). وله الرَّمْيُ من فوقها؛ لفِعْل عمرَ (٢).

стр. 2137

والأوَّلُ أفضلُ. (وَيَرْفَعُ يَدَهُ (١)، قال جماعةٌ: يُمْناه، (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنَّه أعْونُ على الرَّمْي وأمْكَنُ. ويُشترَط عِلْمُ حصولها في المَرْمَى، فلو رماها فوقعت في غَيرِ المَرْمَى، فتدحرجت حصاةٌ بسببها، فوقعت فيه، أو التقطها طائِرٌ بعد رَمْيِها قبل وصولها؛ لَمْ يُجْزِئْه، فلو وقعت في مكانٍ صلْبٍ، ثمَّ تدحرجت إليه، أو وقعت على ثوب إنسانٍ فنفضها (٢) مَنْ وقعت عليه؛ أجزأه، نَصَّ عليه (٣). وقال ابنُ عقيل: لا يجزئه، قال في «الفروع»: وهو أظْهرُ؛ لأنَّ فعل الأوَّل انقطع. فلو رماها، وشكَّ في وقوعها فيه؛ لم تسقط. وعنه: بلى، ذكره ابن البنَّاء. وقيل: يكفي الظَّنُّ بوقوعها فيه. فَرعٌ: إذا عَجَز عن الرَّمْي؛ جاز أنْ يستنيب فيه، فإذا رَمَى، ثمَّ برأ؛ لَمْ يلزمه إعادتُه؛ لأنَّ الواجب سقط عنه. (وَلَا) يُسنُّ أن (يَقِفَ عِنْدَهَا)؛ لما رَوَى ابْنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رَمَى جمرة العقبة انصرف، ولم يَقِفْ» رواه ابنُ ماجَهْ، وروى البخاريُّ معناه من حديث ابن عمر (٤)، ولضِيقِ المكان.

стр. 2138

(وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) في قول الجمهور؛ لما رَوَى الفَضْلُ بنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزَلْ يلبِّي حتَّى رَمَى جمرةَ العقبة» أخرجاه في «الصَّحيحين» (١)، ولأنَّه كان رديفَه، فهو أعْلَمُ بحاله، وفي لفظٍ: «قطع عند أوَّل حصاةٍ» رواه حنبلٌ في المناسِك (٢)، ولأنَّه يتحلَّل به، فشُرِع قطعها في ابتدائه، كالمعتمِر يقطعها بالشُّروع في الطَّواف. (فَلَوْ (٣) رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)؛ لَمْ يُجْزئْه؛ لأنَّه ﵇ لَمْ يَرْمِ إلاَّ بالحصى، وهو تعبُّديٌّ. وعنه: بلَى.

стр. 2139

فإنْ رَمَى بخاتمٍ فصُّه حصاة (١)؛ فوجهان. (أَوْ غَيْرِ الْحَصَى)، الظَّاهر أنَّه أراد به نحو الكحل والرخام (٢)، وصرَّح به أبو الخطاب؛ لأنَّ شرطه الحجريَّة، وهذا ليس منه، ويلحق به: الجواهر المنطبعة، والزبردج (٣)، والياقوت على المشهور. وعنه: يُجْزِئُ مع الكراهة. وعنه: يجزئ مع الجهل، لا القصد، لكن الرُّخام والكَدَّان (٤)، صرح في «المغني» و «الشَّرح» بالإجزاء فيه، فدلَّ أنَّه ملحَقٌ بالأحجار. وعلى الأوَّل: لا. ويحتمل (٥) أنَّه أراد الحجر (٦) الكبير، وفيه روايتان، والمذهب: أنه لا يُجزِئُ، ونقل الزَّركشيُّ أنَّه يجزئ على المشهور؛ لوجود الحجريَّة، وكذا القولان في الصَّغير، قاله في «المغني». (أَوْ حَجَرٍ رَمَى بِهِ مَرَّةً؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) في المنصوص؛ لأنَّه استُعمِل في عبادةٍ، فلم يُستعمَلْ ثانيًا؛ كماء الوضوء، ولأخْذِه ﵇ إيَّاه من غير المَرْمَى، ولأنَّه لو جاز لما احْتِيج إلى أخذه من غَير مكانه. (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)، هذا هو الأفضلُ، وحكاه ابن عبد البَرِّ إجْماعًا (٧)؛ لقول جابِرٍ: «رأيت النَّبيَّ ﷺ رمَى الجمرة ضُحَى يوم النَّحْر»

стр. 2140

رواه مسلمٌ (١). وذكر جماعةٌ: يُسَنُّ بعد الزَّوال. (فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ أي: ليلة الأضحى؛ (أَجْزَأَهُ)؛ لما رَوتْ عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر أمَّ سَلَمةَ ليلةَ النَّحْر، فرَمَتْ جمرة العقبة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت» رواه أبو داودَ (٢). وعنه: يُجزئُ بعد الفجر قبل طلوع الشَّمس. وقال ابنُ عَقِيلٍ: نَصُّه: للرِّعاء خاصَّةً الرمي ليلاً، نقله ابن منصور (٣). والأول أولى؛ لأنه وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي (٤)؛ كبعد طلوع الشَّمس، والأخبار محمولةٌ على الاستحباب. فإنْ أخَّره إلى آخر النَّهار؛ جاز، فإن غربت قبله؛ فمن غد بعد الزَّوال. (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا)، واجبًا كان أو تطوُّعًا، (إِنْ كَانَ مَعَهُ)؛ لحديث جابِرٍ: «أنَّه ﵇ رمى من بطن الوادي، ثمَّ انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستِّين بدَنةً بيده، ثمَّ أعطى علِيًّا فنحر ما غبَر-أي (٥): بقِيَ-، وأشْرَكَه في هديه» (٦). فإن لم يكن معه هدْيٌ، وعليه هدي واجبٌ؛ اشتراه ونحره، وإلاَّ فإن أحبَّ الأُضحيَّة اشترى ما يُضحِّي به.

стр. 2141

قوله: (ثمَّ ينحر) هو مختص (١) بالإبل، وأما غيرُه فيذبح، وكأنَّه أشار أنَّ الأَوْلَى في الهدي أن يكون من الإبل؛ اقتِداءً به ﵇، ولا إشكال في مسنونيَّته، وسَوقه ووقوفه بعرفةَ؛ ليجْمَع فيه بين الحِلِّ والحرم، وسيأتِي. (وَيَحْلِقُ) بعد النَّحر، فالواو بمعنى ثمَّ؛ لأنَّه «﵇ رَمَى جمرة العقبة يوم النَّحر، ثمَّ عاد إلى مِنًى فدعا بذِبْحٍ فذبح، ثمَّ دعا بالحَلاَّق؛ فأخذ شِقَّه الأيمنَ فحلقه، فجعل يقسمه بين مَنْ يليه، ثمَّ حلق شِقَّ رأسه الأيسر» رواه أبو داودَ (٢). فمن ثَمَّ يُستحَبُّ البَداءة بأيمنه، ويُستحَبُّ أن يبلغ العظم الذي عند منقطع (٣) الصُّدغ من الوجه، ويستقبل القِبلة، وذكر جماعةٌ: ويدعو. وفي «المغني» و «الشَّرح»: يكبِّر وقت الحلق؛ لأنَّه نُسُكٌ، قال أبو حكيمٍ: ولا يشارِطه على أجرةٍ، ثمَّ يصلِّي ركعتَين. (أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لدعائه ﵇ للمحلِّقين وللمقصرين (٥). وظاهِرُه التَّخْيِيرُ بينهما في قول الجمهور؛ لأنَّ بعضهم حَلَق وبعضهم قصَّر، ولم ينكِرْه، ولكنَّ الحلقَ أفضلُ بلا تردُّدٍ؛ لأنَّه أبْلغُ في العبادة، وأدلُّ على صدق النِّيَّة. ويكون التَّقصيرُ من جميع الشَّعر؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾

стр. 2142

[الفَتْح: ٢٧]، ولأنه بَدَلٌ عن الحلق، فاقتضى التَّعميم؛ للأمر بالتَّأسِّي، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا مِنْ كلِّ شعرةٍ بعينها (١)، قال جماعةٌ: ويكون (٢) مقدارَ الأَنْمُلة؛ لأنَّه من السُّنَّة. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ؛ كَالمَسْحِ)، قاله ابن حامِدٍ؛ لأنَّه في معناه، قال في «الفروع»: فيُجزِئُ ما نزل عن رأسه؛ لأنَّه من شعره، بخلاف المسح؛ لأنَّه ليس رأسًا، ذكره في «الفصول» و «الخلاف»، قال: ولا يُجزِئُ شعرُ الأذن علَى أنَّه إنَّما لم يجزئ (٣)؛ لأنَّه يجبُ تقصيرُ جميعِه. فائدةٌ: ظاهِرُ كلام المؤلِّف والأكثر: أن (٤) من لبَّد، أو ضفر، أو عَقَصَ؛ فكغَيره، ونقل ابنُ منصورٍ: (مَنْ فعل ذلك فليحلق) (٥)؛ أي: وجب عليه، رواه مالكٌ عن عمر (٦). قال في «الخلاف»: لا يمكنه التَّقصير من كلِّه؛ لاجتماعه. فإن لم يكن على رأسه شعْرٌ؛ فظاهر كلامه في رواية المرُّوذِيِّ: (أنَّه يجب إمرارُ الموسَى على رأسه) (٧)، وحمله القاضِي على النَّدب، وقدَّمه في «الفروع»، وهو قول الأكثر.

стр. 2143

ويُستحَبُّ أن يأخذ من أظفاره وشارِبه؛ لأنَّه «﵇ قلَّم أظفارَه بعد حَلْق رأسه» (١)، وكان ابنُ عُمَرَ يأخذ من شاربه (٢)، وقال ابن عَقيلٍ وغيره: ولِحْيته، فإنْ عَدِم ذلك؛ استُحِبَّ أن يُمِرَّ الموسَى، وقاله (٣) أبو إسحاق في ختان (٤). (وَالمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأَنْمُلَةِ)؛ لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَيس على النِّساء حلْقٌ، إنَّما على النِّساء التَّقصيرُ» رواه أبو داودَ (٥)، ولأنَّ الحلْقَ في حقِّهنَّ مُثْلةٌ، فعلَى هذا: تُقصِّر من كلِّ قرْنٍ قدْرَ الأنْمُلة، ونقل أبو داودَ: (تجمع شعْرَها إلى مقدَّم رأسها، ثمَّ تأخذ من أطرافه قدرها) (٦). وفي مَنسَك ابن الزَّاغُونِيِّ: تَجِبُ أنْمُلةٌ، والأشْهَرُ: يُجْزِئُ أقلُّ منها. لم يتعرَّض المؤلِّفُ لحكم العبد، وقد صرَّح في «الوجيز»: بأن حكمَه

стр. 2144

كالمرأة، وأنه يقصِّر، ولا يَحْلِقُ إلاَّ بإذن سيِّده؛ لأنَّه يَنْقُصُ قيمتَه (١). (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ) بعد الرَّمْي والنحر (٢) والحَلْقِ أو التقصير؛ (كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ)؛ لما روت عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا رَمَى جمرةَ العقبة، وحلَق رأسَه؛ فقد حلَّ له كلُّ شَيءٍ إلاَّ النِّساءُ» رواه الأثرمُ (٣)، ولأحمدَ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا معناه (٤). فعلَى هذا: لا يُباح له ما كان حرامًا عليه منهنَّ؛ من القُبلة، واللَّمس لشهوة (٥). قال القاضِي وابنُه وابنُ الزَّاغُونِيِّ واقْتَصَرَ عليه في «المغني» و «الشَّرح»: وعَقْدُ النِّكاح، وظاهر كلام جماعةٍ حِلُّه، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وذكره عن أحمدَ (٦).

стр. 2145

(وَعَنْهُ): يَحِلُّ له كلُّ شَيءٍ، (إِلاَّ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ)؛ لأنَّ تحريم المرأة ظاهِرٌ في وطئها، ولأنَّه أغلظُ المحرَّمات، ويُفْسِدُ النُّسُكَ، بخلاف غيرِه. ونقل الميمونِيُّ (١) في المتمتِّع إذا دخل الحرم: حلَّ له بدخوله كلُّ شَيءٍ إلاَّ النِّساءَ والطِّيبَ قبل أن يَحلِق أو يقصر (٢)، رواه مالكٌ عن (٣) عمر (٤)، ولأنَّه من دواعي الوطْء أشْبَهَ القُبلةَ. (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ) في الحجِّ والعمرة في ظاهر المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفَتْح: ٢٧]، فوصفهم وامْتنَّ عليهم بذلك، فدلَّ أنَّه من العبادة، مع قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحَجّ: ٢٩]؛ قيل: المراد به الحلْقُ، وقيل: بقايا أفعال الحجِّ من الرَّمي ونحوه؛ ولأمره ﵇ بقوله: «فليُقصِّرْ أو ليحلل (٥)» (٦)، ولو

стр. 2146

لم يكن نُسُكًا؛ لم يتوقَّف الحِلُّ عليه، ولأنه ﵇ دعا للمحلِّقين وللمقصِّرين (١)، وفاضَلَ بينهم، فلولا أنَّه نُسُكٌ؛ لمَّا اسْتَحقُّوا لأجله الدُّعاءَ، ولما وقع التَّفاضُل فيه، إذ لا مفاضَلَةَ في المباح، فعلَى هذا: يُثابُ علَى فعله، ويُذَمُّ بتركه. (إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا دَمَ عليه، قدَّمه جماعةٌ، وجزم به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، فبيَّن أوَّل وقته ولم يبيِّنْ آخرَه، فمتى (٢) أتى به؛ أجزأ كالطواف (٣). والثَّانية: عليه دمٌ، قدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه ترك النُّسك في وقته، أشبه تأخير الرَّمْيِ. وظاهِرُه: أنَّ له تأخيرَه إلى آخر أيَّام النَّحر، وصرَّح به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه إذا جاز تأخيرُ النَّحر المقدَّم عليه؛ فتأخيره أَوْلَى، ولكنَّ عبارةَ «الشَّرح» أخصُّ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ)؛ لقوله ﵇ لأبي موسى (٤) حين قال: أهْلَلْتُ بإهلالٍ كإهلال النَّبيِّ ﷺ : «طُفْ بالبيت، وبالصَّفا والمروة، ثمَّ حِلَّ» متَّفَقٌ عليه، وفي حديث جابرٍ معناه، رواه مسلمٌ (٥)، فأمر بالحِلِّ من غير حلْقٍ ولا تقصيرٍ، ولو كان نُسُكًا لمَا أمر به إلاَّ بعده، فهو (٦) كاللِّباس والطِّيب،

стр. 2147

(لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ)، ويَحصُل التَّحلُّلُ بدونه، وهو مخيَّرٌ بين فعله في أيَّام مِنًى، وبين تأخيره وتركه، والأخذ من (١) بعضه دون بعضٍ؛ لأنَّه ليس بواجِبٍ كغيره. (وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ)، يحتمل أنَّ هذا تكْمِلةُ الرِّواية، فيكون معطوفًا على قوله: (لا شَيءَ في تَرْكِه)، ويَحتَمِل أنَّه مستأْنَفٌ، والأوَّلُ أظهرُ. واختلفت الرِّواية فيما يحصل به التَّحلُّلُ؛ فالأكثر على أنَّه لا يَحصُل إلاَّ بالرَّمْي والحلق أو التَّقصير؛ «لأمره ﵇ من لم يكن معه هدْيٌ؛ أنْ يطوفَ، ويقصِّرَ، ثمَّ يَحِلَّ» (٢). وعنه: أنَّه يَحصُل بالرَّمي وحدَه، صحَّحها في «المغني»؛ لقوله: «إذا رَمَيتم الجمرةَ؛ حلَّ لكم كلُّ شَيءٍ إلاَّ النساء» (٣). وتحقيقه أن يقال: هل الأنساك ثلاثة، أم (٤) اثنان؟ فيه (٥) روايتان: إحداهما: أنه (٦) ثلاثةٌ؛ رمْيٌ وحَلْقٌ وطوافٌ. والثَّانية: هما نُسُكان؛ رمْيٌ وطوافٌ. فعلى الأولى: يحصل التَّحلُّلُ الأَوَّلُ باثْنَيْنِ، اختاره الأكثرُ، ويحصل الثَّاني بفعل الثالث (٧). وعلى الثانية: يحصل الأوَّل بواحد منهما، والثَّاني بالثَّاني. فعليها: الحلق إطلاق من محظورٍ.

стр. 2148

وفي «التَّعليق»: نُسُكٌ؛ كالمبيت بمُزدَلِفة، ورمْيِ يوم الثَّاني والثَّالث. واختار المؤلِّف: أنَّه نُسُكٌ، ويَحِلُّ قبله، وهو روايةٌ. والسُّنَّةُ يوم النَّحر: أن يَرْمِيَ، ثمَّ ينحَرَ، ثمَّ يحلِقَ، ثمَّ يطوفَ، يرتِّبُها كذلك، رواه أبو داودَ من حديث أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعَلَه (١). (وَإِنْ (٢) قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ، أَوِ النَّحْرَ؛ جَاهِلاً، أَوْ نَاسِيًا؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، في قول الأكثر؛ لما رَوَى ابنُ عمر (٣): أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! حَلَقْتُ قبل أنْ أذبحَ؟ قال: «اذْبَحْ ولا حَرَجَ»، وقال آخر: ذبحْتُ قبل أنْ أرْمِيَ؟ قال: «ارْمِ ولا حَرَجَ»، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا معناه، متَّفقٌ عليهما (٤)، وإذا ثبت ذلك في الجاهل؛ فالناسي مثلُه. وكذا إذا زار أو نحر قبل رَمْيِه؛ فلا دمَ عليه، نَصَّ عليه (٥). (وَإِنْ فَعَلَهُ (٦) عَالِمًا) عامِدًا، (فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهرُهما: أنَّه لا دَمَ عليه، رُوِيَ عن عَطاءٍ وإسحاقَ؛ لإطلاق ما تقدَّم. والثَّانية -نقلها أبو طالبٍ وغيره-: يلزمه دمٌ (٧)، واختارها أبو بكْرٍ؛

стр. 2149

لأنَّه ﵇ رتَّبها وأمر باتباعه (١). ويُسْتَثْنَى منه: حالةُ الجهل والنسيان، بدليل قوله: «لَمْ أشْعُرْ»، فيبقَى ما عداه على مُقْتَضَى الأصل. وظاهر نقْلِ الميمونيِّ (٢): يلزمه صدقةٌ، قال في «الشَّرح»: لا نعلم خلافًا أنَّ الإخلالَ بالتَّرتيب لا يُخرِج هذه الأفعال عن الإجزاء، وإنَّما الخلاف في وجوب الدَّم. (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً (٣) بها (٤) يوم النَّحر، نَصَّ عليه (٥)؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «خَطَبَ النَّبيُّ ﷺ النَّاس يوم النَّحر» رواه البخاريُّ (٦). قال جماعةٌ: بعد صلاة الظُّهر، وفيه نَظَرٌ؛ لما رَوَى رافع بن عمرو (٧) المزنيِّ قال: «رأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَخطُبُ النَّاسَ بمنى حين ارتفع الضُّحَى، على بَغْلةٍ شهْباءَ، وعلِيٌّ يُعبِّرُ عنه، والنَّاس بين قائمٍ وقاعدٍ» (٨). ويفتتحها بالتَّكبير، قاله في «الرِّعاية». (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ، وَالْإِفَاضَةَ، وَالرَّمْيَ)؛ لقول عبد الرحمن بن معاذٍ: «خطبَنا رسول الله ﷺ بمِنًى، فطفِق يعلِّمهم مناسكَهم حتَّى بلغ الجمار» رواه

стр. 2150

أبو داودَ (١)، ولأن (٢) الحاجة تدعو إليه. وعنه: لا يَخطُب يومئذٍ، نصره القاضِي وأصحابُه؛ لأنَّها تُسَنُّ في اليوم قبلَه، فلا تُسَنُّ فيه. (ثُمُّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ)؛ لقول عائشة: حَجَجْنا مع النَّبيِّ ﷺ ، فأفَضْنا يوم النحر، فحاضت صفيَّةُ، فأراد النَّبيُّ ﷺ منها ما يُريدُ الرَّجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنَّها أفاضت يوم النَّحر! قال: «اخْرُجُوا» متَّفَقٌ عليه (٣). (وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ)، هكذا فعل النَّبيُّ ﷺ (٤)، سُمِّي به؛ لأنَّه يأتي من مِنًى فيزور البيت، ولا يقيم بمكَّة، بل يعود (٥) إلى مِنًى، ويُسمَّى: طواف الإفاضة؛ لأنَّه يأتي به (٦) عند إفاضته من مِنًى إلى مكَّة، ويُسمَّى: طواف الصَّدَر؛ لأنَّه يُصدَر إليه من مِنًى. وقيل: طواف الصَّدَر هو طواف الوداع، قال المنذري (٧): وهو المشهور؛

стр. 2151

إذ الصدَر (١) رجوع المسافر من مقصده. (وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ)؛ لخبر الأعمال (٢)، ولأنَّ الطَّواف بالبيت صلاةٌ، وهي لا تصحُّ إلاَّ بنيَّةٍ معيَّنةٍ. (وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ)، إجْماعًا، قاله ابن عبد البَرِّ (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحَجّ: ٢٩]، وقوله: «أحابِستنا؟» (٤)، فدلَّ أنَّ هذا الطَّواف لا بُدَّ منه، وأنه حابس لِمَنْ لَم يأتِ به. ووصفُه بالتَّمام؛ لأنَّه لم يَبقَ من أركان الحجِّ سواه، فإذا أتى به؛ حصل تمام (٥) الحجِّ. لا يقال: النَّصُّ الوارد في عرفةَ لَمْ يذكر فيه الطَّواف، وإنَّ الحجَّ يتمُّ بالوقوف بها؛ لأنَّه مَنْ وَقَف بعرفةَ لم يَبقَ حجُّه متعرِّضًا للفوات، والطَّواف ركنٌ فيه ليس له وقتٌ معيَّنٌ يفوت بفواته، وليس فيه ما يمنع فرضيَّته. وظاهره: أنَّ المتمتِّع لا يطوف للقدوم، والمنصوص (٦): أنَّ المتمتِّع يطوف للقدوم كعمرته، بلا رَمَل، ثمَّ للزِّيارة؛ لأنَّ طواف القُدوم كتحيَّة المسجد عند دخوله قبل شروعه في الصَّلاة. وعنه: يجوز فعلهُ قبل (٧) الرُّجوع، فيفعله عقب الإحرام. ومنع في «المغني» مسنونيَّة هذا الطَّواف، وقال: لم أعلم أنَّ أحدًا وافق

стр. 2152

أبا عبد الله على هذا الطَّواف، بل المشروع طواف واحد للزِّيارة؛ كمَنْ دخل المسجد، وأقيمت (١) المكتوبة، فإنَّه يكتفي بها، مع أنَّه لم يُنقَل بالكلِّيَّة، وحديثُ عائشةَ دليلٌ عليه، فإنَّها قالت: «طافُوا طوافًا واحدًا» (٢)، وهذا هو طواف الزِّيارة، ولو كان المذكورُ طوافَ القدوم لأخلَّت بذكر الفرض الذي هو ركنُ الحجِّ. وحكم المكِّيِّ إذا أحرم منها، والمنفرد والقارن إذا لم يأتيا مكَّة قبل يوم النَّحر؛ كالمتمتِّع. (وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ)؛ لأنَّ أمَّ سَلَمة رَمَتْ، ثم طافت، ثمَّ رجعت فوافت النَّبيَّ ﷺ عند جمرة العقبة (٣)، وبينها وبين مكَّة فَرْسَخَانِ. وعنه: أوَّلُ وقته طلوع فجر يوم النَّحر. وهما مبنيَّان على أول وقت الرَّمْي. (وَالأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ)، بعد الرَّمي والنَّحر والحلْقِ؛ لقول جابِرٍ: «ثمَّ أفاض النَّبيُّ ﷺ يوم النَّحر إلى البيت، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ»، وقد سبق حديث عائشةَ وابنِ عمرَ (٤). (فَإِنْ أَخَّرَهُ)؛ أي: طواف الزِّيارة (عَنْهُ)؛ أي: يوم النَّحر، (وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى؛ جَازَ)؛ لأنَّه تعالى (٥) أَمَر بالطَّواف مطلَقًا، فمتى أتى به، صحَّ بغير خلافٍ، ذكره في «الشَّرح».

стр. 2153

وظاهره: أنَّه لا دم عليه بتأخيره عن يوم النَّحر، واختار في «الواضح»: وجوبه بلا عُذْرٍ. ولا عن أيَّام مِنًى؛ كالسَّعْيِ، وخرَّج (١) القاضي وغيره رواية من الحلق، قال في «الفروع»: ويتوجَّه مثلُه في سعي. (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا)؛ لأنَّ السَّعيَ أوَّلاً لعمرته، فشُرع أن يسعى للحجِّ. (أَوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ)، وهو المفرِدُ والقارِنُ، فيَسعَى؛ لأنَّه إمَّا ركنٌ أو (٢) واجِبٌ أو سنَّةٌ، ولَم يأتِ به؛ لأنَّه لا يكون إلاَّ بعد طوافٍ؛ لِفِعْله وأمْرِه ﵇ بمُتابَعَته (٣). (وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى) مع طواف القدوم؛ (لَمْ يَسْعَ)؛ لقول جابِرٍ: «لم يَطُفِ النَّبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلاَّ طوافًا واحدًا، طوافه الأوَّل» (٤)، ولأنَّه لا يُستحَبُّ التَّطوُّعُ بالسَّعْيِ كسائر الأنساك بغير خلافٍ نعلمه (٥)، بخلاف الطَّواف، فإنَّه صلاةٌ. (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ)؛ لقول عمرَ (٦): «لم يَحِلَّ النَّبيُّ ﷺ من شَيءٍ حرُم منه حتَّى قَضَى حجَّه، ونحر هديَه يوم النَّحر، فأفاض بالبيت، ثمَّ حلَّ من كلِّ شَيءٍ حرُم منه»، وعن عائشة نحوه، متَّفَقٌّ عليهما (٧).

стр. 2154

وظاهِرُه: أنَّ الحِلَّ متوقِّفٌ على السَّعي، نَصَّ عليه في رواية أبي طالبٍ (١)، وهو ظاهر على القول بِرُكْنِيَّتِه، وكذا إن قيل بوجوبه، واختاره القاضي في «المجرد» وصاحب «المغني»، وحكاه في «التَّلخيص» روايةً. وإن قلنا بسنيَّته؛ ففي حِلِّه قبله وجهان، وفي «المغني» احْتِمالان: أحدهما: نعم، وهو ظاهِرُ كلام المجْدِ؛ لأنَّه لَم يَبْقَ عليه شَيءٌ من الواجبات. والثَّانِي: لا، وقطع به في «التَّلخيص»؛ لأنَّه من أفعال الحجِّ، فيأتِي به في إحرامه (٢) بالحج (٣). (ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا (٤)؛ لقول جابِرٍ: «ثمَّ أتَى النَّبيُّ ﷺ بني عبد المطَّلِب وهم يَسقُون، فناولوه، فشَرِب منه» (٥). وفي «التَّبصرة»: ويرش على بَدَنِه وثَوبِه. (لِمَا أَحَبَّ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «ماءُ زمزمَ لما شُرِب له» رواه ابن ماجَهْ (٦)،

стр. 2155

وقولِه ﵇ لأبِي ذَرٍّ: «إنَّها طعامُ طُعْمٍ» (١)؛ أي: تشبع (٢) شاربها (٣) كالطَّعام. (وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ لرجلٍ: تضلَّعْ منها، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «آية ما بيننا وبين المنافقين: أنَّهم لا يتضلَّعون من زمزم» رواه ابن ماجَهْ (٤). ويُستحَبُّ له استقبالُ الكعبة؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «إذا شرِبْتَ منها؛ فاستقبِلِ الكعبةَ، واذكُر اسمَ الله» (٥). (وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي (٦)، وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ (٧)؛ لأنَّه لائق به، وهو شامِلٌ لخير الدنيا والآخرة، فيُرجى له حصولُه. وقد ورد عن ابن عباس أنَّه كان إذا شَرِب منه يقول: «اللَّهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورِزْقًا واسعًا، وشِفاءً من كلِّ داءٍ»، قال الحاكم: صحيحُ

стр. 2156

الإسناد، إنْ سَلِمَ من الجارودي (١).

стр. 2157

(فَصْلٌ) (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى)، فيصلِّي بها الظُّهرَ يوم النَّحر، نقله أبو طالِبٍ (١)؛ لقول ابن عمر: «أفاض النَّبيُّ ﷺ يوم النَّحر، ثمَّ رجع فصلَّى الظُّهر بمِنًى» متَّفَقٌ عليه (٢). (وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى)، بل يَبِيتُ بمِنًى ثلاثَ ليالٍ. (وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ)، نَصَّ عليه (٣)، ويُسَنُّ قبل الصلاة. وجوَّزه ابن الجَوزي قبل الزَّوال. وفي «الواضح» بطلوع الشَّمس، إلاَّ ثالثَ يومٍ. (كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِيَ (٤) أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلاً) إلى مكان لا يصيبه الحصَى، (فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى، وَيُطِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ (٥)، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو)، وقيَّدهما في «المحرَّر»: قدر سورة البقرة. (ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا)؛ لقول عائشةَ: «أفاض رسول الله ﷺ في آخِر يومه حين صلَّى الظُّهْرَ، ثمَّ رجع إلى مِنًى فمكث بها

стр. 2158

ليالي أيَّام التَّشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشَّمس، كلُّ جمرةٍ بسبع حصَياتٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ويَقِفُ عند الأولَى والثَّانيةِ، فيطيل المقام ويتضرَّعُ، ويرمِي الثالثة، ولا يقف عندها» رواه أبو داودَ (١). ورَوَى البخاريُّ عن ابن عمر: «أنَّه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصياتٍ، يكبِّر على إثْر كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدَّم فيُسهِلُ، ويقوم قيامًا طويلاً، ويرفع (٢) يديه، ثمَّ يَرمِي الوسطى، ثمَّ يأخُذُ ذاتَ الشِّمَال فيُسهِلُ، ويقوم ويستقبِل القبلةَ قيامًا طويلاً (٣)، ثمَّ يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمَّ يَنصرِف، ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله» (٤). فلو ترك الوقوف عندها والدعاء؛ فقد ترك السُّنَّة، ولا شَيءَ عليه. وقال الثوري (٥): يُطعِمُ شيئًا، وإن أراق دمًا كان أحبَّ إليَّ، ورُوِي عن أحمدَ معناه (٦). (وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ)، يعني: يبدأ بالجمرة الأولَى، ثمَّ بالتي تليها، ثمَّ بالتي تليها؛ لأنَّه نُسُكٌ يتكرَّر، فكان التَّرتيب شرْطًا فيه كالسَّعْي، فلو نكَّس، فبدأ بجمرة العقبة، ثمَّ الثَّانية، ثمَّ الأولَى، أو بدأ بالوسطى؛ لَمْ تُجْزئْه

стр. 2159

إلا الأولَى، وأعاد الوسطى والقصوى، نَصَّ عليه (١). (وَفِي عَدَدِ الحَصَى رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ)، وهي المذهب؛ لفعله ﵇ في حديث ابن عمر، وابن مسعودٍ، وعائشةَ (٢)، وفِعله خرج بيانًا لصفة الرَّمي المشروع. (وَالأُخْرَى: يُجْزِئُهُ خَمْسٌ)، إذ الأكثرُ يُعْطَى حكمَ الكلِّ، وقد ثبت عن الصَّحابة التساهل في البعض. وعنه: ستٌّ؛ لما رَوَى سعدٌ قال: «رجعْنا من الحجَّة مع رسول الله ﷺ ، بعضُنا يقول: رميت بستٍّ، وبعض يقول: رمَيتُ بسبعٍ، فلم يَعِبْ بعضُنا علَى بعضٍ» رواه الأثرم (٣)، وعن ابن عمر معناه (٤).

стр. 2160

(فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى؛ لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ)؛ لإخلاله بالتَّرتيب المشترَط، فلو كانت غيرَ واجبةٍ؛ لم يؤثِّر. (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الجَمَرَاتِ (١) تَرَكَهَا (٢)؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ ليتيقَّن براءةَ ذمَّته، كما لو شكَّ هل صلَّى ثلاثًا أم أربعًا. (وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ)، ومن جملته: رَمْيُ يومِ النَّحْر، (فَرَمَاهُ فِي آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ أَجْزَأَهُ)؛ لأنَّه وقتُ الرَّمْيِ، فإذا أخَّره إلى آخر وقته؛ لَمْ يَلزَمْه شَيءٌ، كما لو أخَّر الوقوف بعرفةَ إلى آخر وقته، لكنَّه تركَ السُّنَّة. ويكون أداءً؛ لأنَّه وقتٌ واحدٌ، وقِيل: قضاءً. وحَمَله القاضِي على الفعل (٣)؛ كقوله (٤) تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحَجّ: ٢٩]. فلو أخَّر رمْيَ يومٍ إلى الغد؛ رَمَى رميين (٥)، نَصَّ عليه (٦). (وَيُرَتِّبُهُ بِنِيَّتِهِ)، ومعناه: أن يَنْوِيَ الأوَّلَ فالأوَّلَ؛ لأنَّ الرَّمْيَ في أيَّام التَّشريق عبادات يجب التَّرتيب فيها مع فعلها في أيَّامها، فوجب ترتيبها؛ كالمجموعتَين والفوائت في الصلوات. (وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ فعليه دمٌ؛ لقول ابن عبَّاسٍ (٧)، ولأنَّه ترك

стр. 2161

نُسُكًا واجبًا، كما لو أخَّر الإحرام عن الميقات، ولا يأتي به؛ كالبَيْتوتة بمِنًى. (أَوْ تَرَكَ المَبِيتَ بِمِنًى فِي لَيَالِيهَا؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ)، اختاره الأكثرُ؛ لوجوبه، ولقول ابن عبَّاسٍ: «لَمْ يُرخِّصِ النَّبيُّ ﷺ لأحدٍ يَبِيتُ بمكَّة إلاَّ العبَّاس؛ من أجل (١) سِقايَتِه» رواه ابن ماجَهْ (٢). وعنه: لا يَجِبُ، اختاره أبُو بكْرٍ؛ لقول ابنِ عبَّاسٍ: «إذا رَمَيتَ الجمرة؛ فبِتْ حَيثُ شِئْتَ» (٣)، ولأنَّه قد حلَّ من حجِّه، فلَمْ يَجِبْ عليه المَبِيتُ بمَوضِعٍ معيَّنٍ. وعنه: يتصدَّق بشَيءٍ، نقله الجماعةُ (٤)، قاله القاضِي. (وَفِي تَرْكِ (٥) حَصَاةٍ، أَوْ) مَبيتِ (لَيْلَةٍ؛ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ)، على الخلاف. أما أوَّلاً: فظاهِر نقل الأثرم: يتصدَّق بشَيءٍ، قاله القاضي (٦). وعنه: عَمْدًا. وعنه: عليه دمٌ، قطع به في «المحرَّر»، وهو خلاف نقل الجماعة والأصحاب. وعنه: في ثنتين؛ كثلاثٍ في المنصوص. وعنه: واحدةٌ هدر. وعنه: وثِنْتانِ. وأما (٧) ثانيًا: فذكَر جماعةٌ: أنَّه يَلْزمُه دمٌ. وعنه: كشَعْرةٍ؛ لأنَّها لَيستْ

стр. 2162

نُسُكًا بمفردها، بخلاف مُزْدَلِفةَ، قاله القاضِي. وعنه: لا يَجِبُ شَيءٌ. (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى)؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ: «أنَّ العبَّاسَ اسْتأْذن النَّبيَّ ﷺ أن يبيتَ بمكَّةَ ليالِيَ مِنًى من أجل سقايته؛ فأذِنَ له» متَّفَقٌ عليه (١)، وروى (٢) عاصمٌ عن أبيه قال: «رخَّص النَّبيُّ ﷺ لرِعاء الإبل في البَيْتوتة في أن يَرْمُوا يوم النَّحر، ثمَّ يَجمَعوا رمْيَ يومَين بعد يوم النَّحر، يَرمُونه في أحدهما» رواه التِّرمذيُّ، وقال: (حسَنٌ صحيحٌ) (٣)، ولأنهما (٤) يَشْتَغِلون باسْتقاء الماء والرَّعي، فرخَّص لهم في ذلك. فعلَى هذا: لهم الرَّمْيُ بليلٍ أوْ نهارٍ. فائدةٌ: أهلُ السِّقاية: هم الذين يَسْقُون على زمزم، والرُّعاة (٥) بضم الرَّاء، وهاءٍ في آخره، وبكسر الرَّاء ممدودًا (٦) بلا هاءٍ، وهي لغة القرآن. (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى؛ لَزِمَ الرِّعَاءَ المَبِيتُ (٧)؛ لأنَّ ترك المبيت بها إنَّما كان للحاجة، فإذا غربت زالت حاجة الرِّعاء؛ لأنَّ وقتَه النَّهارُ، وصار كالمريض الذي سقط عنه حضور الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعيَّنتْ عليه. (دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ)؛ لأنَّهم يَسْقُون ليلاً ونهارًا. فرعٌ: من له مالٌ يَخافُ ضَياعَه، أو موتَ مريضٍ، قال المؤلِّف: وكذا

стр. 2163

عُذْرُ خوفٍ أو مرضٍ؛ كالرِّعاء في ترك البيتوتة؛ للمعْنَى. (وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً)؛ لما رَوَى أبو داودَ: عن رَجُلَينِ من بني بكرٍ قالا: «رأينا النَّبيَّ ﷺ يخطب بين أوْسَط أيَّام التَّشْريق، ونحن عندَ راحلته» (١)، (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعِهِمْ)؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إلى ذلك؛ لِيذكِّر العالِمَ، ويعلِّم الجاهلَ، نقل الأثرم: من النَّاس مَنْ يقول: يَزُورُ البيت كلَّ يومٍ من أيَّام مِنًى، ومنهم مَنْ يختار الإقامةَ بمِنًى (٢)، قال: واحتجَّ أحمدُ بحديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُفيضُ كلَّ ليلةٍ» (٣). (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ)؛ أي: تعجل في اليوم الثَّانِي من أيَّام التَّشْريق، وهو النفر الأوَّل؛ (خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٠٣]، والتَّخْيِيرُ هنا لجواز الأمْرَينِ، وإن كان التأخير أفضلَ.

стр. 2164

وظاهِرُه: يَشمَل مريدَ الإقامة بمكَّة وغيرِه، وهو قولُ أكثرِ العلماء. وعنه: لا يُعْجِبُنِي لِمَنْ نفر الأوَّل أنْ يقيم بمكَّة؛ لقول عُمَرَ (١)، وحَمَله في «المغني» على الاِسْتِحْباب؛ محافظة على العموم، فلو عاد؛ فلا يضُرُّ رجوعُه؛ لحصول الرُّخصة. وليس عليه رَمْيُ اليوم الثَّالث، قاله أحمدُ (٢). ويَدفِنُ بقيَّة الحَصَى في الأشْهَرِ، زاد بعضُهم: في المرمَى. وفي «منسَك ابن الزَّاغوني»: يَرْمِي بهنَّ؛ كفِعْله في اللَّواتِي قبله. (فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا؛ لَزِمَهُ المَبِيتُ والرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ)؛ لأنَّ الشَّرع جوَّز التَّعجيل في اليوم، وهو اسمٌ لبياض النَّهار، فإذا غربت الشَّمس؛ خرج من أن يكون في اليوم، فهو مِمَّنْ تأخَّر، وعن نافعٍ، عن ابن عمر أنَّه كان يقول: «من غَرَبَتْ له الشمس من أوسط (٣) أيَّام التَّشْريق وهو بمنى؛ فلا يَنفِر حتَّى يَرْمِي الجمار من الغد» رواه مالكٌ (٤).

стр. 2165

ويكون الرمي بعد الزَّوال، نَصَّ عليه (١)، وقول الزَّرْكَشِيِّ: إنَّها روايةٌ مرجوحةٌ؛ فيه بُعْدٌ. وعنه: أو قبله. وهو النَّفْر الثَّانِي، لكن ليس للإمام المقِيمِ للمناسك (٢) التَّعجيلُ لأَجْل مَنْ يتأخَّر، قاله الأصحابُ. فائدةٌ: يُستحَبُّ لِمَنْ نفر أن يأتِيَ المحصَّب -وهو الأبطح وحدُّه: ما بين الجبلين إلَى المقبرة-، فيصلِّي به الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ويَهْجَع يسيرًا، ثمَّ يدخُل مكَّةَ، وكان ابنُ عمر يرى التَّحصيبَ سنَّةً، وقال: «كان رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمرَ وعثمان ينزلون بالأَبْطَح»، قال التِّرمذيُّ: (حسَنٌ غريبٌ) (٣)، ولا خلافَ في عدم وجوبه (٤). (فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ؛ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إِذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ)؛ لما روى ابنُ عبَّاسٍ قال: «أُمِرَ الناس أن يكون آخِرُ عَهْدهم بالبيت (٥)، إلاَّ أنَّه خُفِّف عن المرأة الحائض» متَّفَقٌ عليه (٦). قال القاضِي وأصحابه: إنَّما يستحق عليه (٧) عند العزم علَى الخروج، وإنَّه لو أراد المقامَ بمكَّة لا وداعَ عليه، سواءٌ نوى الإقامةَ قبل النَّفر أو بعده. ومن (٨) منزله في الحرم؛ فهو كالمكِّيِّ.

стр. 2166

وذَكَر في «التَّعليق»، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١): أنَّ طواف الوداع ليس من الحجِّ، ولا يتعلَّق به فيمَن وطِئَ بعد التَّحلُّل. ثمَّ يصلِّي ركعتَينِ، ويقبِّل الحَجَرَ، قال في «المستوعب»: كلَّما دَخَلَ. (فَإِنْ وَدَّعَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ)، قال ابنُ عَقِيلٍ وابن الجَوزيِّ: أو شِراء حاجةٍ بطريقه، (أَوْ أَقَامَ) بعد الوداع لغير شدِّ رحْلٍ، نَصَّ عليه؛ (أَعَادَ الْوَدَاعَ)؛ للخبر السَّابق، قيل له في رواية أبِي داودَ: ودَّع، ثمَّ نَفر يشتري طعامًا يأكله؟ قال: (لا، يقولون حتَّى يجعل الرَّدم وراء ظَهْره) (٢). ونصَّ في رواية أبي طالبٍ: (لا يَلتَفِتُ، فإن التفت؛ ودَّع) (٣)، قدَّمه في «التَّعليق» وغيره، وحمَله جماعةٌ على النَّدب. وذكر ابن الزَّاغونِيِّ وابُن عَقِيلٍ: لا يُوطِئُ (٤) ظهرَه حتَّى يَغِيبَ، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هذا بِدْعةٌ مكروهة (٥). وَقَطَع في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه إنْ قَضَى حاجته (٦) في طريقه، أوِ اشترى زادًا أو شَيئًا لنفسه في طريقه؛ لم يُعِدْه؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامةٍ. (وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ؛ أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّه أُمِر أن يكون آخِر عهده بالبيت، وقد فعله، ولأنَّ ما شُرِع كتحيَّة المسجد؛ يُجْزِئُ عنه الواجب من جنسه؛ كتحيَّة المسجد، وركعتي الطَّواف، والإحرام تجزئ (٧) عنهما المفروضة.

стр. 2167

والثَّانية: لا؛ لاِختلافهما، كالصَّلاتين الواجبتين، وكما لو نوى بطوافه الوداع عن طواف الزِّيارة، ويصير حكمُه حكمَ من تركه؛ لأنَّه ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلاَّ به، فإذا تركه ورجع إلى بلده؛ رجع حرامًا عن النِّساء إن كان قد رمى جمرة العقبة، وإلاَّ فحرامًا عن كلِّ شَيءٍ. (فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ؛ رَجَعَ إِلَيْهِ) مع إمكانه؛ لقُرب المسافة أو بُعْدها، وليس هناك خوفٌ على نفسٍ ولا مال، ولا فوات رُفقةٍ؛ لأنَّه أمْكَنَه الإتْيانُ بالواجب من غَيرِ مشقَّةٍ تلحَقُه. فإن رجع القريبُ؛ لم يَلزَمْه إحرامٌ؛ لأنَّه رجع لإتمام نُسُكٍ مأمورٍ به، كرجوعه لطواف الزِّيارة. والبعيد يُحرِم بعمرةٍ، ويأتِي بها، ثمَّ يطوف لوداعه، ولا يجاوِز الميقاتَ -إنْ كان- إلا محرِمًا؛ لأنَّه ليس من أهل الأعذار، وفي سقوط الدَّم عنه خلافٌ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الرُّجوعُ؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لتركه الواجب في الحجِّ، وظاهره: أنه لا يلزمه الرُّجوع؛ لما فيه من المشقَّة، أشبه ما لو وصل إلى بلده. (إِلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ؛ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا)، ولا فديةَ لذلك في قول عامَّة العلماء؛ للنَّصِّ السَّابق في الحائض، والنُّفساءُ مثلُها فيما يَجِبُ ويَسْقُط. لكن يسن أن تقف عند باب المسجد، فتدعو، فإن طَهُرَتْ قبل مفارَقة البُنْيان؛ اغْتَسلتْ وودَّعت؛ لأنَّها فِي حكم الإقامة، فإن لَم يُمكِنْها الإقامةُ فمضت (١)، أو مضت لغَيرِ عُذْرٍ؛ فعليها دمٌ، وإن كان بعده؛ لَمْ يَلْزَمْها الرُّجوع؛ لخروجها عن حكم الحَضَرِ. فَرعٌ: إذا ودَّع، ثمَّ أقام بمِنًى ولَمْ يدخل مكَّةَ؛ جاز. وإن خرج غير حاجٍّ؛ فظاهر كلام الشَّيخ تقيِّ الدِّين: لا يُودِّع.

стр. 2168

(فَصْلٌ) يُستحَبُّ دخول البيت، فيكبِّر في نواحيه، ويصلِّي فيه ركعتَين، ويدعو الله تعالى؛ لِفِعْله ﵇ (١)، والحِجْرُ منه، متجرِّدًا من الخُفِّ والنَّعل والسِّلاح، نَصَّ على ذلك (٢)، والنَّظرُ إليه عبادةٌ، وإذا نُزِعَتْ ثيابُها تُصدِّق بها، قاله أحمدُ (٣). (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ؛ وَقَفَ فِي المُلْتَزَمِ)، وذَرْعه أربعة أذرعٍ، (بَيْنَ الرُّكْنِ)، وهو الحَجَر الأسود، (وَالْبَابِ)؛ أي: باب الكعبة، فيَلْتَزِمه، ويُلصِق به صدْرَه ووجهَه وجميعَه؛ لما روى عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه قال: طُفْتُ مع عبد الله، فلما جاء دُبُر الكعبة قلت: ألا تتعوذ (٤)؟ قال: «نعوذ بالله من النَّار»، ثمَّ مَضَى حتَّى استلم الحَجَرَ، فقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدْرَه وذراعيه وكفَّيه هكذا، وبسطهما بَسْطًا، وقال: «هكذا رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَفْعلُ» رواه أبو داودَ (٥). وذكر أحمد: أنَّه يأتِي الحَطِيم (٦)، وهو تحت المِيزاب، فيَدْعو. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه يأتِي زمزمَ (٧)، فيَشْرَبُ منها، ويستلم الحجَرَ الأسْودَ، وينصرفُ، رواه منصورٌ عن مجاهِدٍ (٨).

стр. 2169

(فَقَالَ (١) في التزامه: (اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي) بنعمتك (إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي؛ فَازْدَدْ عَنِّي (٢) رِضًا وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ)، الوجْهُ فيه: ضمُّ الميم، وتشديد النُّون على أنَّه صيغة أمْرٍ مِنْ: منَّ، يمنُّ، ويجوز فيه كسر الميم وفتح النُّون على أنَّها حرفُ جَرٍّ لابتداء الغاية، و (الآن): الوقتُ الحاضِرُ، وهو مبنيٌّ علَى الفتح، (قَبْلَ أَنْ تَنْأَى)، أي (٣): تبعد (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ (٤) مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهكذا في «المحرر»، وحكاه في «الشَّرح» عن بعض الأصحاب؛ لأنَّه لائِقٌ بالمحلِّ. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ)، وأيُّ شَيءٍ دعا به فحَسَنٌ؛ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّ الدُّعاء لا يُردُّ حَيثُ اقترن بها. (إِلاَّ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؛ لَمْ تَدْخُلِ المَسْجِدَ)؛ لأنَّها ممنوعةٌ من دخوله، (وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ، وَدَعَتْ بِذَلِكَ (٥) أوْ بغيره؛ إذ لا محذورَ في (٦) ذلك، ولمساواتها الرجل فيه.

стр. 2170

(وَإذا (١) فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ؛ اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ (٢)؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ زار قبري؛ وَجَبتْ له شفاعَتِي» رواه الدَّارَقُطْنيُّ من طُرُقٍ (٣)، ورُوِيَ أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا: «مَنْ حجَّ فزار قبري بعد

стр. 2171

وفاتي؛ كان كَمَنْ زارني في حياتي»، وفي رواية: «وصَحِبَنِي» (١). فظاهره (٢): أنَّه بعد الرُّجوع مطلقًا، لكن نقل أبو طالِبٍ (٣): إذا حجَّ الفرض (٤) لَمْ يَمُرَّ بالمدينة؛ لأنَّه إنْ حَدَثَ به حدث الموت؛ كان في سبيل الحجِّ، وإن كان تطوُّعًا بدأ بالمدينة. فيسلِّم عليه؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما مِنْ أحدٍ يُسلِّم علَيَّ إلاَّ ردَّ الله علَيَّ روحي حتَّى أردَّ ﵇» (٥). وظاهره: أنَّ هذه الفضيلة تَحصُل لكلِّ مسلِّمٍ قريبًا كان أو بعيدًا، لكن قال أحمد في رواية عبد الله (٦): عن يزيد بن قُسيط (٧)، عن أبي هريرة مرفوعًا:

стр. 2172

«ما مِنْ أحدٍ يُسلِّم عليَّ عند قبري (١)» (٢)، فهذه الزيادة (٣) مقتضاها التخصيص. وروي عن العُتبي (٤) قال: كنت جالسًا عند قبر النَّبيِّ ﷺ ، فجاء أعرابِيٌّ فقال: السَّلام عليكَ يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفِرًا من ذنبي (٥)، مستشْفِعًا بك إلى ربِّي، ثمَّ أنشأ يقول: يا خَيرَ مَنْ دُفِنتْ بالقاع أعْظُمُه … فطاب من طِيبهنَّ القاعُ والْأَكَمُ نفْسي الفِداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه … فيه العَفافُ وفيه الجُودُ والكرَمُ ثمَّ انصرف الأعرابِيُّ فغَلَبَتْنِي عيني، فنمت، فرأيت النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «يا عُتْبِيُّ الْحَق الأعرابِيَّ، وبشِّرْه أنَّ الله قد غَفَرَ له» (٦).

стр. 2173

ويكون في سلامه مستقبِلاً له، لا للقبلة (١)، ثمَّ يستقبلها، ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو، وفي «المستوعب» وغيره: أنه يستقبله ويدعو. وظاهِرُه: قَرُب من الحجرة أو بَعُدَ منها. ولا يُستحَبُّ تمسُّحه بحائط القبر، نقل أبو الحارث: يدنو منه، ولا يتمسَّح به، يقوم حَذاءه، فيسلِّم؛ لفِعْل ابنِ عمرَ (٢). وعنه: بلَى. ورخَّص في المنبر؛ لأنَّه كان يرتَقِي عليه (٣).

стр. 2174

(وَقَبْرِ (١) صَاحِبَيْهِ)؛ أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ بعد الفراغ من السَّلام على سيِّد البشر، يتقدَّم قليلاً، فيقول: السَّلام عليك يا أبا بكرٍ الصِّدِّيق، السَّلامُ عليك يا عمرُ الفاروق، السَّلام عليكما يا صاحِبَيْ رسول الله ﷺ ، وضجيعَيه، ووزيرَيه، ورحمة الله وبركاته، اللَّهم اجْزِهما عن نبيِّهما، وعن الإسلام خَيْرًا، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنِعْم عُقْبى الدَّار، اللَّهم لا تجعلْه آخِرَ العهد من قبر نبيك ﷺ ، ومن مسجدك يا أرحم الرَّاحمين. أصْلٌ: لا تُرفَعُ الأصواتُ عند حُجْرته ﵇، كما لا تُرفَعُ فوق صوته؛ لأنَّه في التَّوقير والحرمة كحياته. وظاهر كلامِ جماعةٍ: أنَّ هذا أَدَبٌ مستحَبٌّ، وليس بواجبٍ، خلافًا لبعض العلماء.

стр. 2175

(فَصْلٌ فِي صِفَةِ العُمْرَةِ) (مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ؛ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ)، وكان ميقاتًا له، بغير خلافٍ نعلمه (١)، ولا فرق فيه بين المكِّيِّ وغيره. وعن أحمدَ: أنَّ المكِّيَّ كلَّما تباعَد فيها؛ فهو أعْظَمُ للأجر. (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ)؛ لأنَّه «﵇ أمَرَ عبدَ الرَّحمن أن يُعْمِرَ عائشةَ منه» (٢)، قال ابنُ سِيرينَ: «بلغني أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَقَّت لأهل مكة (٣) التَّنعيم» (٤)، وهو أدنى (٥) الحل، ولأنَّه يَجِبُ الجَمْعُ في النُّسُك بين الحِلِّ والحَرَم، وأفعال العمرة كلُّها في الحرم، فلم يكن بُدٌّ من الجمع بينهما، بخلاف الحجِّ؛ لاِفْتِقاره إلى الوقوف بعرفةَ، وهي من الحلِّ. ثمَّ الجِعرَانة، ثمَّ الحديبية (٦). (فَإِنْ أَحْرَمَ) بها (مِنَ الْحَرَمِ؛ لَمْ يَجُزْ)؛ لمخالفة أمره ﵇ (٧)، (وَيَنْعَقِدُ) إحرامُه، كما لَوْ أحرم بعد أن جاوز الميقاتَ، (وَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لتركه الواجبَ،
следующие страницы →