← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وهي عن ميتٍ أفضلُ، ويعمل بها كأضحيَّة الحيِّ. (وَالسُّنَّةُ (١) أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا)، نَصَّ عليه (٢)؛ لقول ابن عمر: «الهدايا والضَّحايا: ثُلثٌ لك، وثُلثٌ لأهلك، وثُلثٌ للمساكين» (٣)، وهو قول ابن مسعودٍ (٤)، ولم يُعرَف لهما مخالِفٌ من (٥) الصحابة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]، فالقانع: السَّائل، والمعترُّ: الذي يعتريك؛ أي: يتعرَّض لك لتُطْعِمَه ولا يسأل، وقال إبراهيم وقتادة: (القانع: الجالس (٦) في بيته، المتعفِّف، يَقنَع بما يعطى ولا يسأل، والمعتر: السَّائل) (٧). وحينئذ فيُقسَم أثلاثًا، وأوجبه أبو بكرٍ، والمشروع أن يأكل الثُّلُث، ولو قيل بوجوبها، وأن يُهدِيَ الثُّلُث، ولو لكافِرٍ إن كانت تطوُّعًا، وأنْ يتصدَّق بثُلُثها ما لم يكن ليتيمٍ ومكاتَبٍ. (فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ؛ جَازَ)؛ حتَّى لو لم يَبْق منها إلاَّ أُوقِيَّةٌ؛ لأنَّ الأمْرَ بالأكْلِ والإطعامِ مُطْلَقٌ، فيَخرُج عن العُهْدة بصدقة الأقلِّ.

стр. 2242

(وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا؛ ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي (١) الصَّدَقَةِ مِنْهَا)؛ للأمر بالإطعام منها، فعلى هذا: يضمنه بمثله لحمًا، وهو الأوقية، وقيل: العادة، وقيل: الثُّلُث، وحكاه أبو الخطَّاب منصوصَ أحمدَ، ويتوجَّه: لا يَكْفِي التَّصدُّقُ بالجلد والقرن. فرعٌ: يُعتبَر تمليكُ الفقير، فلا يكفي إطعامُه. ويجوز ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ في قول الأكثر، وتحريمه منسوخٌ، نَصَّ عليه (٢). وفي «الفروع» ويتوجَّه احتِمالٌ: لا في مجاعة؛ لأنَّه سبب تحريم الاِدِّخار. (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ)، أو يُضحَّى عنه، (فَدَخَلَ العَشْرُ؛ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَبَشَرَتِهِ)، وظفره (شَيْئًا)؛ لما روت أمُّ سلمةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أراد أنْ يُضَحِّيَ فدخل العشْرُ، فلا يأخُذْ من شعره وبَشَرَته شيئًا حتَّى يُضحِّيَ»، وفي لفظٍ: «ولا مِنْ أظفاره» رواهما مسلِمٌ (٣). (وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يحرم، وهو ظاهر ما نقله الأثرم (٤)، وقدَّمه في «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، وقاله سعيد بن المسيب وإسحاق؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التَّحريم، وللتشبه (٥) بالمُحرِم، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يعتزل النِّساء، ولا يترك الطِّيِّب واللِّباس، والأولَى فيه: أن يبقى كاملَ الأجزاء؛ ليعتق من النار (٦).

стр. 2243

والثَّاني: يُكرَه، وهو قول القاضي وغيره، وقدَّمه في «المحرر»؛ لقول عائشة: «كنت أفتِلُ … » الخبر (١)، وكما لو لَم يرد أن يضحِّيَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ إذ لا حكم للقياس معه، وحديثنا خاصٌّ فيقدَّم، ولعلها إنما أرادت: ما يتكرر؛ كاللباس، وهو قول فيُقدَّم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون خاصًّا به. فعلى المذهب: إن فعل؛ استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه مطلقًا. ويستحب الحلق بعد الذبح، وظاهره: ولو كان له ذبائح، قال أحمد: (على ما فعل (٢) ابن عمر (٣)؛ تعظيمًا لذلك اليوم) (٤)، ولأنه كان ممنوعًا قبله، فاستُحِبَّ له ذلك كالمُحْرم. وعنه: لا، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥).

стр. 2244

(فَصْلٌ) (وَالْعَقِيقَةُ) في الأصل: شعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد وهو عليه، قاله الجوهري (١). ونقل الأزهري (٢) عن أبي عبيد: أنَّ الأصمعي قال: هي الشَّعر الذي يكون على رأس الصَّبيِّ حين يولد، وسمِّيت الشَّاة المذبوحة عقيقةً: على عادتهم من تسمية الشَّيء باسم سببه، ثمَّ اشتهر ذلك، فلا (٣) يفهم منها عند الإطلاق غيرها. وأنكر أحمد هذا التفسير، قاله ابن عبد البر (٤)، وفسرها إمامنا: بأنها الذبح نفسه (٥)؛ لأن أصل (٦) العق: القطع، ومنه: عقَّ والديه؛ أي: قطعهما، والذبح: قطع الحلقوم والمريء. وهي (٧) (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) في قول الجمهور، قال (٨) أحمد (٩): (العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، وقد عقَّ عن الحسن والحسين (١٠)، وفعله (١١)

стр. 2245

أصحابه (١)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: «لا أحبُّ العقوق»، فكأنه كره الاسم، وقال: «مَنْ وُلِد له مولودٌ فأحبَّ أنْ يَنسك عنه فليَفْعل» رواه مالكٌ (٢). وعنه: واجبة، اختاره أبو بكر وأبو إسحاق البرمكي وأبو الوفاء، وقاله الحسن وداود (٣)؛ لما روى الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «كلُّ غُلامٍ مُرتَهَنٌ بعقيقتِه، تُذبَحُ عنهُ يومَ سابعِه، ويُسمَّى، ويُحلَق رأسُه» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وقال أحمد والنسائي: لم يسمع الحسن منه (٤). والجواب: بأنه (٥) يحمل على تأكد الاستحباب، بدليل الأمر بالتسمية والحلق.

стр. 2246

وهي سنة على الأب؛ غنيًّا كان الولد (١) أو فقيرًا. (وَالمَشْرُوعُ أَنْ يَذْبَحَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ)؛ لما روت أمُّ كُرْز قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان (٢)، وعن الجارية شاة» رواه أبو داود (٣)، متقاربتان في السن والشبه، نَصَّ عليه (٤)، فإن عدم فواحدة، وعليه يُحمل ما روي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين شاةً شاةً» رواه أبو داود (٥)، أو ليبين الجواز. (وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)؛ لحديث أمِّ كرز، ولأنَّها على النِّصف من أحكام الذَّكر. فإن عدم؛ اقترض، قال الشَّيخ تقي الدين: إذا كان له وفاءٌ (٦).

стр. 2247

(يَوْمَ سَابِعِهِ)، قال في «الرَّوضة»: من ميلاد الولد، وفي «المستوعب» وغيره: ضحوة، وينويها عقيقةً. وظاهره: أن جميع العقيقة تذبح يوم السابع. وقال ابن البناء: تذبح إحدى الشَّاتين يوم ولادته، والأخرى يوم السابع (١). والأول هو المعروف. ويسمَّى فيه، وفي «الشرح»: وإن سمَّاه قبله؛ فحسَنٌ. وذكر ابن حزمٍ: (أنَّ المولود إذا مضت له سبعُ ليالٍ؛ فقد استحقَّ التَّسمية؛ فقومٌ (٢) قالوا: حينئِذٍ، وقومٌ قالوا: حال ولادته) (٣). (وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ)؛ أي: رأس الغلام، قال في «النهاية»: ورأسَها. والظَّاهر: أنَّه مختصٌّ بالذَّكر. ويكره لطخه بدم، ونقل حنبل: سنَّةٌ (٤)؛ لأنَّ في حديث سمرة: «تذبح عنه يوم السَّابع، ويُدمى» (٥).

стр. 2248

والأوَّل أَوْلَى، قال أحمد (١): (قال (٢) ابن أبي عروبة: يسمى، وقال همَّامٌ: يُدمى، ما أراه إلا خطأ)، وقيل: هو (٣) تصحيفٌ (٤) من الراوي، يعضده: أن مهنى ذكر لأحمد حديث يزيد المزني، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: «يُعَقُّ عن الغلام، ولا يُمسُّ رأسه بدمٍ» (٥)، قال: (ما أظرفه) (٦)، ولأنَّه يتنجس (٧)، فلا يُستحَبُّ؛ كلطخه بغيره من النَّجاسات. (وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا (٨)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لفاطمة (٩) لمَّا ولَدَتِ الحسن: «احْلِقِي رأسَه، وتصدَّقِي بوزن شَعْره فِضَّةً على المساكين» رواه أحمد (١٠). قال في «الروضة»: ليس في حلق رأسه ووزن شعره سنةٌ وَكِيدةٌ، وإن

стр. 2249

فعل (١) فحسن، والعقيقة هي السُّنَّة. فرعٌ: يؤذَّن في أُذنه حين يولد (٢)؛ لأنه «﵇ أذَّن في أُذُن الحسين (٣) حين ولد بالصَّلاة» صححه أبو داود (٤)، وفي «الرعاية»: ويقيم في اليسرى، ويحنِّكه بتمر، وهو: أن يَمضَغَه ويَدلُك به (٥) حَنَكه؛ للخبر (٦)، فإن لَم يكن تَمْرٌ؛ فبِشَيءٍ حُلْوٍ.

стр. 2250

(فصْلٌ) «أحبُّ الأسماء إلَى الله: عبد الله وعبد الرحمن»، قاله النَّبيُّ ﷺ ، رواه مسلمٌ (١). ويستحب (٢) أن يحسِّن اسمه؛ لقوله ﵇: «إنَّكم تُدْعَوْن يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحْسِنُوا أسماءَكم» رواه أبو داود (٣). قال (٤) ابن عبد البَرِّ: (قال ابن القاسم: سَمِعْتُ مالكًا يقول: سمعتُ أهلَ مكَّة يقولون: ما من أهْلِ بيتٍ فيهم اسمُ محمَّدٍ؛ إلاَّ رُزِقوا ورُزِق خيرًا (٥) (٦). ولا يُكْرَه بأسماء الأنبياء، وعن سعيد بن المسيِّب: (أنَّه أحبُّ الأسماء إلَى الله تعالَى) (٧). ولا يُكرَه بجبريل (٨)، وياسين. ويكره حرْبٌ، ومُرَّة، وبَرَّة، ونافعٌ، ويَسَارٌ، وأفلح، ونَجيح، وبركة، ويعلى، ومُقبل، ورافع، ورَباح.

стр. 2251

قال (١) القاضِي: وكل (٢) اسمٍ فيه تفخيمٌ وتعظيمٌ؛ كالملك، بخلاف حاكم الحكَّام، وقاضِي القضاة؛ لعدم التَّوقيف، وبخلاف الأوحد، فإنَّه يكون في الخير والشَّرِ، ولأنَّ الملِك هو المستحِقُّ للملك، وحقيقتُه: إمَّا التَّصرُّف التَّامُّ، أو التصرف الدَّائم، ولا يَصِحَّان إلاَّ لله تعالى، ولأحمدَ: «اشتدَّ غضب الله تعالَى علَى رَجُلٍ يُسَمَّى بملك الأملاك، لا ملك إلا الله» (٣). وأفْتَى أبو عبد الله الصيمري (٤) الحَنَفِيُّ (٥)، وأبو الطَّيِّب الطَّبَريُّ الشَّافِعِيُّ، وأبو الحسن (٦) التَّميميُّ الحنبلِيُّ: بالجواز، والماوَرْدِيُّ بعدَمه (٧)، وجزم به في «شرح مسلمٍ» (٨). ويَحْرُم عبد العُزَّى، وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشْبَهُه، حكاه ابنُ حزمٍ اتِّفاقًا (٩).

стр. 2252

وصحَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ غيَّر الاسم إلَى آخَرَ؛ فسمَّى حَرْبًا سِلْمًا، والمضْطجِع المنبَعِث، وشهابًا هشامًا (١). وأمَّا اللَّقب بكمال (٢) الدِّين، وشَرَف الدِّين؛ فله تأويلٌ صحيحٌ: أنَّ الدِّين أكمله وشرَّفه لا العَكْسُ، قاله ابنُ هُبَيرةَ (٣). وبالجملة: مَنْ لُقِّب بما يصدِّقُه فِعْلُه؛ جاز، ويحرم ما لَمْ يَقَعْ علَى مخرج صحيحٍ. ويجوز التَّكَنِّي، وأنْ يُكنَّى الإنسانُ بأكْبَرِ أولاده. ويُكْرَه بأبِي عيسى، احتجَّ به أحمدُ (٤)، وفي «المستوعب» وغيره: وبأبِي يحيى. وهل يُكْرَه بأبِي القاسم أمْ لا؟ أمْ يُكْرَه لمن اسْمُه محمَّدٌ فقطْ؟ فيه رواياتٌ، ولا يَحْرُمُ.

стр. 2253

ونقل حنبَلٌ: لا يُكَنَّى به، واحتجَّ بالنَّهي (١)، فظاهره (٢): يَحْرُم. ويجوز تلقيبه: أبا فلانٍ، وأبا فلانةَ، وتلقيبها: أمَّ فُلَانٍ وأمَّ فُلانةَ، وتكنية الصَّغير، وذكره بعضُهم إجماعًا (٣). ولَمْ يذكُرُوا المرخَّم والمصغَّر، وهو في الأخبار؛ كقوله ﵇: «يا عائشُ» (٤)، «يا فاطِمُ» (٥)، وكقول أم سُلَيمٍ: يا رسول الله: «خُوَيدِمُك أُنَيْسٌ ادْعُ الله له (٦)» (٧)، قال في «الفروع»: (فيتوجه الجواز (٨)، لكن مع عدم (٩) الأذى). والغلام، والجارية، والفتى، والفتاة؛ تطلق على الحرِّ والمملوك، ولا يقل: عبدي وأَمَتي، كلكم عبيد الله، وإماء الله، ولا يقل العبد لسيِّده: ربِّي، وفي «مسلم»: «ولا مَولايَ؛ فإنَّ مَوْلاكم اللهُ» (١٠)، وظاهِرُه: التَّحريم،

стр. 2254

وجزم (١) جماعةٌ: بأنه (٢) يُكْرَه. (فَإِنْ فَاتَ)؛ أي: الذَّبْحُ في السَّابع؛ (فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ؛ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ)، نقله صالحٌ (٣)، وهو قَوْلُ إسحاقَ، ورُوِيَ عن عائشةَ (٤)، والظَّاهِرُ أنها (٥) لا تقوله (٦) إلاَّ عن تَوقِيفٍ. فلو ذبح قبل ذلك أو بعده؛ أجزأ؛ لحصول المقصود، لكن ما ذكره هو السُّنَّة. فإن تجاوز إحدى وعشرين؛ فوجهان: أحدهما: يُستحَبُّ في كلِّ سابِعٍ، فيذبح في ثمانٍ وعشرين، ثمَّ في خمسٍ وثلاثين، ثمَّ كذلك.

стр. 2255

والثَّاني، وهو الأشهر: أنَّه لا تُعتَبَرُ الأسابيعُ بعد الثَّلاث، بل يُفعَل في كلِّ وقتٍ؛ لأنَّ هذا قضاءٌ، فلم يتوقَّف؛ كالأضحيَّة. وعنه: يَختَصُّ بالصغر (١)، فإن لم يُعَقَّ عنه أصلاً حتَّى بلغ وكسب؛ فقال أحمد: ذلك على الوالد (٢)؛ يعني: لا يَعُقُّ عن نفسه؛ لأنَّ السُّنَّة في حقِّ غيره. وذكر في «المستوعب» و «الرعاية» و «الروضة» (٣): أنَّه يَعُقُّ عن نفسه، كما يُشرَع له فَكاكُ نفسه. (وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً)؛ أي: يقطع (٤) كلَّ عضوٍ من مَفْصِلِه؛ تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود. (وَلَا يَكْسِرُ عَظْمَهَا)؛ لما روى أبو داود في «مراسيله»: عن جعفر، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال في العقيقة عن الحَسَن والحُسَينِ: «ابْعَثُوا إلَى أهل بيت القابِلَة برِجْلٍ، وكُلُوا وأطْعِمُوا، ولا تَكْسِروا منها عَظْمًا» (٥). وفي «التنبيه»: تعطى القابلةُ منها فخِذًا. وطبخها أفضلُ، نَصَّ عليه (٦)، فيدعو إليها (٧) إخوانه فيأكلوا. وفي «المستوعب»: ومنه طَبِيخٌ حُلْوٌ؛ تفاؤلاً.

стр. 2256

(وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ)، فِي سِنِّها، وما يُجْزِئُ منها، وما لا يُجْزِئُ، وما يُستحَبُّ فيها (١) من الصِّفة، وما (٢) يُكْرَه، وفي الأكل والهديَّة والصَّدقة؛ لأنَّها نسيكةٌ مشروعةٌ غيرُ واجبةٍ، أشْبَهَت الأضحيَّة. والمذهب: أنه لا يجزئ فيها شرك في (٣) دمٍ، ولا يُجْزِئُ إلاَّ بدنة (٤)، أو بقرة كاملةً، نَصَّ عليه (٥). قال في «النِّهاية»: أفضلُه شاةٌ، وفي «الفروع»: يتوجَّه مثله (٦) أُضحيَّةً، وفي إجزاء الأضحية عنها. وظاهره: أنَّه لا يُباع منها شَيءٌ، ونص (٧) أحمدُ علَى بيع الجِلْد والرَّأس والسَّواقط، والصَّدقةِ بثمنه، خلافَ نَصِّه في الأُضحيَّة (٨)، قال في «الشرح»: وهو أقْيَسُ بمذهبه؛ لأنَّ الأضحية أدخل منها في التعبد. وقال أبو الخطَّاب: يَحتَمِل نقلُ حكم كلِّ واحدةٍ إلى الأخرى، فيكون في كل منهما روايتان (٩). قال في «الشرح» وغيره: والفرق بينهما: أنَّ الأضحيَّة ذبيحةٌ شُرِعت يوم النَّحر، أشْبَهَت الهدي، والعقيقةَ شُرِعَتْ لأجل سرورٍ حادثٍ، وتجدُّد نعمةٍ، أشبه (١٠) الذَّبح في الوليمة، ولأنها لم تخرج عن ملكه، فكان له البَيعُ منها

стр. 2257

والصَّدقة بثمنه؛ إذ الفضيلة حاصلَةٌ بكلٍّ منهما. (وَلَا تُسَنُّ (١) الفَرَعَةُ (٢)، هو بفتح الفاء والراء، (وَهِيَ ذَبْحُ (٣) أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ)، كانوا يذبحونه لآلهتهم، وقيل: كان الرَّجل في الجاهليَّة إذا تمَّت إبِلُه مائةً؛ قدَّم بكْرًا فذبحه لصنمه. (وَلَا الْعَتِيرَةُ، وَهِيَ ذَبِيحَةُ رَجَبٍ)، وقال أبو السَّعادات وأبو عبيد (٤): (كان أهلُ الجاهليَّة إذا طلب أحدُهم أمرًا؛ نذر أن يذبح من غنمه شاةً) (٥). والصَّحيح ما ذكره المؤلِّف؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا فَرع ولا عتِيرةَ» متَّفقٌ عليه (٦). وفي «الرعاية»: يُكْرَه. ونقل حنبلٌ عن أحمد (٧): تستحب (٨) العتيرة، وحكاه أحمد عن أهل البصرة (٩)، وروي عن ابن سيرين؛ لما تقدَّم من قوله ﵇: «على (١٠) كلِّ أهل بيْتٍ أضحاةٌ وعَتِيرةٌ» (١١)،

стр. 2258

وقالت عائشة: «أمرنا رسولُ الله ﷺ بالفَرَعة (١) من خمسين واحدة»، قال ابن المنذر: هذا حديثٌ ثابتٌ (٢). والجوابُ: أنَّه منسوخٌ بِما سَبَقَ لأِمْرَينِ: أحدهما: أنَّ راويَهُ (٣) أبو هريرة، وهو متأخِّر الإسلام، قاله (٤) في «الشرح». والثَّاني: أنَّ فعلهما كان متقدِّمًا على الإسلام، فالظاهر (٥) بقاؤه إلى حين النَّسخ، فلو لم يكن منْسوخًا؛ لزِم النَّسخ مرَّتَينِ، وهو خلاف الظَّاهر، بخلاف تأخر (٦) النهي. ولا يلزم من نفي سُنِّيَّتها تحريمُ فعلها ولا كراهته (٧)، فلو ذبح في رجب أو أول ولد الناقة لحاجته إلى ذلك، أو الصَّدقة به، أو إطعامه؛ لم يكن ذلك مكروهًا (٨)، والله أعلم (٩).

стр. 2259

(كِتَابُ الجِهَادِ) (١) هو مَصْدَر جاهَدَ جِهادًا ومجاهدة، ومجاهِدٌ اسم فاعِلٍ من جهد (٢): إذا بالغ (٣) في قَتْل عَدُوِّه. وعلَى كلِّ تصاريفه لغةً: بذل (٤) الطَّاقة والوُسْع. وشرعًا: عبارة (٥) عن قتال الكُفَّار خاصَّةً. والأصْلُ فيه قَبْلَ الإجماع؛ قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البَقَرَة: ٢١٦] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٠]، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٤١]. والسُّنَّةُ قَولُه ﵇: «مَنْ ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ نفسَه بالغَزْو؛ مات علَى شُعْبةٍ من النِّفاق» رواه مسلمٌ (٦)، وغيرُه من الأحاديث الصَّحيحة. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) في قول جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي

стр. 2260

الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ … ﴾ [النِّسَاء: ٩٥]، فدلَّ على أن (١) القاعِد بلا ضَرَرٍ غير آثِمٍ مع جهاد غيره، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التّوبَة: ١٢٢]، ومعْناهُ: أنَّه إذا قام به مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عن الكلِّ، فيُجْعَل فِعْلَ البعض كافيًا في السُّقوط، وإن لَم يَقُم به مَنْ يَكْفِي أثم الكلُّ؛ كفرض الأعيان، فيَشتَرِكان في كونه مخاطَبًا بهما (٢)، ويَفتَرِقان فيما ذَكَرْنا. وقال سعيدُ بن المسيِّب: فَرْضُ عَينٍ؛ لعموم الآيات، والقاعدون كانوا حُراسًا للمدينة، وهو نَوعُ جِهادٍ. وجوابُه: ما قُلْناه، مع أنَّه ﷺ كان يَبعَثُ السرايا إلَى النَّواحي، ويُقِيمُ هو وأصحابُه، وعليه تُحمل الأوامر المطلَقة. والفرض في ذلك موقوفٌ علَى غلبة الظَّنِّ، فإذا غلب علَى الظَّنِّ أنَّ الغَيرَ يقومُ به، كجنْدٍ لهم دِيوانٌ، وفيهم كفايةٌ، أو قَومٌ أعَدُّوا أنفسَهم لذلك وفيهم مَنَعَةٌ؛ سَقَط عن الباقِين. فَرعٌ: إذا قام بفرض الكفاية طائفةٌ بعد أخرى؛ فهل تُوصَف الثَّانية بالفرضيَّة؟ فيه وجْهانِ، وكلامُ ابن عَقِيلٍ يقتضي أنَّ فرضيَّته محلُّ وفاقٍ، وكلامُ أحمدَ محتَمِلٌ. (وَلَا يَجِبُ إِلاَّ عَلَى ذَكَرٍ)؛ لما روت عائشةُ قالت: قلتُ: يا رسول الله، هَلْ على النِّساء جِهادٌ؟ فقال: «جِهادٌ لَا قتالَ فيه؛ الحجُّ والعُمْرةُ» رواه البخاريُّ (٣)، ولأن المرأة ليست من أهل القتال؛ لضَعْفها وخَوفها، ولذلك لا يُسْهَمُ لها.

стр. 2261

والخُنْثَى المشكِلُ كهي؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ حالُه، فلا يَجِبُ مع الشَّكِّ في شَرطه. (حُرٍّ)؛ لأِنَّه « ﷺ كان يُبايِعُ الحُرَّ علَى الإسلام والجهاد، والعَبْدَ على الإسلام دون الجهاد» (١)، ولأنَّه عبادةٌ تتعلَّق بقطع مسافةٍ، فلم تَجِبْ علَى العَبْد، وفرض الكفاية لا يَلزَم رقيقًا. وظاهِرُه: ولو مبعضًا (٢)، ومكاتَبًا؛ رعايةً لحقِّ السَّيِّد، وسواء أذن (٣) سيِّدُه أمْ لَا. (مُكَلَّفٍ)؛ لأنَّ الصَّبِيَّ والمجنونَ لا يتأتَّى منهما (٤)، والكافِرُ غَيرُ مأمونٍ علَى الجهاد (٥). (مُسْتَطِيعٍ) بنفسه؛ لأنَّ غير المسْتَطِيع عاجِزٌ، والعجز (٦) يَنفِي الوُجوبَ. ثُمَّ فسَّره بقوله: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) في (٧) بدنه من المرض والعمى والعَرَج؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النُّور: ٦١]، ولأنَّ هذه الأعذارَ تمنعه من الجهاد.

стр. 2262

ففي العَمَى ظاهِرٌ، وأمَّا العَرَجُ؛ فالمانِعُ منه هو الفاحِشُ الذي يَمْنَعُ المَشْيَ الجَيِّدَ والرُّكوبَ، فإنْ كان يَسِيرًا لا يَمنَعُه المَشْيَ؛ فصرَّح في «الشَّرح»: بأنَّه لا يَمْنَعُ الوُجوبَ، وذكره في «المُذهب» قَوْلاً، وفي «البلغة»: يَلْزَم أعْرَج يسيرًا. وكذا حكم المرض، لكن إن كان خفيفًا كوجع الضِّرس والصُّداع؛ فلا، كالعَوَر. وعنه: يلزم عاجزًا ببدنه (١) في ماله، اختاره الآجُرِّيُّ والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)؛ كحجٍّ على (٣) معضوب وأَوْلَى. (الْوَاجِدُ لِزَادِهِ)؛ أي: القادِر على النَّفقة؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التّوبَة: ٩١]، ولأنَّه لا يُمْكِنُ إلاَّ بآلةٍ، فاعتُبِرت القدرةُ عليها، وسواءٌ وَجَد ذلك مِلْكًا، أو بِبَذْلٍ من الإمام، قاله المجْدُ. (وَمَا يَحْمِلُهُ مَعَهُ إِذَا كَانَ بَعيدًا)؛ أي: يعتبَر مع البعد، وهو مسافة القصر: مركوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ … ﴾ [التّوبَة: ٩٢]، فدلَّ أنَّه لا يُعتبَر ذلك مع قرب المسافة، وإنَّمَا المشتَرَط أنْ يَجِدَ الزَّادَ ونفقةَ عياله في مدَّة غيبته، وسلاحٌ يقاتِلُ به، فاضِلاً عن قضاء دَينه، وأجرة مسكنه، علَى ما مرَّ في الحجِّ.

стр. 2263

(وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ: مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ)؛ لأنَّ الجزيةَ تجب على أهل الذمة مرَّة في العام، وهي بدل النُّصْرة، فكذا مبدلها (١)، فإن مست الحاجة إلَى أكثرَ من مرَّةٍ؛ وجب، قاله الأصحابُ. (إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الحَاجَةُ (٢) إِلَى تَأْخِيرِهِ)؛ كضَعْف المسلمين من عَدَدٍ أو عُدَّة، أو ينتظر الإمام مددًا (٣) يستعين بهم، أو يكون في الطَّريق مانِعٌ، أو رَجَاء إسلامهم، فيجوز تأخيرُه في روايةٍ؛ لأنَّه ﵇ صالَحَ قُريشًا عشْرَ سنين، وأخَّر قتالَهم حتَّى نقضوا العَهْدَ (٤)، وأخَّر قتالَ قبائل العرب بغَير هُدْنَةٍ. وظاهِرُه: بهدنة وبغيرها. والمذهب: أنَّه لا يُؤخَّر مع القُوَّة والاستظهار لمصلحة رجاء إسلام العدوِّ، وهذا رواية ذَكَرَها في «المحرَّر» و «الفروع». ولا يُعْتَبَرُ أمْنُ الطَّريق، فإنَّ وَضْعَه علَى الخوف. (وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ (٥) الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ؛ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ)، وكذا في «الكافي» و «البلغة»، والحاصِلُ أنَّه يصير فرضَ عَينٍ في هذَين المَوضِعَينِ: أحدهما: إذا الْتَقَى الزَّحْفان، وتقابَل الصَّفَّانِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 2264

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفَال: ٤٥]. الثَّانِي: إذا نزل الكفَّار ببلد (١)، تعيَّن على أهله قتالهم ودَفْعُهم، كحاضري الصَّفِّ، ولعموم قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا … ﴾ [التّوبَة: ٣٨]. زاد في «الوجيز» و «الفروع» ثالِثًا، وهو: إذا استنفره من له استنفاره، تعيَّن عليه (٢)؛ لقوله تعالى: الآيات ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التّوبَة: ٣٨] (٣)، وعن عائشةَ وابنِ عبَّاس مرفوعًا: «إذا اسْتُنفِرْتُم فانفِرُوا» متَّفَقٌ عليه (٤)، ولو كان عبدًا. واستَثْنى في «البُلغة» من الموضعَين السَّابقين: إلاَّ لأحد رجلين: مَنْ تدعو الحاجة إلى تخلُّفه؛ لحفظ الأهل والمال والمكان، والآخر: من يمنعه الإمام من الخروج. ومحلُّ ما ذكره المؤلِّف: ما لم يَعرض (٥) له مرضٌ أو عمًى ونحوهما، فإنَّه يجوز له الانصرافُ؛ لأنَّه لا يمكنه القتال، ذكره في «المغني» و «الشَّرح». فرعٌ: إذا نودي بالصَّلاة والنَّفير؛ صلَّى ثمَّ نَفَر مع البعد، ومع قرب العدو؛ ينفر ويصلي راكبًا أفضلُ، ولا يَنفِر في خطبة الجمعة، ولا بعد الإقامة، نَصَّ علَى ذلك (٦). (وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ: الْجِهَادُ)، قال أحمدُ: (لا أعْلَمُ شَيئًا من العمل (٧)

стр. 2265

بعد الفرائض أفضلُ من الجهاد) (١)، والأحاديث متضافرة في ذلك؛ فمنها: حديث ابن مسعودٍ (٢)، وحديث أبي هريرة (٣)، وروى أبو سعيد قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ قال: «مؤمن مُجاهِدٌ فِي سبيل الله بنفْسِه وماله» متَّفقٌ عليه (٤). (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ)؛ لحديث أمِّ حَرامٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نام عندها، ثمَّ اسْتَيقظ وهو يَضحَكُ، فقلت: ما يُضحِكُك يا رسول الله؟ قال: «نَاسٌ من أُمَّتِي عُرِضوا علَيَّ غزاةً في سبيل الله، يركبون ثَبَج هذا البَحْرِ، مُلُوكًا علَى الأَسِرَّة، أو مثل الملوك على الأسِرَّة» متَّفقٌ عليه من حديث أنس (٥)، وعن أبي أمامة الباهلي (٦) مرفوعًا: «شهيدُ البحر مثل شهيدي البرِّ، والمائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البَرِّ، وإنَّ الله تعالَى وكَّل ملكَ الموت بقبض الأرواح، إلاَّ شهيد (٧) البحر، فإنَّ الله تعالَى يتولَّى قبضَ أرواحهم، وشهيدُ البَرِّ يُغفَرُ له كلُّ شَيءٍ إلاَّ الدَّين، وشهيد البحر يُغفَرُ له كلُّ شَيءٍ والدَّين» رواه

стр. 2266

ابن ماجَهْ بإسنادٍ ضعيفٍ (١)، ولأنَّه أعْظَمُ خطرًا ومشقَّة؛ لكونه بين خطَر العدوِّ والغَرَق، ولا يتمكَّن من الفرار (٢) إلاَّ مع أصحابه، فكان أفضلَ من غيرِه. تنبيهٌ: تُكَفِّرُ الشَّهادةُ غَيرَ الدَّين، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: وغَيْرَ مَظالِم العباد (٣). وقال الآجُرِّي بعد أن ذكر خبر أبِي أمامة: هذا في حقِّ مَنْ تَهاوَنَ بقضائه، أمَّا إذا لَمْ يُمْكِنْه قضاؤه، وكان أنفقه فِي وجهه؛ فإنَّ الله تعالَى يقضيه عنه، مات أو قُتِل. وتُكَفِّرُ الأعمَالُ الصغائرَ (٤) فقَطْ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: وكذا حجٌّ؛ لأنَّ الصلاة ورمضان أعظمُ منه (٥). ونَقَل المروذِيُّ: بِرُّ الوالدين يُكفِّر الكبائر (٦). (وَيَغْزُو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ)؛ لما رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا (٧): «الجِهادُ

стр. 2267

واجِبٌ عَلَيكُم، مع كلِّ أميرٍ؛ برًّا كان أوْ فاجِرًا» رواه أبو داودَ (١)، ولأن ترْكَه مع الفاجر (٢) يُفضِي إلى قطعه وظهور الكفَّار على المسلمين واستِئْصالهم وإعلاء كلمة الكفر. وشرطه: أن يحفظ المسلمين، لا مخذِّلٌ ونحوه، وفي «الصَّحيح» مرفوعًا: «إنَّ الله يؤيِّد هذا الدِّينَ بالرَّجلِ الفاجِرِ» (٣)، ويقدَّم القويُّ منهما، نَصَّ عليه (٤). (وَيُقَاتِلُ (٥) كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ)؛ أي: يتعيَّن جهادُ المجاوِرِ، نَصَّ عليه (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ … ﴾ الآيةَ [التّوبَة: ١٢٣]، ولأنَّ الأقربَ أعظمُ ضَرَرًا، إلاَّ لحاجةٍ، مثلِ كَونِ الأبْعَدِ أخْوفَ، أو الأقْرَبُ مُصالِحٌ. ومع التَّساوي؛ فجهاد أهل الكتاب أفضلُ؛ لأنهم يقاتلون على دين، قاله

стр. 2268

ابنُ المبارَك، واستَبْعده أحمدُ (١)، وحُمِل على أنَّه كان متبرِّعًا بالجهاد، والكفايةُ حاصلةٌ بغيره (٢). (وَتَمَامُ الرِّبَاطِ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا)، قاله أحمدُ (٣)، ورُوِي عن ابن عمر وأبي هريرة (٤)؛ لِما رَوَى أبو الشَّيخ الأصْبَهانِيُّ مرفوعًا: «تمامُ الرِّباط أربعون يومًا» (٥)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ رابَط أربعين يومًا؛ فقد اسْتَكْمَل

стр. 2269

الرِّباطَ» رواه سعيدٌ (١)، وإن زاد فله أجره. وأمَّا أقله؛ فقال المجْدُ والآجُرِّيُّ: أقله ساعة، ونَصَّ أحمدُ على استحبابه، وقال أيضًا: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رباط (٢). وهو أفضل من المقام بمكَّة، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين إجْماعًا (٣)، والصَّلاةُ بها أفضلُ، نَصَّ عليه (٤)، وقال: إذا اختُلف في شَيءٍ؛ فانظروا ما عليه مَنْ بالثغر (٥)، فإنَّ الحقَّ معهم (٦). وهل الجهادُ أفضلُ من الرِّباط أم لا؟ فيه وجْهانِ. (وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ)، وكلِّ مكانٍ يخاف أهلُه من العدوِّ، مأخوذٌ من رباط الخيل، (لِلْجِهَادِ)، وأفضلُه أشده خوفًا؛ لأنَّهم أحوجُ، ومقامُهم به أنْفَعُ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ)؛ أي: النِّساء والذُّرِّية، (إِلَيْهِ)؛ لأنَّ الثَّغرَ مَخُوفٌ، ولا يُؤْمَنُ ظفَر (٧) العدوِّ بمَنْ فيه، واستيلاؤهم على الأهل، فيحصل به مفسدةٌ عظيمةٌ. (وَقَالَ (٨) رَسُولُ الله ﷺ : «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا

стр. 2270

سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ»)، رواه أحمدُ وأبو داود والنَّسائي، من حديث عُثْمانَ ﵁ (١)، ولَأحمدَ عنه مرفوعًا: «جزءٌ من ليلةٍ (٢) في سبيل الله أفضلُ من ألف ليلةٍ يقام ليلُها، ويُصَامُ نهارها» (٣). تنبيهٌ: تقدَّم أنَّ أفضلَ الرِّباط المقامُ بأشدِّ الثُّغور خوفًا، قيل للإمام أحمد: أين (٤) أحبُّ إليك أن يَنزِل الرَّجل بأهله؟ قال: كلُّ مدينةٍ تكون معقِلاً للمسلمين؛ كأنطاكيَّة والرَّمْلة ودِمَشْقَ (٥). وقال: أرضُ الشَّام أرض (٦) المحشر، ودِمَشْقُ مَوضِعٌ يجتمع إليه النَّاسُ إذا غلبت الروم، قلت له (٧):

стр. 2271

فالأحاديث أنَّ الله تعالى تكفَّل لي بالشَّام (١)، فقال: ما أكثرَ ما جاء فيه، قيل له: إنَّ هذا في الثُّغور، فأنكره، وقال: لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقِّ، هم أهلُ الشَّام (٢). ويُسمَّى الشَّام مغرِبًا؛ باعتبار العراق، كما يُسمَّى العراقُ مشرقًا، وفيه حديث مالك بن يُخَامِرَ (٣) عن معاذ، رواه البخاري (٤)، وعن (٥) أبي الدرداء مرفوعًا قال: «إن (٦) فُسْطاطَ المسلمين يَومَ الملْحَمة بالغوطة (٧)، إلى جانب مدينة (٨) يقال لها: دِمَشْقُ، من خَير مدائِن الشَّام» رواه أبو داودَ (٩).

стр. 2272

(وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ)، وهي ما يَغلِب فيها حكمُ الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآياتِ [النِّسَاء: ٩٧]، ولقوله ﵇: «أَنا بَريءٌ من مسلِمٍ بين مشركين لا تراءى ناراهما» رواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ (١)، ومعناهُ: لا يكون بمَوضِعٍ يَرَى نارَهم ويَرَوْن نارَه إذا أُوقِدَتْ، ولأنَّ القيامَ بأمر الدِّين واجِبٌ على القادر، والهجرةُ من ضرورة الواجب وتَتِمَّته، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ به واجِبٌ. وشرطُه: أن يُطيق ذلك، صرَّح به في «المغني» و «الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ … ﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ٩٨]. وألْحَق بعضُهم بدار الحرب: دار البُغاةَ أو البدعة (٢)؛ كرَفْضٍ واعتزالٍ. ولا فرق بين الرجال والنِّساء، ولو في العدَّة، بلا راحلةٍ ولا مَحرَمٍ. وفي «عيون المسائل»: إنْ أمِنَت على نفسها من الفتنة في دينها لم تُهاجِر إلاَّ بمحرَمٍ؛ كالحجِّ، ومعناه في «منتهى الغاية» وزاد: إن أمْكَنَها إظهارُ دينها. وفي كلام المؤلِّف إشعارٌ ببقاء (٣) حكم الهجرة، وهو قولُ الجماهير، إذْ

стр. 2273

حُكمُها مُستَمِرٌّ إلى يوم القيامة؛ للأحاديث (١) الواردة فيه (٢). وأمَّا قوله: «لا هجرة بعد الفتح» (٣)، وقد انقطعت الهجرة؛ أي: لا هجرةَ من مكَّةَ بعْدَ فتحها، أو لا هجرة من بلد بعد فتحه (٤)؛ لأن الهجرة إليه لا منه. (وَتُسْتَحَبُّ (٥) لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ)؛ أي: على إظهار دينه؛ ليتمكن من جهادهم، ويكثِّر المسلمين، ويعينهم ويتخلَّص من تكثير عددهم (٦)، والاختلاط بهم، وقضيَّة نُعيم شاهدةٌ بذلك (٧).

стр. 2274

وذكر أبو الفرج: تجب، وأطلق. وفي «المستوعب»: لا يُسَنُّ لاِمرأةٍ بلا رُفقةٍ. ولا يعيد ما (١) صلَّى من لزمته (٢) الهجرة. وأمَّا (٣) العاجز عنها باستحباب (٤)، قاله في «المغني» و «الشَّرح». فرعٌ: لا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي، لكنْ رُوِيَ عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العَنكبوت: ٥٦]: «أنَّ المعنى إذا عُمِل بالمعاصي في أرضٍ فاخرُجوا منها» (٥)، وقاله (٦) عطاء. ويردُّه ظاهر (٧) قوله ﵇: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده … » الحديث (٨). (وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) لآدَمِيٍّ (لَا وَفَاءَ لَهُ)، وظاهره: لا فرق بين

стр. 2275

الدين (١) الحالِّ والمؤجَّل؛ لأنَّ الجهادَ يُقصَد منه الشَّهادة، وبها تفوت النَّفس، فيفوت الحقُّ بفواتها. وفي «الرِّعاية» وجْهٌ: لا يَستأذِن مع تأجيله؛ لأنَّه لا يتوجَّه إليه الطَّلَبُ به (٢) إلاَّ بعد حلوله. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان له وفاءٌ؛ فله أن يجاهِدَ بغير إذْنٍ، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ حَرامٍ والدَ جابِرٍ خرج إلى أُحُدٍ، وعليه دُيونٌ كثيرة (٤) فاستُشْهِد، وقضى عنه ابنُه (٥)، مع علمه ﵇ من غير نكيرٍ، وفي معناه: إقامةُ الكفيل أو توثُّقُه برَهْنٍ؛ لعدم (٦) ضياع حقِّ الغريم بتقدير قَتْلِه. (وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ) في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله أُجاهِدُ؟ فقال: «ألك (٧) أبَوانِ؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهِدْ» (٨)، وروى البخاريُّ معناه من حديث ابنِ عُمَرَ (٩)، وروى أبو داودَ عن أبي سعيدٍ: أنَّ

стр. 2276

رجلاً هاجَرَ مع النَّبيِّ ﷺ قال: «ألك (١) أبوان؟» قال: نَعَمْ، قال: «ارْجِعْ فاسْتأْذِنْهما، فإنْ أَذِنا لك فجاهِدْ، وإلاَّ فبَرَّهُما» (٢)، ولأِنَّ بِرَّهما فرضُ عَينٍ، والجِهادُ فَرْضُ كِفايةٍ، وَالْأَوَّلُ مقدَّم. وظاهِرُه: لا تشترط (٣) حُرِّيَّةُ الآذِن، وهو وَجْهٌ، وظاهر (٤) الخِرَقِيِّ، والمذهبُ: اشْتِراطُه. ولا فَرْقَ بين الأب والأمِّ، قال أحمدُ فيمن له أمٌّ: انظر (٥) سرورَها؛ فإن (٦) أذِنَتْ من غير أن يكون في قلبها، وإلاَّ فلا تغزُ (٧).

стр. 2277

وعُلِم منه: أنَّهما إذا كانا كافِرَينِ أنَّه لا اعْتِبارَ بإذنهما كالمجنونَينِ، ولأِنَّ أبا بكرٍ وغيره كانوا يجاهِدون بغير إذن آبائهم. ويَخرُج منه الجَدُّ والجَدَّةُ، قاله الأصْحابُ، وليس فيه نَصٌّ صريحٌ إلاَّ في التَّبعيَّة، وفي «الفروع»: توجيهُ احتمالٍ في الجَدِّ؛ أبي الأب. فلو أذِنا له فيه، وشرطا عليه عدم القتال وحضره؛ تعيَّن عليه القتالُ، وسقط حكمُ الشَّرْط. (إِلاَّ بِإِذْنِ غَرِيمِهِ)؛ كرضاه بإسقاط (١) حقِّه، ويتوجَّه: لو استناب مَنْ يقضِي دَينَه من مالٍ حاضِرٍ، (وَأَبِيهِ)؛ خصَّ الأب وحدَه؛ فيَحتمِل أنَّه لم يَذكُر الأمَّ اكْتِفاءً بذكر الأب، ويحتمل اختصاصه به، وهو كلام الأكثر. (إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ)، فإنَّه يصير فرضَ عَينٍ وتركُه معصيةٌ، لكِنْ يُستحَبُّ للمدين ألاَّ يتعرض لمظانِّ القتل من المبارزة، والوقوف في أول المقاتِلة؛ لأِنَّ فيه تغريرًا بتفويت الحقِّ، قاله في «الشَّرح». (فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ)؛ لأِنَّ الجهادَ عبادةٌ متعينة، فلم يُعتبَر إِذْنُ أحَدٍ، كفروض الأعيان. وأمَّا السَّفر لطَلَب العلم؛ فقال أحمد: (يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دِينُه، قيل له: فكلُّ العلم يقوم (٢) به دِينُه، قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه صلاتُه وصيامُه، ونحو ذلك) (٣)، وهذا خاصَّة يطلبه بلا إذْنٍ، وفي «الرعاية»: مَنْ لزِمه التَّعلُّم، وقيل: أو كان فرض كفاية، وقيل: أو نفلاً، ولا يحصل ببلده، فله السَّفر لطلبه بلا إذْنِ أبوَيه. (وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ) ولو ظَنُّوا التَّلَفَ (الْفِرَارُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 2278

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفَال: ١٥] (١)، ولأِنَّه ﵇ عدَّ الفِرارَ من الكبائر (٢). وشرطُه: ألاَّ يزيد عددُ الكفَّار على مِثْلَي المسلمين، وهو المراد بقوله: (مِنْ ضِعْفِهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفَال: ٦٦]، قال ابن عبَّاسٍ: «من فَرَّ من اثْنَينِ فقد فرَّ، ومَن فرَّ من ثلاثةٍ فما فرَّ» (٣). وفي «المنتخب»: لا يلزم ثباتُ واحدٍ لاثْنَينِ، وكلامُ الأكثر يخالفه (٤)، ونقله الأثرمُ وأبو طالبٍ (٥). (إِلاَّ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ (٦)، أوْ مْتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفَال: ١٦]. ومعنى التَّحرُّف للقتال: أن ينحاز إلى مَوضِعٍ يكون القتال فيه أمكن؛ كمن كان (٧) في وجهه الشَّمس أو الريح، أو في مكانٍ منكشف (٨)، فينحرف إلى

стр. 2279

ضده (١)، ونحو ذلك ممَّا جَرَتْ به عادةُ أهلِ الحرب، قال عُمَرُ: «يا ساريةُ الجبلَ»، فانحازوا إليه وانتصروا على عدوِّهم (٢). ومعنى التَّحيُّز إلى فِئةٍ: هو أن يصير إلى قَومٍ من المسلمين ليكونَ معهم، فيَقْوَى بهم على العدُوِّ. وظاهِرُه: ولو بَعُدت المسافة، كخُراسان والحجاز؛ لحديث ابن عمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنِّي فِئةٌ لكم»، وكانوا بمكانٍ بعيدٍ منه، وقال عمر: «أنا فِئةٌ لكلِّ مسلمٍ»، وكان بالمدينة، وجيوشُه بالشَّام والعراق وخراسان. رواهما سعيدٌ (٣).

стр. 2280

(وَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ) على مثليهم (١)؛ (فَلَهُمُ الْفِرَارُ)، قال ابنُ عبَّاسٍ: «لَمَّا نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفَال: ٦٥] شقَّ ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألاَّ يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ثمَّ جاء التَّخفيف فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا … (٦٦)﴾ الآية [الأنفَال: ٦٦]، فلمَّا خفَّف الله عنهم من العدد (٢) نقص من الصَّبر بقدر ما خفف من القدر» رواه أبو داودَ (٣). وظاهِرُه: أنَّه يجوز لهم الفرارُ مع أدْنى زيادة، وهو أَوْلى مع ظن التَّلَف بتركه، وأطلق ابنُ عَقِيلٍ استحبابَ الثَّبات للزَّائد؛ لِمَا في ذلك من المصلحة. (إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِم)؛ أي: ظنِّ المسلمين (الظَّفَرُ، فَيَلْزَمُهُمُ الْمَقَامُ)، ولا يَحِلُّ لهم الفِرارُ؛ لِينالوا درجة الشُّهداء المقبِلين على القتال محتسبين (٤)، فيكونوا أفضلَ من الموَلِّينَ. وما ذكره المؤلِّف هو (٥) قَولٌ في المذهب، والأشْهرُ: أنَّ ذلك هو الأَوْلى، وليس بواجبٍ، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح». وحمل ابنُ المنجَّى كلامَه هنا على الأَوْلى؛ جمعًا بين نقليه (٦) وموافقة للأصحاب، وكأنَّه لم يَقِف على الخلاف فيه. وظاهِرُه: أنَّه إذا غلب على ظنِّهم الهلاكُ؛ فالأَوْلى الثَّباتُ والقتالُ. وعنه: لزومًا، قال أحمد: (ما يعجبني أن يستأْسِر) (٧)، وقال: (فليقاتل
следующие страницы →