← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

رجلاً هاجَرَ مع النَّبيِّ ﷺ قال: «ألك (١) أبوان؟» قال: نَعَمْ، قال: «ارْجِعْ فاسْتأْذِنْهما، فإنْ أَذِنا لك فجاهِدْ، وإلاَّ فبَرَّهُما» (٢)، ولأِنَّ بِرَّهما فرضُ عَينٍ، والجِهادُ فَرْضُ كِفايةٍ، وَالْأَوَّلُ مقدَّم. وظاهِرُه: لا تشترط (٣) حُرِّيَّةُ الآذِن، وهو وَجْهٌ، وظاهر (٤) الخِرَقِيِّ، والمذهبُ: اشْتِراطُه. ولا فَرْقَ بين الأب والأمِّ، قال أحمدُ فيمن له أمٌّ: انظر (٥) سرورَها؛ فإن (٦) أذِنَتْ من غير أن يكون في قلبها، وإلاَّ فلا تغزُ (٧).

стр. 2277

وعُلِم منه: أنَّهما إذا كانا كافِرَينِ أنَّه لا اعْتِبارَ بإذنهما كالمجنونَينِ، ولأِنَّ أبا بكرٍ وغيره كانوا يجاهِدون بغير إذن آبائهم. ويَخرُج منه الجَدُّ والجَدَّةُ، قاله الأصْحابُ، وليس فيه نَصٌّ صريحٌ إلاَّ في التَّبعيَّة، وفي «الفروع»: توجيهُ احتمالٍ في الجَدِّ؛ أبي الأب. فلو أذِنا له فيه، وشرطا عليه عدم القتال وحضره؛ تعيَّن عليه القتالُ، وسقط حكمُ الشَّرْط. (إِلاَّ بِإِذْنِ غَرِيمِهِ)؛ كرضاه بإسقاط (١) حقِّه، ويتوجَّه: لو استناب مَنْ يقضِي دَينَه من مالٍ حاضِرٍ، (وَأَبِيهِ)؛ خصَّ الأب وحدَه؛ فيَحتمِل أنَّه لم يَذكُر الأمَّ اكْتِفاءً بذكر الأب، ويحتمل اختصاصه به، وهو كلام الأكثر. (إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ)، فإنَّه يصير فرضَ عَينٍ وتركُه معصيةٌ، لكِنْ يُستحَبُّ للمدين ألاَّ يتعرض لمظانِّ القتل من المبارزة، والوقوف في أول المقاتِلة؛ لأِنَّ فيه تغريرًا بتفويت الحقِّ، قاله في «الشَّرح». (فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ)؛ لأِنَّ الجهادَ عبادةٌ متعينة، فلم يُعتبَر إِذْنُ أحَدٍ، كفروض الأعيان. وأمَّا السَّفر لطَلَب العلم؛ فقال أحمد: (يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دِينُه، قيل له: فكلُّ العلم يقوم (٢) به دِينُه، قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه صلاتُه وصيامُه، ونحو ذلك) (٣)، وهذا خاصَّة يطلبه بلا إذْنٍ، وفي «الرعاية»: مَنْ لزِمه التَّعلُّم، وقيل: أو كان فرض كفاية، وقيل: أو نفلاً، ولا يحصل ببلده، فله السَّفر لطلبه بلا إذْنِ أبوَيه. (وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ) ولو ظَنُّوا التَّلَفَ (الْفِرَارُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 2278

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفَال: ١٥] (١)، ولأِنَّه ﵇ عدَّ الفِرارَ من الكبائر (٢). وشرطُه: ألاَّ يزيد عددُ الكفَّار على مِثْلَي المسلمين، وهو المراد بقوله: (مِنْ ضِعْفِهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفَال: ٦٦]، قال ابن عبَّاسٍ: «من فَرَّ من اثْنَينِ فقد فرَّ، ومَن فرَّ من ثلاثةٍ فما فرَّ» (٣). وفي «المنتخب»: لا يلزم ثباتُ واحدٍ لاثْنَينِ، وكلامُ الأكثر يخالفه (٤)، ونقله الأثرمُ وأبو طالبٍ (٥). (إِلاَّ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ (٦)، أوْ مْتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفَال: ١٦]. ومعنى التَّحرُّف للقتال: أن ينحاز إلى مَوضِعٍ يكون القتال فيه أمكن؛ كمن كان (٧) في وجهه الشَّمس أو الريح، أو في مكانٍ منكشف (٨)، فينحرف إلى

стр. 2279

ضده (١)، ونحو ذلك ممَّا جَرَتْ به عادةُ أهلِ الحرب، قال عُمَرُ: «يا ساريةُ الجبلَ»، فانحازوا إليه وانتصروا على عدوِّهم (٢). ومعنى التَّحيُّز إلى فِئةٍ: هو أن يصير إلى قَومٍ من المسلمين ليكونَ معهم، فيَقْوَى بهم على العدُوِّ. وظاهِرُه: ولو بَعُدت المسافة، كخُراسان والحجاز؛ لحديث ابن عمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنِّي فِئةٌ لكم»، وكانوا بمكانٍ بعيدٍ منه، وقال عمر: «أنا فِئةٌ لكلِّ مسلمٍ»، وكان بالمدينة، وجيوشُه بالشَّام والعراق وخراسان. رواهما سعيدٌ (٣).

стр. 2280

(وَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ) على مثليهم (١)؛ (فَلَهُمُ الْفِرَارُ)، قال ابنُ عبَّاسٍ: «لَمَّا نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفَال: ٦٥] شقَّ ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألاَّ يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ثمَّ جاء التَّخفيف فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا … (٦٦)﴾ الآية [الأنفَال: ٦٦]، فلمَّا خفَّف الله عنهم من العدد (٢) نقص من الصَّبر بقدر ما خفف من القدر» رواه أبو داودَ (٣). وظاهِرُه: أنَّه يجوز لهم الفرارُ مع أدْنى زيادة، وهو أَوْلى مع ظن التَّلَف بتركه، وأطلق ابنُ عَقِيلٍ استحبابَ الثَّبات للزَّائد؛ لِمَا في ذلك من المصلحة. (إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِم)؛ أي: ظنِّ المسلمين (الظَّفَرُ، فَيَلْزَمُهُمُ الْمَقَامُ)، ولا يَحِلُّ لهم الفِرارُ؛ لِينالوا درجة الشُّهداء المقبِلين على القتال محتسبين (٤)، فيكونوا أفضلَ من الموَلِّينَ. وما ذكره المؤلِّف هو (٥) قَولٌ في المذهب، والأشْهرُ: أنَّ ذلك هو الأَوْلى، وليس بواجبٍ، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح». وحمل ابنُ المنجَّى كلامَه هنا على الأَوْلى؛ جمعًا بين نقليه (٦) وموافقة للأصحاب، وكأنَّه لم يَقِف على الخلاف فيه. وظاهِرُه: أنَّه إذا غلب على ظنِّهم الهلاكُ؛ فالأَوْلى الثَّباتُ والقتالُ. وعنه: لزومًا، قال أحمد: (ما يعجبني أن يستأْسِر) (٧)، وقال: (فليقاتل

стр. 2281

أحب إلي (١)، الأسر شديدٌ) (٢)، وقال عمار: «من استأسر برئَتْ منه الذِّمَّةُ» (٣)، فلهذا قال الآجُرِّيُّ: يأثم، وأنه (٤) قول أحمد. وإن استأسروا جاز، قاله في «البلغة» وغيرها (٥). تنبيهٌ: إذا نزل العدوُّ ببلدٍ؛ فلأهله التَّحصُّن منهم، وإن كانوا أكثر من نصفهم؛ ليلحقهم مدد أو قوة (٦)، ولا يكون ذلك (٧) تولِّيًا ولا فِرارًا. (وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ نَارٌ)، واشتعل (٨) بهم؛ (فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ)؛ لأِنَّ حفظَ الرُّوح واجِبٌ، وغلبةُ الظَّنِّ كاليقين في أكثر الأحكام، فهنا كذلك. (وَإِنْ شَكُّوا (٩) فَعَلُوا مَا شَاؤُوا مِنَ الْمَقَامِ، أَوْ إِلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ)، هذا هو المذهبُ؛ لأِنَّهم ابْتُلُوا بأمْرَينِ، ولا مَزِيَّةَ لأِحدهما على الآخر، وكظنِّ السَّلامة في المقام والوقوع في الماء ظنًّا متساويًا، لكنْ قال أحمدُ: كيف (١٠) يصنع. قال الأوزاعيُّ: (هما موتتان فاخْتَرْ أيْسَرَهما) (١١).

стр. 2282

(وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمُ الْمَقَامُ)، نصرها القاضِي وأصحابه؛ لأِنَّهم إذا أَلْقَوْا أنفسهم في الماء كان موتُهم بفعلهم، وإن أقاموا فموتُهم بفعل غيرهم. وعنه: يَحرُم، ذكرها ابنُ عَقِيلٍ وصحَّحها، وصحَّح في «النِّهاية»: الأُولَى، وقال: لأنهم (١) مُلْجَؤُون إلى الإلْقاء، فلا ينسب إليهم الفعل بوجه، ولعلَّ الله يُخلِّصهم.

стр. 2283

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ)؛ لِمَا رَوَى الصَّعْب بنُ جَثَّامةَ، قال: سمعتُ النبي ﷺ يُسأل عن ديار المشركين يُبَيَّتون فيصاب (١) من نسائهم وذراريِّهم؛ فقال: «هم منهم» (٢) متَّفقٌ عليه (٣)، ومعنى تبييتهم: كَبْسُهم ليلاً وقتلهم، وهم غارُّون، وظاهِرُه: ولو قتل من لا يجوز قَتْلُه، إذا لم يقصده. (وَرَمْيُهُمْ بِالْمِنْجَنِيقِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ «لأنَّه ﵇ نَصَبَ المِنجنيق على أهل الطَّائف» رواه التِّرمذيُّ مرسَلاً (٥)، و «نَصَبُه عمْرُو بن العاص على الإسكندرية» (٦)، ولأنَّ الرَّمْيَ به معتادٌ؛ كالسِّهام. وظاهِرُه: مع الحاجة وعدمِها، وفي «المغني»: هو ظاهِرُ كلامِ الإمام. (وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ)، وكذا السَّابلةُ، (وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ)، وفي «المحرر» و «الوجيز» و «الفروع»: هَدْمُ عامرهم، وهو أعمُّ؛ لأنَّ القصدَ إضعافُهم

стр. 2284

وإرهابُهم؛ ليُجِيبُوا داعِيَ الله. وقيل: فيه روايتانِ، قال أحمدُ: (لا يُعجِبُني يُلْقَى في نهرهم سمٌّ؛ لعلَّه يَشرَبُ منه مسلِمٌ) (١). (وَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ نَحْلٍ) بالمهملة، (وَلَا تَغْرِيقُهُ)، في قول عامَّة العلماء؛ لِمَا رَوَى مكحولٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَوْصَى أبا هُرَيرةَ بأشياءَ، قال: «إذا غَزَوتَ فلا تُحرِقْ نحلاً، ولا تُغْرقْه» (٢)، ورَوَى مالكٌ: أنَّ أبا بكرٍ قال ليزيد (٣) بن أبي سُفيانَ نحوَه (٤)، ولأنَّ قَتْلَه فسادٌ، فيَدخُل في (٥) عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٠٥]، ولأِنَّه

стр. 2285

حَيَوانٌ ذو رُوحٍ، فلم (١) يجز إهلاكُه لغَيظهم؛ كنِسائهم. ومُقْتَضاهُ: أنَّه يجوز أخْذُ العسل؛ لأِنَّه مباحٌ، وفي أخذ كلِّ شَهْدِه بحيث لا يُتْرَك للنَّحْل شَيءٌ؛ روايتانِ. (وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ، إِلاَّ لِأَكْلٍ (٢) يُحْتَاجُ إِلَيْهِ)، أمَّا عَقْرُ دوابِّهم لغير الأكل؛ فلا يخلو: إمَّا أن يكون في الحرب أو في غيرها، فإن كان الأوَّلُ؛ فلا خلاف في جوازه (٣)؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إلى ذلك؛ إذ قتل بهائمهم ممَّا يُتوصَّل به إلى قَتْلهم وهزيمتهم، وهو المطلوب. وإن كان الثَّاني؛ لم يَجُزْ؛ لنهيه ﷺ عن قتل الحيوان صبْرًا (٤). واختار في «المغني»: جوازَ ذلك ممَّا يستعين به على الكفَّار في القتال كالخيل، وذكره في «المستوعب» بشرط عجز المسلمين عن سياقه وأخْذِه؛ لأِنَّه يَحرُم إيصالُه إلى الكفَّار بالبيع (٥)، فتَرْكُه لهم (٦) بلا عِوَضٍ أولى (٧) بالتَّحريم، وعكسُه أشْهَرُ. وفي «البلغة»: يجوز قتْلُ ما قاتلوا عليه في تلك الحال. وأمَّا عقرها (٨) للأكل؛ فإن لم يكن بدٌّ من ذلك، فيباح بغير خلافٍ (٩)؛

стр. 2286

لأنَّ الحاجة تبيح مالَ المعصوم، فغيرُه أَوْلَى. وإن لم تكن الحاجةُ داعيةً إلى ذلك؛ فإن كان الحيَوانُ لا يُرادُ إلاَّ للأكل؛ كالدَّجاج وسائر الطير؛ فحكمه كالطَّعام في قول الجميع. وإن كان مما يحتاج إليه في القتال، كالخيل (١)؛ لم يبح ذبحه للأكل في قول الجميع (٢). لكن (٣) المؤلِّف اختار عَقْرَها لغير الأكل بشرطه. وإن كان غير ذلك؛ كالبقر والغنم؛ لم يُبَحْ في قول جماعة (٤). وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد إباحته من غير حاجةٍ كالطَّعام. واستَثْنَى في «المغني» من قول الخِرَقِيِّ: إذا أذِن الإمامُ في ذلك، وصرَّح به في «الشَّرح». فرعٌ: إذا تعذَّر حمْلُ متاعٍ، فتُرِك ولم (٥) يشترَ؛ فللإمام (٦) أخذه لنفسه وإحراقه، نَصَّ عليهما (٧)، وإلاَّ حرم؛ إذ (٨) ما جاز اغتنامُه حرُم إتْلافُه، وإلا جاز إتلاف غير الحيوان (٩). وإذا قال الأمير عند العجز عن نقله: من أخذ شيئًا فهو له (١٠)؛ فهو

стр. 2287

لآخذه، وكذا إن لم يَقُلْ في أكثر الرِّوايات. ويجب إتلاف كتبهم المبدَّلة، ذكره في «البلغة». (وَفِي حَرْقِ (١) شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، وَقَطْعِهِ، رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، قال الزَّرْكشيُّ: (وهي أظهرُ)؛ لقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ … (٥)﴾ الآية [الحَشر: ٥]، ولما رَوَى ابن عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّق نخلَ بني النَّضير وقطع (٢)، وهي (٣) البُوَيرةَ، فأنزل الله الآية»، ولها (٤) يقول حسَّانُ: وهانَ على سَراة بني لُؤَيٍّ … حريقٌ بالبُوَيرة مستطيرُ متفق عليه (٥). (إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع» وزاد: (ولا نَفَع)، فدلَّ على أنَّ ما يتضرَّر المسلمون بقطعه لكونه لعلوفتهم، أو يستظِلُّون به، أو يأكلون من ثمره؛ لم يَجُزْ؛ لِمَا فيه من الإضرار بالمسلمين، وهو منفيٌّ شرعًا. (وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ)؛ لحديث أبي بكرٍ وغيرِه (٦)، ولأِنَّ فيه إتْلافًا محْضًا، فلم يَجُزْ؛ كعقر الحيَوان، (إِلاَّ أَنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ إِلاَّ بِهِ)؛ كالذي يَقرُب من حصونهم، ويمنع من قتالهم، ويستترون به من المسلمين. زاد في «المغني» و «الشَّرح»: أو يُحتاج إلى قطعه لتَوْسعة الطَّريق، أو تَمكُّنٍ من قتال (٧)، أو سد (٨) شق، أو ستارة مِنْجَنيقٍ.

стр. 2288

(أَوْ يَكُونُوا (١) يَفْعَلُونَهُ بِنَا)، فنفعله بهم، قال أحمد: (لأنَّهم يكافَؤُون على فعلهم) (٢)، وهذا ممَّا لا خلافَ فيه (٣)، ذكره في «المغني» و «الشَّرح». (وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ)؛ أي: فيه روايتان: إحداهما: يجوز، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ القصدَ مكافأتُهم، وإقامةُ كلمة الحقِّ، فإذا كان ذلك وسيلةً إليه؛ جاز؛ كالقتل، لكن إنْ قدَر عليهم بغيره؛ لم يَجُزْ تحريقُهم بالنَّار بغير خلاف (٤)، وعند العجز: يجوز في قول أكثر العلماء، وكذا القول في فتح البثوق ليغرقهم. والثَّانيةُ: المنْعُ، أمَّا النَّارُ؛ فلا يُعذِّب بها إلاَّ الله تعالى، وأما الماء؛ فلأن الإتْلافَ به يعم النساء والذُّرِّيَّة، مع أنَّ عنه مندوحة (٥)، لكن لو لم يُقدَر عليهم إلاَّ به، أو كانوا يفعلونه بنا؛ جاز. (وَإِذَا ظُفِرَ بِهِمْ لَمْ يُقْتَلْ صَبِيٌّ) لم يبلُغْ، بغير خلافٍ (٦)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن قَتْل النِّساء والصِّبيان» متَّفقٌ عليه (٧)، ولأِنَّه يصير رقيقًا بنفس السَّبْي؛ ففي قَتْله إتلافُ المال. فإن شكَّ في بلوغه؛ عُوِّل على شَعْر العانة، قاله في «البلغة». (وَلَا امْرَأَةٌ)؛ لِمَا ذكرنا، والخنثى كهي. (وَلَا رَاهِبٌ) في صَومَعَته، قال جماعةٌ: ولا يُخالِطُ النَّاس؛ لقول عمر: «ستمُرُّون على قومٍ في صوامعَ لهم، احتبسوا أنفسهم فيها، فدَعُوهم حتَّى

стр. 2289

يُمِيتَهم الله على ضلالتهم» (١). (وَلَا شَيْخٌ فَانٍ)، رُوِي عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]: «يقول (٢): لا (٣) تقتلوا النِّساء والصِّبيان (٤) والشَّيخَ الكبيرَ» (٥). وجوَّزه ابنُ المنذِر؛ لأِمْره ﵇ به (٦)، قال ابنُ المنذِر (٧): لا أعرِف حُجَّةً في تَرْك قَتْل الشُّيوخ يُستَثنى بها عمومُ قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوبَة: ٥]،

стр. 2290

ولأِنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ فيه، فقُتِل كالشَّابِّ. وجوابُه: «أنَّه ﵇ نهى عن قتله» رواه أبو داودَ (١)، ولأِنَّه ليس من أهل القتال، أشْبَه المرأةَ، ويُحْمَلُ ما رُوِي على قتل المقاتلة الذين (٢) فيهم قوة، مع أنَّه عامٌّ، وخبرُنا خاصٌّ بالهرم (٣) فيُقدَّم. (وَلَا زَمِنٌ وَلَا أَعْمَى)؛ كالشَّيخ الفانِي؛ لاِشْتِراكهم في عدم النِّكاية، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: وعبدٌ وفلاَّحٌ، وفي «الإرشاد»: وحَبْرٌ، لا رأْيَ لهم. فمَنْ كان من هؤلاء ذا رأْيٍ -وخصه في «الشَّرح» بالرِّجال، وفيه شَيءٌ-؛ جاز قتلُه (٤)؛ لأِنَّ دُرَيدَ بنَ الصِّمَّةِ قُتِل يومَ حُنَينٍ، وهو شَيخٌ لا قِتالَ فيه؛ لأجل استعانتهم برأْيه، فلم يُنكِر ﵇ قَتْلَه (٥)، ولأِنَّ الرَّأْيَ من أعظم المعونة على الحرب، وربَّما كان أبْلغَ في القتال، قال المتنبِّي (٦): الرَّأْيُ قبْلَ شجاعة الشُّجْعانِ … هو أوَّلٌ، وهي المحلُّ الثَّانِي فإذا هما (٧) اجتمَعا لنفس مرَّة … بلغَتْ مِنْ العلياء كلَّ مكانِ

стр. 2291

(إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوا)، فيجوز قَتْلُهم بغير خلافٍ (١)؛ لأِنَّ «النَّبيَّ ﷺ قتل يوم قريظةَ امرأةً ألْقَت رحًى على محمود بن سلمة» (٢)، ورَوَى ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأةٍ مقتولةٍ يوم الخندق فقال: «مَنْ قتل هذه؟» فقال رجل: أنا، نازعتْني قائم سيفي، فسكتَ (٣)، ولأِنَّه لو لم يَجُزْ لأدَّى إلى تلف قاتله، زاد في «الفروع» وغيره: أو يحرِّضوا عليه. وذكر في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ المرأة إذا انكشفت للمسلمين، وشتمتْهم رُمِيتْ قصدًا، وظاهر نصِّ الإمام والأصحاب خلافُه، ويتوجه: أنَّ حكم غيرها ممَّن منعْنا قتْلَه كهِيَ. (فَإِنْ (٤) تَتَرَّسُوا بِهِمْ)؛ أي: بمن لا يجوز قتلُه؛ (جَازَ رَمْيُهُمْ)؛ لأِنَّه ﷺ رماهم بالْمِنْجنِيق، وفيهم النِّساء والصِّبيان (٥)، ولأنَّ كفَّ المسلمين عنهم حينئِذٍ يُفضِي إلى تعطيل الجهاد، وسواءٌ كانت الحربُ قائمةً أو لا، (وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ)؛ لأِنَّه هو المقصود. (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالمُسْلِمِينَ؛ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ)؛ لأِنَّ ذلك يَؤُولُ إلى قتل

стр. 2292

المسلمين مع أنَّ لهم مندوحة عنه، فعلى هذا؛ لو رماهم فأصاب مسلمًا؛ فعليه ضمانُه. (إِلاَّ أَنْ يُخَافَ عَلَى المُسْلِمِينَ) (١)، مثل كون الحرب قائمةً، أو لم يُقْدَر عليهم إلاَّ بالرَّمْيِ، (فَيَرْمِيهِمْ)، نصَّ عليه (٢)؛ للضَّرورة. (وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) بالرَّمْيِ؛ لأِنَّهم هم المقصودون (٣) بالذَّات، فلو لم يُخَفْ على المسلمين، لكنْ لا يُقدَرُ عليهم إلاَّ بالرَّمْيِ؛ فظاهر كلامه هنا (٤): لا يجوز رمْيُهم، وقاله (٥) الأوزاعيُّ واللَّيث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ … ﴾ [الفَتْح: ٢٥]، قال اللَّيثُ: تَرْكُ فتْح حِصْنٍ يقدر على فتحه؛ أفْضَلُ من قَتْلِ مسلِمٍ بغير حقٍّ (٦). وجوَّزه القاضي حال قيام الحرْب؛ لأِنَّ ترْكَه يفضي إلى تعطيل الجهاد، فعلى هذا: لو قتل مسلمًا كَفَّرَ، وفي الدِّية على العاقلة روايتان. وفي «عيون المسائل»: يجب (٧) الرَّمْيُ، ويكفِّر، ولا ديةَ. فرعٌ: إذا نازل المسلمون العدوَّ، فقالوا: ارحلوا عنَّا وإلا قتلنا (٨) أسراكم، قال أحمد: فليرحلوا (٩) عنهم (١٠).

стр. 2293

(وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ) على الأصحِّ، (حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ)، فيَرَى فيه رأْيَه؛ لأِنَّ الخيَرة في أمر الأسير (١) إليه. والثَّانيةُ: يجوز؛ كما لو قاتله. (إِلاَّ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ المَسِيرِ (٢) مَعَهُ)، فله إكراهُه بالضَّرْب وغيرِه، فإن لم يمكنه، وهو المراد بقوله: (وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهُ)؛ فإنَّه حينئِذٍ له قَتْلُه، فإن امتنع من الانقياد معه لجُرح أو مرض؛ فله قتلُه. وعنه: الوقف في المريض، وفيه وجهان: أصحُّهما الجوازُ؛ لأنَّ ترْكَه حيًّا ضرَرٌ على المسلمين. ونقل أبو طالب: لا يُخلِّيه ولا يقتله (٣). ويحرُم قتْلُ أسيرِ غيرِه (٤)، ولا شيء عليه، نَصَّ عليه (٥). واختار (٦) الآجُرِّيُّ: لرجُلٍ قتْلُه لمصلحة؛ كقتل بلالٍ أميَّةَ بنَ خَلَفٍ أسيرَ عبدِ الرَّحمن بنِ عَوْفٍ، وأعانه عليه الأنصار (٧)، وقال: من قتل أسيرًا (٨) فلا شيء عليه (٩). وإن (١٠) قتل امرأةً أو صبِيًّا؛ عاقَبه الأميرُ، وغرِم ثمنه غنيمةً؛ لأنَّه صار رقيقًا بنفس السَّبْي.

стр. 2294

(وَيُخَيَّرُ الأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى: بَيْنَ الْقَتْلِ)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوبَة: ٥]، ولأِنَّه ﵇ قَتَل رجالَ قُرَيظَةَ، وهم بين السِّتِّمائةٍ والسَّبْعمائةٍ (١)، وقتل يوم بدر عقبة بن أبي مُعَيطٍ (٢)، والنضر (٣) بن الحارث، وفيه تقول أخته (٤): ما كان ضرك لو مننتَ، ورُبَّما … مَنَّ الفتى وهو المَغِيظُ (٥) المُحْنَقُ فقال ﷺ : «لو سمِعْتُه ما قَتلْتُه» (٦).

стр. 2295

(وَالاِسْتِرْقَاقِ)؛ لقول أبي هريرة: لا أزال أحبُّ بني تميمٍ بعد ثلاثٍ سمعتُهنَّ من رسول الله ﷺ يقول: «همْ أشدُّ أمَّتي على الدجال»، وجاءت صدقاتهم، فقال النَّبيُّ ﷺ : «هذه صدقات قومنا»، قال (١): وكانت (٢) سبيَّةٌ عند عائشة فقال النبي ﷺ : «أَعْتِقِيها، فإنَّها مِنْ وَلَد إسماعيلَ» متفق عليه (٣)، ولأِنَّه يجوز إقرارُهم على كفرهم بالجزية؛ فبالرِّق أَوْلَى؛ لأِنَّه أبلغ في صَغارهم. فرعٌ: لا يُبطِلُ الاِسْتِرْقاقُ حقًّا لمسلم، قاله ابنُ عَقيلٍ، وفي «الانتصار»: لا يَسقُطُ حقُّ قَوَدٍ له أو عليه (٤)، وفي سقوط دَينٍ مِنْ (٥) ذمته لضعفها برقِّه، كذمَّة مريضٍ؛ احتِمالان. وفي «البلغة»: يُتبَع به بعد عتقه، إلاَّ أن يغنَم بعد إرقاقه، فيُقضَى منه دَينُه، فيكون رقُّه كموته، وعليه يخرَّج حلوله برقِّه، وإن غنما معًا؛ فهما للغانم، ودَينه في ذمَّته. (وَالْمَنِّ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محَمَّد: ٤]، ولما (٦) رَوَى أنسٌ: «أنَّ ثمانين رجلاً من أهل مكَّة هبطوا على النَّبيِّ ﷺ وأصحابه (٧) من جبال التَّنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم النَّبيُّ ﷺ ، فأعْتَقَهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ … (٢٤)﴾ الآية [الفَتْح: ٢٤]» رواه مسلمٌ (٨)،

стр. 2296

وعن جُبَير بن مُطعِمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في أسارى بدرٍ: «لو كان المطعمُ بنُ عدِيٍّ حيًّا، ثمَّ كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى؛ لتركْتُهم له» رواه البخاريُّ (١)، وقد صحَّ أنَّه ﵇ مَنَّ على أبي عَزَّةَ (٢) الشَّاعرِ يومَ بدر (٣)، وعلى أبي العاص بن الرَّبيع (٤)، وعلى ثُمامةَ بنِ أُثالٍ (٥). والثَّانية: لا يجوز المنُّ بغير عِوَضٍ؛ لأِنَّه لا مصلحةَ فيه. (وَالْفِدَاءِ)؛ للآية، ولِمَا رَوَى عِمْرانُ بن حُصَينٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ فدَى رجلين من أصحابه برجلٍ من المشركين من بني عقيلٍ» رواه أحمدُ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٦). ثم هو (٧) جائِزٌ (بِمُسْلِمٍ) بلا نزاعٍ؛ لحديث عمرانَ وغيرِه، (أو بِمَالٍ) في ظاهر المذهب؛ لأِنَّه ﷺ فادَى أهل بدْرٍ بالمال بلا رَيبٍ (٨).

стр. 2297

(وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِمَالٍ (١)، وحكاها أبو الخطَّاب في «الهداية» وجْهًا؛ لأِنَّ الله تعالى عاتب (٢) نبيه على ذلك، ونزل: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى … ﴾، إلى قوله ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨]، ولأنه لا يجوز بيعهم السَّلاح؛ لِمَا فيه من تقويتهم على المسلمين، فبيع أنفسهم أَوْلى. وهذا التَّخيير إنَّما هو في المقاتِلة الأحرارِ، ذكره الأصحابُ، فإن كانوا أرِقَّاء؛ فيخيَّر الإمامُ بين قَتْلهم وتركهم غنيمة كالبهائم. وأمَّا النِّساء والذُّرِّيَّةُ؛ فيصيرون أرِقَّاء بنفس السَّبي؛ لنهيه ﷺ عن قَتْلِهم (٣)، وكان يسترقُّهم إذا سباهم. ومَنْ يَحرُم قتله؛ كالزَّمِن والشَّيخ الفاني والأعمى؛ ففي «المغني» و «الكافي» (٤) و «الشَّرح»: أنَّه لا يجوز سَبْيُهم؛ لتحريم قتلهم، وعدم النَّفع في اقتنائهم. لكن صرَّح في «المغني»: بجواز (٥) اسْتِرْقاق الشَّيخ والزَّمِن، ونقله ابن المنجَّى عن بعض الأصحاب، فقال: كلُّ مَنْ لا يُقتل كالأعمى (٦) وغيره؛ يُرَقُّ بنفس السَّبْي. وتوسَّط المجدُ، فجعل مَنْ فيه نَفْعٌ مِنْ هؤلاء حكمُه حُكْمُ النِّساء والصِّبيان. قال الزَّرْكشيُّ: وهو أعْدلُ الأقوال؛ إذ الزَّمِنُ يمكن أن يكون ناطورًا، والأعمى ينفُخُ في كِير الحدَّاد، إلاَّ أن يراد به النَّفع المطلَق.

стр. 2298

تنبيهٌ: إذا أسلم الكافِرُ قبل أسره لخوف أو غيره؛ فلا تخيير؛ لأِنَّه لا يد عليه، وظاهر كلامهم: أنَّه كمسلمٍ أصليٍّ في قَوَدٍ وديةٍ، لكن لا قَوَدَ مع شبهة التَّأويل، وفي الدِّية (١) الخلافُ كباغٍ. والتَّخْيِير السَّابِقُ ثابِتٌ في أهل (٢) الكتاب، ومن يُقِرُّ بالجزية، فأمَّا غيره فقال فيه: (إِلاَّ غَيْرَ الْكِتَابِيِّ؛ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يجوز، وإليها مَيل المؤلِّف، وهي ظاهر «الوجيز»؛ كغيرهم. والثَّانية: لا، اختارها الشَّريف وابن عقيلٍ، وصحَّحها في «البلغة». قال الخِرَقيُّ: لا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلامُ أو السَّيف، وفي «الواضح»: يَدُلُّ هذا على عدم (٣) مفاداةٍ عدم ومنٍّ؛ لأِنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجزية، فلم يُسترقَّ كالمرتدِّ. والمؤلِّف تبع أبا الخطاب في حكاية الخلاف في غير أهل الكتاب، والمجدُ جعل مناط الخلاف (٤) فيمن لا يُقَرُّ بالجزية، فعلى قوله: نصارى بني تغلب يجري فيهم الخلاف؛ لعدم أخذها منهم. وظاهر ما سبق: أنَّ الكافر إذا كان مولَى مسلمٍ؛ يجوز (٥) استرقاقه، واختار أبو بكر خلافه؛ لما في استرقاقه (٦) من تفويت ولاء المسلم المغصوب (٧) بخلاف ولده الحربيِّ؛ لبقاء نسبه، والمذهبُ الأوَّلُ؛ كما لو

стр. 2299

كان عليه ولاءٌ لذمي؛ لأنه يجوز (١) قتله؛ فجاز استرقاقه كغيره. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلاَّ الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأِنَّ هذا تخيير مصلحةٍ واجتهادٍ، لا تَشَهٍّ، فمتى رأى المصلحة (٢) في خصلةٍ؛ لزمه فعلها، وفي «الروضة»: يندب، ولأِنَّه يَتصرَّف لهم على سبيل النَّظر لهم، فلم يجز ترك ما فيه الحظُّ؛ كوليِّ اليتيم، ولأِنَّ المصلحة تختلف باختلاف الأسرى؛ فالقويُّ قتله أصلحُ. ولا يُمثَّلُ به. وعنه: بلى إن فعلوه. والضَّعيف الذي له مال؛ فداؤه أصلحُ، ومن (٣) له رأيٌ حسنٌ يُرجى إسلامُه؛ فالمنُّ عليه أصلحُ، ومن ينتفع بخدمته؛ فاسترقاقه أصلحُ. وإن تردَّد نظره؛ فالقتل أَوْلى. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: للإمام عمل المصلحة في مالٍ وغيره (٤)؛ لفِعْل النَّبيِّ ﷺ بأهل مكَّةَ (٥). فرعٌ: مَنْ اسْتُرِقَّ، أو فُودي بمالٍ؛ كان للغانِمين بغير خلافٍ نعلمه (٦). (فَإِنْ أَسْلَمُوا؛ رَقُّوا فِي الْحَالِ)، نَصَّ عليه (٧)، وحرُم قتْلُه؛ لقوله ﵇: «لا يَحِلُّ دمُ امْرئٍ مسلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ» (٨)، وهذا مسلِمٌ؛ ولأِنَّه أسيرٌ يَحرُم

стр. 2300

قتله، فصار رقيقًا كالمرأة. وقيل: يَحرُم قتْلُه، ويُخير (١) فيه بين الخصال الثَّلاثة، جزم به في «الكافي»، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأنَّه إذا جاز ذلك حال كفرهم؛ ففي حال إسلامهم أَوْلى. وعلى الأوَّل: يزول حكم التَّخيير، ولا يجوز ردُّه إلى الكفَّار، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: إلاَّ أن تَمنَعَه عشيرةٌ ونحوُها. (وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ) ولو مميِّزًا، (مُنْفَرِدًا)، فمسلم (٢)؛ لأنَّ التَّبعيَّة انقطعت، فيصير تابِعًا لسابيه المسلم في دينه. وعنه: كافِرٌ؛ كما لو سُبِيَ مع أبوَيْه. (أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ؛ فَهُوَ مُسْلِمٌ) على الأصحِّ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «ما مِنْ مولودٍ إلاَّ يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجسانه» متَّفقٌ عليه (٣)، فجعل التَّبعيَّة لأبَوَيه، فإذا لم يكن كذلك؛ انقطعت التَّبعيَّةُ، ووجب بقاؤه على حكم الفطرة. وعنه: يَتْبَعُ أباه، قاله أبو الخطَّاب؛ لأنَّه يَتْبَعُه في النَّسب، فكذا في الدِّين. وعنه: يَتْبَع المَسْبِيِّ معه منهما، اختاره الآجُرِّيُّ. (وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ؛ فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا) على الأصحِّ؛ لأِنَّ التَّبعيَّةَ باقيةٌ. وعنه: لا؛ لأِنَّه خرج من دارهما، وصار إلى دار الإسلام، فتَبِع سابيَه المسلِمَ.

стр. 2301

فرعٌ: يَتْبَعُ الطِّفلُ سابِيًا ذمِّيًّا دينًا (١) كمسلِمٍ. وقيل: إنْ سُبِيَ منفرِدًا؛ فمسلِمٌ. ونقل عبد الله والفضل: يَتْبَعُ مالِكًا مسلِمًا (٢)؛ كسَبْيٍ، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣). (وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ) وبسَبْيِهما (٤) معًا؛ لأِنَّ الرِّقَّ معنىً لا يَمنَع ابتداء النكاح، فلا يقطع استدامته كالعتق. وعنه: ينفسخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، والمراد (٥) بالمحصنات: المزوجات، ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ بالسبي، وهذا إذا تعدد سابيهما، قاله المؤلِّف. وظاهِرُه: لا فَرْق بين أن يَسْبِيَهما رجلٌ أو رجلان، وهو ظاهر كلام الأصحاب. (وَإِنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا)، بغير خلافٍ علمناه (٦)، قاله في «الشَّرح». وعنه: لا يَنفَسِخ، قدَّمها في «التَّبصرة»؛ كزوجةِ ذِمِّي (٧). وعلى الأوَّل: (وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا)؛ للآية، ولما (٨) روى أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ قال: أصَبْنا سبايا يوم أوْطاسٍ، ولهن أزواجٌ في قومهنَّ، فذُكِر ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ … ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، رواه

стр. 2302

التِّرمذيُّ وحسَّنه (١). وظاهِرُه: أنَّ الرجل (٢) إذا سُبِيَ منفردًا (٣) لا يَنفسِخ نكاحُه؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يقتضيه القياس. وقال أبو الخطَّاب: إذا سُبِي أحدُ الزَّوجين؛ انفسخ النِّكاح، ولم يفرّق. (وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَنِ اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؟ عَلَى رِوايَتَيْنِ): أظهرهما: لا يَصِحُّ، قال أحمد: (ليس لأهل الذِّمَّة أن يشتروا ممَّا سَبَى المسلمون؛ لأِنَّه يُروَى أنَّ عمر كتب ينهى أمراء الأمصار عن ذلك) (٤)، ولأنَّ

стр. 2303

فيه تفويتًا للإسلام، فلا يجوز ردُّهم إلى الكفر، كما لو أسلموا. والثَّانية: يجوز؛ لأنَّه « ﷺ باع سبْيَ بني قريظةَ لأهل الحرب» (١)، ولأنَّه لا يُمنع من إثبات يده عليه، فلا يُمنع من ابتدائه كالمسلم. وعنه: يجوز في البُلَّغ دون الصِّغار. وعنه: يجوز في غير النِّساء. وكذا الخلاف بمفاداته بمالٍ. (وَلَا يُفَرَّقُ فِي الْبَيْعِ) ولا في القسمة (بَيْنَ ذِي (٢) رَحِمٍ مَحْرَمٍ)؛ أي: قبل البلوغ.

стр. 2304

أمَّا في الوالدة وولدها؛ فبالإجماع (١)؛ لِمَا روى أبو (٢) أيُّوبَ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول (٣): «من فرَّق بين والدةٍ وولدها؛ فرَّق الله بينه وبين أحبته (٤) يوم القيامة» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (٥). وظاهره: ولو رَضِيت الأمُّ، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّها قد ترضى بما فيه ضَرَرُها، ثمَّ يَتغيَّر قلبُها فتندم. وحُكْمُ الأب مع ولده، كالأمِّ، والجَدُّ والجدَّةُ كهُما؛ لقيامهما مقامَهما في اسْتِحْقاق الميراث والنَّفقة والحضانة، فقاما مقامَهما في تحريم التَّفريق. وكذا (٧) يَحرُم بين الإخوة؛ لحديث عليٍّ، رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٨).

стр. 2305

وعمومُ كلامه يقتضِي تحريمَ التَّفريق بين كلِّ ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ كالعمَّة مع ابن (١) أخيها، جزم به في «الوجيز»، وقاله الأكثرُ. قال في «الشَّرح»: والأَوْلى جواز التَّفريق؛ لأِنَّ الأصلَ حِلُّ البيع والتَّفريق، ولا يَصِحُّ إلحاقُهم بمَنْ سبق. (إِلاَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى إِحْدَى (٢) الرِّوَايَتَيْنِ)، هي ظاهر «الوجيز» وغيره؛ لِمَا رَوَى عبادةُ بنُ الصَّامِتِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يُفرَّق بين الوالدة وولدها» قيل: إلى متى؟ قال: «حتَّى يَبلُغَ الغُلامُ، وتَحيضَ الجاريةُ» (٣)، ولأِنَّ الأحرارَ يتفرَّقون بالتَّزويج بعد البلوغ، فالعبيد (٤) أَوْلَى. والثَّانيةُ: المنعُ؛ لعموم ما ذكرنا، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ في الولد؛ لأنَّ الوالدة تتضرَّر بمفارقة ولدها الكبير (٥)، ولهذا حرُم عليه الجهاد إلاَّ بإذنهما. وعلى المنع: فيستثنى التَّفريق بالعتق، وافتداء الأسرى، وسيأتي في البيع إذا ملك أختَين.

стр. 2306

(وَإِذَا حَصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا؛ لَزِمَ مُصَابَرَتُهُ) مهما أمكن، (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا)؛ لأِنَّ عليه فِعْلَ ما فيه مصلحةٌ للمسلمين. وظاهِرُه: أنَّه إذا رأى المصلحةَ في الانصراف؛ جاز، صرَّح به في «المغني» وغيره؛ لانصرافه ﵇ عن حصن أهل الطَّائف قبل فتحه (١)، وبه يزول اللُّزوم، وبالإسلام وببذل المال على الموادَعة، سواءٌ أعْطَوهُ جملةً، أو جعلوه خراجًا يُؤخَذُ منهم كلَّ عامٍ، وبالفتح وبالنُّزول على الحكم الشَّرعيِّ، وبالهدنة (٢) بشرطها، نقله المرُّوذِيُّ (٣). (فَإِنْ أَسْلَمُوا)؛ أي (٤): أهل الحصن، (أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ)؛ فمسلِمٌ قبل القدرة عليه؛ (أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ)؛ لقوله ﵇: «أمِرْتُ أن أقاتل النَّاس … » الخبرَ (٥)، والمرادُ بالمال حيث كان، ومنفعة إجارةٍ؛ لأِنَّها مالٌ. (وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ)؛ لأِنَّهم تَبَعٌ له (٦) في الإسلام، ولو كانوا في دار الحرب، وحَملَ امرأتِه مع كونه حرًّا مسلِمًا، والمجنون كصغيرٍ. وظاهره: أنَّه لا يَعصِمُ أولادَه الكبار؛ لأِنَّهم لا يَتْبَعونه، وزوجته (٧) كذلك. (وَإِنْ سَأَلُوا (٨) المُوَادَعَةَ)، وهي المصالحة والمسالَمة، (بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ؛

стр. 2307

جَازَ إِنْ كَانَتْ المَصْلَحَةُ فِيهِ)؛ لأِنَّ الغرضَ إعلاءُ كلمة الإسلام وصَغارُ الكَفَرَةِ؛ وهو حاصِلٌ بالموادَعة، فيجب؛ كالمنِّ عليهم. وشرط بعض أصحابنا في عقدها بغير مالٍ: عجْز المسلمين، أو استضرارهم (١) بالمقام؛ ليكون ذلك عذرًا في الانصراف. (وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ جَازَ)؛ لأِنَّه «﵇ لَمَّا حاصر بني قُرَيظةَ نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأجابهم إلى ذلك» متَّفقٌ عليه من حديث أبي سعيد (٢). وقد عُلِم: أنهم إذا نزلوا على حكم الله تعالى (٣)؛ لزمه أن ينزلهم، وخيِّر كأسرى. والكلام في مقامين: الأول (٤): في صفة الحاكم (٥)، فقال: (إِذَا كَانَ حُرًّا، مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلاً، مِنْ أَهْلِ الاِجْتِهَادِ)؛ لأِنَّه حاكِمٌ، أشبه ولاية القضاء. وظاهره: أنَّه لا يشترط فيه أن يكون بصيرًا، صرَّح به في «البلغة» و «الوجيز»؛ بخلاف القضاء ليعرف المدَّعِي من المدَّعَى عليه، والشَّاهد من المشهود عليه، ولا مجتهدًا في جميع الأحكام الذي لا تعلُّق له في الجهاد، صرَّح (٦) به في «المحرَّر» و «الفروع» وغيرهما، وترك قيد الذكورية والعدالة؛ لوضوحهما.

стр. 2308

تنبيهٌ: لو نزلوا على حكم رجلين فأكثر؛ جاز، والحكم ما اجتمعا (١) عليه؛ فلو جعلوا الحكم إلى (٢) رجل يعيِّنه الإمامُ؛ صحَّ، فإن نزلوا على حكم رجلٍ منهم، أو جعلوا التَّعيين إليهم؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّهم ربَّما اختاروا غير الأصلح، ذكره في «الشَّرح» وغيره. الثَّاني: في صفة الحكم، فقال: (وَلَا يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا فِيهِ الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ (٣)؛ لأِنَّه نائبٌ للإمام (٤)، فقام مقامه في اختيار (٥) الأحظِّ، كهو (٦) في الأسرى، وحينئذٍ يلزمه ذلك، وحكمه لازِمٌ، (مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ)؛ لأِنَّ سعدًا حكم في بني قُرَيظةَ بقتلهم، وسَبْيِ ذراريِّهم، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لقد حَكَمْتَ بحُكْم الله من فَوْقِ سَبْعِ أرْقِعةٍ» (٧)، (وَالْفِدَاءِ)؛ لِمَا سبق في الإمام. وظاهره: ولو حكم عليهم بإعطاء الجزية، لم يلزم حكمه؛ لأنَّ عقد الذِّمَّة عقْدَ معاوضة (٨)، فاشترط فيه التَّراضي، وكذلك لا يملك الإمامُ إجبار الأسير على إعطاء الجزية.

стр. 2309

(فَإِنْ (١) حَكَمَ بِالْمَنِّ؛ لَزِمَ قَبُولُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قاله القاضي، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه نائبُ الإمام، فكان له المنُّ كهو، وظاهره: ولو أباه الإمامُ. والثَّاني: المنْعُ، قاله أبو الخطَّاب؛ لأِنَّه لا حظَّ فيه، ومحلُّه إذا لم يره الإمام، قاله في «الكافي» و «المحرر» و «الخلاصة». وقيل: في المقاتِلة دون النِّساء والذُّرِّيَّة؛ لأِنَّهما غنيمةٌ، فليس للحاكم تركها مجَّانًا. وفي «الكافي» و «البلغة»: لو حكم بأسْرٍ؛ لم يَجُزْ للإمام أن يَمُنَّ بإطلاقهم إلاَّ برضا الغانِمِينَ. (وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ، فَأَسْلَمُوا) بعد الحكم؛ (عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ)؛ لأِنَّ قتل المسلم حرامٌ. وظاهره: أنَّهم لا يَعصِمون أموالهم؛ لأنَّها صارت للمسلمين قبل إسلامهم، وكذا سبيهم (٢)، قاله في «المحرَّر». (وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ)، كذا في «البلغة»، وفي «الكافي» و «المحرَّر» وغيرِهما روايتان: إحداهما: لا يجوز، قدَّمه في «الشَّرح»؛ لأِنَّهم أسلموا قبل استرقاقهم. والثَّانية: يجوز، وذكره (٣) أبو الخطَّاب احتِمالاً؛ لأِنَّهم أسلموا بعد القدرة عليهم ووجوب قتلهم، كالأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله. فعلى هذا: يكون المال على ما حُكم فيه، فإن حكم بأنَّه للمسلمين كان غنيمةً؛ لأِنَّهم أخذوه بالقهر.

стр. 2310

تنبيهٌ: ليس للإمام تغييرُ ما حكم به الحاكِمُ ممَّا ينفذ حكمُه فيه، فلا يَقتُل مَنْ حَكمَ بِرِقِّه؛ لأِنَّه أشدُّ من الرِّقِّ، وفيه إتْلافُ الغنيمة بغير رضا الغانِمينَ، ولا رِقُّ مَنْ حَكَم بقتله؛ لأنَّه قد يدخل الضَّرر على المسلمين ببقائهم، ولا رِقُّ ولا قتْلُ مَنْ حَكَم بفدائه؛ لأِنَّهما أشدُّ من الفداء؛ لأِنَّه نقْضٌ للحكم بعد لزومه. وله المنُّ؛ لأِنَّه أخفُّ ممَّا حَكَم به الحاكِمُ، فإذا رآه الإمام جاز؛ لأنه أتمُّ نظرًا، وكالابتداء، وقبول الفداء ممَّن حكم بقتله أو رِقِّه؛ لأِنَّه نقْضٌ للحكم برضا المحكوم عليه، ولأِنَّه حقُّه، فإذا رضي (١) بتركه جاز، ذكره المجْدُ وغيرُه.

стр. 2311

(بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالجَيْشَ) يلزَمُ كلَّ أحد (١) إخلاصُ النِّيَّة لله تعالى في الطَّاعات، ويجتهد في ذلك، ويُستحَبُّ أن يدعُوَ سرًّا بحضور قلبٍ. قال أبو داودَ: باب ما يُدْعَى عند اللِّقاء، ثمَّ رَوَى بإسنادٍ جيِّدٍ عن أنَسٍ قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا غزا قال: «اللَّهُمَّ أنت عَضُدِي ونَصِيري، بك أحولُ، وبك (٢) أَصولُ، وبك أُقاتِلُ» (٣)، وكان جماعةٌ منهم الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين يقولُه عند قصد مجلِسِ عِلْمٍ. (يَلْزَمُ الْإِمَامَ)، وقيل: يُستحَبُّ، (عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ: تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ)؛ لأِنَّ ذلك من مصالح الجيش، فلزِمه فعلُه كبقيَّة المصالح، فيختار من الرِّجال ما فيه غنًى ومنفعةٌ للحرب، ومناصحةٌ، ومن الخيل ما فيه قوَّةٌ وصبرٌ على الحرب، ويُمكِن الانتفاعُ به في الرُّكوب وحمْلِ الأثْقال. (فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ (٤)؛ كالفرس إذا كان حطيمًا (٥)، وهو الكسير (٦)، أو قَحْمًا، وهو الكبير (٧)، أوْ ضَرْبًا، وهو الصَّغير، أوْ هزيلاً، وكالرَّجُل إذا

стр. 2312

كان زَمِنًا أو أَشَلَّ أو مريضًا، (يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ)؛ لِئلاَّ ينقطع في دار الحرب، ولأِنَّه يكون كَلًّا على الجيش، ومُضَيِّقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة. (وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ)، وهو الذي يُفنِّد (١) النَّاس عن الغزو، ويزهدهم في الخروج إليه، (وَالْمُرجِفَ)، وهو الذي يحدِّث بقوة الكفَّار وضعْفنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآيةَ [التّوبَة: ٤٦ - ٤٧]. وكذا يُمْنَعُ مكاتِبٌ بأخبارنا، ورامٍ بيننا بالفِتَن، ومعروفٌ بنفاقٍ وزندقةٍ؛ لأِنَّ هؤلاء مضرَّة على المسلمين، فلزِم الإمامَ منْعُهم؛ إزالةً للضَّرر. وظاهر كلامهم: ولو دعت الضَّرورة إليهم في الأصحِّ. وكذا يُمنَعُ صبِيٌّ، وعبارةُ «المغني» و «الكافي» و «البلغة»: طفل، وفي «الشَّرح»: يجوز أن يأذن لمن اشتدَّ من الصِّبيان؛ لأِنَّ فيهم منفعةً ومعونةً. (وَالنِّسَاءَ)؛ للافتتان بهنَّ، مع أنَّهنَّ لسْنَ من أهل القتال؛ لاِسْتيلاء الخَوَر (٢) والجبن عليهنَّ، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ ظَفَرُ العدوِّ بهنَّ، فيستحِلُّون منهنَّ ما حرَّم الله تعالى. واسْتَثْنى بعضُهم: امرأةً لأمير الجيش؛ لحاجته، كفِعْله ﵇ (٣). (إِلاَّ طَاعِنَةً فِي السِّنِّ)؛ أي: عجوزًا، (لِسَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى)؛ أي: للمصلحة؛ لقول الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ: «كُنَّا نغزو مع النَّبيِّ ﷺ ، نسقي

стр. 2313

الماءَ، ونخدُمهم، ونَرُدُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة» رواه البخاريُّ (١)، وعن أنسٍ معناه، رواه مسلمٌ (٢)، ولأن (٣) الرِّجال يشتغلون بالحرب عن ذلك، فيكون معونةً للمسلمين، وتوفيرًا في المقاتلة (٤). ونَهي النِّساء عن ذلك للتحريم، كما هو ظاهر «الخِرَقِيِّ» و «المحرَّر»، وصرح في «المغني» و «الشَّرح» بالكراهة. (وَلَا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)؛ أي: يحرم (٥)؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج إلى بدرٍ، فتَبِعَه رجلٌ من المشركين، فقال له: «تُؤمِن بالله ورسوله؟» قال: لا، قال: «فارْجِع، فلن أستعين بمشركٍ» متَّفقٌ عليه (٦)، ولأنَّ الكافر لا يُؤمَنُ مَكْرُه وغائلته؛ لخُبْث طَوِيَّته، والحرب تقتضِي المناصَحة، والكافِرُ ليس من أهلها. (إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ)، كذا ذَكَره جماعةٌ؛ لِمَا رَوَى الزُّهْريُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استعان بناسٍ من المشركين في حربه» رواه سعيدٌ (٧)،

стр. 2314

ورُوي (١) أيضًا: «أنَّ صَفْوان بن أُميَّة شهد حنينًا مع النَّبيِّ ﷺ » (٢)، وبهذا حصل التَّوفيق بين الأدلَّة. وقدَّم في «المحرَّر» و «الفروع»: أنَّه لا يستعان بهم إلاَّ لضرورة، مثل كون الكفَّار أكثر عددًا ويخاف منهم. وعنه: يجوز مع حسن رأيٍ في المسلمين، جزم به في «الشرح»، وزاد آخرون: وقوَّته بهم بالعدو (٣). وفي «الواضح» روايتان: الجوازُ، وعدمه بلا ضرورةٍ، وبناهما على الإسهام له. وردَّه في «الفروع»، واختار أنَّه يكره الاستعانة بهم إلاَّ لضرورة (٤). وأطلق أبو الحسن وغيره: أنَّ الرِّواية لا تختلف أنَّه لا يستعان بهم، ولا يعاونون. وأخذ القاضي من تحريم الاستعانة؛ تحريمها في العمالة والكتبة، قال

стр. 2315

الشَّيخ تقيُّ الدين: من تولى منهم (١) ديوانًا للمسلمين انتقض عهدُه (٢). وفي «الرِّعاية»: يُكرَه إلاَّ ضرورةً. فرعٌ: تَحرُم الاستعانةُ بأهل الأهواء في شَيءٍ من أمور المسلمين؛ لأِنَّهم أعظمُ ضررًا؛ لكونهم دعاةً، بخلاف اليهود والنَّصارى، نصَّ على ذلك (٣). (وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ)، فيسير بهم سير أضعفهم؛ لقوله ﵇: «أميرُ القوم أقطفهم» (٤)؛ أي: أقلُّهم سَيرًا (٥)، ولئلاَّ يَنقطِع منهم أحدٌ، أو يَشُقَّ عليهم (٦)، فإن (٧) دعت الحاجة إلى الجِدِّ فيه؛ جاز، نقل ابن منصور: (أكره السَّير الشَّديد إلاَّ لأمر يَحْدُث) (٨)؛ لأِنَّه ﷺ جَدَّ حين بلغه قول عبد الله بن أُبَيٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنَافِقون: ٨]؛ ليشتغل النَّاس عن الخوض فيه (٩).
следующие страницы →