← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وما فَسَّر به العَوراءَ هو قَولُ الأصحاب؛ إذ العَيْنُ عضوٌ مستطابٌ، فدلَّ على أنَّها إذا كانت قائمةً، أو بها بياضٌ لا يَمنَعُ النَّظَرَ؛ تجزئ (١)، وكذا إنْ أَذْهبه علَى الأشْهَر. والعَجْفاء التي لا تُنْقِي، وهي التي لا مُخَّ في عظامها؛ لِهُزالِها. والعَرْجاء البيِّن ضلَعها، بفتح اللاَّم وسكونها؛ أي: بها عَرَجٌ فاحِشٌ يَمنَعُها ممَّا ذُكِر؛ لأنَّه يَنقُص لحمُها بسبب ذلك، فلو كان عَرَجُها لا يَمْنَعُها منه؛ أجْزأَتْ. وقال أبو بكرٍ والقاضِي في «الجامع الصغير»: هي التي لا تُطيقُ أنْ تَبلغ المَنسك (٢). وعُلِم منه: أنَّ الكسيرة لا تُجزِئُ، وذكره في «الرَّوضة». والمريضةُ البيِّنُ مرضُها؛ لأنَّ ذلك يُفسِدُ اللَّحم وينقصه (٣)، فدلَّ على أنَّه إذا لم يكن بيِّنًا؛ أنَّها (٤) تجزئ؛ لأنَّها قريبةٌ من الصَّحيحة. وقال الخِرَقِيُّ: هي التي لا يُرجَى بُرؤُها؛ لأنَّ ذلك يَنقُص قيمتها ولحمها. وقال القاضِي وأبو الخطَّاب وابن البنَّاء: هي الجرباء؛ لأنَّه يُفسِد اللَّحمَ. والحقُّ في ذلك: أن يُناطَ الحكمُ بفساد اللَّحم؛ لأنَّه أضْبَطُ، ولعل القاضيَ ومن وافقه ذكروا ذلك على سبيل المثال لا الحصر. وعُلِم منه: أنَّ العمياءَ لا تُجْزِئُ؛ لأنَّها أولى بالمنع من العَوراء؛ لمَنْعها

стр. 2207

من المَشْي مع جنسها، ومشاركتها لَهنَّ في المرعى. وفي قائمة العَينَينِ روايتان، وكذا جافَّة الضَّرع، وعلَّله أحمدُ: بنقص (١) الخَلْق (٢). (وَ) لا تُجْزئُ (الْعَضْبَاءُ)؛ لما روى (٣) عليٌّ قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يُضَحَّى بأعضب (٤) الأذن والقرن»، قال قَتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسَيِّب فقال: العَضْب: النِّصف أو أكثر من ذلك، رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٥). وظاهره: التَّحريم والفساد، وبه يتخصَّص مفهوم ما سبق، إن سلم المفهوم، وأن له عمومًا. (وَهِيَ التِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا، أَوْ قَرْنِها)، نقله حنبلٌ وغيره (٦)؛ لأنَّ الأكثر يقوم مقام الكلِّ، بخلاف اليسير، فإنَّه في حكم المعدوم.

стр. 2208

ونقل أبو طالب: النِّصف فأكثر (١)، ذكر الخلاَّل: أنَّهم اتَّفقوا على ذلك؛ للخبر. وعنه: المانِعُ الثُّلث فأكثر، اختارها أبو بكرٍ؛ لأنَّه كثيرٌ. وقيل (٢): يختص بما فوق الثُّلث. واختار في «الفروع»: الإجزاءَ مطلقًا؛ لأنَّ في صحَّة الخبر نظرًا، فإنَّه من رواية ابن كُلَيبٍ، وهو مجهولٌ، قال أبو حاتمٍ: (لا يُحتجُّ به)، ولأنَّ القرنَ لا يُؤكَل، والأُذن لا يقصد أكلُها غالِبًا، ثمَّ هِيَ كقطع الذَّنَب، وأَوْلَى بالإجْزاء. (وَتُكْرَهُ المَعِيبَةُ (٣) الْأُذُنِ بِخَرْقٍ، أَوْ شَقٍّ، أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ (٤) مِنَ النِّصْفِ)؛ لقول عليٍّ: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نَستشْرِفَ العَين والأُذُنَ، وألاَّ نضحيَ بمقابَلةٍ، ولا مدابَرةٍ، ولا خَرْقاءَ، ولا شرقاء» رواه أبو داودَ (٥)، وحُمِل على الكراهة؛ لأنَّه لا ينقص لحمها، ولا يُوجَد سالِمٌ منها. وفي «الإرشاد»: لا يُجْزِئُ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ للمشقَّة. والقَرْن كالأذن.

стр. 2209

تنبيهٌ: يفهم منه: أن (١) ما عدا ذلك يُجْزِئُ، ويحتمل عدمه (٢)، فمنها: الهَتْمَاء، وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها، قاله جماعة، وفي «التَّلخيص»: هو قياس المذهب. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هي التي سقط بعْضُ أسنانها، تُجْزِئُ في أصحِّ الوَجْهَين (٣). وكذا لا تُجْزِئُ عصماءُ، وهي التي انكسر غِلافُ قَرْنها، قاله في «المستوعب» و «التَّلخيص». ونقل جعفر في الذي يُقطَع من أَلْيَته دون الثُّلُث: لا بَأْسَ به (٤). (وَتُجْزِئُ الجَمَّاءُ)، وهي التي لم يُخلَقْ لها قَرْنٌ؛ لعدَم النَّهي، ولأنَّه لا يُخِلُّ بالمقصود، بخلاف التي ذهب أكثرُ أُذنِها. (وَالْبَتْرَاءُ) التي لا ذَنَب لها. ونقل حَنْبَلٌ: لا يُضَحَّى بها (٥)، وقطع به في «التَّلخيص»، فلو كان وَقُطِع (٦)؛ فوجهان. وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الذي قُطع منها عُضْوٌ؛ كالأَلْيَة: لا تجزئ (٧). (وَالخَصِيُّ) بلا جَبٍّ، ذكره في «الوجيز» و «الفروع»؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ

стр. 2210

ضحَّى بكَبْشَينِ موجوءَين»، وعن عائشة نحوه، رواه أحمدُ (١). والموجوء: المرضوض الخِصْيَتَين، سواء قُطعتا أو سُلَّتا (٢)، ولأنَّه إِذْهابُ عُضْوٍ غَيرِ مُسْتطابٍ، بل يَطِيبُ اللَّحمُ بزواله ويسْمنُ، بخلاف شحمة العَينِ. وفسَّر ابنُ البَنَّاء الخَصِيَّ: بِمَنْ قُطِع ذكَرُه، ولم يُوافَقْ عليه، ونصُّه: لا يُجزِئُ خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ (٣). (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الجَمَّاءُ)، كالتي ذهب أكثرُ قرنها، والفَرْق واضِحٌ. (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ)؛ للنَّصِّ، ولفعله ﵇ (٤)، (قَائِمَةً، مَعْقُولَةً يَدُهَا

стр. 2211

الْيُسْرَى)، قاله الأصحابُ؛ لأنَّ ابن عمر مرَّ على رجلٍ قد أناخ بدَنةً لينحرها، فقال: «ابعثها قيامًا (١) مقيَّدةً، سنَّةُ محمَّدٍ ﷺ » متَّفَقٌ عليه (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحَجّ: ٣٦] دالٌّ عليه، مع ما حكاه بعض المفسِّرين في (٣) قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]؛ أيْ: قيامًا، لكن قال أحمدُ: (إذا خَشِيَ عليها أناخها) (٤)، ونقل حنبلٌ: (كيف شاء، بارِكةً وقائمةً) (٥). (فَيَطْعُنُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ)، بسكون الهاء، وهو المطمئن، (التِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ)؛ لأنَّ عُنُقَ البعير طويلة، فلو طعن بالقُرْب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه. (وَيَذْبَحُ البَقَرَ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البَقَرَة: ٦٧]، (وَالْغَنَمَ)، لأنَّه ﵇ ذَبَحَ كَبْشَين (٦). وظاهره: لو نحر ما يُذبَح، أو عَكَس؛ جاز لقوله ﵇: «ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِر اسْمُ الله عليه؛ فكُلْ» (٧). وعنه: أنَّه توقَّف في أكل البعير إذا ذُبِح ولم يُنْحَرْ (٨). (وَيَقُولُ) بعد توجيه الذَّبيحة إلى القبلة على جنبها الأيسَرِ، (عِنْدَ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: حين يُحرِّك يدَه بالذَّبح (٩): (بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، قال

стр. 2212

ابنُ المنذِر: (ثبت أنَّه ﵇ كان يقول ذلك) (١). واخْتِير التَّكبير هنا؛ اقتداءً بأبينا إبراهيمَ حين أُتِيَ بفداء إسماعيل. (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ)؛ لما رَوَى ابنُ عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ : ذَبَح يوم العيد كَبْشَينِ، ثمَّ قال حين وجَّههما: «باسم الله، والله أكبرُ، اللَّهمَّ هذا مِنْكَ ولكَ» رواه أبو داود (٢). ولا بَأْس أن يقولَ: اللَّهم تقبَّل منِّي كما تقبَّلت من إبراهيم خليلك، أو من فلانٍ، نَصَّ عليه (٣)، واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنه يقرأ وقت الذَّبح: «وجهت وجهي … » إلى قوله: «وأنا من المسلمين» (٤). قال الخِرَقِيُّ: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمَّن؛ لأنَّ النية تُجزِئُ، قال في «الشَّرح»: بغير خلافٍ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ)؛ لأنَّها قُرْبةٌ وطاعةٌ، فلا يليها غير أهل القُرَب. وظاهِرُه: أنَّه لو ذبحها غيره ممن (٥) يباح ذبحُه؛ جاز في الأصحِّ؛ لأنَّه يجوز له ذبحُ غير الأضحيَّة، فكذا هي؛ كالمسلم، يؤيده (٦): أنَّ الكافِر يجوز

стр. 2213

أنْ يتولَّى ما هو قربةٌ للمسلم؛ كبناء المساجد. وعنه: المنعُ؛ لحديث ابْن عبَّاس المرفوع: «ولا يَذْبَح ضحاياكم إلاَّ طاهِرٌ» (١)، ولتحريم الشُّحوم علينا في روايةٍ؛ فكان بمنزلة إتْلافه. وعنه: في الإبل خاصَّة، وجزم به الشِّيرازي وصاحب «الوجيز». قال الزَّركشي: ومحلُّ الخلاف على القول بحِلِّ الشُّحوم، وإن (٢) قلنا بتحريمها؛ فلا يَلِي الكتابِيُّ بلا نزاعٍ. وأجاب في «المغني» و «الشرح»: بأنَّا لا نسلِّم تحريم الشُّحوم علينا بذبحهم، وحديث المنع محمولٌ على كراهة التَّنزيه. فعلَى المذهب: تُعتبَر نِيَّةُ المسلم إذَنْ، فإنْ كانت معيَّنةً؛ لم يشترط؛ نظرًا للتَّعيين، لا تسمية المضحَّى عنه. (فَإِنْ (٣) ذَبَحَهَا بِيَدِهِ؛ كَانَ أَفْضَلَ)؛ لأنَّه ﵇ نحَر هدْيَه ثلاثًا وستِّين بدَنَةً (٤)، وضحَّى بكبشَين ذبحهما بيده (٥)، ولأنَّ فِعْلَ القُرَب أَوْلَى من الاِسْتِنابة فيها. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ اسْتُحِبَّ أَنْ يَشْهَدَهَا)، نَصَّ عليهما (٦)؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ: «احْضُري أُضحيَّتك، فإنَّه يُغفَر لكِ بأوَّل قطرةٍ من دَمِها»، وعن ابن عبَّاسٍ نحوُه (٧).

стр. 2214

(وَ) أَوَّلُ (وَقْتِ الذَّبْحِ: يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)؛ أي: صلاة العيد، (أَوْ قَدْرِهَا) في حقِّ من لم يصلِّ، وجزم به أكثرهم، فظاهره: أنَّه إذا مضى أحدُ الأمرين؛ دخل وقت الذَّبح إذا مضى قدر الصَّلاة التامة (١). وظاهره: ولو سُبقت صلاةُ الإمام. ولا فَرْقَ فيه بين أهل الأمصار والقُرَى، مِمَّنْ يصلِّي العيد وغيرهم؛ لأنَّها عبادةٌ يتعلق (٢) آخرها بالوقت، فتعلَّق أوَّلها به؛ كالصوم. فعلى هذا: إذا ذبح بعد الصَّلاة قبل الخطبة، أو بعْدَ قَدْر الصَّلاة، وقيل: قدر الخطبة؛ أجزأه لعدم اشْتِراط مُضِيِّ الخُطبة أوْ قدرها؛ لأنَّها سنَّةٌ. وظاهر كلام أحمد: أنَّ من كان في المصر لا يضحِّي حتَّى يصلِّيَ (٣)، وقاله الأكثرُ، منهم القاضِي وعامَّة أصحابه؛ لما روى جُندَبُ بنُ عبد الله: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَبَحَ قبل أن يصلِّيَ؛ فليذبح مكانها أخرى» (٤). فظاهره (٥): اعتبار نَفْس الصَّلاة، خلافًا للشَّرح؛ لأنَّه ﵇ علَّق المنعَ علَى فعل الصَّلاة. وعنه: يُعتبَر معها الفراغُ من الخُطبة، وهي اختيارُه في «الكافي»، وفي «المغني» و «الشَّرح»: إنَّها ظاهر كلامه؛ لأنَّها كالجزء من الصَّلاة.

стр. 2215

وعنه: يعتَبَرُ مع ذلك ذبح الإمام؛ ل «أمْرِه ﵇ مَنْ كان نَحَرَ قبلَه: أن يعيد بنحرٍ آخَرَ» رواه أحمد من حديث جابِرٍ (١). واعتَبَر الخِرَقِيُّ: أنْ يَمْضِيَ منه مِقْدارُ صلاة العيد وخطبته، وحكاه بعضُهم روايةً؛ لأنَّ الصَّلاة تتقدَّم وتتأخَّر، وقد تُفْعَل وقد لا تُفعَلُ، فأُنِيطَ الحكمُ به. وأمَّا المقيم بمَوْضعٍ لا يلزمه قدرُ ذلك؛ فعلى الخلاف، وفي «الترغيب»: هو كغيره في الأصحِّ. واعتبر في «المغني»: أن يكون قدْرَ صلاةٍ وخُطبةٍ تامَّتَينِ. وذكر الزَّرْكشيُّ احتِمالاً: أنَّه يُعتَبَر ذلك بمتوسِّطي النَّاس. هذا كلُّه في اليوم الأوَّل، فأما الآخَران؛ فيجوز في أوَّلهما؛ لدخول الوقت. وإذا (٢) اعتبر بصلاة الإمام؛ فإذا صلَّى في المصلَّى، واستَخْلَف مَنْ صلَّى بهم في المسجد؛ فالعِبْرة بالأَسْبَق. فإن فات العِيدُ بالزَّوال؛ ضَحَّى إِذنْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يتبع (٣) الصَّلاة قضاءً كما يتبعه أداءً، ما لم تؤخَّر عن أيام الذَّبح، فيتبع (٤) الوقت ضرورة. فَرْعٌ: إذا ذَبَح قبل وقته؛ صنع به ما شاء، وقيل: حكمه كأضحية. (إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، قال أحمدُ: (أيام النَّحر ثلاثةٌ، عن غير واحِدٍ من الصَّحابة) (٥)؛ لأنَّه «﵇ نَهَى عن ادخار لحوم الأضاحِي فَوقَ

стр. 2216

ثلاث» (١)، ويَستحِيل أنْ يُباحَ ذبحُها في وقتٍ يحرُم أكلُها فيه، ونَسْخُ أحد الحُكْمَينِ لا يَلزَمُ منه رفع الآخَر. وفي «الإيضاح»، واختاره الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: آخرُه آخِرُ أيَّام التشريق (٢)؛ لقوله ﵇: «أيَّام مِنًى كُلُّها مَنحَرٌ» (٣). وأفضلُه أوَّل يومٍ، ثمَّ ما يليهِ. وخصَّها ابنُ سِيرينَ: بيوم النَّحر خاصَّة؛ لأنَّها وظيفة عِيدٍ. وقاله سعيد بن المسيِّب وجابِر بن زَيد في أهل الأمصار. وأغرب منه ما رُوِيَ عن أبِي سلَمةَ بن عبد الرَّحمن، وعَطاء بنِ يَسَار: أنَّها تَجُوزُ إلَى المُحرَّمِ. (وَلَا يُجْزِئُ فِي لَيْلَتِهِمَا، فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، هو روايةٌ عن أحمدَ، اختارها الخلاَّلُ، وجزم بها في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحَجّ: ٢٨]، وقد رُوي عنه ﵇:

стр. 2217

«أنَّه نهى عن الذَّبح لَيلاً» رواه أبو داود في «مراسيله» عن عَطاء بن يَسَار، لكنْ فيه مبشر بن عُبَيدٍ، وهو متروكٌ (١). (وَقَالَ غَيْرُهُ)، منهم أبو بكرٍ، والقاضِي وأصحابُه، وصاحِبُ «التلخيص»: (يُجْزِئُ)، نَصَّ عليه (٢)، قال في «الشَّرح»: اختاره أصحابنا المتأخِّرون؛ لأنَّ اللَّيل يصحُّ فيه الرَّمْيُ، وداخِلٌ في مدَّة الذَّبح، فجاز فيه؛ كالأيام. فعلَى الأوَّل: إنْ ذَبَحَ ليلاً؛ لمْ يُجْزِئْه، لكن في الواجب يَلزَمُه البدلُ، وفِي التَّطوُّع ما سبق. وعلى الثَّانِي: يُجْزِئُ مع الكراهة؛ لأنَّ اللَّيل يتعذَّر فيه تَفْرِقَةُ اللَّحم، فتَذْهَبُ طَراوتُه، فيَفُوتُ بَعْضُ المقصود. (فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ؛ ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً)، وصَنَعَ به ما يُصنَعُ بالمذبوح في وقته؛ لأنَّ حكم القضاء كالأداء، ولا (٣) يَسقُط بفواته؛ لأنَّ الذبح أَحَدُ مَقْصُودَي الأُضحيَّة، فلا يَسقُط بفوات وقته؛ كما لو ذبحها ولمْ يفرِّقها حتَّى خرج الوقْتُ. (وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ)؛ لأنَّ المحصِّل للفضيلة الزَّمانُ، وقد فات، فلو ذَبَحَه وتصدَّق به؛ كان لحمًا تَصَدَّقَ به، لا أُضحيَّةً في الأصحِّ، قاله في «التَّبصرة». (وَيَتَعَيَّنُ الهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ)؛ لأنَّه لفظٌ يَقْتَضِي الإِيجابَ، فوجب أنْ يترتَّبَ عليه مُقْتضاهُ، (أَوْ تَقْلِيدِهِ، أَوْ إشعَارِهِ (٤) مَعَ النِّيَّةِ)، وبه قال الثَّوريُّ

стр. 2218

وإسحاقُ؛ لأنَّ الفِعْلَ مع النِّيَّةِ كاللَّفْظ إذا كان الفِعْلُ دالًّا علَى المقصود، كمن بَنَى مسجِدًا وأَذِن للنَّاس في الصَّلاة فيه. ولَمْ يَذكُر في «الكافي» النِّيَّةَ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ. وقدَّم في «المستوعب» و «الرعاية»: أنه (١) لا يتعين إلاَّ بالقول (٢). (وَالْأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ)؛ كالهدْي وكالعتق. وكذا يتعين بقوله: هذا لله -فيهما-؛ لأنَّه دالٌّ عليه. (وَلَوْ نَوَى حَالَ الشِّرَاءِ؛ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ)؛ لأنَّه إزالة مِلْكٍ على وجه القُرْبة، فلم تؤثر فيه النِّيَّةُ المقارنة للشِّراء؛ كالعتق والوقْف. وقال المجْدُ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها تصير أُضحيَّة إذا اشتراها بنِيَّتها، كما يتعيَّن الهدْيُ بالإشعار. فرعٌ: إذا قال: لله علَيَّ ذَبْحُ هذه الشَّاة، ثمَّ أتْلَفَها؛ ضَمِنَها؛ لبقاء المستحق لها. وإن قال: لله علَيَّ أن أعتق هذا العبدَ، ثم (٣) أتلفه؛ لَمْ يَضْمَنْه؛ لأنَّ القصدَ من العتق تكميلُ الأحكام، وهو حقٌّ للعبد، وقد هَلَكَ. (وَإِذَا تَعَيَّنَتْ؛ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، وَلَا هِبَتُهَا)؛ لأنَّه «﵇ نَهَى أنْ يُعطَى الجازرُ شيئًا منها» (٤)، فلَأَنْ يُمنَعَ من بَيْعِها من بابِ أَوْلَى، ولأنَّه جعل ذلك لله تعالَى، أشْبَهَ العِتقَ والوقْفَ. والمذهبُ كما نقله الجماعةُ (٥): أنَّه يجوز نقْلُ الملك فيه، وشِراءُ خَيْرٍ

стр. 2219

منه، وذكر ابن الجوزيِّ أنَّه المذهب؛ لأنَّه ﵇ أشْرَك علِيًّا في هَدْيِه (١)، وهو نوعٌ منهما، ولأنه يجوز الإبدال، فكذا البيع. والمذهبُ عند جماعةٍ: ما ذكره المؤلِّف هنا، وأجابوا: بأنَّها تَعيَّنَ ذبحُها، فلم يَجُزْ بيعُها، كما لو نذر أنْ يَذْبَحَها بعَينِها، ولأنَّه يجوز إبدالُ المصحف دون بَيعه، وعن الحديث: بأنَّه يحتمل أنَّه أشركه فيه قبل إيجابه، ويحتمل أنَّه جاء بِبُدْنٍ فاشتركا في الجميع، أو أشركه في ثوابها. (إِلاَّ أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا)، نَصَّ عليه (٢)، اختاره الخِرَقيُّ والمؤلِّف وصاحب «المنتخب»؛ نظَرًا لمصلحة الفقراء، ولأنَّه عَدَل عن المعيَّن إلى خيرٍ منه من جنسه، فجاز؛ كما لو أخرج حِقَّةً عن بنت لَبُونٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز بدونها بلا رَيبٍ؛ لما فيه من تفويت حُرمتها. ولا بمثلها، واختاره الخِرَقِيُّ وغيره؛ لعدم الفائدة. والثَّاني: يجوز؛ لأنَّ الواجب لَمْ يَنقُصْ. وحيث جاز بيعها؛ فهل ذلك لِمَنْ يُضَحِّي؛ كما قاله الشِّيرازيُّ وصاحِبُ «التَّلخيص»، أوْ مُطْلَقًا؛ كما هو ظاهِرُ كلام القاضِي؟ فيه قَوْلانِ. وعليهما: يَشْتَرِي خَيرًا منها، قاله أبو بكرٍ، وحَكَى المؤلِّفُ عن القاضِي: أنَّه يَجُوزُ شِراءُ مثلها. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا)؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عمرَ قال: أَهْدَى عُمَرَ نجيبًا، فأتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي أهديت نجيبًا، فأبيعها وأشْتَرِي بثمنها بُدُنًا؟ قال: «لا، انْحَرْها» رواه أحمدُ والبخاريُّ في «تاريخه» (٣)، ولأنَّه نوع

стр. 2220

تصرُّفٍ، فلَمْ يَجُزْ كالبيع. والخلاف مبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّه إذا أوجب أضحيَّةً؛ لمْ يَزُلْ ملكُه عنها، نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ الأكثر، وقال أبو الخطَّاب: يَزول. فعلَى هذا: لو عيَّنه، ثمَّ عَلِم عيبه؛ لم يَمْلِك الرَّدَّ، ويملكه على الأوَّل. وعليهما: إن أخذ أَرْشه؛ فهل هو له، أو كزائدٍ (٢) علَى القِيمة؟ فيه وجهان (٣). ولو بان مستحَقًّا بعد تعيينه؛ لزِمه بدله، نقله علِيُّ بنُ سعيدٍ (٤)، قال في «الفروع»: ويتوجَّه فيه كأرشٍ. فرعٌ: إذا عيَّنها، ثمَّ مات وعليه دَيْنٌ؛ لم يَجُزْ بيعُها فيه مطلقًا، خلافًا للأوزاعيِّ. (وَلَهُ رُكُوبُهَا)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلاً يَسُوقُ بدَنةً، فقال: «ارْكَبْها»، قال: إنَّها بدَنةٌ، فقال: «ارْكَبْها» في الثَّانية أو الثَّالثة، متَّفَقٌ عليه (٥)، (عِنْدَ الْحَاجَةِ) إلى ظهرها؛ لأنَّ في بعض الرِّوايات: «ارْكَبْها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها حتَّى تجد ظَهْرًا» رواه مسلمٌ (٦)، وقال أحمد: لا يَركَبُها إلاَّ عند الضَّرورة (٧).

стр. 2221

وعنه: يجوز مطلقًا؛ قطع به في «المستوعب» وغيره. (مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا (١)؛ لما في ذلك من ضَرَر الفقراء، وهو غَيرُ جائزٍ، فإن نقصها الرُّكوب؛ ضَمِنَ النقص. وظاهِرُ كلام جماعةٍ: إنْ رَكِبها بعد الضَّرورة ونقص؛ ضَمِنَ. (وَإِنْ وَلَدَتْ) المعيَّنةُ؛ (ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا)؛ سواءٌ عيَّنها حامِلاً أوْ حَدَث بعدَه؛ لما رُوِي عن علِيٍّ أنَّ رجلاً سأله فقال: يا أمير المؤمنين، إنِّي اشْتَرَيتُ هذه البقرةَ لأضحِّيَ بها، وإنَّها وضعت هذا العجلَ، فقال: «لا تَحلُبْها إلاَّ ما فَضَلَ عن ولدها، فإذا كان يومُ الأَضْحَى؛ فاذْبَحْها وَوَلَدَها عن سبعةٍ» رواهُ سعيدٌ والأثْرمُ (٢)، ولأنَّه صار أُضْحيَّةً علَى وجْه التَّبَع لأِمِّه، فلَمْ يَتقدَّم به ولم يتأخَّر كأمِّه. وعُلِم منه: أنَّ الحملَ لا يَمنَعُ الإجْزاءَ. مسألةٌ: إذا كان هدْيًا، وتعذَّر حملُه وسَوْقُه؛ فكهَدْيٍ عَطِبَ. (وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إِلاَّ مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا)؛ لما ذكرنا، ولأنَّ شُرْبَ الفاضل لا يضُرُّ بِها ولا بولدها، فكان كالرُّكوب، بخلاف شُرْب غير الفاضِل فإنَّه يَحرُم؛ للضَّرَر، ويتصدَّق به، فإنْ شَرِبَه؛ ضَمِنَه؛ لتعدِّيه بأخْذه. (وَيَجُزُّ صُوفَهَا (٣) وَوَبَرَهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا)، مثل كونه في زمن الرَّبيع، فإنَّه تَخِفُّ بجزِّه (٤) وتَسمُنُ؛ لأنَّه لمصلحتها (٥)، ويتصدق به (٦)

стр. 2222

كما بعد الذَّبْح، زاد في «المستوعب»: نَدْبًا، وفي «الروضة»: يتصدق (١) به إن كانت (٢) نَذْرًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان بقاؤه أنْفَعَ لها لكونه (٣) يَقِيهَا البَرْدَ أو الحر، أو كان (٤) لا يَضُرُّ بها (٥) لقرب مدة الذَّبح؛ لم يجز؛ كأخْذِ بعض أعضائها. (وَلَا يُعْطَى الجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ (٦) شَيْئًا مِنْهَا)، قاله الأصحاب؛ لقول علِيٍّ: أَمَرنِي رسولُ الله ﷺ أنْ أقومَ علَى بُدْنِهِ، وأنْ أتصدَّقَ بلحومها وجلودها وأجلَّتها (٧)، ولا أعطي الجازر (٨) شَيئًا منها، وقال: «نَحْنُ نُعطيه مِنْ عندنا» متَّفق عليه (٩)، ولأنَّ ذلك بمنزلة المعاوَضة، وهي غَيرُ جائزةٍ فيها. وظاهِرُه: أنَّه إذا دفع إليه (١٠) منها لا علَى سبيل الأجرة؛ كالهديَّة؛ جاز؛ لأنَّه ساوى غيرَه، وزَادَ عَلَيهِ بِمُباشَرتِه لَها، وتَتُوقُ نفْسُه إلَيها. قال الزَّرْكَشِيُّ: وبهذا المعنى يتخصَّص عموم الحديث، ولو قيل بعمومه سدًّا للذَّريعة كان حَسَنًا، وفيه شَيءٌ. (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا) بغير خلافٍ (١١)؛ لأنَّه جزءٌ من الأضحيَّة كلحمها،

стр. 2223

وقد رُوِيَ عن علقمةَ ومسروقٍ: (أنَّهما كانا يدبغان جِلْدَ أضحيَّتهما، ويصلِّيان عليه) (١). (وَجُلِّهَا)؛ لأنَّه إذا جاز الانتفاع بالجلد؛ فهو أَوْلَى، أو يتصدَّق بهما؛ لقوله: (وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا)، هذا هو المعروفُ في (٢) المذهب؛ لقوله ﵇ في حديث قَتادةَ بن النُّعمان: «ولا تَبِيعوا لُحومَ الأضاحِي والهدْي، وتصدَّقوا، واستمْتِعوا بجلودها» (٣)، قال أحمدُ: (سبحان الله! كيف يبيعها وقد جعلها لله ﵎؟!) (٤). وسواءٌ كانت واجبةً أو تطوُّعًا؛ لأنَّها تعيَّنت بالذَّبح. وعنه: يجوز بيع الجلد، والتصدق بثَمَنه، روي (٥) عن ابن عمرَ (٦). وعن أحمدَ: ويَشتَرِي أُضحيَّة. وعنه: يُكْرَه. وعنه: يجوز (٧)، ويَشْتَري به آلةَ البيت؛ كالغِربال ونحوه، لا مأكولاً.

стр. 2224

وعنه: يَحرُم بَيعُ جلد شاةٍ فقط، اختاره الخلاَّل، ولعلَّه اعْتمَد علَى أثَرٍ (١). ونقل جماعةٌ: لا يُنتفَع بما كان واجبًا، قال في «الفروع»: ويتوجَّه: أنَّه المذهب، فيتصدق، ونَقَلَ الأثْرمُ وحنْبلٌ: بثَمَنه (٢). واسْتَثْنَى جَماعةٌ: الجُلَّ. (وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ما لم يُفرِّط، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّها أمانةٌ في يده، فلم تُضمَن بالسَّرِقة؛ كالوديعة، وإن فرَّط؛ ضمن القيمة يوم التَّلف، يُصرف في مثله كما يأتي. (وَإِنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذنٍ؛ أَجْزَأَتْ)؛ لأِنَّ الذَّبح لا يَفْتقِر إلَى نِيَّةٍ، فإذا فَعَلَه الأجْنَبِيُّ أجزأ؛ كغسل النَّجاسة، وسواءٌ نَوَى عن النَّاذِر أو أطلق. وإنْ نواها عن نفسه مع علمه أنَّها أُضْحِيَّة الغير؛ لَمْ تجزئه (٤)، وإلاَّ أجْزأتْ إن لَم يُفَرِّقِ الذَّابِحُ لَحْمَها. (وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحَهَا)؛ لأنَّها وقعتْ موقِعَها، كما لو أذِن صاحبُها،

стр. 2225

ولإذنه (١) عُرفًا، أو إذن الشَّرع، وإلا فروايتان (٢) في الإجزاء وعدمه. فإن (٣) لم يَجْزِ؛ ضمن الذَّابح ما بين كونها حيَّةً إلى مذبوحةٍ، ذكره في «عيون المسائل»، بخلاف من نذر في ذِمَّته، فذبح عنه من غنمه؛ لا يجزئ، وعلى عدم الإجزاء: يعود ملكًا. وقيل: يعتبر على رواية الإجزاء: أن يلي ربُّها تفرقتها، وإلاَّ ضمن الأجنبيُّ قيمة لحمٍ. (وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا (٤)؛ لأنَّها من المتقوِّمات، وتعتبر (٥) القيمة يوم التَّلف. (وَإِنْ (٦) أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا؛ ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ (٧) قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا (٨)، هذا قَولُ أبِي الخطَّاب، وأكْثرِ أصحاب القاضِي؛ لأنه حقٌّ تعلَّق به حقُّ الله في ذبحها، فوجب عليه أكثر القِيمتَينِ من الإيجاب إلَى التَّلَف. فلو كانت قيمتُها يوم التَّلف خمسةً، فَغَلَت الغنم، فلم يُحصِّل مثلها إلاَّ بأكثر من ذلك؛ لزمه مثلها، ولو كانت قيمتُها عشرةً، فرَخُصت بحيث تُحَصَّل بدونه؛ لزمته العشرة. والوجه إسقاط همزة «أو»، فإن صحَّ ثبوتها كانت بمعنى الواو. وفي «التبصرة»: يلزمه أكثر القيمتين من الإيجاب إلى النَّحر.

стр. 2226

وقيل: من التَّلف إلى وجوب النَّحر، جزم به الحُلْوانِيُّ. والمذهبُ: أنَّه يَلزَمه القيمة يومَ التَّلف، يصرف في مثله؛ كالأجنبيِّ، وكسائر المضمونات. فعلَى ما ذكره المؤلِّف: (فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا، وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ؛ جَازَ، وَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً) إنْ أمكن، (أَوْ سُبُعَ بَدَنَةٍ)؛ لأنَّ الذَّبحَ مقصودٌ في الأُضحِيَّة، فإذا أمكنه الإتيانُ به؛ لَزِمَه. (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ؛ اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا، وَتَصَدَّقَ (١) بِهِ)، هذا وجْهٌ؛ لأنَّ الذَّبحَ وتَفْرِقةَ اللَّحم مقصودان، فإذا تعذَّر أحدُهما تعيَّن الآخَرُ. (أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ)، قدَّمه في «الفروع»، وهو أرجحُ؛ لأنَّه إذا لم يَحصُلْ له التَّقرُّب بالإراقة؛ كان (٢) اللَّحمُ وثَمَنُه سواءً. وظاهِرُ كلام المؤلِّف: أنَّه مخيَّرٌ بين الأمْرَين؛ لأنَّ كلًّا منهما محصِّلٌ للمقصود. (فَإِنْ (٣) تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا) صاحبُها؛ لما تقدَّم من كونها أمانةً في يده؛ كالوديعة. فرعٌ: اثنان ضحَّى كلٌّ منهما عن نفسه بأضحيَّة الآخَر غلطًا؛ أجزأتهما، ولا ضمان استحسانًا، والقياس ضدُّهما، ذكره القاضي وغيره. (وَإِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ)، قال جماعةٌ: أو خاف عَطَبَه؛ لزِمه (نَحْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَ) يُستحَبُّ (صَبْغُ نَعْلِهِ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ (٤) بِهَا صَفْحَتَهُ)؛ أي:

стр. 2227

صفحة سنامها؛ (لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ (١)، وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ)؛ لِما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ أبا قَبيصةَ حدَّثه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعث معه بالبُدْن ثمَّ يقول: «إنْ عَطِبَ منها شَيءٌ؛ فخَشِيتَ عليه مَوْتًا؛ فانْحَرْها، ثمَّ اغْمِسْ نَعْلَها فِي دَمِهَا، ثمَّ اضْرِبْ به صفحته (٢)، ولا تَطْعَمْها أنت، ولا أحدٌ من أهْل رفقتك» رواه مسلمٌ (٣)، وإنَّما مُنِع السَّائقُ ورِفْقتُه من أكلها؛ لئلاَّ يقصِّر في حفظها، فيُعطِبها ليتناوَل هو ورِفْقَتَه منها، زاد في «الروضة»: ولا يدلُّ عليه. وظاهره: ولو مع (٤) فقره. وأباحه له جماعةٌ، وهو ظاهِرٌ. وأباحه م (٥) لرفيقه (٦) ولسائر النَّاس؛ لحديث ناجِيةَ بنِ كَعْبٍ صاحبِ بُدْن رسول الله ﷺ ، فذكر بمثل حديث ابنِ عبَّاسٍ، وفيه: «ثمَّ خلِّ بينه وبين النَّاس» (٧)، فدلَّ على تسوية الرُّفقة بالأجانب، قال ابن عبد البَرِّ: (هذا أصحُّ من حديث ابن عبَّاسٍ، وعليه العملُ عند الفقهاء) (٨). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ حديث ابن عبَّاس في «صحيح مسلمٍ»، وهو متضمِّنٌ لمَعْنًى

стр. 2228

خاصٍّ يَجِبُ تقديمُه علَى عموم ما يُخالِفُه، والتَّسوية غير معتبَرةٍ؛ لأنَّ الإنسان يشفق (١) على رفقته (٢)، ويحب التَّوسعة عليهم، حتَّى يوسِّع عليهم من مؤنته، والشَّافعيُّ وأحمدُ قد خالفا فِي ذلك (٣). وعلى الأوَّل: لو أكل منها، أو أطْعَم غنِيًّا، أو رفقته؛ ضمنه بمثله لحمًا، بخلاف ما لو أمره بالأكل منها، أو أطعم منها فقيرًا. فرعٌ: هدْيُ التطوع (٤) دون محلِّه: إن دامت نيته فيه (٥) قبل ذبحه؛ فكذلك، وإن فسخها قبل ذبحه؛ صنع به ما شاء؛ كبقيَّة ماله. (وَإِنْ) أوجب أضحيَّةً سليمةً، ثمَّ (تَعَيَّبَتْ) عندَه؛ (ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ)، نَصَّ عليه (٦) فيمَنْ جَرَّ بقرةً إلى المنحر بقرنها؛ فانقلع؛ كتعيينه مَعِيبًا فبَرَأَ؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ قال: «ابْتَعْنا كبْشًا نُضَحِّي به، فأصاب الذِّئْب مِنْ أَلْيَته، فسألْنا النَّبيَّ ﷺ ، فأمرَنا أن نُضَحِّيَ به» رواه ابن ماجَهْ (٧)، ولأنَّه عَيبٌ حَدَثَ بها، فلَمْ يَمنَع الإجزاء؛ كالعَيب الحادِثِ بمعالجة الذبح. فلو تعيبت (٨) بفعله؛ لَزِمه بدلُها. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ (٩) وَاجِبَةً فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ؛ كَالْفِدْيَةِ) من الدِّماء

стр. 2229

الواجبة (١) في النُّسُك؛ بترك واجبٍ أو فعل محظورٍ، (وَالمنْذُورِ فِي الذِّمَّةِ)، فشمِل قسمَيْن: ما وجب بغيره، وما وجب بالنَّذر؛ (فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا)؛ لأنَّ عليه دمًا سليمًا، ولم يوجد ذلك، فلم يجزئْه، وكما لو كان لرجل عليه دينٌ، فاشترى منه مَكِيلاً، فتلف قبل قبضه؛ انفسخ (٢) البيع، وعاد الدَّين إلى ذِمَّته، ويلزمه أفضلُ مِمَّا في الذِّمَّة إن كان تلفه بتفريطه. فلو وَلَدَت؛ فهل يتبعها الولد كما تبعها ابتداءً، فيبطل التَّعيين فيه، أو لا؛ لأنَّ البطلانَ في الأمِّ لمعنى (٣) اختصَّ بها؟ فيه وجهان. (وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالمَعِيبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أصحُّهما: ليس له اسْتِرجاعُ ذلك إلى ملكه؛ لأنَّه تعلَّق به حقُّ الفقراء بتعيينه، فلزمه ذبحه، كما لو عيَّنه بنذره ابتداءً. والثَّانية: له اسْتِرْجاعُه إلَى ملكه (٤)، فيصنع به ما شاء، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه إنَّما عيَّنه عمَّا في ذمَّته، فإذا لَمْ يَقَعْ عنه (٥)؛ عاد إلَى صاحبه، كمن أخْرَج زكاةً فبان أنَّها غيرُ واجبةٍ. (وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ، فَذَبَحَ بَدَلَهَا، ثُمَّ وَجَدَهَا)؛ أي: فيها الخلاف السَّابق؛ للمساواة، والمذهب: ذَبَحه مع ذبح الواجب، رُوِي عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عبَّاسٍ (٦)؛ لأنَّ عائشةَ أهْدَتْ هَدْيَيْنِ وأضلَّتهما، فبعث إليها ابنُ

стр. 2230

الزُّبَير هَدْيَينِ؛ فَنَحَرتْهما، ثمَّ عاد الضَّالان (١) فنحرتهما، وقالت: «هذه سُنَّةُ الهدْيِ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢). تنبيهٌ: إذا ذبحه عمَّا (٣) في ذمَّته، فسُرِق؛ سقط الواجب، نقله ابنُ منصورٍ (٤)؛ لأنَّ التَّفرقة لا تلزمه، بدليل تخليته بينه وبين الفقراء. وإذا غصب شاةً فذبحها عمَّا في ذمَّته؛ لَمْ يُجزِئْه وإن رضِي مالكُها، سواءٌ عوَّضه عنها أو (٥) لَمْ يعوِّضْه.

стр. 2231

مسألةٌ: لا يَبرأ في الهدي إلاَّ بذبحه أو نحره، فإن لم يفعل؛ وكَّل، فإن ذبحه إنسان (١) بغير إذنه؛ ففيه خلافٌ سبق. فلو دفعه إلى الفقراء سليمًا، فذبحوه؛ جاز؛ لحصول المقصود، فإن لَمْ يَنحَروه؛ استردَّه منهم ونحره، فإن تعذَّر؛ ضَمِنَه؛ لأنَّه فوَّته بتفريطه. فإن ذبحه ولَمْ يدفعه للفقراء؛ جاز لهم الأخذ منه؛ إمَّا بالإذن نطقًا (٢)؛ كقوله: مَنْ اقتطع، أو بدلالة الحال؛ كالتَّخلية بينهم وبينه.

стр. 2232

(فَصْلٌ) (سَوْقُ الْهَدْيِ مَسْنُونٌ)؛ لِما روى ابن عمر قال: «تمتَّع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فساق الهدْيَ من ذي الحُلَيفة» متَّفَقٌ عليه (١). (لَا يَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ)؛ لقوله ﵇: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطِعْهُ» (٢)، ولأنَّه سنَّةٌ وطاعةٌ، فوجب به؛ كسائر نذر الطَّاعات، ويصير للحرم (٣)، وكذا إن نذر سَوق أضحيَّةٍ إلى مكَّة، أو: لله علَيَّ أنْ أذبحَ بها. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ)؛ لفعله ﵇ (٤)، (وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ)؛ لأنَّ المقصودَ الإراقةُ، وهو حاصِلٌ بدون ذلك، و «كان ابن عمر لا يرى الهدْي إلاَّ ما عُرِّف به» (٥)، ونحوه عن سعيد بن جُبَيرٍ. (وَيُسَنُّ إِشْعَارُ البَدَنَةِ (٦)، فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، وَيُقَلِّدُهَا)، هذا قولُ أكثرِ العلماء؛ لما رَوَتْ عائشةُ قالت: «فَتَلْتُ قلائدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثمَّ أشْعَرَها وقلَّدها» متَّفَقٌ عليه (٧)، والبقرُ من البُدْن، ولأنَّه لغرَضٍ صحيحٍ،

стр. 2233

فهو كالكَي (١)، وفائدته: أنَّها تُعرَف عند الاختلاط، ويتوقَّاها اللِّصُّ، بخلاف التَّقليد، فإنه بنعلٍ أو عروة، فينحل (٢) ويذهب (٣). والمراد بصفحة السَّنام: اليمنى على المذهب، أو محلُّه إن لم يكن. وعنه: اليسرى، روي (٤) عن ابن عمر (٥). وعنه: يخيَّر. والأول أولى؛ لحديث ابن عبَّاسٍ (٦). وظاهِرُه: أنه لا يُشْعَر غيرُ السَّنام، وفي «الفصول» عن أحمدَ خلافُه،

стр. 2234

ونقل حنبَلٌ: لا ينبغي أنْ يسوقه حتَّى يُشعِرَه، ويجلِّله (١) بثوبٍ أبيضَ (٢). (وَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ النَّعْلَ، وَآذَانَ الْقِرَبِ، وَالْعُرَى)؛ لقول عائشة، رواه البخاريُّ (٣)، ولأنَّها هديٌ يسنُّ تقليدُها كالإبل، بل أَوْلَى؛ إذ ليس لها ما تعرف (٤) به. وظاهِرُه: أنَّها لا تُشعَر؛ لعدم نقله، ولأنَّها ضعيفةٌ، والشَّعر يستر مَوضِعه، قال أحمد: البُدْنُ تُشْعَرُ، والغنمُ تُقلَّدُ (٥). (وَإِنْ (٦) نَذَر هَدْيًا مُطْلَقًا)؛ كقوله: لله علَيَّ هدْيٌ؛ (فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ)؛ لأنَّ المطلقَ في النَّذر يجب حمله على المعهود الشَّرعيِّ، والهدْيُ الواجِبُ في الشَّرع من النَّعم ما ذكره؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. (وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً؛ أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ)؛ لإجزاء كلٍّ منهما عن سبعةٍ، ولموافقتها لها اشْتِقاقًا ونقْلاً. (فَإِنْ عَيَّنَ (٧) بِنَذْرِهِ)؛ بأن قال: هذا لله علَيَّ؛ (أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ (٨) أَوْ كَبِيرًا)، سليمًا كان أو مريضًا؛ لأنَّ لفظه لم يتناول غيره، فيبرأ بصرفه إلَى مستحقِّه.

стр. 2235

(مِنَ الْحَيَوَانِ) سواءٌ كان من بهيمة الأنعام أو من غيرها، فلو نذر جَذَعةً، وأخرج ثنيَّةً؛ فقد أحسن، (وَغَيْرِهِ (١) سواء كان منقولاً أو غيره؛ لقوله ﵇: «مَنْ راح في السَّاعة الرَّابعة فكأنَّما قرَّب دجاجةً، ومَن رَاح في السَّاعة الخامسة؛ فكأنَّمَا قرَّب بيضةً» (٢). (وَعَلَيْهِ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ)؛ لأنَّه سمَّاه هَدْيًا، فيُحمل على المشروع؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحَجّ: ٣٣]. ولا فرق بين المعيَّن والمطلَق، وهو ظاهرٌ في المنقول، نقل المرُّوذي فِيمَنْ جَعَلَ دراهمَ هدْيًا: فللحَرَم (٣)، وفي «التَّعليق» و «المفردات»، وهو ظاهر «الرِّعاية»: له [أن] (٤) يبعثَ ثَمَنَ المنقول. وقال ابنُ عَقِيلٍ: أو يقوِّمه ويبعث القيمة. وأمَّا غير المنقول؛ كالعقار ونحوه: باعه وبعث بثمنه إليهم؛ لتعذُّر إهدائه بعينه، فانصرف إلى بدله، يؤيِّده ما رُويَ عن ابن عمر: أن رجلاً سأله عن امرأةٍ نذرت أنْ تُهْديَ دارًا، فقال: «تبيعها، وتصَّدَّق بثمنها على فقراء الحرم» (٥). (إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ) إذا لم (٦) يكن معصيةً؛ لما روى أبو داود: أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي نذرت أن أذبح بالأبواء، قال (٧): «بِها صَنَمٌ؟»

стр. 2236

قال: لا، قال: «أَوْفِ بنذرك» (١)، ولأنَّه قصد نفْعَ أهله، فكان عليه إيصاله إليهم كأهل مكَّة، فعلَى هذا: يتعيَّن به ذبحًا، ويفرِّقه لفقرائه. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ) التَّطوُّع؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحَجّ: ٣٦]، ولأنَّه ﵇ أكَلَ من بُدْنِه (٢). وفي «المغني» و «الشرح»: لا فرق في الهدي بين ما أوجبه بالتَّعيين من غير أن يكون واجبًا في ذمَّته، وبين ما ذبحه تطوُّعًا؛ لاشتراك الكلِّ في أصل التَّطوُّع. فإن أكلها كلها؛ ضمن المشروع للصَّدقة، كالأضحيَّة. وذكر ابن عقيل: أنَّ في الأكل والتَّفرقة، كالأضحيَّة، وإن لم يأكل منها فحسَنٌ. وأوجب بعض العلماء الأكل منه؛ لظاهر الأمر. (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ)؛ لأنَّه وجب بفعلِ محظورٍ، أشْبَهَ جزاء الصَّيد، لكن اختار أبو بكرٍ والقاضي والمؤلِّف: الأكل من أضحية النَّذر؛ كالأضحية (٣) علَى رواية وجوبها في الأصحِّ. (إِلاَّ مِنْ دَمِ المُتْعَةِ وَالْقِرَانِ)؛ نَصَّ عليه (٤)، واختاره الأكثرُ؛ لما صحَّ: «أنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ تمتَّعْنَ معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشةُ الحجَّ على العمرة حين حاضت، فصارت قارنةً، ثمَّ ذبح عنهنَّ البقر، فأكلْنَ من

стр. 2237

لحمها» (١)، وقد ثبت: «أنَّه ﵇ أمر مِنْ كلِّ بَدَنة ببَضْعة (٢)، فجُعلت في قِدْرٍ، فأكل هو وعليٌّ من لحمها، وشربا من مَرَقِها» رواه مسلمٌ (٣)، ولأنهما (٤) دمُ نُسُك أشْبَها التَّطوع. وظاهر الخرقي: لا يأكل من قِرانٍ، واعتذر عنه الزَّرْكَشِيُّ: بأنَّه اسْتَغْنَى بذكر التَّمتُّع عنه، وليس بظاهِرٍ. وقال الآجري: ولا من دم متعةٍ، وقدَّمه فِي «الرَّوضة». وعنه: يأكل إلا من نذرٍ أو جزاء صَيدٍ؛ لأنَّه جعله لله، وجزاءُ الصَّيد بَدَلُ مُتْلَفٍ، وزاد ابنُ أبِي موسى: وكَفَّارَةٍ. فَرعٌ: ما ملك أكْلَه؛ فله هديته (٥)، وإلا (٦) ضمنه بمثله؛ كبيعه وإتلافه، ويضمنه أجنبيٌّ بقيمته. وإن (٧) منع الفقراءَ منه حتَّى أنتن؛ ففي «الفصول»: عليه قيمتُه كإتلافه، وفي «الفروع»: يتوجه: يضمن نقصَه. فائدةٌ: ذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (أنَّ كلَّ ما ذُبِح بمكَّة: يُسمَّى هدْيًا، وما ذُبِح بمِنًى، وقد سِيق من الحلِّ إلى الحرم (٨): هديٌ وأضحيَّةٌ، وما اشْتَراه بعرفات، وساقه إلَى مِنًى: فهو هدْيٌ باتِّفاق العلماء، وكذا ما اشتراه من الحرم، وذهب به إلى التَّنعيم، وإنِ اشتراه بمنًى وذبحه بها؛ فعن ابن عمر:

стр. 2238

«ليس بهَدْيٍ» (١)، وعن عائشة: «هديٌ» (٢)، وما ذبح يوم النَّحر بالحِلِّ: أضحيَّةٌ لا هدْيٌ) (٣).

стр. 2239

(فَصْلٌ) (وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) في قول أكثر العلماء؛ لأنَّه ﵇ فَعَلَها، وحثَّ عليها (١)، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ثلاثٌ كُتِبْنَ علَيَّ، وهنَّ لكم تطوُّعٌ: الوتْر، والنَّحر، وركعتا (٢) الفجر» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولقوله ﵇: «مَنْ أراد أنْ يُضَحِّيَ» (٤)، فعلَّقه علَى الإرادة، والواجب لا يعلَّق عليها، وفيه شَيءٌ؛ لقوله: «من أراد الجمعة فليغتسل» (٥)، ولَم يدلَّ على عدم الوجوب، ولأنَّها ذبيحةٌ لم يجب تفريقُ لحمها؛ فلَمْ تكن واجبةً؛ كالعقيقة. وعنه: واجبةٌ، اختارها أبو بكر؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان له سعة فلم (٦)

стр. 2240

يُضَحِّ؛ فلا يَقْربَنَّ مُصلاَّنا» (١). وعنه: تَجِبُ على حاضِرٍ. وعنه في اليتيم: يُضَحِّي عنه وَلِيُّه إذا (٢) كان موسِرًا، فأخذ منها أبو الخطَّاب: الوجوبَ، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا علَى سبيل التَّوسعة، لا الإيجاب (٣). أصْلٌ: المضحِّي مسلم تامٌّ مِلكُه، ولو (٤) مكاتبًا بإذْنِ سيِّده، وفيه وَجْهٌ بمنعه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ، وهو ممنوعٌ منه. ومَنْ نِصفُه حُرٌّ، إنْ مَلَكَها بجزئه الحُرِّ؛ فله أنْ يُضَحِّيَ مُطْلَقًا. إلاَّ النَّبيَّ ﷺ ، فكانتْ واجبةً عليه. (وَلَا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ)؛ كالهدْي. وله الأكلُ منها، جزم به جماعةٌ، وظاهِرُ كلام أحمدَ: منعُه منه (٥)؛ كالهدي المنذور، والفَرْقُ واضِحٌ. (وَذَبْحُهَا) هي والعقيقة (٦) (أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا)؛ لأنَّه ﵇ والخلفاء بعده واظَبُوا عليها، وعَدَلُوا عن الصَّدقة بثمنها (٧)، وهم لا يواظِبُون إلاَّ علَى الأفضل.

стр. 2241

وهي عن ميتٍ أفضلُ، ويعمل بها كأضحيَّة الحيِّ. (وَالسُّنَّةُ (١) أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا)، نَصَّ عليه (٢)؛ لقول ابن عمر: «الهدايا والضَّحايا: ثُلثٌ لك، وثُلثٌ لأهلك، وثُلثٌ للمساكين» (٣)، وهو قول ابن مسعودٍ (٤)، ولم يُعرَف لهما مخالِفٌ من (٥) الصحابة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]، فالقانع: السَّائل، والمعترُّ: الذي يعتريك؛ أي: يتعرَّض لك لتُطْعِمَه ولا يسأل، وقال إبراهيم وقتادة: (القانع: الجالس (٦) في بيته، المتعفِّف، يَقنَع بما يعطى ولا يسأل، والمعتر: السَّائل) (٧). وحينئذ فيُقسَم أثلاثًا، وأوجبه أبو بكرٍ، والمشروع أن يأكل الثُّلُث، ولو قيل بوجوبها، وأن يُهدِيَ الثُّلُث، ولو لكافِرٍ إن كانت تطوُّعًا، وأنْ يتصدَّق بثُلُثها ما لم يكن ليتيمٍ ومكاتَبٍ. (فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ؛ جَازَ)؛ حتَّى لو لم يَبْق منها إلاَّ أُوقِيَّةٌ؛ لأنَّ الأمْرَ بالأكْلِ والإطعامِ مُطْلَقٌ، فيَخرُج عن العُهْدة بصدقة الأقلِّ.

стр. 2242

(وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا؛ ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي (١) الصَّدَقَةِ مِنْهَا)؛ للأمر بالإطعام منها، فعلى هذا: يضمنه بمثله لحمًا، وهو الأوقية، وقيل: العادة، وقيل: الثُّلُث، وحكاه أبو الخطَّاب منصوصَ أحمدَ، ويتوجَّه: لا يَكْفِي التَّصدُّقُ بالجلد والقرن. فرعٌ: يُعتبَر تمليكُ الفقير، فلا يكفي إطعامُه. ويجوز ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ في قول الأكثر، وتحريمه منسوخٌ، نَصَّ عليه (٢). وفي «الفروع» ويتوجَّه احتِمالٌ: لا في مجاعة؛ لأنَّه سبب تحريم الاِدِّخار. (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ)، أو يُضحَّى عنه، (فَدَخَلَ العَشْرُ؛ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَبَشَرَتِهِ)، وظفره (شَيْئًا)؛ لما روت أمُّ سلمةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أراد أنْ يُضَحِّيَ فدخل العشْرُ، فلا يأخُذْ من شعره وبَشَرَته شيئًا حتَّى يُضحِّيَ»، وفي لفظٍ: «ولا مِنْ أظفاره» رواهما مسلِمٌ (٣). (وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يحرم، وهو ظاهر ما نقله الأثرم (٤)، وقدَّمه في «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، وقاله سعيد بن المسيب وإسحاق؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التَّحريم، وللتشبه (٥) بالمُحرِم، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يعتزل النِّساء، ولا يترك الطِّيِّب واللِّباس، والأولَى فيه: أن يبقى كاملَ الأجزاء؛ ليعتق من النار (٦).

стр. 2243

والثَّاني: يُكرَه، وهو قول القاضي وغيره، وقدَّمه في «المحرر»؛ لقول عائشة: «كنت أفتِلُ … » الخبر (١)، وكما لو لَم يرد أن يضحِّيَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ إذ لا حكم للقياس معه، وحديثنا خاصٌّ فيقدَّم، ولعلها إنما أرادت: ما يتكرر؛ كاللباس، وهو قول فيُقدَّم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون خاصًّا به. فعلى المذهب: إن فعل؛ استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه مطلقًا. ويستحب الحلق بعد الذبح، وظاهره: ولو كان له ذبائح، قال أحمد: (على ما فعل (٢) ابن عمر (٣)؛ تعظيمًا لذلك اليوم) (٤)، ولأنه كان ممنوعًا قبله، فاستُحِبَّ له ذلك كالمُحْرم. وعنه: لا، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥).

стр. 2244

(فَصْلٌ) (وَالْعَقِيقَةُ) في الأصل: شعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد وهو عليه، قاله الجوهري (١). ونقل الأزهري (٢) عن أبي عبيد: أنَّ الأصمعي قال: هي الشَّعر الذي يكون على رأس الصَّبيِّ حين يولد، وسمِّيت الشَّاة المذبوحة عقيقةً: على عادتهم من تسمية الشَّيء باسم سببه، ثمَّ اشتهر ذلك، فلا (٣) يفهم منها عند الإطلاق غيرها. وأنكر أحمد هذا التفسير، قاله ابن عبد البر (٤)، وفسرها إمامنا: بأنها الذبح نفسه (٥)؛ لأن أصل (٦) العق: القطع، ومنه: عقَّ والديه؛ أي: قطعهما، والذبح: قطع الحلقوم والمريء. وهي (٧) (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) في قول الجمهور، قال (٨) أحمد (٩): (العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، وقد عقَّ عن الحسن والحسين (١٠)، وفعله (١١)

стр. 2245

أصحابه (١)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: «لا أحبُّ العقوق»، فكأنه كره الاسم، وقال: «مَنْ وُلِد له مولودٌ فأحبَّ أنْ يَنسك عنه فليَفْعل» رواه مالكٌ (٢). وعنه: واجبة، اختاره أبو بكر وأبو إسحاق البرمكي وأبو الوفاء، وقاله الحسن وداود (٣)؛ لما روى الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «كلُّ غُلامٍ مُرتَهَنٌ بعقيقتِه، تُذبَحُ عنهُ يومَ سابعِه، ويُسمَّى، ويُحلَق رأسُه» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وقال أحمد والنسائي: لم يسمع الحسن منه (٤). والجواب: بأنه (٥) يحمل على تأكد الاستحباب، بدليل الأمر بالتسمية والحلق.
следующие страницы →