← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وفاتي؛ كان كَمَنْ زارني في حياتي»، وفي رواية: «وصَحِبَنِي» (١). فظاهره (٢): أنَّه بعد الرُّجوع مطلقًا، لكن نقل أبو طالِبٍ (٣): إذا حجَّ الفرض (٤) لَمْ يَمُرَّ بالمدينة؛ لأنَّه إنْ حَدَثَ به حدث الموت؛ كان في سبيل الحجِّ، وإن كان تطوُّعًا بدأ بالمدينة. فيسلِّم عليه؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما مِنْ أحدٍ يُسلِّم علَيَّ إلاَّ ردَّ الله علَيَّ روحي حتَّى أردَّ ﵇» (٥). وظاهره: أنَّ هذه الفضيلة تَحصُل لكلِّ مسلِّمٍ قريبًا كان أو بعيدًا، لكن قال أحمد في رواية عبد الله (٦): عن يزيد بن قُسيط (٧)، عن أبي هريرة مرفوعًا:

стр. 2172

«ما مِنْ أحدٍ يُسلِّم عليَّ عند قبري (١)» (٢)، فهذه الزيادة (٣) مقتضاها التخصيص. وروي عن العُتبي (٤) قال: كنت جالسًا عند قبر النَّبيِّ ﷺ ، فجاء أعرابِيٌّ فقال: السَّلام عليكَ يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفِرًا من ذنبي (٥)، مستشْفِعًا بك إلى ربِّي، ثمَّ أنشأ يقول: يا خَيرَ مَنْ دُفِنتْ بالقاع أعْظُمُه … فطاب من طِيبهنَّ القاعُ والْأَكَمُ نفْسي الفِداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه … فيه العَفافُ وفيه الجُودُ والكرَمُ ثمَّ انصرف الأعرابِيُّ فغَلَبَتْنِي عيني، فنمت، فرأيت النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «يا عُتْبِيُّ الْحَق الأعرابِيَّ، وبشِّرْه أنَّ الله قد غَفَرَ له» (٦).

стр. 2173

ويكون في سلامه مستقبِلاً له، لا للقبلة (١)، ثمَّ يستقبلها، ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو، وفي «المستوعب» وغيره: أنه يستقبله ويدعو. وظاهِرُه: قَرُب من الحجرة أو بَعُدَ منها. ولا يُستحَبُّ تمسُّحه بحائط القبر، نقل أبو الحارث: يدنو منه، ولا يتمسَّح به، يقوم حَذاءه، فيسلِّم؛ لفِعْل ابنِ عمرَ (٢). وعنه: بلَى. ورخَّص في المنبر؛ لأنَّه كان يرتَقِي عليه (٣).

стр. 2174

(وَقَبْرِ (١) صَاحِبَيْهِ)؛ أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ بعد الفراغ من السَّلام على سيِّد البشر، يتقدَّم قليلاً، فيقول: السَّلام عليك يا أبا بكرٍ الصِّدِّيق، السَّلامُ عليك يا عمرُ الفاروق، السَّلام عليكما يا صاحِبَيْ رسول الله ﷺ ، وضجيعَيه، ووزيرَيه، ورحمة الله وبركاته، اللَّهم اجْزِهما عن نبيِّهما، وعن الإسلام خَيْرًا، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنِعْم عُقْبى الدَّار، اللَّهم لا تجعلْه آخِرَ العهد من قبر نبيك ﷺ ، ومن مسجدك يا أرحم الرَّاحمين. أصْلٌ: لا تُرفَعُ الأصواتُ عند حُجْرته ﵇، كما لا تُرفَعُ فوق صوته؛ لأنَّه في التَّوقير والحرمة كحياته. وظاهر كلامِ جماعةٍ: أنَّ هذا أَدَبٌ مستحَبٌّ، وليس بواجبٍ، خلافًا لبعض العلماء.

стр. 2175

(فَصْلٌ فِي صِفَةِ العُمْرَةِ) (مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ؛ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ)، وكان ميقاتًا له، بغير خلافٍ نعلمه (١)، ولا فرق فيه بين المكِّيِّ وغيره. وعن أحمدَ: أنَّ المكِّيَّ كلَّما تباعَد فيها؛ فهو أعْظَمُ للأجر. (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ)؛ لأنَّه «﵇ أمَرَ عبدَ الرَّحمن أن يُعْمِرَ عائشةَ منه» (٢)، قال ابنُ سِيرينَ: «بلغني أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَقَّت لأهل مكة (٣) التَّنعيم» (٤)، وهو أدنى (٥) الحل، ولأنَّه يَجِبُ الجَمْعُ في النُّسُك بين الحِلِّ والحَرَم، وأفعال العمرة كلُّها في الحرم، فلم يكن بُدٌّ من الجمع بينهما، بخلاف الحجِّ؛ لاِفْتِقاره إلى الوقوف بعرفةَ، وهي من الحلِّ. ثمَّ الجِعرَانة، ثمَّ الحديبية (٦). (فَإِنْ أَحْرَمَ) بها (مِنَ الْحَرَمِ؛ لَمْ يَجُزْ)؛ لمخالفة أمره ﵇ (٧)، (وَيَنْعَقِدُ) إحرامُه، كما لَوْ أحرم بعد أن جاوز الميقاتَ، (وَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لتركه الواجبَ،

стр. 2176

فلو خرج إلى الحِلِّ قبل الطَّواف، ثمَّ عاد أجزأه؛ لأنَّه قد جمع بين الحِلِّ والحرَم، وعمرتُه صحيحةٌ وإن لم يَخرُجْ؛ لأنَّه قد أتى بأركانها، وإنَّما أخلَّ بالإحرام من ميقاتها، وقد جبَره. (ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ (١) حَلَّ)؛ لأنَّ العمرة أحدُ النُّسُكَين، فيَحِلُّ بفعل ما ذكر؛ كحلِّه من الحجِّ بأفعاله. (وَهَلْ يَحِلُّ) منها بالطَّواف والسَّعي (قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن)، أصلهما: هل الحلاق أو التَّقصير نُسُكٌ في العمرة كالحجِّ أمْ لَا؟ فيه روايتان. فإن قلنا: هو نُسُكٌ؛ لم يَحِلَّ قبله كالطَّواف، وإن قلنا: ليس بنسك، وإنَّما هو إطلاقٌ من محظورٍ؛ حلَّ قبله كالطِّيب.

стр. 2177

(فَصْلٌ) لا يُكرَه الاِعْتِمَارُ في السنة أكْثَرَ من مرَّةٍ. ويُكْرَهُ الإكْثارُ والموالاةُ بينها (١) باتفاق السَّلف (٢)، قال أحمد: إن شاء كلَّ شهرٍ (٣)، وقال: لا بُدَّ يَحلِقُ أو يقصِّر، وفي عشرةِ أيَّامٍ يمكن (٤) (٥)، واستحبَّه جماعةٌ. ويُستحَبُّ تكرارها في رمضانَ؛ لأنَّها تعدِلُ حجَّةً. وكَرِهَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين الخروجَ من مكَّةَ لعمرة (٦) تطوُّعٍ، وإنَّه بدعةٌ لم يَفعلْه النَّبيُّ ﷺ ، ولا صَحَابِيٌّ علَى عهده، سِوَى عائشةَ، لا في رمضانَ ولا في غَيرِه اتِّفاقًا (٧)، وفيه نَظَرٌ. (وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ). أمَّا عمرة المتمتِّع؛ فتجزئ (٨) عنها بغير خلافٍ نعلمُه (٩). وأمَّا عمرة القارِن، وهو الذي جمع الحجَّ والعمرةَ، أو أحرم بالعمرة ثمَّ أدخل عليها الحجَّ: لا تجزئ عن عمرة الإسلام في روايةٍ اختارها أبو بكرٍ؛

стр. 2178

لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، وإتْمامُهما: الإتيانُ بأفعالهما على وجه الكمال، ولم يوجَدْ، ولأِمْره ﵇ عائشةَ أن تعتمِر من التَّنعيم (١)، ولو كانت عمرتُها في قِرانها أجْزأَتْها؛ لما أعْمَرَها بعدَها، ولأِنَّها لَيْستْ كاملة؛ إذْ لا طوافَ فيها. والثَّانيةُ، وهي الأصحُّ: أنَّها تُجزئُ عنها؛ لقوله ﵇ لعائشةَ لَمَّا قَرَنَتْ وطافَتْ: «قد حَلَلْتِ من حجَّتكِ وعمرتكِ» رواه مسلمٌ (٢)، ولأنَّ الواجبَ عمرةٌ واحدةٌ، وقد أتَى بها صحيحةً، فأجزأَتْ؛ كعمرة المتمتِّع، ولأن عمرةَ القارِن أحدُ النُّسُكَينِ للقارِنِ، فأجْزأَتْ كالحجِّ. وأمَّا عُمرةُ عائشةَ من التَّنعيم؛ فإنما (٣) كانت لتَطْيِيبِ قلبها، وإجابةِ مسألتها، ولو كانت واجبةً؛ لأمَرَها هو بها قبل سؤالها. والأصحُّ: أنَّ العمرةَ المفردةَ من التنعيم تجزئ عن عمرة الإسلام؛ لحديث عائشةَ، ولأنَّ الحجَّ يُجزِئُ من مكَّة، فالعمرة (٤) من أدْنَى الحِلِّ في حقِّ المفرِد أولى. والثَّانية: لا؛ لأِنَّه «﵇ أحْرَم في عمرة القضاء من ذي الحُليفة»، ورُوِيَ: «من الجِعِرَانَةِ» (٥)، وصحَّحه صاحب «النِّهاية» في غير سنةِ القضاء. وجوابه: أنَّه مرَّ بها، أو لأن القضاء يَحْكِي الأداءَ.

стр. 2179

(فَصْلٌ) (أَرْكَانُ الْحَجِّ): (الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ)؛ لما رُوِيَ أنَّ رجلاً قال: أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ بعرفةَ، فجاءه نفرٌ من أهل نَجْدٍ، فقالوا: يا رسولَ الله كَيفَ الحجُّ؟ قال: «الحجُّ عَرَفَةُ، فمَنْ جاء قبْلَ صلاة الفجر؛ فقد تمَّ حجُّه» رواه أبو داودَ وابن ماجَهْ، قال محمد بن يحيى: ما أرَى للثَّوريِّ حديثًا أشْرَفَ منه (١). (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحَجّ: ٢٩]، ولما رَوَتْ عائشةُ في شأن صَفِيَّةَ (٢)، وأنَّ الطَّوافَ حابِسٌ لمن (٣) لَمْ يأْتِ به، ولو تركه رجع معتمِرًا، نقله الجماعةُ (٤). (وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ): (الْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ)، وقد تقدَّما. (وَالْإِحْرَامُ)؛ لحديث الأعمال (٥)، ولأنه (٦) عبارةٌ عن نيَّة الدُّخول في الحجِّ، فلَمْ يَتِمَّ إلاَّ به، كنِيَّة الصَّلاة. واختلفت الرواية فيه: هل هو رُكْنٌ، وجزم به في «الوجيز» و «المحرر» (٧)، أو شَرْطٌ قال ابن المنجَّى: لا نَعرِفُ أحدًا من الأصحاب قال به.

стр. 2180

وفي كلام جماعةٍ ما ظاهره روايةٌ: بجواز تَرْكه، وفي «الإرشاد»: سُنَّةٌ، وفيه بُعْدٌ. (وَالسَّعْيُ)، هذا هو المشهور؛ لقوله ﵇ في حديث حبيبة (١) بنت أبي تجراة، أحد نساء بَنِي عبد الدَّار: «اسْعَوْا، فإنَّ الله كتب عليكم السَّعْيَ» رواه أحمدُ (٢)، ولأنَّه نُسُكٌ في الحجِّ والعُمْرةِ، فكان رُكْنًا فيهمَا كالطَّواف. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ السَّعْيَ سُنَّةٌ)، رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البَقَرَة: ١٥٨]، ونَفْيُ الحرج عن فاعله؛ دليلُ عدم وجوبه، وفي مُصحَف أُبَيٍّ وابنِ مسعودٍ: «فلا جناح عليه ألاَّ يطوف بهما» (٤)، وهذا وإن لَمْ يكن قرآنًا، فلا يَنحَطُّ عن رتبة الخبر،

стр. 2181

ولأنَّه نُسُكٌ ذو عدد لا يتعلَّق بالبيت، فلم يكن رُكْنًا كالرَّمْي. (وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ)، هذا رواية، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّها من أفعال الحجِّ، فكان واجبًا كطواف الوداع، فعلَى هذا: إنْ تَرَكَه أجبره بدمٍ، وهو قول الحسَن والثَّوريِّ. قال في «المغني»: قولُ القاضِي أقربُ إلَى الحقِّ إنْ شاء الله تعالَى، وفي «الشَّرح»: وهو أَوْلَى؛ لأنَّ دليلَ مَنْ أوجبه دلَّ على مُطْلَق الوجوب، لا علَى أنَّه لا يَتِمُّ الحجُّ إلاَّ به، وحديث حبيبة (١) يَرْوِيهِ عبدُ الله بن المؤمل، وفيه كلامٌ، ثمَّ هو يدُلُّ على أنَّه مكتوبٌ، والواجب كذلك، والآيةُ نزلت؛ لأنَّ ناسًا تحرجوا من السَّعْيِ لأجل صنَمَينِ كانا بين الصَّفا والمروة، كذلك قالتْه عائشةُ (٢). (وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ): (الْإِحْرَامُ مِنَ المِيقَاتِ) المعتَبَر له؛ لأنَّه ﵇ ذَكَرَ المواقِيتَ، وقال: «هن (٣) لَهنَّ، ولِمَنْ مرَّ عليهنَّ» (٤). (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ)؛ لأنه مَنْ أدركها نَهارًا يجب عليه أن يَجمَعَ بين جزءٍ من النَّهار وجزء من اللَّيل، ولو غلبه نوم بعرَفَةَ، نقله المرُّوذِيُّ (٥). (وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ) على الأصحِّ، (إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ لأنَّ مَنْ أدْرَكَ

стр. 2182

مزدَلِفةَ أوَّلَ اللَّيل يَجِبُ عليه المبِيتُ بها مُعظَم الليلة. (وَالمَبِيتُ بِمِنًى)؛ لفِعْله وأمْرِه ﵇ (١)، وفي «الواضح»: في مَبِيتٍ بمزدَلِفةَ ومِنًى ولا عُذْر؛ إلَى بعْدِ نِصْف اللَّيل. (وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ)، على ما تقدَّم. (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) في الأصحِّ، وهو الصَّدر؛ لقوله ﵇: «لا يَنفِرنَّ أحدُكم حتَّى يكونَ آخِرُ عَهْدِه بالبيت» رواه مسلمٌ (٢). وظاهِرُه: ولو لم يكن بمكَّة، قال الآجُرِّيُّ: يطوفه (٣) متى أراد الخروج من مكَّة أو مِنًى أو من نَفْر آخر (٤). قال في «المستوعب»: لا يجب على غير الحاج (٥). وكذا (٦) التَّرتيب واجبٌ على الأصحِّ. (وَمَا عَدَا هَذَا؛ سُنَنٌ)؛ كالاِغتسال، وطواف القدوم، والدفع (٧) مع الإمام، وفيهما روايةٌ، والمبيت بمِنًى ليلة عرفةَ، قطع به الأكثر؛ لأنَّها

стр. 2183

استراحةٌ، وفي «الرِّعاية»: واجِبٌ. وفي «عيون المسائل»: يَجِب الرَّمَل والاِضطباع. ونقل حنبلٌ: إذا نسِيَ الرَّمَل؛ فلا شَيءَ عليه (١)، وقاله الخِرَقِيُّ وغيرُه. واسْتِلام الرُّكْنَينِ، وتقبيل الحجر، والأذكار والأدعية، والصُّعود على الصَّفا والمروةِ. (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ): (الطَّوَافُ)؛ كالحجِّ. (وَفِي الْإِحْرَامِ) بها، وإحرامها من ميقاتها، (وَالسَّعْيِ؛ رِوَايَتَانِ)، جزم في «المحرَّر» و «الوجيز»: بأنَّ الإحرام بها ركنٌ، وفي «الفصول»: السَّعْيُ فيها رُكْنٌ، بخلاف الحجِّ؛ لأنَّها أحَدُ النُّسكَينِ فلا يَتِمُّ إلاَّ بركنين كالحج (٢). (وَواجِبُها (٣): الحِلاقُ فِي (٤) إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، بناءً على الخلاف في الحجِّ. وسُنَنُها: الغسلُ، والذِّكْرُ، والدُّعاءُ. (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا)، أو النِّيَّة؛ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ)؛ أيْ: لم يصِحَّ نسكه (٥). (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) ولو سهْوًا؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)، فإن عدمه؛ فكصوم المتعة والإطعام عنه. وفي «الخلاف» وغيره: الحلاق والتَّقصير لا ينوب عنه، ولا يتحلَّل إلاَّ به علَى الأصحِّ.

стр. 2184

(وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ أي: هدْرٌ؛ لأنَّها ليست واجبةً، فلم يجب جَبْرها؛ كسُنَن سائر العبادات، قاله في «الشَّرح». وذكر في «الفصول» وغيره: ولم يشرع الدَّم عنها؛ لأنَّ جبران الصَّلاة أدخل، فيتعدَّى إلى صلاته من صلاة غيره.

стр. 2185

(فصلٌ) يُعتبر في أمير الحاجِّ: كونه مطاعًا، ذا رأْيٍ وشجاعةٍ وهدايةٍ، وعليه جمعهم وترتيبهم، وحراستهم في المسير والنُّزول، والرفق بهم، والنُّصح لهم، ويلزمهم طاعته في ذلك. ويُصلِح بين الخصْمَينِ، ولا يَحكُمُ إلاَّ أن يفوَّض إليه، فيُعتَبَرُ كونُه من أهله. وقال الآجُرِّيُّ: يلزمه علم خُطَب الحجِّ، والعمل بها. وقال الشيخ تقي الدين: (من جرد معهم، وجمع (١) له من المُقْطِعِينَ ما يُعِينُه على كُلْفة الطَّريق؛ أبيح له، ولا ينقُص أجرُه، وله أجْرُ الجهاد والحجِّ، وهذا كأخذ بعض الإقْطاع ليَصْرِفَه في المصالح، وليس في (٢) هذا خلاف، ويَلزم المعطيَ بذلُ ما أُمِر به، وشَهْرُ السلاح عند تبوك بِدْعةٌ) (٣). وليس من تمام الحجِّ ضَرْب الجمَّالين، خلافًا للأعمش، وحَمَلَه ابنُ حزْمٍ على الفسقة (٤).

стр. 2186

(بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ) الفَوَاتُ: مَصْدرُ فات يَفُوت فوتًا، وفَواتًا، إذا سُبَقَ ولَمْ يدرك (١). والإحصارُ: مصدرُ أحْصَره، مرضًا كان أو عدوًّا، وحصره أيضًا، حكاهما جماعةٌ من أهل اللُّغة (٢). وأصلُ الحصر: المنعُ، يقال: حصره، فهو محصورٌ، وأحْصَرَه المرضُ، فهو محصَرٌ، قال بعضهم: هو المشهور. (وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ)، لعذْر حصْرٍ أوْ غيرِه؛ (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ)، لا خلافَ أنَّ آخِرَ وقت الوقوف آخِرُ ليلة النَّحر، وأنَّ الحجَّ يفوت بفواته (٣)؛ لقَولِ جابِرٍ: «لا يفوت الحجُّ حتَّى (٤) يَطْلُع الفجر من ليلة جَمْعٍ»، قال أبو الزُّبَير: فقلت له: أقال (٥) رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: «نَعَمْ»، رواه الأثرم (٦). (وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ)، صحَّحه في «الشرح»، زاد (٧): وحَلْقٍ، وهو

стр. 2187

قول جماعةٍ من الصَّحابة (١)، واختاره ابنُ حامِدٍ. وظاهره: أنَّه ليس عمرةً؛ لأنَّ إحرامَه انعقد بأَحَدِ النُّسُكينِ، فلَمْ يَنقَلِب إلَى الآخَر، كما لو أحرم بالعمرة. وحَكَى ابنُ أبِي موسى روايةً: أنَّه يَمْضِي في حجٍّ فاسدٍ، ويَقضِيه، فيَلزَمه جميعُ أفعال الحجِّ؛ لأنَّ سقوط ما فات وقتُه لا يَمنَع وجوبَ ما لم يَفُتْ.

стр. 2188

(وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ)، قدَّمه في «الفروع»، واختاره الأكثرُ، وهو المذهب؛ لقول عمرَ لأبِي أيُّوب لمَّا فاته الحجُّ: «اصْنَعْ ما يَصنَع المعتمِرُ، ثمَّ قد حلَلْتَ فإنْ أدْركْتَ الحجَّ قابِلاً فحُجَّ، وأهْدِ ما اسْتَيْسَر من الهَدْي» رواه الشَّافعيُّ (١)، وروى النجاد بإسناده عن عَطاءٍ مرفوعًا نحوَه (٢)، ولأنَّه يجوز فسخ الحجِّ إلى العمرة من غير فواتٍ، فمعه أَوْلَى. وهذا إن لَمْ يختر البقاءَ على إحرامه ليَحُجَّ مِنْ قابِلٍ.

стр. 2189

وظاهره: أنَّ القارِنَ وغيرَه سواءٌ؛ لأنَّ عمرته لا يلزمه أفعالُها، ولا تُجزِئُه عن عمرة الإسلام في المنصوص (١)؛ لوجوبها كمنذورةٍ. وعنه: لا يَنقلِب، ويتحلَّلُ بعمرةٍ، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وذكر القاضِي: أنَّه اختيارُ ابنُ حامِدٍ. فيُدخِلُ إحرامَ الحجِّ على الأَوَّلة فقط، وقال أبو الخطَّاب: وعلَى الثَّانية يُدخِل إحرامَ العمرة ويصيرُ قارِنًا. (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) إذا كان نفلاً؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردة دالَّةٌ على أنَّ الحجَّ مرَّةً واحدةً، فلو وجب قضاء النَّافلة؛ كان الحجُّ أكثر من مرَّةٍ، ولأنَّها تطوُّعٌ، فلم يلزمه قضاؤها؛ كسائر التَّطوُّعات. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا)، فيجب قضاؤه بغير خلافٍ (٢)؛ لأنَّه فرضٌ، ولم يأت به على وجهه، فلم يكن بدٌّ من الإتيان به؛ ليخرج عن عهدته، وتسميته قضاء باعتبار الظَّاهر. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ)، اختاره الخِرَقِيُّ، وجزم به في «الوجيز»، قال في «الفروع»: والمذهب لزوم قضاء النَّفل كالإفساد، وهو قول جماعةٍ من الصَّحابة (٣)، ولأنَّه يَلزَم بالشُّروع، فيصير كالمنذور، بخلاف غيره من التَّطوُّعات، وأمَّا كون الحجِّ مرَّةً فذاك الواجبُ بأصل الشَّرع. (وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): (إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ هَدْيٌ)، صحَّحها في «الشَّرح»، وقدَّمها في «المحرَّر»، وذكر ابن المنجَّى أنَّها المذهب؛ لحديث عَطاءٍ: «من فاته الحجُّ؛ فعليه دمٌ» (٤).

стр. 2190

قيل: مع القضاء، وقيل: يلزمه في عامه. ولكن يلزمه أن (يَذْبَحَهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ إن (١) قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ)؛ لما رَوَى الأثرم: أنَّ هبَّار بن الأسود حجَّ من الشَّام، فقدِم يوم النَّحر، فقال له عمر: «انطلق إلى البيت فطُفْ به سَبْعًا، وإن كان معك هدْيٌ فانْحَرْه، ثمَّ إذا كان عام قابلٍ فاحجج، فإن وجدت سَعةً فأَهد، فإن لم تَجِد فصُمْ ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجعْتَ» (٢). فعلى هذا: يذبحه بعد تحلُّله من القضاء؛ كدم التَّمتُّع. ومحلُّه: ما لم يَشتَرِطْ أوَّلاً، فإن اشْتَرط فلا، جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع». (وَإِلاَّ ذَبَحَهُ فِي عَامِهِ) إن (٣) لم يجب عليه قضاؤه؛ إذْ لا معنى لتأخيره. وسواءٌ كان ساق هدْيًا أم لا، نَصَّ عليه (٤). والهَدْيُ ما اسْتَيْسر؛ كهدْي المتعة، وفي «الموجز»: بدَنةٌ. ويُسْتَثْنَى منه: العبدُ، فإنه عاجِزٌ عنه؛ لأنَّه لا مالَ له، فهو كالمعسِر، ويجب الصَّوم، فإن ملَّكه سيِّده هدْيًا، وأذِنَ له في ذَبحه؛ خُرِّج على الخلاف. والثَّانية: لا هدْيَ عليه؛ لأنَّه لو لزمه ذلك؛ لزمه هدْيان؛ هديٌ للإحصار،

стр. 2191

وهديٌ للفوات. وفيه شَيءٌ؛ لأنَّ المحصَر لو كان قارِنًا وحلَّ بما قلنا؛ كان عليه مثل (١) ما أهَلَّ به من قابِلٍ، نَصَّ عليه (٢). وفيه وجْهٌ: يُجزئُه ما فعله عن عمرة الإسلام، فلا يلزمه إلاَّ قضاء الحجِّ فقط، ويلزمه هدْيان؛ لقرانه (٣) وفَواته. وقيل: يلزمه هدْيٌ ثالثٌ للقضاء، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ القضاء لا يَجِبُ له شَيءٌ، وإنَّمَا هو للفوات، بدليل أنَّ الصَّحابة لم يأمروه بأكثرَ من هدْيٍ واحدٍ. (وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ)؛ كالثَّامن والعاشر؛ (أَجْزَأَهُمْ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لما روى الدَّارَقُطْنيُّ بإسناده عن عبد العزيز ابن عبد الله بن جابِرٍ (٥): أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يومُ عرفَةَ الذي يُعَرِّف النَّاس فيه» (٦). وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين خلافًا في مذهب أحمدَ، هل هو يوم عَرفَةَ باطنًا؛

стр. 2192

بناء على أنَّ الهلال اسمٌ لما يَطلُع في السَّمَاء، أو لما يراه النَّاس ويَعلَمونه؟ والثَّانِي: الصَّواب، ويدلُّ عليه لو أخطؤوا لِغلط في العدد، أو في الطَّريق ونحوه، فوقفوا العاشر؛ لم يجزئهم إجماعًا (١). وذكر: أنَّ الوقوف مرَّتَين بدعةٌ لم يفعله السَّلف، فلو رآه طائفةٌ قليلة؛ لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور. واختار في «الفروع»: يقف مرَّتَينِ إن وقف بعضَهم، لا سيَّما مَنْ رآه. (وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ؛ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ)، وفي «الانتصار»: عددٌ يسيرٌ، وفي «التَّعليق»: الواحد والاثنان، وفي «الكافي» و «المحرَّر»: نَفَرٌ، قال ابن قتيبة: (يقال: إنَّ النَّفر ما بين الثَّلاثة إلى العشرة) (٢)؛ لقول عمرَ لِهَبَّارٍ: «ما حبَسك؟» قال: حَسِبْتُ أنَّ اليومَ يومُ عرفة (٣)، فلم يَعذُرْه بذلك. (وَمَنْ أَحْرَمَ، فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ؛ ذَبَحَ (٤) هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ، وَحَلَّ)، بغير خلافٍ نعلمُه (٥)، وسنده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، قال في «المغني» و «الشَّرح»: (قال الشَّافعيُّ: لا خلافَ بين أهل التَّفسير أنَّ هذه الآيةَ نزلت في حصر الحديبيَة) (٦)، وعن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في صلح الحديبيَة؛ لمَّا فرغ من قضيَّة الكتاب لأصحابه: «قُومُوا فانْحَروا، ثمَّ احلِقُوا» رواه البخاريُّ (٧)، ولأنَّ

стр. 2193

الحاجة داعيةٌ إلى الحلِّ؛ لما في تركه من المشقَّة العظيمة، وهي منتفيةٌ شرعًا. ولا فَرْق في الإحصار بين الحجِّ والعمرة، أو بهما، صرَّح به جماعةٌ، منهم صاحب «الشَّرح»؛ لأنَّ الصَّحابة حلُّوا في الحديبيَة، وكانت عمرةً. وفي كلامه إشعارٌ: بأنَّه محمولٌ علَى غير العمرة، وصرَّح به في «الإرشاد» و «المبهج» و «الفصول»؛ لأنَّها لا تفوتُ، وفي بعض النُّسخ: (ولم يكن له طريقٌ إلى الحِلِّ)؛ فلا إشكالَ. وظاهِرُه: لا فرق بين الحجِّ الصَّحيح والفاسد، ولا قبْلَ الوقوف أو بعده، نَصَّ عليه (١). وذكر المؤلِّف: بل يكون قبل تحلُّله الأوَّل. وقد نبَّه على ما يُشتَرَط للتحلل، فمنها: أنْ لا يَجِد طريقًا آخَرَ آمنًا، فإنْ وجده؛ لزِمه سلوكُه وإن بَعُد وخاف الفوات؛ لأنَّه أمْكنه الوصولُ، أشْبَهَ مَنْ لَم يحصره أحدٌ. ومنها: أن يحصره ظلمًا (٢)، فيشمل ما إذا أحَاط به العدوُّ من جميع الجوانب، قال في «التلخيص»: وعندي أنه ليس له التَّحلُّل؛ لأنَّه لا يتخلَّص منه، فهو كالمرض. وشمل الحصرَ العامَّ والخاصَّ، كما لو حُصِر منفرِدًا؛ بأن أخذته اللُّصوص أو حُبِس وحدَه، فلو حبس بحقٍّ يلزمه ويمكنه أداؤه؛ لم يكن له التحلُّل. وشمِل العدوُّ الكافرَ والمسلمَ.

стр. 2194

والتَّحلُّل يباح لحاجته في الدَّفع إلى قتال، أو بذل مالٍ كثيرٍ، فإن كان يسيرًا، والعدوُّ مسلمٌ، ففي وجوب البذل وجهان، وقياس المذهب: وجوب بذله؛ كالزِّيادة في ثمن الماء للوضوء، ذكَره في «الشَّرح». ومع كفر العدوِّ يُستحَبُّ قتاله إن قَوِيَ المسلمون، وإلاَّ فتركه أَوْلَى. ومنها: أن يَنحَر هدْيًا في موضعه إن أمكنه، أو ببدله إن عجز عنه، وهو الصِّيام؛ لأنه ﵇ هكذا فعل، وأمر به أصحابه، فينحره بنيَّة التَّحلُّل به وجوبًا مكانه؛ كالحَلْق يجوز له فقط في الحِلِّ، قاله في «الانتصار». وذكر غيره: يجوز له، ولغيره في الحلِّ. وعنه: ينحره في الحرم، فيواطئ رجلاً على نحره في وقت يتحلَّل فيه، روي (١) عن ابن مسعود (٢)، وحمله في «المغني» على من حَصْرُه خاصٌّ، أمَّا في العامِّ فلا، لأنَّه يُفضي إلى تعذُّر الحلِّ بتعذُّر وصول الهدي إلى محلِّه. وعنه: لا يجزئه الذَّبح إلاَّ يوم النَّحر؛ لأنَّ هذا وقت ذبحه. وقيَّدها في «الكافي»: بما (٣) إذا ساق هدْيًا، وفي «الفروع»: بالمفرِد والقارن. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ الحلْقُ، وهو روايةٌ؛ لعدَم ذِكْره في الآية، ولأنَّه مباحٌ ليس بنسكٍ، خارج الحرم؛ لأنَّه من توابع الإحرام كالرَّمي. وعنه: بلى، اختارها في «التَّعليق». وبناهما (٤) في «الكافي»: على أنَّه نسكٌ أو إطلاقٌ من محظورٍ. واشْتُرِطت النية هنا دون ما تقدَّم؛ لأنَّ من أتى بأفعال النُّسُك؛ فقد أتى

стр. 2195

بما عليه، فيحِلُّ منها بإكمالها، فلم يَحتَجْ إلى نيَّةٍ، بخلاف المحصَر، فإنَّه يريد الخروج من العبادة قبل إتمامها، فافتقر إليها، فإنَّ الذَّبح قد يكون لغير التَّحلُّل، فلم يتخصَّص إلاَّ بقصده، بخلاف الرَّمي. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا)؛ أي (١): لم يكن معه، ولا يقدر عليه؛ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بالنِّيَّة كالهَدْي، ولأنَّه دمٌ واجِبٌ للإحرام، فكان له بدَلٌ يَنتَقِلُ إليه؛ كدم المتعة، (ثُمَّ حَلَّ)، نقله الجماعةُ (٢)، فعُلِم أنَّه لا يَحِلُّ إلاَّ بعْدَ الصِّيام، كما لا يَحِلُّ إلاَّ بعد نحر الهدي. وظاهره: أنَّه لا إطعامَ فيه، وهو المذهب. وعنه: بلَى. وقال الآجري: إن عدم الهَدْيَ مكانَه؛ قوَّمه طعامًا، وصام عن كلِّ مدٍّ يومًا. (وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أي: قبل الذَّبح أو الصوم؛ (لَمْ يَحِلَّ)، وهو باقٍ على إحرامه حتَّى يفعل أحدَهما؛ لأنَّهما أُقيما مقام أفعالِ الحجِّ، فلم يَحِلَّ قبلهما؛ كما لا يتحلَّل القادِرُ عليها قبلها، ويلزمه دمٌ لتحلُّله. وفي «المغني» و «الشَّرح»: لا؛ لعدم تأثيره في العبادة، لكنْ إن فعل شيئًا من المحظورات؛ لزمه فديتُه. (وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ)؛ أي: قضاء النَّفل (عَلَى المُحْصَرِ (٣) رِوَايَتَانِ): نقل (٤) الجماعةُ (٥): أنَّه (٦) لا قضاءَ عليه، صحَّحه في «الشَّرح»، وجزم به

стр. 2196

في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ الذين صُدُّوا كانوا ألفًا وأربعَمائةٍ، والذين اعتمروا معه من قابِلٍ كانوا يسيرًا، ولم يُنقَل أنَّه أمر الباقين بالقضاء، ولأنَّه تطوُّع جاز التَّحلُّل منه مع صلاح الزَّمان له، فلَمْ يَجِبْ قضاؤه كالصَّوم. والثانية (١) نقلها (٢) أبو الحارث وأبو طالب (٣): يجب (٤)؛ لأنَّه ﵇ لمَّا تحلَّل زمن الحديبيَة؛ قضى من قابِلٍ، وسُمِّيت عمرةَ القضيَّة (٥)، ولأنَّه حلَّ من إحرامه قبل إتمامه، فلَزِمه القَضاءُ، كما لو فاته الحجُّ. والأوَّلُ أَوْلَى، وتسميتُها عمرةَ القضيَّة، إنَّمَا المرادُ بها القضية التي اصْطَلَحوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء، وتفارق (٦) الفوات؛ لأنَّه مفرِّط، بخلاف مسألتِنا. فلو جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه؛ فعلَى الخلاف، قاله في «الانتصار»، وخرَّج منهما (٧) في «الواضح» مثلَه في منذورةٍ. وفي «كتاب الهَدْي» (٨): لا يلزم المحصَر هَدْيٌ ولا قضاءٌ؛ لعدَم أمْر الشَّارع بهما، وفيه نَظَرٌ. (فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ؛ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ)؛ لأنَّ له فسخَ نيَّة الحجِّ إلى العمرة من غير حصْرٍ، فمعه أَوْلَى، ولأنه يمكنه أن يأتي بعمل العمرة، فعلى

стр. 2197

هذا: يتحلَّلُ بطوافٍ وسعْيٍ وحلْقٍ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه في معنى الفسخ. وعنه: حكمه (١) كمن مُنع البيت. وعنه: يبقى محرِمًا إلى أن يفوته الحجُّ، فيتحلَّل بعمرةٍ إذن. (وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ) في ظاهر المذهب، وهو المختار للأصحاب؛ لقول ابن عبَّاسٍ: «لا حصر إلاَّ حصر العدوِّ» رواه الشَّافعيُّ (٢)، وعن ابن عمر نحوه، رواه مالكٌ (٣)، ولو كان المرض يبيح التَّحلُّلَ؛ لم يأمر ﵇ ضُباعَة بالاشتراط (٤)، ولأنَّه لا يستفيد به الانتقال من حاله، ولا التَّخلُّص من الأذى الذي به، بخلاف حصر العدوِّ، فعلى هذا: يبقى محرِمًا حتَّى يقدِر على البيت. (وَإِنْ (٥) فَاتَهُ الْحَجُّ؛ تَحَلَّل (٦) بِعُمْرَةٍ)، نقله الجماعةُ (٧)؛ لأنَّه في معناه، وكغير المريض، ثمَّ إن كان معه هدْيٌ؛ بعث به ليذبح بالحرم، نَصَّ على

стр. 2198

التَّفرقة بينه وبين المحصَر (١)؛ لكونه يذبحه في موضعه. (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ التَّحَلُّلُ)، هذا روايةٌ، واختارها الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)، قال الزَّرْكَشي: ولعلها أظْهرُ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، ولما رَوَى الحجَّاجُ بن عمْرٍو الأنصاريُّ قال: سمعت النبي ﷺ يقول (٣): «مَنْ كُسِر أو عَرِج؛ فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابِلٍ»، قال عِكْرمةُ: فسمعته يقول ذلك، فسألت ابن عبَّاسٍ وأبا هريرةَ عمَّا قال، فصدَّقاه، رواه الخمسةُ، وحسَّنه التِّرمذيُّ (٤)، ولفظُ الإحصار إنَّما هو للمرض، يقال: أحصره المرض إحصارًا، فهو محصور، وزعم الأزهَريُّ أنَّه كلامُ العرب (٥). واستفيد حصر العدوِّ بطريق التَّنبيه، فيكون حكمُه (كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ) على ما مضى، ينحر الهدْي، أو يصوم إن لم يجده، ثمَّ يَحِلُّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ الحديث متروكُ الظَّاهر (٦)؛ لأنَّه لا يَحِلُّ بمجرَّد ذلك. وأجيب (٧): بأنه مجاز سائغ؛ لأنَّ مَنْ أبيح له التَّحلُّلُ فقد حلَّ. ويقضي (٨) عبدٌ كحُرٍّ، وصغيرٌ كبالغ. مسألةٌ: مثله حائضٌ تعذَّر مقامها، وحرم طوافها، أو رجعت (٩) ولم

стр. 2199

تَطُفْ؛ لجهلها بوجوب طواف الزِّيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرُّفقة. وكذا من ضلَّ الطَّريق، ذكره في «المستوعب»، وفي «التَّعليق»: لا يتحلَّل. (وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ)؛ لحديث ضُباعةَ (١)، ولأنَّ للشرط تأثيرًا في العبادة، بدليل قوله: إنْ شَفَى الله مريضِي صُمْتُ شهرًا، فيَلزَم بوجوده، ويَعدَمُ بِعدَمه. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، لا هدْيَ، ولا قضاءَ؛ لأنَّه صار بمنزلة مَنْ أكمل أفعال الحجِّ.

стр. 2200

(فَصْلٌ) إذا تحلَّل المحصَر من الحجِّ، ثمَّ أمكنه الحجُّ؛ لزمه إن كان واجبًا، أو قلنا: يجب القضاء على الفور. فإن كان فاسدًا وتحلَّل منه؛ قضاه في عامه إن أمكنه، قال في «الشَّرح» وغيره: ولا يتصوَّر في غيرها. وقيل للقاضي: لو صار طوافه في النِّصف الأخير؛ لصح إذن حجَّتَانِ في عامٍ، ولا يجوز إجماعًا؛ لأنَّه يرمِي ويطوف ويسعى فيه، ثمَّ يحرم بحَجَّة أخرى، ويقف بعرفةَ قبل الفجر، ويمضي فيها، ويلزمكم أن تقولوا (١) به إذا تحلَّل من إحرامه، ولا معنى لمنعه منه. فقال القاضي: لا يجوز، ونَصَّ الشَّافعيُّ على أنَّ المقيم بمِنًى للرَّمي لا ينعقد إحرامه بعمرةٍ؛ لاشتغاله بالرَّمْي، فيُؤخَذُ منه امتِناعُ حَجَّتين في عامٍ واحدٍ.

стр. 2201

(بَابُ الهَدْيِ وَالْأَضَاحِي) الهَدْيُ: ما أُهدي إلى الحرم من النَّعم (١) وغيرها، وقال ابن المنجَّى: هو ما يذبح بمِنًى، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُهدَى إلى الله تعالى. والْأَضاحِي: جمعُ أُضحيَّةٍ؛ بضمِّ الهمزة وكسرها، والضَّحايا: جمعُ ضَحيَّةٍ، والأضحى: جمع أضْحَاةٍ؛ كأرْطاةٍ. وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها (٢)، وسنده قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكَوثَر: ٢]، قال جماعةٌ من المفسرين: المرادُ به الأضحيَّة بعد صلاة العيد، وقد ثبت: «أنَّه ﵇ ضحَّى بكَبشَين أمْلحَين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر، ووضع رِجْلَه على صِفاحهما» متَّفقٌ عليه (٣). الأمْلَح: هو الأبيض النَّقِيُّ، قاله ابن الأعرابِيِّ، أو الذي فيه سوادٌ وبياضٌ، وبياضه أكثر، قاله الكِسائيُّ وأبو زَيدٍ (٤). (وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا: الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ)؛ لحديث أبي هرَيرةَ السَّابق في الرَّواح إلى الجمعة؛ لأنَّه ﵇ رتَّبها على قدر الفضيلة (٥)، ورُوِيَ أنَّ امرأةً سألَتِ ابنَ عبَّاسٍ: أيُّ النُّسُكِ أفْضلُ؟ قال: «إن شئتِ فناقةٌ، أو بقرةٌ»، قالت: أيُّ ذلك أفضل؟ قال: «انحري ناقةً» (٦)، ولأنَّ البدنةَ أكثرُ لحمًا وثَمَنًا، وأنْفعُ للفقراء، فكانت أفضلَ من غيرها.

стр. 2202

ثمَّ كذلك في البقر والغنم. ولا شك أنَّها جائزةٌ بكلٍّ منها، وهو في الغنم إجماعًا (١)، والإبل والبقر وِفاقًا (٢)، لا مِنْ غيره، فلو كان أحدُ أبَوَيهِ وحشِيًّا؛ لم يجز. وظاهره: أنه لا يُجزِئُ بطائِرٍ، وهو وِفاقٌ (٣). (وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ)؛ للعموم، ولأنَّ المقصود هنا اللَّحم، ولحم الذَّكر أوفرُ، ولحمُ الأنثى أرْطَبُ، فيتساويان، بخلاف الزَّكاة. وقيل: هو أفْضلُ. وقدَّم في «الفصول»: هِيَ. والأسمَنُ، ثمَّ الأغْلى ثمنًا (٤)، ثمَّ الأمْلحُ، ثمَّ الأصفر، ثمَّ الأسود. قال (٥) أحمد: (يُعجِبُني البياض) (٦)، ونقل حنبلٌ: (أكره السوداء) (٧). وذكر المؤلِّف: أنَّ الكبش من الأضحية أفضلُ الغنم، وجَذَع الضَّأن أفضلُ من ثنيِّ المعز؛ لأنَّه أطيب لحمًا، وذكر المؤلِّف احتمالاً عكسَه، وكلٌّ منهما أفضلُ من سُبُعِ بَدَنةٍ أو بقرةٍ، وسَبْع شِياهٍ أفضلُ من بدَنةٍ أو بقرةٍ. (وَلَا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ)؛ لما رَوَتْ أمُّ بِلالٍ بنت هلال، عن أبيها: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يجزئ (٨) الجَذَعُ من الضَّأن أضحيَّةً» رواه ابن ماجَهْ (٩)، والهدْيُ مثلُه.

стр. 2203

(وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ)، قاله (١) الجَوهريُّ (٢) وغيرُه، قال الخِرَقيُّ: سمعتُ أبِي يقول: سألتُ بعضَ أهل البادية: كيف تعرفون الضَّأن إذا أجذع (٣)؟ قالوا: لا تزال الصُّوفةُ قائمةً على ظهره ما دام (٤) حملاً، فإذا نامت الصُّوفةُ على ظهره؛ عُلِمَ أنَّه قد أجذع. وقيل: هو الذي له ثمانيةُ أشْهُرٍ، ذكره ابنُ أبي موسى. (وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ)؛ لأنَّه ﵇ وأصحابه كانوا يذبحون لهما (٥). (وَثَنِيُّ الْإِبِلِ: مَا كَمُلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ)، ودخل في السَّادسة، قاله الأصمعيُّ والجَوهريُّ (٦) وغيرُهما، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه حينئذٍ يُلْقِي ثَنِيَّتَه. وقال ابن أبي موسى: ما كمُل له ستٌّ (٧). (وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ)، قاله الجَوهريُّ (٨). وقال ابن أبي موسى: ما كمُل له ثلاثُ سنين. (وَمِنَ المَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ)، وقد سبق في الزَّكاة.

стр. 2204

فلو كان أعلى سِنًّا؛ أجزأ بغير خلافٍ، ونقل أبو طالبٍ: يُجْزئُ جَذَعُ إبِلٍ وبقرٍ عن واحدٍ (١)، اختاره الخَلاَّلُ، وسأله حربٌ: أيجزئ (٢) عن ثلاثةٍ؟ قال: يُرْوَى عن الحسن، وكأنَّه سَهَّل فيه (٣). (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ)؛ لحصول الوفاء به، والخروج عن عهدة الأمر المطلق، والمنصوص: وعن أهل بيته وعياله (٤)؛ لقول أبي أيُّوبَ (٥). (وَالْبَدَنَةُ وَالبَقَرَةُ: عَنْ سَبْعَةٍ)، في قول أكثر العلماء؛ لما رَوَى جابِرٌ قال: «نحرْنا بالحديبية مع النَّبيِّ ﷺ البَدنَة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ»، وفي لفظٍ: «أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن نَشْتَرِك في الإبل والبقر كلُّ سبعةٍ في واحدٍ منها»، وفي لفظٍ: «فنذبح البقرةَ عن سبعةٍ، نشترك (٦) فيها» رواه مسلمٌ (٧)، وحينئِذٍ: يُعتبَر ذبحُها عنهم، نَصَّ عليه (٨). (سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ)، نَصَّ عليه (٩)؛ لأنَّ الجزءَ المجزِئَ لا ينقص بإرادة الشَّريك غيرَ القربة، فجاز كما لو اختلفت

стр. 2205

جهات القُرَب، فأراد بعضهم المُتعة، والآخَر القِران، ولأنَّ القسمة أيضًا إفرازٌ، نَصَّ عليه (١)، وعلى الآخر: بَيْعٌ فيمتنع. وعلى الأوَّل: يجوز، ولو كان بعضهم ذِمِّيًّا في قياس قوله، قاله القاضي. فلو بانوا بعد الذَّبح ثمانيةً؛ ذبحوا شاةً، وأجزأهم، نقله ابنُ القاسم (٢)، ونقل مهنَّى: يجزئ سبعة، ويُرْضُون الثامن ويضحِّي (٣). فَرعٌ: زيادةُ العدد من جنسٍ أفضلُ؛ كالعتق. وقيل: المغالاة في الثَّمن. وقيل: سواءٌ. وسأله ابن منصورٍ: بدنتان سمينتان بتسعةٍ، وبدنة بعشرةٍ؟ قال: بدنتان أعجبُ إلَيَّ (٤). (وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا)؛ أي: في الهَدْيِ والأضاحي: (الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَهِيَ التِي انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ التِي لَا تُنْقِي، وَهِيَ الْهَزِيلَةُ التِي لَا مُخَّ فِيهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى المَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا)؛ لما رَوَى البراء بنُ عازِبٍ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العَوراء البيِّن عَوَرُها، والمريضةُ البيِّن مرضُها، والعرجاءُ البيِّن ضَلَعُها، والكسيرةُ (٥) التي لا تُنقِي» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٦).

стр. 2206

وما فَسَّر به العَوراءَ هو قَولُ الأصحاب؛ إذ العَيْنُ عضوٌ مستطابٌ، فدلَّ على أنَّها إذا كانت قائمةً، أو بها بياضٌ لا يَمنَعُ النَّظَرَ؛ تجزئ (١)، وكذا إنْ أَذْهبه علَى الأشْهَر. والعَجْفاء التي لا تُنْقِي، وهي التي لا مُخَّ في عظامها؛ لِهُزالِها. والعَرْجاء البيِّن ضلَعها، بفتح اللاَّم وسكونها؛ أي: بها عَرَجٌ فاحِشٌ يَمنَعُها ممَّا ذُكِر؛ لأنَّه يَنقُص لحمُها بسبب ذلك، فلو كان عَرَجُها لا يَمْنَعُها منه؛ أجْزأَتْ. وقال أبو بكرٍ والقاضِي في «الجامع الصغير»: هي التي لا تُطيقُ أنْ تَبلغ المَنسك (٢). وعُلِم منه: أنَّ الكسيرة لا تُجزِئُ، وذكره في «الرَّوضة». والمريضةُ البيِّنُ مرضُها؛ لأنَّ ذلك يُفسِدُ اللَّحم وينقصه (٣)، فدلَّ على أنَّه إذا لم يكن بيِّنًا؛ أنَّها (٤) تجزئ؛ لأنَّها قريبةٌ من الصَّحيحة. وقال الخِرَقِيُّ: هي التي لا يُرجَى بُرؤُها؛ لأنَّ ذلك يَنقُص قيمتها ولحمها. وقال القاضِي وأبو الخطَّاب وابن البنَّاء: هي الجرباء؛ لأنَّه يُفسِد اللَّحمَ. والحقُّ في ذلك: أن يُناطَ الحكمُ بفساد اللَّحم؛ لأنَّه أضْبَطُ، ولعل القاضيَ ومن وافقه ذكروا ذلك على سبيل المثال لا الحصر. وعُلِم منه: أنَّ العمياءَ لا تُجْزِئُ؛ لأنَّها أولى بالمنع من العَوراء؛ لمَنْعها

стр. 2207

من المَشْي مع جنسها، ومشاركتها لَهنَّ في المرعى. وفي قائمة العَينَينِ روايتان، وكذا جافَّة الضَّرع، وعلَّله أحمدُ: بنقص (١) الخَلْق (٢). (وَ) لا تُجْزئُ (الْعَضْبَاءُ)؛ لما روى (٣) عليٌّ قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يُضَحَّى بأعضب (٤) الأذن والقرن»، قال قَتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسَيِّب فقال: العَضْب: النِّصف أو أكثر من ذلك، رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٥). وظاهره: التَّحريم والفساد، وبه يتخصَّص مفهوم ما سبق، إن سلم المفهوم، وأن له عمومًا. (وَهِيَ التِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا، أَوْ قَرْنِها)، نقله حنبلٌ وغيره (٦)؛ لأنَّ الأكثر يقوم مقام الكلِّ، بخلاف اليسير، فإنَّه في حكم المعدوم.

стр. 2208

ونقل أبو طالب: النِّصف فأكثر (١)، ذكر الخلاَّل: أنَّهم اتَّفقوا على ذلك؛ للخبر. وعنه: المانِعُ الثُّلث فأكثر، اختارها أبو بكرٍ؛ لأنَّه كثيرٌ. وقيل (٢): يختص بما فوق الثُّلث. واختار في «الفروع»: الإجزاءَ مطلقًا؛ لأنَّ في صحَّة الخبر نظرًا، فإنَّه من رواية ابن كُلَيبٍ، وهو مجهولٌ، قال أبو حاتمٍ: (لا يُحتجُّ به)، ولأنَّ القرنَ لا يُؤكَل، والأُذن لا يقصد أكلُها غالِبًا، ثمَّ هِيَ كقطع الذَّنَب، وأَوْلَى بالإجْزاء. (وَتُكْرَهُ المَعِيبَةُ (٣) الْأُذُنِ بِخَرْقٍ، أَوْ شَقٍّ، أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ (٤) مِنَ النِّصْفِ)؛ لقول عليٍّ: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نَستشْرِفَ العَين والأُذُنَ، وألاَّ نضحيَ بمقابَلةٍ، ولا مدابَرةٍ، ولا خَرْقاءَ، ولا شرقاء» رواه أبو داودَ (٥)، وحُمِل على الكراهة؛ لأنَّه لا ينقص لحمها، ولا يُوجَد سالِمٌ منها. وفي «الإرشاد»: لا يُجْزِئُ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ للمشقَّة. والقَرْن كالأذن.

стр. 2209

تنبيهٌ: يفهم منه: أن (١) ما عدا ذلك يُجْزِئُ، ويحتمل عدمه (٢)، فمنها: الهَتْمَاء، وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها، قاله جماعة، وفي «التَّلخيص»: هو قياس المذهب. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هي التي سقط بعْضُ أسنانها، تُجْزِئُ في أصحِّ الوَجْهَين (٣). وكذا لا تُجْزِئُ عصماءُ، وهي التي انكسر غِلافُ قَرْنها، قاله في «المستوعب» و «التَّلخيص». ونقل جعفر في الذي يُقطَع من أَلْيَته دون الثُّلُث: لا بَأْسَ به (٤). (وَتُجْزِئُ الجَمَّاءُ)، وهي التي لم يُخلَقْ لها قَرْنٌ؛ لعدَم النَّهي، ولأنَّه لا يُخِلُّ بالمقصود، بخلاف التي ذهب أكثرُ أُذنِها. (وَالْبَتْرَاءُ) التي لا ذَنَب لها. ونقل حَنْبَلٌ: لا يُضَحَّى بها (٥)، وقطع به في «التَّلخيص»، فلو كان وَقُطِع (٦)؛ فوجهان. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الذي قُطع منها عُضْوٌ؛ كالأَلْيَة: لا تجزئ (٧). (وَالخَصِيُّ) بلا جَبٍّ، ذكره في «الوجيز» و «الفروع»؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ

стр. 2210

ضحَّى بكَبْشَينِ موجوءَين»، وعن عائشة نحوه، رواه أحمدُ (١). والموجوء: المرضوض الخِصْيَتَين، سواء قُطعتا أو سُلَّتا (٢)، ولأنَّه إِذْهابُ عُضْوٍ غَيرِ مُسْتطابٍ، بل يَطِيبُ اللَّحمُ بزواله ويسْمنُ، بخلاف شحمة العَينِ. وفسَّر ابنُ البَنَّاء الخَصِيَّ: بِمَنْ قُطِع ذكَرُه، ولم يُوافَقْ عليه، ونصُّه: لا يُجزِئُ خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ (٣). (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الجَمَّاءُ)، كالتي ذهب أكثرُ قرنها، والفَرْق واضِحٌ. (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ)؛ للنَّصِّ، ولفعله ﵇ (٤)، (قَائِمَةً، مَعْقُولَةً يَدُهَا
следующие страницы →