← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

(بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالجَيْشَ) يلزَمُ كلَّ أحد (١) إخلاصُ النِّيَّة لله تعالى في الطَّاعات، ويجتهد في ذلك، ويُستحَبُّ أن يدعُوَ سرًّا بحضور قلبٍ. قال أبو داودَ: باب ما يُدْعَى عند اللِّقاء، ثمَّ رَوَى بإسنادٍ جيِّدٍ عن أنَسٍ قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا غزا قال: «اللَّهُمَّ أنت عَضُدِي ونَصِيري، بك أحولُ، وبك (٢) أَصولُ، وبك أُقاتِلُ» (٣)، وكان جماعةٌ منهم الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين يقولُه عند قصد مجلِسِ عِلْمٍ. (يَلْزَمُ الْإِمَامَ)، وقيل: يُستحَبُّ، (عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ: تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ)؛ لأِنَّ ذلك من مصالح الجيش، فلزِمه فعلُه كبقيَّة المصالح، فيختار من الرِّجال ما فيه غنًى ومنفعةٌ للحرب، ومناصحةٌ، ومن الخيل ما فيه قوَّةٌ وصبرٌ على الحرب، ويُمكِن الانتفاعُ به في الرُّكوب وحمْلِ الأثْقال. (فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ (٤)؛ كالفرس إذا كان حطيمًا (٥)، وهو الكسير (٦)، أو قَحْمًا، وهو الكبير (٧)، أوْ ضَرْبًا، وهو الصَّغير، أوْ هزيلاً، وكالرَّجُل إذا

стр. 2312

كان زَمِنًا أو أَشَلَّ أو مريضًا، (يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ)؛ لِئلاَّ ينقطع في دار الحرب، ولأِنَّه يكون كَلًّا على الجيش، ومُضَيِّقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة. (وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ)، وهو الذي يُفنِّد (١) النَّاس عن الغزو، ويزهدهم في الخروج إليه، (وَالْمُرجِفَ)، وهو الذي يحدِّث بقوة الكفَّار وضعْفنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآيةَ [التّوبَة: ٤٦ - ٤٧]. وكذا يُمْنَعُ مكاتِبٌ بأخبارنا، ورامٍ بيننا بالفِتَن، ومعروفٌ بنفاقٍ وزندقةٍ؛ لأِنَّ هؤلاء مضرَّة على المسلمين، فلزِم الإمامَ منْعُهم؛ إزالةً للضَّرر. وظاهر كلامهم: ولو دعت الضَّرورة إليهم في الأصحِّ. وكذا يُمنَعُ صبِيٌّ، وعبارةُ «المغني» و «الكافي» و «البلغة»: طفل، وفي «الشَّرح»: يجوز أن يأذن لمن اشتدَّ من الصِّبيان؛ لأِنَّ فيهم منفعةً ومعونةً. (وَالنِّسَاءَ)؛ للافتتان بهنَّ، مع أنَّهنَّ لسْنَ من أهل القتال؛ لاِسْتيلاء الخَوَر (٢) والجبن عليهنَّ، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ ظَفَرُ العدوِّ بهنَّ، فيستحِلُّون منهنَّ ما حرَّم الله تعالى. واسْتَثْنى بعضُهم: امرأةً لأمير الجيش؛ لحاجته، كفِعْله ﵇ (٣). (إِلاَّ طَاعِنَةً فِي السِّنِّ)؛ أي: عجوزًا، (لِسَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى)؛ أي: للمصلحة؛ لقول الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ: «كُنَّا نغزو مع النَّبيِّ ﷺ ، نسقي

стр. 2313

الماءَ، ونخدُمهم، ونَرُدُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة» رواه البخاريُّ (١)، وعن أنسٍ معناه، رواه مسلمٌ (٢)، ولأن (٣) الرِّجال يشتغلون بالحرب عن ذلك، فيكون معونةً للمسلمين، وتوفيرًا في المقاتلة (٤). ونَهي النِّساء عن ذلك للتحريم، كما هو ظاهر «الخِرَقِيِّ» و «المحرَّر»، وصرح في «المغني» و «الشَّرح» بالكراهة. (وَلَا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)؛ أي: يحرم (٥)؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج إلى بدرٍ، فتَبِعَه رجلٌ من المشركين، فقال له: «تُؤمِن بالله ورسوله؟» قال: لا، قال: «فارْجِع، فلن أستعين بمشركٍ» متَّفقٌ عليه (٦)، ولأنَّ الكافر لا يُؤمَنُ مَكْرُه وغائلته؛ لخُبْث طَوِيَّته، والحرب تقتضِي المناصَحة، والكافِرُ ليس من أهلها. (إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ)، كذا ذَكَره جماعةٌ؛ لِمَا رَوَى الزُّهْريُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استعان بناسٍ من المشركين في حربه» رواه سعيدٌ (٧)،

стр. 2314

ورُوي (١) أيضًا: «أنَّ صَفْوان بن أُميَّة شهد حنينًا مع النَّبيِّ ﷺ » (٢)، وبهذا حصل التَّوفيق بين الأدلَّة. وقدَّم في «المحرَّر» و «الفروع»: أنَّه لا يستعان بهم إلاَّ لضرورة، مثل كون الكفَّار أكثر عددًا ويخاف منهم. وعنه: يجوز مع حسن رأيٍ في المسلمين، جزم به في «الشرح»، وزاد آخرون: وقوَّته بهم بالعدو (٣). وفي «الواضح» روايتان: الجوازُ، وعدمه بلا ضرورةٍ، وبناهما على الإسهام له. وردَّه في «الفروع»، واختار أنَّه يكره الاستعانة بهم إلاَّ لضرورة (٤). وأطلق أبو الحسن وغيره: أنَّ الرِّواية لا تختلف أنَّه لا يستعان بهم، ولا يعاونون. وأخذ القاضي من تحريم الاستعانة؛ تحريمها في العمالة والكتبة، قال

стр. 2315

الشَّيخ تقيُّ الدين: من تولى منهم (١) ديوانًا للمسلمين انتقض عهدُه (٢). وفي «الرِّعاية»: يُكرَه إلاَّ ضرورةً. فرعٌ: تَحرُم الاستعانةُ بأهل الأهواء في شَيءٍ من أمور المسلمين؛ لأِنَّهم أعظمُ ضررًا؛ لكونهم دعاةً، بخلاف اليهود والنَّصارى، نصَّ على ذلك (٣). (وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ)، فيسير بهم سير أضعفهم؛ لقوله ﵇: «أميرُ القوم أقطفهم» (٤)؛ أي: أقلُّهم سَيرًا (٥)، ولئلاَّ يَنقطِع منهم أحدٌ، أو يَشُقَّ عليهم (٦)، فإن (٧) دعت الحاجة إلى الجِدِّ فيه؛ جاز، نقل ابن منصور: (أكره السَّير الشَّديد إلاَّ لأمر يَحْدُث) (٨)؛ لأِنَّه ﷺ جَدَّ حين بلغه قول عبد الله بن أُبَيٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنَافِقون: ٨]؛ ليشتغل النَّاس عن الخوض فيه (٩).

стр. 2316

(وَيُعِدُّ لَهُمُ الزَّادَ)؛ لأِنَّه لا بد لهم (١) منه، وبه قُوَاهُم، وربَّما طال سفرهم فيهلكون حيث لا زاد لهم. (وَيُقَوِّي نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ)، فيقول: أنتم أكثرُ عَددًا، أو عُددًا (٢)، وأشدُّ أبدانًا، وأقْوَى قلوبًا، ونحو ذلك؛ لأِنَّه ممَّا تستعين به النُّفوس على المصابَرة، ويبعثها على القتال لطمعها في العدوِّ. (وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمُ الْعُرَفَاءَ)؛ لأِنَّه «﵇ عرَّف عامَ خَيبَرَ على كلِّ عشرةٍ (٣) عَرِيفًا» (٤)، ولأِنَّه يَنْظُرُ في حالهم ويتفقَّدهم، وهو أقربُ أيضًا لجَمْعهم، وقد ورد: «العِرافةُ حَقٌّ» (٥)؛ لأِنَّ فيها مصلحةَ النَّاس، وأمَّا قوله: «العِرافةُ في النَّار» (٦)؛ فتحذيرٌ للتَّعرُّض للرِّئاسة؛ لِمَا في ذلك (٧) من الفتنة، ولأِنَّه إذا لم يَقُم بحقِّها استحقَّ العقوبةَ.

стр. 2317

(وَيَعْقِدُ لَهُمُ الْأَلْوِيَةَ)، وهي المَطارد البِيضُ، وقال (١) صاحب «المطالع»: اللِّواء رايةٌ لا يحملها إلاَّ صاحبُ جَيش العرب، أو صاحب دعوة الجيش (٢). (وَالرَّايَاتِ (٣)، وهي أعلامٌ مرتفعةٌ (٤)؛ لقوله ﵇ للعباس (٥) حين (٦) أسلم أبو سفيان: «احْبِسْه على الوادي حتى تمُرَّ به جنود الله فيراها»، قال: فحبَسته حيث أمرني رسول الله ﷺ ، ومرَّت به القبائلُ على راياتها (٧)، ولأِنَّ الملائكةَ إذا نزلت بالنَّصر نزلت مسوَّمةً بها، نقله حنبلٌ (٨). وظاهِرُه: أنَّها تكون بأيِّ لَونٍ شاء، وصرَّح به في «المحرَّر»؛ لاختلاف الرِّوايات. وفي (٩) «الفروع»: يُستحَبُّ ألويَةٌ بِيضٌ. وفي «الشَّرح» ك «المحرَّر»، وزاد: يُغايِر ألوانَها؛ ليَعرِف كلُّ قَومٍ رايتَهم. (وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ (١٠) شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ (١١) بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ)؛ لما رَوَى سَلَمةُ بن الأكوع (١٢) قال: «غزونا مع أبي بكر زمن النبي ﷺ ، وكان شعارُنا: أَمِتْ أَمِتْ» رواه أحمد (١٣)،

стр. 2318

وقد ورد أيضًا: «حم (١) لا يُنصَرون» (٢)، ولأِنَّ الإنسان ربَّما احتاج إلى نصرة صاحبه، وربَّما يهتدي بها إذا ضلَّ، قال في «الشَّرح»: ولئلاَّ يقع بعضُهم على بعضٍ. (وَيَتَخَيَّرُ لَهُمُ الْمَنَازِلَ)؛ أي: أصلحها لهم كالخصبة؛ لأِنَّها أرفق بهم، وهو من مصلحتهم، (وَيَتَّبِعُ مَكَامِنَهَا)، وهي جمع: مَكْمَنٍ، وهو المكان الذي يختفي فيه العدوُّ، (فَيَحْفَظُهَا)؛ لِيأْمَنَ هجومَ العدوِّ عليهم. (وَيَبْعَثُ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ)؛ لأِنَّه ﵇ بعث الزُّبَير يوم الأحزاب (٣)، وحذيفة بن اليمان في غزاة الخندق (٤)، ودِحيةَ الكَلْبِيَّ في أخرى (٥)، وقد أشار المؤلِّف إلى العِلَّة فقال: (حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ)، فيتحرَّز منهم، ويتمكَّن من (٦) الفرصة. (وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنَ الْفَسَادِ)؛ كتخريبٍ (٧) وحَرْقٍ ونحوِه (٨)، (وَالمَعَاصِي)؛

стр. 2319

لأِنَّ فِعْلَها سببُ الخِذْلان، وتركَها داعٍ للنَّصر وسبب الظَّفَر. وكذا يمنعهم من التِّجارة المانِعة لهم من القتال. (وَيَعِدُ ذَا الصَّبْرِ بِالْأَجْرِ وَالنَّفَلِ)؛ لأِنَّ ذلك وسيلةٌ إلى بذل جهده، وزيادة صبره. (وَيُشَاوِرُ ذَا الرَّأْيِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٩]، وكان ﵇ أكثرَ مشاورةً لأصحابه (١)، ولأِنَّ في ذلك تطييبًا لقلوبهم، ولأِنَّ فيها اجتماعَ الرَّأي في تحصيل المصلحة. ويُخفِي من أمره (٢) ما أمكن إخفاؤه؛ لئلاَّ يَعلَمَ به العدوُّ، فقد (٣) «كان ﵇ إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها» (٤). (وَيَصُفُّ جَيْشَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصَّف: ٤]، قال الواقديُّ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُسوِّي الصُّفوف يومَ بدْرٍ» (٥)، ولأِنَّ فيه رَبْطَ الجيش بعضِه ببعضٍ، وسَدًّا لثغورهم؛ فيصيرون كالشَّيء الواحد، ويتراصُّون؛ لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصَّف: ٤]. (وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ (٦) جَنَبَةٍ كُفُؤًا)؛ لِمَا روى أبو هُرَيرةَ قال: «كنتُ مع النَّبيِّ

стр. 2320

ﷺ ، فجعل خالدًا على إحدى الجَنَبَتَيْنِ (١)، والزُّبَير على الأخرى، وأبا عُبَيدةَ على السَّاقَة» (٢)، ولأِنَّه أحوط للحرب، وأبلغ في إرهاب العدوِّ. (وَلَا يَمِيلُ مَعَ قَرِيبِهِ وَذِي (٣) مَذْهَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ)؛ لِئلاَّ ينكسِر قلبُ مَنْ يَميلُ عليه (٤)، فيَخذُله عند الحاجة، ولأِنَّه يُفسِدُ القلوبَ، ويُشتِّتُ الكلمةَ. فرعٌ: إذا وجد رجلٌ آخَرَ أُصِيبت (٥) فرسُه، ومعه فضْلٌ؛ استُحِبَّ له حملُه، ولا يجب، نَصَّ عليه (٦)، فإن خاف تلفه، فقال القاضي: يجب؛ كما يلزمه بذل فاضِلِ طعامه للمضطَرِّ إليه، وتخليصه من عدوه (٧)، ذكره في «الشَّرح». (وَيَجُوزُ لَهُ (٨) أي: للإمام أو نائبه، (أَنْ يَبْذُلَ جُعْلاً لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، أَوْ قَلْعَةٍ) يَفتَحُها، (أَوْ مَاءٍ) في مفازةٍ، أو مالٍ يأخذه، أو ثغرةٍ يدخُل منها؛ لأِنَّه «﵇ وأبا بكر استأجرا في الهجرة من دلَّهم على الطَّريق» (٩)، ولأِنَّه من المصالح، أشبه أجرةَ الوكيل. ويَسْتحِقُّ الجُعلَ بفعل ما جُعِل له فيه (١٠)، سواء كان مسلمًا أو كافِرًا، من الجيش أو غيره، بشرط ألاَّ يجاوز ثُلث الغنيمة بعد الخُمس، نَصَّ عليه (١١)،

стр. 2321

وله إعطاء ذلك (١)، ولو بغير شَرطٍ. (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) إذا كان من مال (٢) المسلمين؛ لأِنَّه جُعْلٌ، فوجب أن يكون معلومًا، كالجُعْل في المسابقة وردِّ الضَّالَّة. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ (٣) الْكُفَّارِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً)؛ لأِنَّه «﵇ جَعَلَ للسَّرِيَّة الثُّلُثَ والرُّبُع ممَّا غنِمُوا» (٤)، و «سَلَب المقتول» (٥)، وهو مجهولٌ؛ لأِنَّ الغنيمة كلَّها مجهولةٌ، ولأِنَّه ممَّا تدعو الحاجةُ إليه. (فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مِنْهُمْ)، نحو (٦) أن يشترط بنتَ فلانٍ من أهل القلعة؛ لم (٧) يَستحِقَّ شيئًا حتَّى تُفتَح القلعةُ، فإن فتحت عَنْوةً؛ سُلِّمَتْ إليه. (فَمَاتَتْ (٨) قَبْلَ الْفَتْحِ)، أو بعده؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنَّ حقَّه متعلِّق بمُعَيَّنٍ (٩)، فيسقط بتَلَفِه من غير تفريطٍ؛ كالوديعة. (وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ) وهي حُرَّةٌ؛ (فَلَهُ قِيمَتُهَا)؛ لأِنَّها عَصَمَت نفْسَها بإسلامها، فتعذَّر دَفْعُها إليه، فاستحقَّ القيمة، كما لو أتْلَفَ مالَ غيره الَّذي لا مثل له (١٠).

стр. 2322

(وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ)؛ أي (١): بعد الفتح، أو قبله وهي أَمَةٌ؛ (سُلِّمَتْ إِلَيْهِ) إذا كان مسلِمًا؛ لأِنَّه أمكن الوفاءُ بما شرط، فكان واجبًا، ولأنَّ (٢) الإسلام بعد الأسر، فكانت رقيقةً. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ) المشترِط (كَافِرًا؛ فَلَهُ قِيمَتُهَا)؛ لأِنَّ الكافِرَ لا يجوز أن يبتدِئَ الملك على مسلِمٍ، ثمَّ إن أسلم ففي أخْذِها احْتِمالانِ. (وَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ؛ فَلَهُ قِيمَتُهَا)؛ أي: إن رَضِيَ بها؛ لأِنَّ ردَّ عينِها متعذِّرٌ؛ لكونها دخلت تحت الصُّلح، وحينئذٍ تعيَّن ردُّ قيمتها؛ لأِنَّها بَدَلُها. وظاهِرُه: أنَّه لو شُرِط في الصُّلح تسليم عينها؛ لزم؛ لِما فيه من الوفاء بالشَّرط. (فَإِنْ أَبَى إِلاَّ الْجَارِيَةَ، وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا؛ فُسِخَ الصُّلْحُ)؛ لأنَّه قد تعذَّر إمضاؤه؛ لأنَّ حقَّ صاحب الجُعْل سابِقٌ، ولا يمكن الجمْعُ بينهما، فعلى هذا: لصاحب القلعة أن يحصنها مثلَ ما كانت من غير زيادةٍ. وظاهر (٣) ما نقله ابن هانئ (٤): أنَّها له؛ لسَبْق حقِّه، ولِرَبِّ الحصن القيمةُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلاَّ قِيمَتُهَا)، ويمضي الصُّلْحُ، حكاه في «المحرر» قولاً، وصحَّحه؛ لأنه تعذَّر تسليمُها مع بقائها، فبقيت القيمة، كما لو أسلمت قبل الفتح.

стр. 2323

وإن بذلوها مجَّانًا، أو بالقيمة؛ لزم أخذها ودفعها إليه، قاله الأصحاب؛ لأنَّه أمكن إيصال (١) حقِّه إليه من غير ضرَرٍ. قال (٢) المجدُ: وعندي يختصُّ ذلك بالأَمَة، فأمَّا حرَّةُ الأصل؛ فلا يحل أخذها بحال (٣) لأنَّ الأمة مال، فيأخذها كما لو شرط (٤) دابَّةً أو متاعًا، فأمَّا حُرَّة الأصل، فهي غير مملوكةٍ؛ لأِنَّ الصُّلح جرى عليها، فلا تملك كالذِّمِّيَّة، ولم يَجُزْ تسليمها كالمسلمة. وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الجارية لولا عقد الصلح (٥)؛ لكانت أمَةً، وجاز تسليمها إليه (٦)، فإذا رضي أهل الحصن بإخراجها من الصُّلح بتسليمها (٧) إليه؛ فتكون غنيمةً للمسلمين، وتصير رقيقةً. فرعٌ: حيث أوجبنا القيمةَ، ولم يحصل شيءٌ من الغنيمة؛ أُعطي من بيت المال؛ لأنَّه من المصالح. (وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ) -النَّفَل: الزيادة على السَّهم المستحَقِّ، ومنه: نفل الصَّلاة- (فِي الْبِدَايَةِ)؛ أي: ابتداء دخول دار الحرب: (الرُّبُعَ) فأقلَّ (بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ: الثُّلُثَ) فأقلَّ (بَعْدَهُ)؛ لِمَا روى حبيب بن مسلمة الفِهْريُّ قال: «شهدت النَّبيَّ ﷺ نفَّل الرُّبع في البداية، والثُّلُث في الرَّجعة»

стр. 2324

رواه أبو داود (١)، وعن عبادة بن الصَّامِت مرفوعًا نحوه، رواه التِّرمذيُّ (٢)، وقال: (حسن غريب) (٣). وإنما زيد (٤) في الرَّجعة على البداية؛ لمشقَّة الرَّجعة؛ لأنَّ الجيش في البداءة رِدْءٌ للسَّريَّة (٥)، بخلاف الرَّجعة، وقال (٦) أحمد: لأنَّهم يشتاقون إلى أهليهم، فهذا أكثرُ (٧). وظاهِرُه: أنَّ ذلك مفوَّضٌ إلى رأيه، فإن شاء نَفَّلَهُم (٨)، وإن شاء تركه. وأنَّه يجوز بلا شَرْطٍ، وهو ظاهر. وعنه: لا يجوز إلاَّ به، جزم به في «المغني»، وقدَّمه في «الفروع». (وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ؛ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإِذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى (٩)، فَمَا أَتَتْ بِهِ أَخْرَجَ خُمُسَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ … (٤١)﴾ الآيةَ [الأنفَال: ٤١]، ولِمَا روى مَعْن بن زيد مرفوعًا: «لا نَفَلَ إلاَّ بعد الخُمُس» رواه أبو داودَ (١٠)،

стр. 2325

ولأنَّه مالٌ مُغْتَنَمٌ (١)، فيخمَّس كالجيش، (وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا). ولا يجوز أن ينفِّل أكثرَ من الثُّلث بعد الخُمس، نَصَّ عليه (٢)، (وَقَسَمَ الْبَاقِيَ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ (٣) مَعًا)؛ لأِنَّ الجيش يُشارِك سراياه فيما غنِمَتْ، ونَصَّ أحمدُ في السَّريَّة إذا نُفِّلَت: أنَّها ترُدُّ على من معها (٤)، وقاله الخِرَقِيُّ؛ إذ بقوَّتهم صار إليه.

стр. 2326

(فَصْلٌ) (وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩]، ولقوله ﵇: «مَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومَنْ أطاع أميري (١) فقد أطاعَنِي، ومَنْ عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري (٢) فقد عصانِي» رواه النسائي (٣)، فلو أمرهم بالصَّلاة جماعةً وقت (٤) لقاء العدوِّ فأبوا؛ عَصَوْا، قال الآجُرِّيُّ: لا نعلم فيه خلافًا، قال أحمدُ: لو قال: مَنْ عنده من رقيق الرُّوم، فليأتِ به السَّبيَ: ينبغي أن (٥) ينتهوا إلى ما أمرهم، قال ابن مسعودٍ: «الخلافُ شَرٌّ»، ذكره ابن عبد البَرِّ (٦)، وقال: كان يقال: لا خير مع الخلاف، ولا شرَّ مع الائتلاف (٧). ونقل المرُّوذي: إذا خالفوه تشَعَّث (٨) أمرُهم (٩)، فلو قال: سيروا وقت كذا؛ دفعوا (١٠) معه، نَصَّ عليه (١١)، وقال: الساقة يضاعف (١٢) لهم الأجر،

стр. 2327

إنَّما يخرج فيهم أهل قوَّةٍ وثباتٍ (١). (وَالنُّصْحُ لَهُ)؛ لأنَّ نُصْحَه نصحُ المسلمين، ولأنَّه يدفع عنهم، فإذا نصحوه كثر دفعه، وفي الأثر: «إن الله يزع (٢) بالسُّلطان ما لا يزع (٣) بالقرآن»، ومعناه: يكف (٤). (وَالصَّبْرُ مَعَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عِمرَان: ٢٠٠]، ولأنَّه من أقوى أسباب النَّصر والظَّفَر. (وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ)، وهو تحصيل العلف للدَّوابِّ، (وَلَا يَحْتَطِبَ)، وهو تحصيل الحطب، (وَلَا يُبَارِزَ) عِلْجًا (٥)، (وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا إِلاَّ بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّ الأميرَ أعْرَفُ بحال النَّاس وحال العدوِّ، ومَكامِنهم وقوَّتهم. فإذا خرج إنسانٌ، أو بارز بغير إذنه؛ لم يأْمَنْ أن يصادفه كَمِينٌ للعدوِّ فيأخذوه (٦)، أو يرحل بالمسلمين (٧) ويتركه فيهلِك، أو يكون ضعيفًا لا يقوى

стр. 2328

على المبارزة فيظفَر به العدوُّ، فتنكسِر قلوب المسلمين، بخلاف ما إذا أَذِن، فإنَّها لا تكون إلاَّ مع انتفاء المفاسد، وقد ورد في النَّصِّ ما يدلُّ عليه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النُّور: ٦٢]، لكن نَصَّ أحمد (١): إذا كان مَوْضِعًا مَخُوفًا لا ينبغي أن يأذن لهم (٢). وظاهِرُه: أنَّ المبارزة (٣) بغير إذنه حرامٌ، وفي «المغني» و «الشَّرح»: الكراهةُ، وحكاه الخطابيُّ عن أحمد وغيره (٤)، ومحلُّه: ما لم يَفْجأْهم العدوُّ، قاله في «الوجيز». (فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ)، وفي «البلغة»: مطلقًا، (إِلَى الْبِرَازِ)، بكسر الباء: عبارةٌ عن مخاصمة العدوِّ، وبفتحها: اسمٌ للفضاء الواسع؛ (اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ)؛ لمبارزة الصَّحابة في زمن النَّبيِّ ﷺ ومن بعده، قال قَيسُ بن عباد: «سمعت أبا ذر يُقسِم قسمًا في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحَجّ: ١٩]: أنَّها نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزةَ، وعليٍّ، وعُبَيدةَ بن الحارِث، وعُتبة وشَيبة ابني (٥) ربيعة، والوليد بن عتبة» متَّفقٌ عليه (٦)، قال عليٌّ: «نزلت هذه الآية في مبارزتنا يوم بدرٍ» رواه البخاريُّ (٧)، وكان ذلك بإذنه ﵇، و «بارَز البَرَاء بن مالك

стр. 2329

مرزبان (١) الزَّارة (٢) فقتله، وأخذ سَلَبَه، فبلغ ثلاثين ألفًا» (٣)، ولأنَّ في الإجابة إليها إظْهارًا لقوَّة المسلمين، وجَلَدهم على الحرب. وظاهِرُه: أنه (٤) إذا لم يَثِقْ من نفسه؛ فيُكرَه؛ لِمَا فيه من كسر قلوب المسلمين (٥) بقتله ظاهِرًا. ولو طلبها الشُّجاع ابتداءً؛ فاحْتِمالان في «الفصول». (فَإِنْ شَرَطَ الكَافِرُ (٦) أَنْ لَا (٧) يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ)، أو كان هو العادةَ؛ (فَلَهُ شَرْطُهُ)؛ لقوله ﵇: «المسلِمون على شروطهم» (٨)،

стр. 2330

والعادةُ بمنزلة الشروط (١). ويجوز رميُه وقتله قبْلَ المبارَزة؛ لأِنَّه كافِرٌ لا عهدَ له ولا أمانَ، فأبيح قتله كغيره، إلاَّ أن تكون العادةُ جاريةً بينهم: أنَّ من خرج يطلُب المبارزة لا يُتعرَّض له (٢)، فيُعمَل بها. (فَإِنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ) تاركًا للقتال، (أَوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ؛ جَازَ) لكل مسلمٍ (الدَّفْعُ عَنْهُ) وقتل (٣) الكافر؛ لأنَّ المسلِمَ إذا صار إلى هذه الحال، فقد انقضى قتالُه، والأمان زال (٤) بزوال القتال؛ لأِنَّ حمزةَ وعلِيًّا أعانا عبيدة على (٥) قتل شيبة حين أُثْخِنَ عُبَيدةُ (٦). وإن أعان الكفارُ صاحبهم؛ فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبَهم، ويقاتلوا من أعان عليه، لا (٧) المبارزة؛ لأنَّه (٨) ليس بسببٍ من جهته.

стр. 2331

فائدةٌ: كَرِه أحمد التَّلثُّم في القتال، وعلى الأنف (١). وله لُبْسُ علامةٍ كريش نَعامٍ، وعنه: يُستحَبُّ للشجاع (٢)، ويُكرَه لغيره، جزم به في «الفصول». (وَإِنْ قَتَلَهُ المُسْلِمُ؛ فَلَهُ سَلَبُهُ)، بغير خلافٍ نعلمه (٣)؛ لأِنَّ القاتل له سَلَبُ المقتول. (وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً؛ فَلَهُ سَلَبُهُ)؛ لِما رَوَى أنَسٌ وسَمُرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه» فقَتَل أبو طلحةَ يومئذٍ عشرين رجلاً (٤)، وأخذ أسْلابَهم، رواه أبو داود (٥). وظاهِرُه: أنَّ السَّلَب لكلِّ قاتِلٍ، سواءٌ كان يَسْتحِقُّ سهْمًا أو رَضْخًا، كالصَّبيِّ والمرأة والمشرك، وهو وجْهٌ، وخصَّه في «الوجيز»: بالقاتِل المسلمِ. والثَّاني: لا؛ لأنَّ السَّهمَ آكَدُ منه؛ للإجماع عليه، وهو لا يَستحِقُّه، فالسَّلَبُ أَوْلَى. وفي «الإرشاد»: أنَّ مَنْ بارَز بغير إذْن الإمام؛ فلا يَستحِقُّ السَّلَبَ.

стр. 2332

وقطع في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّ العبدَ إذا بارز بغير إذن سيده (١) لا يَستحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّه عاصٍ. وكذا كلُّ عاصٍ؛ كمَنْ دخل بغير إذن الأمير. وعنه: فيمَنْ دخل بغير إذْنه: أنَّه يُؤخَذُ منه الخُمُس، وباقيه له، كالغنيمة. ويخرَّج في العبد مثلُه، وفيه شَيءٌ، وأنَّه يفرَّق بينهما: بأنَّ تعلُّق الحقِّ بالغنيمة آكَدُ للإجماع، بخلاف السَّلَب، فإنَّ بعضَهم جعَلَه كالنَّفل لا يُستحَقُّ إلاَّ بالشرط. أمَّا لو كان القاتل ممن لا حقَّ له في الغنيمة؛ كالمُرجِف؛ فلا حقَّ له في السَّلَب؛ لأنَّه ليس من أهل الجهاد. (غَيْرَ مَخْمُوسٍ)؛ لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى في السَّلَب للقاتل، ولم يُخمِّس السَّلَبَ» رواه أبو داودَ (٢)، ولم ينقل عنه أنه احتُسب من خُمُس الخُمُس، ولأنَّ سلبه (٣) لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، فلم يكن من خُمس الخُمس كسهم الفارس. (إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ)، فلو قتله بعد انقضائها؛ فلا سَلَبَ له؛ لأنَّ «عبد الله بن مسعودٍ وقف (٤) على أبي جهلٍ (٥)، وقضى النَّبيُّ ﷺ بسَلَبه

стр. 2333

لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنَّه أثبته» (١). وإن (٢) كانت الحربُ قائمةً، فانهزم أحدهم، فقتله إنسانٌ؛ فله سَلَبه؛ لأنَّها كرٌّ وفَرٌّ؛ لأن «سلمة بن الأكوع قتل طليعةً للكفار (٣)، وهو منهزِمٌ، فقضى النَّبيُّ ﷺ بسَلَبه له أجمعَ» رواه أبو داود (٤). ولو أثخنه بالجراح؛ استحقَّ سَلَبه؛ لأنَّه في حكم المقتول. (مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ) أي: مقبلاً على القتال، فإن كان منهزِمًا؛ فلا سَلَب له، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه لم يغرر بنفسه في قتله، وفي «الترغيب» و «البلغة»: إلاَّ متحرِّفًا لقتالٍ، أو متحيِّزًا إلى فئةٍ، قال أحمد: إنَّما سمعنا له سلَبه في المبارزة، وإذا التقى الزَّحفان (٦). وظاهره: ولو (٧) كان المقتول صبيًّا أو امرأةً، وقطع (٨) به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لجواز قتلهم إذًا. وفي آخر (٩): لا يستحقُّ سلَبه؛ سدًّا للذريعة، وأطلقهما (١٠) في «المحرَّر».

стр. 2334

أمَّا إذا لم يكن المقتول (١) من المقاتِلة؛ كالشَّيخ الفاني والصَّبيِّ ونحوه، ممَّن نُهِيَ عن قتله؛ لم يستحقَّ قاتلُه سلَبَه بغير خلافٍ (٢). (غَيْرَ مُثْخَنٍ بِالجِرَاحِ (٣) أي: لا بُدَّ أن يكون المقتول فيه مَنَعةٌ، فلو كان مُثْخَنًا بالجراح وقَتَله آخَرُ؛ فلا يَستحِقُّ سَلَبه؛ لِما تقدَّم من حديث ابن مسعود (٤)، ولعدم التَّغرير. (وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ)؛ أيْ: بأن يقتُله حال المبارزة والحربُ قائمةٌ، فلو رماه بسَهْمٍ من جانب المسلمين فقَتَله؛ فلا سَلَب له؛ لعدم التَّغرير، وكذا لو حمل عليه جماعةٌ من المسلمين (٥)، أو أغْرَى به كلْبًا عَقُورًا فقُتِل؛ فلا سلب، ويكون غنيمةً. وظاهِرُه: أنَّ كلَّ واحدٍ منها (٦) شرْطٌ، وقوَّى الزَّرْكَشِيُّ: أنَّ كلَّها تَرجِع إلى التَّغرير. وأنَّ القاتِلَ يَستحِقُّ السَّلَب، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه، وصرَّح به الخِرَقيُّ، وهو قولُ أكثر العلماء، ونَصَّ عليه (٧)؛ لعموم الأدلَّة. (وَعَنْهُ: لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلاَّ مَنْ شُرِطَ لَهُ)، اختارها أبو بكرٍ، وفي «الانتصار» و «الطَّريق الأقْرب»، وأخذها القاضي من قول أحمد: ليس له ذلك إلاَّ أن قتاله (٨) بإذن الإمام.

стр. 2335

وفيه نَظَرٌ، فإن عوفًا قال لخالد: أمَا تعلمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى بالسَّلَب للقاتِلِ؟ قال: «بلى» رواه مسلمٌ (١)، فدل على أنَّ هذا من قضايا النبي ﷺ العامة (٢) المشهورة، وأنَّه حُكمٌ مستمِرٌّ لكلِّ قاتِلٍ. (وَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ؛ فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ) وحدَه؛ لأنَّه « ﷺ أعطى معاذَ ابنَ عَمْرو بن الجَموح سَلَبَ أبي جهل، ولم يُعْطِه ابنَ مسعودٍ، مع أنَّه تمَّم (٣) قَتْلَه» (٤)؛ لأِنَّ القاطِعَ هو الذي كفى المسلمين شرَّه. (وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ؛ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) في ظاهر كلامه؛ لأِنَّه ﵇ لم يُشرِّك بين اثنَينِ في سَلَبٍ، ولأِنَّه إنّما يُستحَقُّ بالتَّغرير في قَتْله، ولا يَحصُل بالاشتراك، فوجب كونُه غنيمةً، كما لو قَتَله جماعةٌ. (وَقَالَ الْقَاضِي) والآجُرِّيُّ: (هُوَ لَهُمَا)؛ أي: يشترِكان في سَلَبِه؛ لعموم: «مَنْ قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه» (٥)، ولأِنَّهما اشتركا في السَّبب، فيشترِكان في السَّلَب، فلوِ اشْتَركا في ضَرْبه، وكان أحدُهما أبلغَ في قَتْلِه من الآخَرِ؛ فله سَلَبُه. (وَإِنْ أَسَرَهُ، فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ) أو غيرُه؛ (فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ)؛ لأنَّ الذي أسَرَه لم يَقْتُله، والغير لم يغرِّرْ بنفسه في قَتْله. وكذا لو استَحْياه الإمامُ؛ فرقبتُه (٦) إنْ رُقَّ، وفداؤه إنْ فُدِيَ؛ غنيمةٌ؛ لأنه قد أسر المسلمون يوم بدر أسرى، فقتل النَّبيُّ ﷺ منهم، واسْتَبْقى منهم، ولم يُنْقَل أنَّه أعطى أحدًا ممَّن أسَرَهم سَلَبًا ولا فِداءً.

стр. 2336

(وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ)؛ لأن (١) الأسر أصعبُ من القتل، فإذا استحقَّ السلَب به؛ كان تنبيهًا على استحقاقه بالأسر. (وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ؛ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) على المذهب؛ لأنَّه لم يَنفرِد أحدُهما بقَتْله، ولم يَستحقَّه القاتِلُ؛ لأِنَّه مُثْخَنٌ بالجراح. (وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِلِ (٢)؛ لعموم الخبر (٣). وقيل: هو للقاطع؛ لأِنَّه عطَّله؛ كقتله (٤). فلو قطع يدَيه أو رجليه (٥)؛ فالحُكمُ على ما سبق، ذكره في «الشَّرح» وغيره. فرعٌ: إذا قطع منه يدًا أوْ رِجْلاً، ثمَّ قَتَله آخَرُ؛ فسَلَبُه للقاتل، كما لو عانقه فقتله آخَرُ، أوْ كان الكافر (٦) مقبلاً على مسلِمٍ، فقتله آخَرُ من ورائه. وقيل: غنيمةٌ؛ لعدم الانفراد بقتله. تنبيهٌ: لا تُقبَلُ دَعْوى القتل إلاَّ ببيِّنةٍ. وقال الأوزاعيُّ: يُعطَى السَّلَبُ لمن قال: أنا قتلته، بغير بيِّنةٍ؛ لأنَّه ﵇ قَبِل قول أبي قَتادةَ (٧)،

стр. 2337

وجوابه: الخبر الآخر (١)، وبأن خصمه أقرَّ له، فاكتفى بقوله. وقال جماعةٌ من أهل الحديث: يُقبَل شاهدٌ ويمينٌ، كغيره من الأموال. وحكى في «الشَّرح» احتمالاً: يقبل فيه شاهِدٌ بغير يمينٍ؛ لأِنَّه ﵇ قَبِل قول الذي شهد لأبي قَتادةَ من غير يمينٍ. وجوابه: أنَّ الشَّارِع اعتَبَر البيِّنةَ، وإطلاقُها ينصرِف إلى شاهدين، وكقتل العمد. (وَالسَّلَبُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ)، وعِمامةٍ، وقَلَنْسُوَةٍ، ودرع (٢)، (وَحُلِيٍّ)؛ كسِوارٍ، ومِنْطَقةِ ذهبٍ، ورانٍ، وتاجٍ، (وَسِلَاحٍ)؛ كسَيفٍ، ورُمْحٍ، وقَوسٍ، ولُتٍّ (٣) ونحوها؛ لأِنَّه يستعين به في حربه، فهو أَوْلى بالأخذ (٤) من الثِّياب. وعنه في السَّيف: لا أدري (٥). (وَالدَّابَّةُ بِآلَتِهَا)؛ أي: من السَّلَب؛ لحديث عَوف بن مالِكٍ، رواه الأثرم، ولأِنَّ الدَّابَّةَ يُستعانَ بها في الحرب كالسلاح، وآلتها كلجام وسَرْجٍ، ولو كثرت قيمتُه؛ لأنَّه تابِعٌ لها. (٦)

стр. 2338

وظاهِرُه: أنَّ ما كان محمولاً عليها من دراهِمَ ونحوه لا يَدخُلُ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ)، اختارها أبو بكرٍ؛ لأِنَّ السَّلَب ما كان على بدنه (١)، وهي ليست كذلك، وذكر أحمدُ (٢) خبر عمرو بن معدي كرب: «فأخذ سوارَيْه ومِنطقتَه» (٣)، ولم يذكر الدَّابَّة، فعلى هذا: هي وما عليها غنيمةٌ. وعلى المذهب: شرطه أن يكون قاتَلَ عليها راكبًا، فلو صُدَّ عنها، ثمَّ قَتَله بعد نزوله عنها؛ فهي من السَّلَب، فإن كانت في منزله أو مع غيره؛ فلا، كسلاحه الذي ليس معه. وإن كان ممْسِكًا بِعِنَانها؛ فالخلاف. (وَنَفَقَتُهُ) على الأصحِّ، (وَخَيْمَتُهُ، وَرَحْلُهُ)، وجنِيبُه الذي في يده؛ (غَنِيمَةٌ)؛ لأِنَّ ذلك ليس من الملبوس، ولا ممَّا يستعان به في الحرب، أشبه بقيَّة أموال (٤) الكفَّار. لكن يُشكِل عليه الجنيب (٥)، وجوابه: أنَّه لا يمكنه ركوبهما معًا. وأَلْحَق في «التَّبصرة» حلية الدَّابَّة بذلك، وفيه شيءٌ.

стр. 2339

(فَصْلٌ) يجوز سَلْبُ القتلى وتركُهم عُراةً، وكَرِهه الثَّوريُّ وغيره؛ لما فيه من كشف عوراتهم. ويكره نقل رؤوسهم من بلدٍ إلى آخَرَ، والمُثْلةُ بقتلاهم. ويكره رميها (١) بمنجنيق، نَصَّ عليه (٢)، وأوَّلُ من حُمِلت إليه الرؤوس (٣) عبد الله بن الزُّبير (٤). قال أحمد: ولا ينبغي أن يعذبوه (٥). وعنه: إن مثلوا مُثِّلَ بهم، ذكره أبو بكر، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦): المُثْلةُ حقٌّ لهم، فلهم فعلُها للاستيفاء وأخْذِ الثَّأر، ولهم تركُها، والصَّبرُ أفضلُ. (وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ)؛ لأِنَّه أعرفُ بالحرب، وأمْرُه موكولٌ إليه، ولأِنَّه إذا لم تجز المبارزة إلاَّ بإذنه؛ فالغزوُ أَوْلى، (إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ)؛ أي: يَطلُع عليهم بَغْتةً، (عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلَبَهُ)، بفتح الكاف واللاَّم؛ أي: شرَّه وأذاه؛ لأِنَّ الحاجة تدعو إليه؛ لما في التَّأخير من الضَّرر، وحينئذٍ لا يجوز لأحَدٍ التَّخلُّف إلاَّ مَنْ يُحتاج إلى تخلُّفه لحفظ المكان والأهل والمال، ومن

стр. 2340

لا قوَّةَ له على الخروج، ومَن يمنَعُه الإمامُ. (فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ)، هو بفتح الأحرف الثَّلاثة، وقد تسكَّن النُّون، والمراد بها: القوَّة والدَّفْع، (دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ أي: إذن المعتبَرِ إذْنُه، وهو إمام الحقِّ غير المتغلِّب، (فَغَنِمُوا؛ فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ) على المذهب؛ لأنَّهم عصاةٌ بفِعْلهم، وافتياتهم على الإمام لطلب الغنيمة، فناسب حرمانُهم؛ كقَتْل الموروث. (وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمُسِ)، وهي قولُ أكثر العلماء، اختارها (١) القاضي وأصحابه، وفي «المغني» و «الشَّرح»: هي الأَوْلى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفَال: ٤١]، ولأِنَّها مالٌ أُخِذ بتأوُّلٍ وجِهادٍ، فكان كسائر الغنائم، ولا اعتبار بالعلَّة؛ لقوله تعالى (٢): ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩]. (وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ لَا خُمُسَ فِيهَا (٣)؛ لأِنَّه اكْتِسابٌ مباحٌ من غير جِهادٍ، أشْبَهَ الاحتطاب، أو يقال: أخذوه لا (٤) بقوَّةٍ، أشبه ما لو سرقوه. فرعٌ: حُكمُ الواحد -ولو عبدًا- إذا دخل دار الحرب وغنِم؛ الخلافُ، وكذا ما سرق منها أو اختلس (٥)، ذكره في «البلغة»، ومعناه في «الرَّوضة». (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا)، لا غيرهما من ثيابٍ وخيوطٍ؛ (فَلَهُ أَكْلُهُ، وَعَلَفُ دَابَّتِهِ) أو دوابِّه، (بِغَيْرِ إِذْنٍ)، في قول جماعة العلماء؛ لما روى ابن عمر قال: «كنَّا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكُله ولا نرفعه»

стр. 2341

رواه البخاريُّ (١)، وعنه: «أنَّ جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسَلاً، فلم يَؤخُذْ منهم الخُمُسَ» رواه أبو داودَ (٢)، ولأنَّ الحاجةَ تدعو إليه؛ إذ الحمل (٣) فيه مشقَّة، فأبيح توسعةً على النَّاس. وله إطعامُ سَبْيٍ (٤) اشتراه، بخلاف فهد (٥) وكلب صَيدٍ؛ لأنَّ هذا يراد للتَّفرُّج، ولا حاجةَ إليه في الغزو. ومحلُّ ذلك كما ذكره الشَّيخانِ: ما لم يحرزه (٦) الإمام ويوكِّل به من يحفظه، فلا يجوز إلاَّ لضرورةٍ، نصَّ عليه (٧)؛ لأنَّها صارت غنيمةً للمسلمين، وتم ملكُهم عليها. وأجازه (٨) القاضي في «المجرد» ما داموا في أرض الحرب؛ لأِنَّ الغنيمة لا يتمُّ الملك عليها إلاَّ بإحرازها في دار الإسلام. تنبيهاتٌ: الأول: حُكم السُّكر والمعاجين ونحوها؛ كالطَّعام، وفي العقاقير (٩) وجهان.

стр. 2342

الثَّاني: يَدخُل في كلامه الدُّهن؛ لأِنَّه طعامٌ كالبُرِّ، وله لحاجةٍ دهن بدنه ودابَّته، وشِرْب شراب، ونقل أبو داود: دهنه بزيتٍ للتَّزيُّن لا يعجبني (١). الثَّالث: ليس له غسل ثوبه بالصَّابون؛ لأِنَّه ليس بطعامٍ، فإن فعل؛ ردَّ قيمته في المغنم (٢). (وَلَيْسَ لَه بَيْعُهُ)؛ لأنه لم يُنقل؛ لعدم الحاجة إليه، بخلاف المأكل. (فَإِنْ بَاعَهُ؛ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي المَغْنَمِ)؛ قاله أكثر الأصحاب؛ لما روى سعيدٌ: أنَّ صاحب جيش الشَّام كتب إليه عمر: «من باع منهم شيئًا بذهبٍ أو فضَّةٍ؛ ففيه خُمُس الله، وسهام المسلمين» (٣). وظاهره: أنَّ البيع صحيحٌ؛ لأنَّ المنع منه إنَّما كان لأجل حق (٤) الغانمين، وفي ردِّ الثَّمن تحصيل (٥) لذلك، ولأنَّ له (٦) فيه حقًّا، فصحَّ بيعُه، كما لو تحجَّر مواتًا. وفرَّق القاضي والمؤلِّف في «الكافي»: إن باعه لغير غازٍ؛ فهو باطلٌ؛ كبيعه الغنيمة بغير إِذْنٍ، فيرد المبيع إن كان باقيًا، أو قيمته أو ثمنه إن كان

стр. 2343

تالفًا، وإن باعه لغازٍ (١)؛ فلا يخلو: إمَّا أن يبيعه ممَّا يباح له الانتفاعُ به، أو بغيره. فإن كان الأوَّلُ: فليس بَيعًا في الحقيقة، إنَّما دفع (٢) إليه مباحًا، وأخذ مثله (٣)، ويبقى أحقَّ به؛ لثبوت يده عليه، فعلى هذا: لو باع صاعًا بصاعين، وافترقا قبل القبض؛ جاز؛ إذ لا بيع، وإن أقرضه إياه؛ فهو أحقُّ به، فإن وفَّاه أو ردَّه إليه؛ عادت يده كما كانت. وإن كان الثَّاني: فليس بصحيحٍ، ويصير المشتري أحقَّ به؛ لثبوت يده عليه (٤)، ولا ثمن (٥) عليه، ويتعين رده إليه. وظاهر المتن: أنه لا يلزمه سوى رد الثمن فقط. وعنه: يلزمه أيضًا قيمة أكله. (وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ (٦) مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ)، ولم يقيده به الأكثر؛ (رَدَّهُ فِي الغَنِيمَةِ (٧)؛ أي: إذا كان كثيرًا؛ لأِنَّه إنما أبيح له ما يحتاج إليه، فما بقي تبينَّا أنَّه أخذ أكثر ممَّا يحتاجه، فبقي على أصل التَّحريم. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا؛ فَلَهُ أَكْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نَصَّ عليها (٨) في رواية أبي طالبٍ (٩) في الطَّبخة والطَّبختَين من اللحم، والعليقة والعليقتين من

стр. 2344

الشَّعير: لا بأس به؛ لأنَّ اليسير ممَّا تجري فيه المسامَحة، قال الأوزاعيُّ: (أدركت النَّاسَ بالقديد، فيهديه (١) بعضهم لبعضٍ، ولا ينكره أحَدٌ). والثَّانية: يجب ردُّه، نَصَّ عليها في رواية ابن إبراهيم (٢)، واختارها الخلاَّل وصاحبه والقاضي وأبو الخطَّاب في «خلافيهما»، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لقوله ﵇: «أدُّوا الخيط والمِخْيطَ» (٣)، ولأِنَّه من الغنيمة ولم يقسم، فلم يُبَحْ في دار الإسلام كالكثير. (وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا) لهم؛ (فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ)؛ لقول ابن مسعودٍ: «انتهيت إلى أبي جهلٍ، فوقع سيفه من يده، فأخذته فضربته به حتى برَدَ» رواه الأثرم (٤)، ولأِنَّ الحاجةَ إليه أعظمُ من الطَّعام، وضرر استعماله أقلُّ من ضرر أكل الطَّعام؛ لعدم زوال عينه بالاستعمال، (ثُمَّ يَرُدُّهُ) بعد الحرب؛ لزوال الحاجة. (وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ) في الجهاد (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم بها في

стр. 2345

«الوجيز»، وصحَّحها ابن المنجَّى؛ لِما رَوَى رويفع بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ مرفوعًا قال: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فلا يركب دابَّةً من فَيْء المسلمين حتَّى إذا أعْجَفها ردَّها، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فلا يَلْبَسْ ثوبًا من فَيء المسلمين حتَّى إذا أخْلَقَه ردَّه» رواه سعيدٌ (١)، ولأِنَّها تتعرَّض للعطَب غالبًا، وقيمتُها كثيرة (٢)، بخلاف السِّلاح. والثَّانية: يجوز، قدَّمها في «المحرَّر»؛ كالسِّلاح، ونقل المرُّوذِيُّ: لا بأس أن يركب الدَّابَّة من الفَيء، ولا يعجفه (٣). وفي «الفروع»: وفي قتاله بفَرَسٍ وثوبٍ روايتان، ونقل إبراهيم بن الحارث (٤): لا يركبه إلاَّ لضرورةٍ أو خوفٍ على نفسه (٥).

стр. 2346

(بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ) الغنائم: جمع غنيمةٍ، ويرادفها (١) المغنَم، يقال: غنِم فلان الغنيمة يغنمها (٢)، واشتقاقها من الغُنم، وأصلها: الربح والفضل. والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ … ﴾ [الأنفَال: ٤١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفَال: ٦٩]. وقد اشتهر، وصحَّ أنَّه ﵇ قسَّم الغنائم (٣)، ولم تكن تَحِلُّ لِمَنْ مضى (٤)، وكانت في أوَّل الإسلام خاصَّةً لرسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ … ﴾ [الأنفَال: ١]، ثمَّ صارت أربعةُ أخماسها للغانمين، وخُمسها لغيرهم. (الغَنِيمَةُ: كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَهْرًا بِالْقِتَالِ). قوله: (كُلُّ مَالٍ)؛ يدخل فيه ما يُتموَّل؛ كالصَّليب، ويُكسَر، ويُقتَل الخنزير، قاله أحمد (٥)، ونقل أبو داود: يُصَبُّ الخمر، ولا يُكسَر الإناءُ (٦). وأمَّا الكلب؛ فلا يدخل في الغنيمة، ويَخُصُّ الإمامُ به مَنْ شاء. قوله: (مِنَ المُشْرِكِينَ) أي: المحارِبين. وقوله: (قَهْرًا بِالقِتَالِ)؛ هذا فصل يخرج به الفيء.

стр. 2347

(وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ)؛ بأن أخذ الكفَّارُ مالَ مسلِمٍ، ثمَّ أخذ المسلمون ذلك منهم قهرًا، (فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ)، وهو المسلم، (قَبْلَ قَسْمِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)، بغير شَيءٍ، في قول عامَّة العلماء؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ غلامًا له (١) أبَق إلى العدوِّ، فظهر عليه المسلمون، فردَّه النَّبيُّ ﷺ إليه، وذهب فرسٌ له، فأخذه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النَّبيِّ ﷺ » رواه البخاريُّ (٢). وقال الزُّهريُّ وعمرو بن دينارٍ: لا يُرد (٣) إليه، وهو للجيش؛ لأنَّ الكفَّار مَلَكُوه باستيلائهم، فصار غنيمةً كسائر أموالهم. وجوابُه: ما تقدَّم. وكذا حُكمُ ما (٤) إذا أُخذ مالُ معاهدٍ، وقلنا: يملكون أموالنا. فإن كان أمَّ ولدٍ؛ لزم السيِّدَ أخْذُها، لكن بعد القسمة بالثَّمن، ويخيَّر في الباقي. (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) صاحبُه (مَقْسُومًا؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ (٥)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلاً وجد بعيرًا له، وكان المشركون أصابوه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إن أصبته قبل القسمة؛ فهو لك، وإن أصبته بعد ما قُسِم؛ أخذته بالقيمة» (٦)، وإنَّما امتنع أخذُه له بغير شيءٍ؛ لئلاَّ

стр. 2348

يُفْضِي إلى ضياع الثمن على المشتري (١) وحرمان أخذه من الغنيمة، ولو لم يأخذه؛ لأدَّى إلى ضياع حقِّه، فالرُّجوع بشرط وزن (٢) القيمة جمْعٌ بين الحَقَّينِ. (وَعَنْهُ: لَا حَقَّ لَه فِيهِ)، نَصَّ عليه في رواية أبي داودَ، وضعَّف الأوَّلَ، وقال: هو عن مجاهدٍ (٣)؛ لما روى ابن عمر مرفوعًا: «وإن أدركه بعد ما قُسِم؛ فليس له فيه شَيءٌ» (٤)، وكتب عمر إلى (٥) السَّائب: «أيُّما رجلٍ أصاب رقيقه ومتاعه بعينه؛ فهو أحقُّ به، وإن أصابه في أيدي التُّجَّار بعدما قُسِم؛ فلا سبيل إليه»، وعن سلمان بن ربيعة نحوه، رواهما سعيدٌ (٦).

стр. 2349

وكما لو وجده بيد (١) المستولي عليه، وقد جاءنا بأمان أو أسلم، ولم يقل أحد (٢): إنَّه لصاحبه بعد القسمة بغير شيءٍ؛ لمخالفته الإجماعَ، فإنَّ أهل العصر إذا أجمعوا على قولَين في حكم؛ لم يَجُزْ إحداثُ ثالثٍ، قاله في «الشَّرح». وفيه شَيءٌ، فإنَّهم صرَّحوا بأن صاحبه إذا وجده فهو أحقُّ به، ولو بعد القسمة إذا قلنا: إنَّهم لا يملكونها. (وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ؛ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ)؛ كما لو أخذه (٣) من المغنم بحقِّه، والثَّمن هنا (٤) كالقيمة هناك. (وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ)؛ كهِبَةٍ أو سَرِقةٍ ونحوها؛ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ)؛ لِما روى عمرانُ بن حُصَينٍ: أنَّ قومًا أغاروا على سَرْح النَّبيِّ ﷺ ، فأخذوا ناقتَه وجاريةً من الأنصار، فأقامت عندهم أيَّامًا، ثمَّ خرجت فركبت النَّاقة، ونذرت إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلمَّا قَدِمت المدينةَ أخَذَ النَّبيُّ ﷺ ناقتَه، فأخبرت النَّبيَّ ﷺ بنذرها، فقال: «سبحان الله! بِئْسما جزيتيها،

стр. 2350

لا (١) وفاء لنذر في معصية الله تعالى، ولا فيما لا يملك العبدُ» رواه مسلمٌ (٢)، ولأنه لم يحصل في يده بِعِوَضٍ، أشبه ما لو أدركه من الغنيمة قبل القسمة. وقال القاضي: ما حصل في يده بهبةٍ أو شراءٍ؛ فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة على الخلاف، وجزم به في «الكافي»، فلو تصرَّف فيه آخِذه منهم؛ صحَّ تصرُّفه. (وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ المُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)، وجزم (٣) به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ الاِسْتِيلاءَ سببٌ يَمْلِك به المسلمُ مالَ الكافر، فكذا عكسه؛ كالبيع، وكما (٤) يملكه بعضهم من بعض، وسواء اعتقدوا تحريمه أو لا، ذكره في «الانتصار». ومحله: في غير حبس (٥) ووقْفٍ، قاله في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لعدم تصور الملك فيهما، فلم يملكا بالاستيلاء؛ كالحرِّ. وفي أمِّ الولد روايتان: الأصحُّ عند ابن عَقيلٍ: أنَّها كوقْفٍ. وعنه: يملكونه إن حازوه (٦) بدارهم (٧)، نَصَّ عليه فيما بلغ به قبرس: يرد إلى أصحابه، ليس غنيمةً، ولا يؤكل (٨)؛ لأنَّهم لم يحوزوه (٩) إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم أغلب عليها.
следующие страницы →