← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

(بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ) الغنائم: جمع غنيمةٍ، ويرادفها (١) المغنَم، يقال: غنِم فلان الغنيمة يغنمها (٢)، واشتقاقها من الغُنم، وأصلها: الربح والفضل. والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ … ﴾ [الأنفَال: ٤١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفَال: ٦٩]. وقد اشتهر، وصحَّ أنَّه ﵇ قسَّم الغنائم (٣)، ولم تكن تَحِلُّ لِمَنْ مضى (٤)، وكانت في أوَّل الإسلام خاصَّةً لرسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ … ﴾ [الأنفَال: ١]، ثمَّ صارت أربعةُ أخماسها للغانمين، وخُمسها لغيرهم. (الغَنِيمَةُ: كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَهْرًا بِالْقِتَالِ). قوله: (كُلُّ مَالٍ)؛ يدخل فيه ما يُتموَّل؛ كالصَّليب، ويُكسَر، ويُقتَل الخنزير، قاله أحمد (٥)، ونقل أبو داود: يُصَبُّ الخمر، ولا يُكسَر الإناءُ (٦). وأمَّا الكلب؛ فلا يدخل في الغنيمة، ويَخُصُّ الإمامُ به مَنْ شاء. قوله: (مِنَ المُشْرِكِينَ) أي: المحارِبين. وقوله: (قَهْرًا بِالقِتَالِ)؛ هذا فصل يخرج به الفيء.

стр. 2347

(وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ)؛ بأن أخذ الكفَّارُ مالَ مسلِمٍ، ثمَّ أخذ المسلمون ذلك منهم قهرًا، (فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ)، وهو المسلم، (قَبْلَ قَسْمِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)، بغير شَيءٍ، في قول عامَّة العلماء؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ غلامًا له (١) أبَق إلى العدوِّ، فظهر عليه المسلمون، فردَّه النَّبيُّ ﷺ إليه، وذهب فرسٌ له، فأخذه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النَّبيِّ ﷺ » رواه البخاريُّ (٢). وقال الزُّهريُّ وعمرو بن دينارٍ: لا يُرد (٣) إليه، وهو للجيش؛ لأنَّ الكفَّار مَلَكُوه باستيلائهم، فصار غنيمةً كسائر أموالهم. وجوابُه: ما تقدَّم. وكذا حُكمُ ما (٤) إذا أُخذ مالُ معاهدٍ، وقلنا: يملكون أموالنا. فإن كان أمَّ ولدٍ؛ لزم السيِّدَ أخْذُها، لكن بعد القسمة بالثَّمن، ويخيَّر في الباقي. (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) صاحبُه (مَقْسُومًا؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ (٥)، جزم به في «الوجيز» وغيره؛ لما روى ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلاً وجد بعيرًا له، وكان المشركون أصابوه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إن أصبته قبل القسمة؛ فهو لك، وإن أصبته بعد ما قُسِم؛ أخذته بالقيمة» (٦)، وإنَّما امتنع أخذُه له بغير شيءٍ؛ لئلاَّ

стр. 2348

يُفْضِي إلى ضياع الثمن على المشتري (١) وحرمان أخذه من الغنيمة، ولو لم يأخذه؛ لأدَّى إلى ضياع حقِّه، فالرُّجوع بشرط وزن (٢) القيمة جمْعٌ بين الحَقَّينِ. (وَعَنْهُ: لَا حَقَّ لَه فِيهِ)، نَصَّ عليه في رواية أبي داودَ، وضعَّف الأوَّلَ، وقال: هو عن مجاهدٍ (٣)؛ لما روى ابن عمر مرفوعًا: «وإن أدركه بعد ما قُسِم؛ فليس له فيه شَيءٌ» (٤)، وكتب عمر إلى (٥) السَّائب: «أيُّما رجلٍ أصاب رقيقه ومتاعه بعينه؛ فهو أحقُّ به، وإن أصابه في أيدي التُّجَّار بعدما قُسِم؛ فلا سبيل إليه»، وعن سلمان بن ربيعة نحوه، رواهما سعيدٌ (٦).

стр. 2349

وكما لو وجده بيد (١) المستولي عليه، وقد جاءنا بأمان أو أسلم، ولم يقل أحد (٢): إنَّه لصاحبه بعد القسمة بغير شيءٍ؛ لمخالفته الإجماعَ، فإنَّ أهل العصر إذا أجمعوا على قولَين في حكم؛ لم يَجُزْ إحداثُ ثالثٍ، قاله في «الشَّرح». وفيه شَيءٌ، فإنَّهم صرَّحوا بأن صاحبه إذا وجده فهو أحقُّ به، ولو بعد القسمة إذا قلنا: إنَّهم لا يملكونها. (وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ؛ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ)؛ كما لو أخذه (٣) من المغنم بحقِّه، والثَّمن هنا (٤) كالقيمة هناك. (وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ)؛ كهِبَةٍ أو سَرِقةٍ ونحوها؛ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ)؛ لِما روى عمرانُ بن حُصَينٍ: أنَّ قومًا أغاروا على سَرْح النَّبيِّ ﷺ ، فأخذوا ناقتَه وجاريةً من الأنصار، فأقامت عندهم أيَّامًا، ثمَّ خرجت فركبت النَّاقة، ونذرت إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلمَّا قَدِمت المدينةَ أخَذَ النَّبيُّ ﷺ ناقتَه، فأخبرت النَّبيَّ ﷺ بنذرها، فقال: «سبحان الله! بِئْسما جزيتيها،

стр. 2350

لا (١) وفاء لنذر في معصية الله تعالى، ولا فيما لا يملك العبدُ» رواه مسلمٌ (٢)، ولأنه لم يحصل في يده بِعِوَضٍ، أشبه ما لو أدركه من الغنيمة قبل القسمة. وقال القاضي: ما حصل في يده بهبةٍ أو شراءٍ؛ فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة على الخلاف، وجزم به في «الكافي»، فلو تصرَّف فيه آخِذه منهم؛ صحَّ تصرُّفه. (وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ المُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)، وجزم (٣) به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ الاِسْتِيلاءَ سببٌ يَمْلِك به المسلمُ مالَ الكافر، فكذا عكسه؛ كالبيع، وكما (٤) يملكه بعضهم من بعض، وسواء اعتقدوا تحريمه أو لا، ذكره في «الانتصار». ومحله: في غير حبس (٥) ووقْفٍ، قاله في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لعدم تصور الملك فيهما، فلم يملكا بالاستيلاء؛ كالحرِّ. وفي أمِّ الولد روايتان: الأصحُّ عند ابن عَقيلٍ: أنَّها كوقْفٍ. وعنه: يملكونه إن حازوه (٦) بدارهم (٧)، نَصَّ عليه فيما بلغ به قبرس: يرد إلى أصحابه، ليس غنيمةً، ولا يؤكل (٨)؛ لأنَّهم لم يحوزوه (٩) إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم أغلب عليها.

стр. 2351

والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّ ما كان سببًا للملك؛ أثبته حيث وُجد (١)؛ كالبيع ونحوه. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا)، حيث قال: إذا أدركه صاحبه قبل القسمة؛ فهو أحقُّ به (٢)، واختاره الآجُرِّيُّ وأبو محمَّدٍ الجوزي، ونصره ابن شهابٍ وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]، ولأنَّهم لا يملكون رقيقًا برضانا بالبيع، فهذا أَوْلى، وكأخذ (٣) مستأْمَنٍ له بدارنا بعَقدٍ فاسدٍ أو غصبٍ، واستدل له بحديث العضباء (٤)، قال ابن المنجَّى: ولا دلالة فيه؛ لأنَّ غايته أنَّه ﷺ أخذ ناقته، والمسلم له أخذ ذلك سواءٌ قيل: يملك الكفَّار أموال المسلمين أو لا، ولأنَّه وجدها غير مقسومةٍ، ولا مشتراة. فعلى هذا: لصاحبه أخذه بغير شيء وإن كان مقسومًا، ومن (٥) العدو إذا أسلم، ولو أحرزه بدارهم (٦)، وإن جُهل ربُّه وُقِف؛ كاللقطة. وفي «التبصرة»: أنَّه أحق بما لم يملكوه بعد القسمة بثمنه؛ لئلاَّ ينتقض (٧) حكم القاسم. تذنيب: لا يملك الكفَّارُ ذمِّيًّا؛ كالحرِّ المسلم، ويلزم فداؤه (٨)، ويرجع المشتري في المنصوص بثمنه بنية الرُّجوع، وفي «المحرَّر»: ما لم ينو التَّبرُّع.

стр. 2352

فإن اختلفا في قدر ثمنه؛ فوجهان. واختار الآجُرِّيُّ: لا يرجع، إلاَّ أن يكون عادة الأسرى وأهل الثغر ذلك، فيشتريهم ليخلِّصهم، ويأخذ ما وزن لا زيادة (١)، فإنَّه يرجع. فوائدُ: منها: إذا اسْتوْلَوْا على مال مسلِمٍ، ثمَّ عاد بعد حوْلٍ أو أحوال؛ فعلى الأوَّل: لا زكاةَ لما مضى قولاً واحدًا، وعلى الثَّاني: فيه روايتان، بناءً على المال المغصوب ونحوه. ومنها: إذا كان لمسلم أختان أمتان، وأَبَقَتْ إحداهما إلى دار الحرب، واستولوا عليها؛ فله وطء الثَّانية على الأول؛ لأنَّ ملكه قد زال عن أختها، وقياس قول أبي الخطَّاب: لا يجوز حتَّى تحرم الآبِقة بعِتْقٍ أو نحوه. ومنها: إذا أعتق المسلم عبده الذي استولى عليه الكفار؛ لم يصح على الأولى، بخلاف الثَّانية. ومنها: إذا سَبَى الكفَّارُ أمةً مزوَّجةً لمسلم، فإنْ قلنا: يملكونها؛ فالقياس: أنَّه ينفسخ النِّكاح؛ لأِنَّهم يملكون رقبتها ومنافعها، فيدخل فيه منفعة بُضْعِها؛ فينفَسِخ كما ينفسخ نكاح الكافرة المسبية، ومنَعَ أبو الخطَّاب من انفساخ النِّكاح بالسَّبْي مطلقًا. فأما (٢) الحرَّة؛ فلا ينفَسِخ نكاحُها بالسبي؛ لعدم ملكهم لها به، فلا يملكون بُضْعها. ومنها: أنَّهم يملكون ما أبَق أو شرد إليهم، وعلى الثَّاني: لصاحبه أخْذُه مجَّانًا.

стр. 2353

(وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ، أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ؛ فَهُوَ غَنِيمَةٌ)؛ لأِنَّه مالٌ حصل الاِسْتِيلاءُ عليه قهرًا، فكان غنيمةً كسائر أموالهم. ومحله: ما إذا قدر على الرِّكاز بجماعة المسلمين؛ لأنه حصل بقوَّتهم، بخلاف ما إذا قدر عليه بنفسه، فهو له بعد الخُمس، صرَّح به في «المغني» و «الشَّرح». وقوله: (مباحٍ له قِيمةٌ) في أرض الحرب؛ كالصُّيود والخشب (١). وإن (٢) احتاج إلى أكله والانتفاع به؛ فله ذلك كطعامهم، ولا يردُّه. فإن كان المباحُ لا قيمة له في أرضهم؛ كالمِسَنِّ (٣) والأقلام؛ فله أخذه، وهو أحق به، وإن صار له قيمة بعد ذلك. فرعٌ: إذا وجد لُقطةً في دارهم، فإن كانت للمسلمين؛ فهو كما لو وجدها في دار الإسلام، وإن كانت للمشركين؛ فهي غنيمةٌ، وإن احتمل الأمرَين؛ عرَّفها حولاً في بلد المسلمين، ثمَّ جعلها في الغنيمة، نَصَّ عليه (٤). (وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالاِسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الحَرْبِ)؛ لأِنَّها مالٌ مباحٌ، فملكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات، يؤيِّده: أنَّه لا ينفذ عتقهم في رقيقهم الَّذي حصلوا في الغنيمة، ولا يَصِحُّ تصرُّفهم فيه، وأنَّه (٥) لو أسلم عبد الحربيِّ ولحِقَ بجيش المسلمين؛ صار حرًّا. وفي «الانتصار» و «عيون المسائل»: باستيلاء تام، لا في فور الهزيمة؛ لِلَبْس الأمر، هل هو حيلةٌ أو ضعفٌ؟ وفي «البلغة» كذلك، وأنَّه ظاهر كلامه.

стр. 2354

والمنصوصُ عن أحمد (١)، وعليه أكثر الأصحاب: أنَّ مجرَّد الاستيلاء وإزالة أيدي الكفَّار عنها كافٍ، وقال القاضي في (٢) خلافه: لا يملك بدون اختيار التمليك، وترد (٣) في الملك قبل القسمة هل هو باقٍ للكفَّار، أو أنَّه انقطع؟ وله فوائد: منها: جريانه في حول الزَّكاة، فإن كانت الغنيمة أجناسًا (٤)؛ لم ينعقد عليها حول بدون القسمة، وإن كانت جنسًا واحدًا؛ فوجهان. ومنها: لو أعتق أحدُ الغانمين رقيقًا من المغنم بعد ثبوت رقِّه، أو كان فيهم من يعتق عليه بالملك؛ عتق إن كان بقدر حقِّه، وإن كان دونه؛ فكمن أعتق شِقْصًا في عبدٍ. ومنها: لو أسقط الغانِمُ حقَّه منها قبل القسمة، فبعضهم بناه على الخلاف، فإن قلنا: تملَّكوها؛ لم يسقط، وإلاَّ سقط، وجزم جماعةٌ منهم صاحب «التَّرغيب» و «المحرَّر»: أنَّه يسقط (٥) مطلقًا؛ لضعف الملك، زاد في «الفروع»: ولو مفلِسًا، وفي سفيهٍ وجهان، ويرد على من بقي، وإن أسقط الكلُّ حقَّهم؛ صارت فيئًا. ومنها: لو شهد أحدُ الغانمين بشيء (٦) من المغنم قبل القسمة، فإن قلنا: ملكوه؛ لم تقبل، وإلاَّ قُبِلت، ذكره القاضي.

стр. 2355

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١): في قبولها نظَرٌ وإن قلنا: لم يملكوا؛ لأِنَّها شهادةٌ تجرُّ نفعًا. (وَيَجُوزُ قَسْمُهَا (٢) فِيهَا) في المنصوص (٣)، وهو قولُ أكثر العلماء؛ لما روى أبو إسحاقَ قال: قلت للأوزاعيِّ: (هل قسم رسول الله ﷺ شيئًا من الغنائم في المدينة؟ قال: لا أعلمه)، و «قسم ﵇ غنائم بني المصطلق على مياههم» (٤)، و «غنائم حنين بأوطاس» (٥)، ولأنَّهم ملكوها (٦) بالاستيلاء، فجاز قسمتها فيها، كما لو أُحرِزت بدار الإسلام، وأنَّه أنفعُ، والإمامُ مخيَّرٌ. وفي «البلغة» روايةٌ: لا يَصحُّ قسمتها فيها (٧)؛ لأنَّ الاستيلاءَ التَّامَّ هو إحرازها بدار الإسلام. فرعٌ: إذا وكَّل الأمير في شراء شيءٍ منها لنفسه، فإن جهل وكيله؛ صحَّ، وإلاَّ حرُم، نَصَّ عليه (٨)، واحتجَّ: بأنَّ عمر رد ما اشتراه ابن عمر في قصة (٩)

стр. 2356

جلولاء (١)؛ للمحاباة. (وَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ)؛ لِما رَوَى الشَّافِعيُّ: ثنا الثِّقةُ، عن يحيى بن سعيدٍ القَطَّانِ، عن شُعبةَ، عن قيس بن مسلِمٍ، عن طارق بن شهابٍ: أنَّ عمر قال: «الغنيمةُ لِمَنْ شَهِد الوقْعةَ»، قال الخطيبُ: قال عليُّ بن الحسين العُكْلِيُّ: الرَّجل الذي لم يسمِّه الشَّافعي؛ أحمدُ بنُ حنبل، ورواه سعيد بن منصور أيضًا (٢). (مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ)، حتَّى مَنْ مُنع منه لدَيْنه (٣)، أو منعه الأبُ، ومن بعثه (٤) الأمير لمصلحة؛ كرسولٍ وجاسوسٍ، ومن خلَّفه الأمير في بلاد العدوِّ، ولو

стр. 2357

لمرضٍ، وغزا، ولم يمر بهم فرجعوا، نَصَّ عليه (١). (قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مِنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ)، ويدخل فيه: الخيَّاط، والخبَّاز، والبَيطار، ونحوهم، (وَأُجَرَائِهِمُ الذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ) ومعهم السِّلاح، ولأنَّه ردء للمقاتل باستعداده (٢) أشبه المقاتل. وظاهره: أنَّهم إذا لم يكونوا مستعدِّين للقتال أنَّه (٣) لا يسهم لهم؛ إذ لا نفع في حضورهم كالمخذِّل. وعلم: أنَّه يسهم لأجير الخدمة على الأصحِّ، وقيَّده القاضي وغيره: إذا قصد الجهاد، وحمل المجْد إسهام النَّبيِّ ﷺ لسلمةَ، وكان أجيرًا (٤) لطلحة، رواه مسلمٌ (٥)، على أجيرٍ قصد مع الخدمة الجهادَ. وفي «الموجز»: هل يسهم (٦) لتجَّار عسكر، وأهل (٧) سُوقه، ومستأجَرٍ مع جنديٍّ؛ كركابيٍّ وسائسٍ، أم (٨) يرضخ؟ فيه روايتان. (فَأَمَّا المَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِتَالِ)؛ أي: لا حقَّ له فيها؛ لأنه ليس من أهل الجهاد كالعبد، وظاهره: أنَّ المرض إذا لم يمنع من القتال كالحُمَّى والصُّداع؛ أنَّه لا يسقط سهمه (٩)؛ لأنَّه من أهل الجهاد، ويُعين (١٠) برأيه

стр. 2358

وتكبيره (١) ودعائه. (وَالمُخَذِّلُ وَالمُرْجِفُ)، ولو قاتلا؛ لأنَّ ضررهما أكثر من نفعهما، (وَالْفَرَسُ الضَّعِيفُ الْعَجِيفُ؛ فَلَا (٢) حَقَّ لَهُ)؛ لأنَّه لا نفع فيه، وظاهره: ولو شهد عليه الوقعةَ، ولأنَّ الإمام يملك منعه، فلم يُسهَم له كالمخذِّل. وفيه وجهٌ: يُسهَم له كالمريض، والفَرقُ واضِحٌ. وحُكم الكافر والعبد إذا لم يؤذن لهما، ومنهيٌّ عن حضوره؛ كذلك، والأصحُّ: أو بلا إذنه، ولا يرضخ لهم؛ لأنَّهم عصاةٌ، وكذا من هرب من اثنين، ذكره في «الروضة»، بخلاف غريم (٣). (وَإِذَا لَحِقَ مَدَدٌ)، هو ما أمددت به قومًا في الحرب، (أَوْ هَرَبَ أَسِيرٌ)، أو أسلم كافِرٌ، أو بلغ صبِيٌّ، أو عتَق عبْدٌ، (فَأَدْرَكُوا الْحَرْبَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا؛ أُسْهِمَ لَهُمْ)؛ لقول عمر (٤)، ولأنَّهم شاركوا الغانمين في السَّبب، فشاركوهم في الاِسْتِحْقاق، كما لو كان ذلك قبل الحرب، وكذا إذا صار رجلٌ فارِسًا، وعكسه. وظاهره: أنَّه يُسهَم لهم وإن لم يقاتلوا. (وَإِنْ جَاؤُوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ)، قاله الخِرَقِيُّ؛ لأِنَّ به يحصل تمام الاستيلاء، وقال القاضي: يملك الغنيمة بانقضاء الحرب، وإن لم يحرز، جزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لِما روى أبو هريرة: أنَّ أبان بن سعيد بن العاص وأصحابه قدموا على النَّبيِّ ﷺ بخيبر بعد أن فتحها، فقال أَبَانُ: اقسم لنا يا رسول الله، فقال: «اجْلِسْ يا أَبَانُ»، ولم

стр. 2359

يقسم له رسول الله ﷺ ، رواه أبو داود (١)، ولأنَّهم لم يشهدوا الوقعة، كما لو أدركوا بعد (٢) القسمة، فلو لَحِقَهم عدوٌّ، وقاتل المدَدُ معهم حتى سلَّموا الغنيمة؛ فلا شَيءَ لهم فيها؛ لأنَّهم إنَّما قاتلوا عن أصحابها؛ لأنَّ الغنيمة في أيديهم وحوزهم (٣)، نقله الميمونيُّ (٤). (وَإِذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ؛ بَدَأَ بِالأَسْلَابِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا)؛ لأِنَّ القاتِلَ يَستحِقُّها غير مخموسةٍ، فإن كان فيها مالٌ لمسلم أو ذِمِّيٍّ؛ دُفِع إليه؛ لأنَّ صاحبه متعيِّنٌ. (ثُمَّ أَخْرَجَ) من الباقي (أُجْرَةَ الذِينَ جَمَعُوا الغَنِيمَةَ وَحَمَلُوهَا وَحَفِظُوهَا)، قاله جماعةٌ؛ لأِنَّه من مصلحة الغنيمة، وإعطاء جُعْلِ مَنْ دلَّه على مصلحةٍ؛ كطريق ونحوه. (ثُمَّ يُخَمِّسُ البَاقِيَ)؛ هذه طريقة الأكثر؛ لأنَّه اسْتُحِقَّ بحضور الوقعة، أشبه سهام الغانمين. وقيل: يقدم الرَّضْخ عليه. (فَيَقْسِمُ خُمُسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا

стр. 2360

أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ … ﴾ الآيةَ [الأنفَال: ٤١]، ومقتضاها: أن يُقْسَم على ستة (١) أسهمٍ، وجوابه: أنَّ سهم الله تعالى ورسوله كالشَّيء الواحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التّوبَة: ٦٢]، وأنَّ الجهة جهةُ مصلحةٍ. (سَهْمٌ لله تَعَالَى)، وذكر اسمه للتبرك (٢)؛ لأنَّ الدنيا والآخرة له، (وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ)؛ لقوله ﵇: «ليس لي من الفَيء إلاَّ الخُمُسَ، وهو مردود عليكم» رواه سعيدٌ (٣)، ولا يكون مردودًا علينا إلاَّ إذا صُرِف في مصالحنا. وفي «الانتصار»: هو لمن يلي الخلافة بعده، وقاله طائفةٌ من العلماء؛ لِما روى أبو الطُّفَيل قال: جاءت فاطمةُ إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النَّبيِّ ﷺ ، قال: فقال أبو بكر: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «إِنَّ الله إذا أطعم نبيًّا طُعْمةً؛ فهي للذي يقوم مِنْ بعده، وإنِّي رأيت أن أردَّه على المسلمين» رواه أبو داودَ (٤). وعنه: يُصرَف في أهل الدِّيوان؛ لأنَّه ﵇ استحقَّه لحصول النُّصرة، فيكون لمن يقوم مقامه فيها. وعنه: يُصرَف في الخيل والسِّلاح؛ روي (٥) عن أبي بكرٍ وعمرَ (٦).

стр. 2361

وعنه: سقط بموته ﵇، ويُردُّ على الأنْصِباء الباقية من الخُمس؛ لأنَّهم شركاؤه. وقيل: يرد على الغانِمين؛ كالتَّرِكة إذا (١) أخرج منها وصيَّةٌ ثمَّ بطلت، فإنَّها تُرَدُّ إلى التَّرِكة. والصَّحيح: أنَّه باقٍ يُصرَف في مصالح المسلمين، وكان ﷺ يَصنَع بهذا السَّهم ما شاء، ذكره في «المغني». فائدة: كان له ﵇ من المغنم الصَّفِيُّ، وهو شَيءٌ يختاره منها قبل القسمة؛ كجارية (٢) وعبدٍ وثَوبٍ وسَيفٍ ونحوه، وانقطع ذلك بموته بغير خلافٍ نعلمه، إلاَّ أبا ثَورٍ، فإنَّه زعم أنَّه (٣) باقٍ للأئمَّة بعده، ويجعله مجعل سهمه ﵇ (٤). (وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبَى)؛ للآية، ولأِنَّه «﵇ جعل سهمهم في بني هاشِمٍ وبني المطَّلِب» رواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ (٥)، وهو ثابِتٌ بعد موته ﷺ لم يَنقطِع؛ لأِنَّه لم يأتِ ناسخٌ ولا مُغيِّرٌ. (وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمَطَّلِبِ) ابني عبدِ منافٍ؛ لِما روى جُبَير بن مُطْعِمٍ قال: قسم النَّبيُّ ﷺ سهم ذوي القربى بين (٦) بني هاشِمٍ وبني المطلب، وقال: «إنَّما بنو هاشِمٍ وبنو المطَّلب شَيءٌ واحدٌ»، وفي رواية: «لم يفارقوا

стр. 2362

في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ» رواه أحمدُ، والبخاريُّ بمعناه (١)، فرَعَى لهم نصرتهم وموافَقَتهم لبني هاشِمٍ. ولا يَستحِقُّ من كانت أمُّه منهم (٢) وأبوه من غيرهم؛ لأنَّه ﵇ لم يدفع إلى أقارب أمِّه من بني زهرة، ولا إلى بني عماته كالزُّبَير. ويُفرَّق عليهم (حَيْثُ كَانُوا)؛ لأِنَّه يستحق (٣) بالقرابة، فوجب كونه لهم حَيثُ كانوا، حسب الإمكان كالتَّرِكة، (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، هذا روايةٌ عن أحمد، وهي اختيار الخِرَقِيِّ، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه مالٌ استُحِقَّ بقرابة الأب، ففُضِّل فيه الذَّكَرُ على الأنثى كالميراث. وعنه: يُساوى بينهما، وقاله (٤) طائفةٌ من العلماء؛ لأِنَّهم أُعْطُوا باسم القرابة، فاسْتَوَوْا فيه، كما لو وقف على قرابة فلانٍ. وأطلق في «المحرَّر» و «الفروع» الخلاف. ويُسَوَّى بين الصَّغير والكبير بلا خلافٍ. (غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)؛ لأِنَّه ﵇ لم يَخُصَّ فقراء قرابته، بل أعطى الغنِيَّ كالعبَّاس وغيره (٥)، مع أنَّ شرط الفقر ينافي ظاهر الآية، ولأِنَّه يؤخذ

стр. 2363

بالقرابة، فاستويا فيه كالميراث. وقال أبو إسْحاقَ بنُ شَاقْلَا: يَختصُّ بفقرائهم؛ كبقيَّة السهام، قال في «الشَّرح»: ولعل (١) النَّبيَّ ﷺ منَعَ عثمانَ وجُبَيرًا لمَّا سألاه سهمهما بيسارهما وانتفاء (٢) فقرهما. فإن لم يأخذوه؛ صرف في الكُراع والسَّلاح؛ لفعل أبي بكر وعمر (٣). وظاهره: لا شَيءَ لمواليهم، وصرَّح به في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّهم ليسوا منهم. (وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى (٤)، وهو من لا (٥) أب له، ولم يبلغ الحُلُمَ؛ لقوله: «لا يُتْمَ بعْدَ احْتِلامٍ» (٦)، (الْفُقَرَاءِ)، هذا هو الأشهر؛ لأنَّ اسم اليتيم (٧) في العُرْف

стр. 2364

للرَّحمة، ومن أُعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجةُ، بخلاف القرابة، مع أنَّ المؤلف قال: لا أعلم هذا نصًّا عن أحمد. وقيل: والغنيِّ أيضًا؛ لعموم الآية. (وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ)، وهم أهل الحاجة، ويدخل فيهم الفقراء؛ لأنَّهما صنفٌ واحدٌ في غير الزَّكاة. (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، مِنَ المُسْلِمِينَ) قَيْد في الكلِّ؛ لأنَّ الخُمُس عطيَّةٌ مِنَ اللهِ، فلم يكن لكافِرٍ فيها حقٌّ كالزَّكاة. ويعطى هؤلاء ما تقدَّم في الزَّكاة. وفي «الواضح»: يُعطَى كلُّ واحدٍ خمسين درهمًا، أو خمسة دنانير. وظاهره: أنَّه يعمُّ بسهام من ذُكر جميع البلاد، فيبعث الإمام عُمَّاله (١) في الأقاليم. وصحَّح في «المغني»: أنَّه لا يجب التَّعميم؛ لأنَّه متعذر، فعلى هذا: يفرقه (٢) كلُّ سلطانٍ فيما أمكن من بلاده. وفي «الانتصار»: يكفي واحدٌ من الأصناف الثَّلاثة وذوي القربى إن لم يمكنه. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة؛ كزكاة، وأنَّ الخُمُس والفيء واحد يصرف في المصالح (٣). (ثُمَّ يُعْطِي النَّفَلَ)، وهو الزيادة على السهم للمصلحة (٤)؛ لأنَّه حقٌّ ينفرد به

стр. 2365

بعض الغانمين، فقدِّم (١) على القسمة كالأسلاب، (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد الخُمُس؛ لِما روى مَعْن بن زائدةَ مرفوعًا: «لا نَفْلَ إلاَّ بعد الخُمس» رواه أبو داودَ (٢)، ولأنَّه مالٌ استُحِقَّ بالتحريض (٣) على القتال، فكان من أربعة أخماس الغنيمة. (وَيُرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ)؛ لأِنَّه استُحِقَّ بحضور الوقعة، فكان بعد الخمس؛ كسهام الغانمين. وفيه وَجْهٌ: أنَّه من أصل الغنيمة؛ لأِنَّه استُحِقَّ للمعاوَنة في تحصيل الغنيمة، أشبه أجرة الحمل. وقيل: من سهم المصالح. (وَهُمُ الْعَبِيدُ)؛ لِما روى عُمَيرٌ مَوْلى آبي اللَّحْم قال: «شهدت خَيبرَ مع سادتي، فكلَّموا رسول الله ﷺ فيَّ، فأُخبِر أنِّي مملوكٌ، فأمر لي بشيءٍ من المتاع» رواه أحمد، واحتجَّ به (٤)، ولأنَّهم ليسوا من أهل وجوب القتال؛ كالصَّبيِّ. فرع: المدبَّر والمكاتَب؛ كالقِنِّ، ومَن بعضُه حُرٌّ؛ فبحسابه. (وَالنِّسَاءُ)؛ لما روى ابن عبَّاسٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يغزو بالنساء (٥)، فيداوين الجرحى، ولم يضرب لهنَّ بسهمٍ (٦)» رواه مسلمٌ (٧).

стр. 2366

وما روي: «أنَّه أسهم للمرأة» (١)، فيحتمل أنَّ الراويَ سمَّى الرضخ: سهمًا، ويحتمل أنَّه أسهم لها في شيء خاصٍّ، لا مطلقًا. والخنثى كامرأة، ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ونصف رضخ، كالميراث، قاله في «المغني» و «الشَّرح». (وَالصِّبْيَانُ)؛ لما روى سعيد بن المسيِّب قال: «كان الصِّبيان يُحذوْن من الغنيمة إذا حضروا الغزو» (٢)، والمراد: إذا كان مميِّزًا، جزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»، ولأنَّه ليس من أهل القتال كالعبد، وقيل: مراهِقًا. (وَفِي الكَافِرِ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: يُرْضَخُ لَهُ)؛ قدَّمها في «المحرَّر»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأِنَّه ليس من أهل الجهاد، فرُضِخ له كالعبد. (وَالْأُخْرَى: يُسْهَمُ لَهُ)؛ كمسلمٍ، اختارها الخلاَّلُ والخِرَقِيُّ والقاضي،

стр. 2367

وقدَّمها في «الفروع»، ونَصَرَها في «المغني» و «الشَّرح»، قال الجُوزَجانِيُّ: هذا مذهب أهل الثُّغور؛ لِما روى الزُّهْريُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ استعان بناسٍ من اليهود في حربه، فأسهم لهم» رواه سعيدٌ (١)، ولأنَّ الكفرَ نقْصٌ في الدِّين، فلم يَمنَع اسْتِحْقاقَ السَّهم؛ كالفسق (٢)، بخلاف العبد (٣)، فإن نقصه في دنياه وأحكامه. وهذا إذا غزا بإذن الإمام، فإن كان بغير إذنه؛ فلا سهم له؛ لأنَّه غير مأمونٍ؛ كالمرجف، ذكره في «الشَّرح» وغيره (٤). (وَلَا يُبْلَغُ بِالرَّضْخِ لِلرَّاجِلِ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَلَا لِلْفَارِسِ سَهْمُ فَارِسٍ)؛ لأِنَّ السَّهمَ أكْمَلُ من الرَّضْخ، فلم يُبلَغْ به إليه، كما لا يبلغ بالتَّعزير الحد، ولا بالحُكومة دية العضو. ويَقْسِمُ الإمامُ الرَّضْخَ على ما يراه من المصلحة، من تفضيلٍ وتسويةٍ، ولا تجب التَّسوية فيه كأهل السهمان (٥)؛ لأنَّ السَّهمَ منصوصٌ عليه، غير مَوكولٍ إلى اجتهاده، فلم يختلف؛ كالحدود، بخلاف الرضخ. (فَإِنْ (٦) تَغَيَّرَ حَالُهُمْ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ)؛ بأن بلغ الصَّبيُّ، أو عَتَق العبدُ، أو أسلم الكافر؛ (أُسْهِمَ لَهُمْ)؛ لقول عمرَ (٧)، ولأِنَّهم شهدوا الوَقْعة وهم من أهل القتال، فأسهم لهم كغيرهم. (وَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ؛ قُسِمَ لِلْفَرَسِ) سهمان؛ كفرس الحُرِّ؛

стр. 2368

لأِنَّه فرس حضر الوقعة، وقوتل عليه، فأسهم له، كما لو كان السَّيِّدُ راكِبَه، وهذا إن لم يكن مع سيِّده فرسان، (وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ)، نَصَّ عليه (١)، وهما لمالكهما، ويُعَايَا (٢) بها (٣)، فيقال: يستحقُّ السَّهم والرضخ وإن لم يحضر القتال. فظاهره (٤): أنَّ الصَّبي إذا غزا على فرسٍ، أو المرأة، أو الكافر، وقلنا: لا سهم (٥) له؛ لم يسهم للفرس، بل يرضخ له ولفرسه ما لا يبلغ سهم الفارس، بخلاف المخذِّل والمرجف إذا غزا على فرسٍ؛ فلا شَيءَ له، ولا لفرسه. (ثُمَّ يُقْسَمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ)؛ لأِنَّه تعالى (٦) لمَّا جعل لنفسه الخُمس؛ فُهِمَ منه أنَّ أربعة الأخماس للغانمين؛ لأنَّه أضافها إليهم (٧)، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: ١١]، فُهِم منه: أنَّ الباقي للأب. وينبغي أن يقدم (٨) أربعة الأخماس على قسم الخُمس؛ لأنَّهم حاضِرُون، ولأِنَّ رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على القسمة، وأهل الخُمس في أوطانهم. (لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ)، بغير خلافٍ (٩)، ولأِنَّه لا يحتاج إلى ما (١٠) يحتاج إليه

стр. 2369

الفارس من الكلفة. (وِلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ)، في قول جماعةٍ من العلماء؛ لِما روى ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَسْهَم يوم خيبر للفارس ثلاثةَ أسْهُمٍ: سهمان لفرسه، وسهْمٌ له» متَّفقٌ عليه (١)، وقال خالِدٌ الحَذَّاء: «لا يُختَلَف فيه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا، وللراجل (٢) سهمًا» (٣). (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا)، وهو ما أبوه عربيٌّ وأمُّه غير عربيَّةٍ، وعكسه المُقْرِف (٤)، (أَوْ بِرْذَوْنًا)، ويسمَّى العتيقَ، قاله في «الفروع»، وهو ما أبواه نَبَطِيَّان، عكس العربيِّ؛ (فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ)، قال الخلاَّل: تواترت الرِّواية عن أبي عبد الله بذلك (٥)، واختاره الأكثرُ؛ لِما روى مكحولٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى الفرسَ العربيَّ سهمَين، وأعطى الهجين سهمًا» رواه سعيدٌ، وأبو داود في «المراسيل»، وروي موصولاً عن مكحول، عن زياد بن جارية (٦)، عن حبيب بن سَلَمة (٧) مرفوعًا، قال عبد الحقِّ: والمرسل (٨) أصحُّ (٩)، ولأنَّ نفع

стр. 2370

العِراب وأثره (١) في الحرب أفضلُ، فيكون سهمُه أرجحَ؛ كتفاضُل من يُرضَخ له. (وَعَنْهُ: لَهُ (٢) سَهْمَانِ كَالْعَرَبِيِّ)، اختاره الخلاَّلُ؛ لأِنَّه «﵇ أسهم للفرس سهمَين، ولصاحبه سهمًا» (٣)، وهو عامٌّ في كلِّ فرسٍ، ولأنَّه حيَوانٌ ذو سهم، فاستوى فيه العربيُّ وغيرُه؛ كالآدمي. وعنه: إن أدركت إدراك العراب (٤) أسهم لها كالعربيِّ، وإلاَّ فلا، اختاره الآجُرِّيُّ. وعنه: لا يسهم لها، حكاها القاضي، وقاله مالك بن عبد الله الخثعمي (٥)؛ لأنَّه لا عمَلَ لها عمل العِراب، أشبهت البغال. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّها وإن دخلت في مسمَّى الخيل؛ فهي تتفاضُل في أنفسها، فكذا في سُهمانها، وقوله: «أسهم للفرس سهمَين»؛ قضية (٦) عينٍ لا عموم لها، مع أنَّه يحتمل أنَّه كان ليس فيها برذون، وهو الظَّاهر؛ لقلَّتها عند العرب.

стр. 2371

(وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ)، نَصَّ عليه (١)؛ لِما روى الأوزاعيُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرَّجل فوق (٢) فرسَين، وإن كان معه عشرة أفْراسٍ» (٣)، ولأنَّ به حاجة (٤) إلى الثَّاني، بخلاف الثالث، فإنَّه مستغْنٍ عنه. وفي «التَّبصرة»: يُسهَم لثلاثةٍ. (وَلَا يُسْهَمُ لِغَيْرِ الخَيْلِ)، من البغال، والفِيل، ونحوها؛ لأنَّ غير الخيل لا تلحَق بها في التَّأثير في الحرب، ولا يصلح للكرِّ والفرِّ، فلم تَلْحَق بها في السهم. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ؛ قُسِمُ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ)، نقله الميمونيُّ (٥)، واختاره ابن البنَّاء. وظاهره: أنَّه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرسٍ، ولكن نَصَّ في رواية مهنى: أنَّه يسهم للبعير مطلقًا (٦)، واختاره القاضي وأكثر أصحابه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحَشر: ٦]، ولأنه حيوانٌ يسابَق عليه بعِوَضٍ، فجاز أن يسهم له، كالخيل. فعلى هذا: يسهم له سهمٌ واحدٌ، وهو قول الجمهور؛ لأنَّه لا يساوي

стр. 2372

الخيل قطعًا، فاقتضى أن ينقص (١) عنها. وظاهر كلام بعضهم: أنَّه (٢) يسهم له كفرسٍ، وبه قطع في «الأحكام السُّلْطانيَّة». وشرطه (٣): أن يكون ممَّا يمكن القتال عليه، فإن كان ثقيلاً لا يصلح إلاَّ للحمل؛ لم يستحقَّ شيئًا. وفي «الأحكام السُّلْطانيَّة»: للفِيل سهم الهَجين على اختلاف الرِّواية في قدره، وغلَّطه الزَّرْكَشيُّ. والصَّحيحُ الأوَّلُ، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٤)؛ لأنَّه لم يُنقَل أنَّ النَّبيَّ ﷺ أسهم لغير الخيل، مع أنَّه كان في غزوة بدرٍ سبعون بعيرًا (٥)، ولم تَخْلُ غزوةٌ منها، ولو أسهم لها لنُقِل. فرعٌ: إذا غزا على فرسٍ لهما، هذا عُقْبةٌ وهذا عُقْبةٌ، والسَّهم لهما فلا بأس، نَصَّ عليه (٦). ولو غزا على فرسٍ حبيس؛ استحق سهمه. (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ رَاجِلاً، ثُمَّ مَلَكَ فَرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الوَقْعَةَ؛ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ)؛ لأِنَّ العِبْرةَ باسْتِحْقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقْعةَ، لا حالة دخول دار الحرب، ولأِنَّ الفرسَ حيَوانٌ يسهم (٧)

стр. 2373

له، فاعتُبِر وجودُه حالةَ القتال؛ كالآدَمِيِّ، ولقول عمرَ (١). وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَط ملكُ الفرس، بل يكفي في ذلك ملكُ منفعتها؛ لأِنَّ السَّهمَ لنفع الفرس لا لِذَاتها، بدليل: أنه لا يُسهَم للضَّعيف والزَّمِن ونحوه. وسهْمُ الفرس في الإجارة للمستأجِر، بغير خلافٍ نعلَمُه (٢)؛ لأنَّه (٣) مُستحِقٌّ لنفعه استِحْقاقًا لازِمًا، أشْبَهَ المالك، وكذا هو للمستعير. وعنه: هو لمالكه؛ لأِنَّه من نمائه (٤)، أشْبَهَ ولده. فإن كان المستأْجِرُ والمستعيرُ ممَّن لا يُسهَمُ له؛ إمَّا لكونه لا شَيءَ له كالمخذِّل، أو ممن يرضخ له كالصَّبيِّ؛ فحكمُه حكمُ فرسه، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». (وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا، فَنَفَقَ فَرَسُهُ)؛ أي: مات، ولا يُقالُ ذلك لغَيرِها، (أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضِّي الْحَرْبِ؛ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ)؛ لِما ذكرْنا. (وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا (٥) فَقَاتَلَ عَلَيْهِ؛ فَسَهْمُ الفَرَسِ لمَالِكِهِ)، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ استِحْقاقَ سهم الفرس مرتَّبٌ على نفعه، وهو لمالكه. فإن كان الغاصِبُ ممن (٧) لا سهم له، إمَّا مطلقًا كالمرجف، أو يرضخ (٨)

стр. 2374

له كالعبد؛ احْتَمَل أن يكون حُكمُ الفرس حكمَه؛ لأِنَّ الفرس يتبع (١) الفارِسَ في حكمه، فيَتْبَعُه إذا كان مغصوبًا. واحْتَمَل أن يكون سهمُ الفرس لمالكه؛ لأِنَّ الجِنايةَ من راكبه، فيَختَصُّ المنْعُ به، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به في «الوجيز»، وصحَّحه ابنُ المنجَّى في الأولى؛ لأِنَّه ﵇ والخلفاءَ من بَعْده كانوا يَقْسِمون الغنائمَ (٢)، ولأِنَّ ذلك يُفْضِي إلى اشتغالهم بالنَّهب عن القتال، وظَفَرِ العدُوِّ بهم، ولأِنَّ الغُزاةَ اشْتَرَكوا في الغنيمة على سبيل التَّسوية، فيجب كسائر الشُّركاء، وحِينَئِذٍ لا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أخذه. (وَيَجُوزُ فِي الْأُخْرَى)؛ أمَّا أوَّلاً؛ فلِقَوله ﵇ يوم بدرٍ: «مَنْ أخَذَ شَيْئًا فهو لَهُ» (٣). ورُدَّ: بأنَّ قضيَّةَ بدْرٍ لمَّا اختلَفوا فيها نُسِختْ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 2375

الأَنْفَالِ … ﴾ الآيةَ [الأنفَال: ١]. وأمَّا ثانيًا، وهي الأصحُّ: إذا كان التَّفضيلُ لِمعْنًى فيه، فلأنَّه يجوز للإمام أن يُنفِّلَ ويعطي السَّلَب، فجاز له التَّفضيل؛ قياسًا عليهما. (وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ، مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ؛ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الأُجْرَةُ)، وهو قول القاضي؛ لأنَّ غزوَه بِعِوَضٍ، فكأنه واقِعٌ من غيره، فلا يَستحِقُّ غير ما ذكر. وظاهِرُه: صحَّةُ إجارتهم، وهو روايةٌ؛ لأِنَّه لا يتعيَّنُ عليهم بحضورهم؛ لأِنَّهم ليسوا من أهله، فصحَّت؛ كغيره من العمل. والأشهرُ: أنَّها لا تصِحُّ كالصَّلاة. ومقتضاه: أنَّ من يلزَمُه؛ كالرَّجل الحُرِّ؛ لا يصحُّ استِئْجارُه عليه؛ كالحجِّ. ونَصَّ في روايةِ جماعةٍ (١): على صِحَّتها مطلَقًا، وهو قول الخِرَقِيِّ؛ لِما روى جُبَيرُ بن نُفَيرٍ مرفوعًا قال: «مثل الذين يَغْزونَ من أُمَّتي ويأخذون الجُعْلَ يتقوَّون به على عدوِّهم؛ مثلُ أمِّ موسى تُرضِع ولدَها، وتأخذ (٢) أجْرةً» رواه سعيدٌ (٣)، ولأنَّه لا يَختَصُّ فاعلُه أن يكون من أهل القُربة، بدليل (٤) صِحَّتِه من الكافر، فصحَّ الاستئجار عليه (٥)، كبناء المسجد.

стр. 2376

ومُقْتَضى اختيار الشَّيخَينِ: صِحَّةُ الاِسْتِئْجار وإن لَزِمه، إلاَّ أن يتعيَّن عليه فلا يصحُّ، وعليه حَمَلَ المؤلِّفُ كلامَ الخِرَقِيِّ. فإنْ قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ فهي كالمعدومة، فيَستحِقُّ الأجيرُ السَّهمَ، وإنْ قُلْنا بصحَّتها: فهل يُسْهَمُ له؟ وفيه روايتان: إحداهما، وهي اختِيارُ الخِرَقِيِّ: لا سهم له؛ لقوله ﵇ لأِجيرِ يَعْلَى بنِ أُميَّةَ: «ما أَجِد له في غزوته هذه في الدُّنيا والآخِرة إلاَّ دنانيره التي سمَّى» رواه أبو داودَ (١). والثَّانيةُ، وهي اختيار الخَلاَّل وصاحبِه: أنَّه يُسْهَم له؛ لأنَّه حضر الوقْعةَ، وهو من أهل القتال، فيُسهَمُ له كغيره. تنبيهٌ: إذا اسْتُؤجِر بعد أن غنموا على حفظها؛ فله الأجرةُ مع سهمه، ولا يركب منها دابَّة إلاَّ بِشرطٍ، ومثلُه الغُزاةُ الذين يدفع (٢) إليهم من الفيء؛ أي: لهم السَّهْمُ؛ لأِنَّ ذلك حقٌّ جعله الله لهم، لا أنَّه (٣) عِوَضٌ عن الغزو، فكذا من يُعطَى له من صدقةٍ؛ لأِنَّه يعطاه مَعُونَةً، لا عِوَضًا، أو دفع إليه ما يعينه به؛ فله فيه (٤) الثَّوابُ. (وَمَنْ مَاتَ)، أو ذهب (بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ؛ فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ) على المذهب؛ لأِنَّ الغنيمةَ مُلِكت بالاستيلاء عليها، فكان سهمُه لوارثه؛

стр. 2377

لقوله ﵇: «مَنْ ترك حقًّا فلِوَرثَته» (١). وتقدَّم قولٌ: إنَّها لا تملك إلاَّ بالحيازة، فلو مات قبلَها فلا شَيءَ له؛ لأنَّه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها (٢). وظاهر ما سبق: أنَّه إذا حصل التَّغيير (٣) قبل تقضي (٤) الحرب؛ أنَّه لا شَيءَ له، وهو كذلك بغير خلافٍ في المذهب. (وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ)؛ أيْ: أيُّهما غَنِم شارك الآخر، نَصَّ عليه (٥)، وهو قول أكثر العلماء؛ لأِنَّه «﵇ لمَّا غزا هوازن بعث سريَّةً من الجيش قِبَلَ أوْطاسٍ، فغنِمت، فشارك بينها وبين الجيش» (٦)، ولأنَّ الجميعَ جَيشٌ واحِدٌ، وكلُّ (٧) منهما رِدْءٌ لصاحبه، فلم يَختَصَّ بعضُهم بالغنيمة؛ كأحدِ جانِبَي الجيش، وهذه الشَّرِكة بعد النَّفل. فلو كان الأميرُ مقيمًا ببلد الإسلام، وبعث سريَّةً أو جيشًا؛ انفردت بغنيمتها؛ لانفرادها بالغَزْو، والمقيم ببلد الإسلام ليس بمجاهِدٍ. (وَإِذَا قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ علَيْهَا العَدُوُّ؛ فَهِيَ مِنْ مَالِ المُشْتَرِي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نقله الجماعةُ (٨)، و (اخْتَارَها (٩)

стр. 2378

الْخَلاَّلُ وَصَاحِبُهُ)، وجزم بها في «الوجيز»، وهي الأصحُّ؛ لأِنَّه مالٌ مقبوضٌ، أُبِيح لمشتريه التَّصرف فيه، فكان من ضمانه، كما لو اشتراه وأحرزه بدار الإسلام. (وَالْأُخْرَى: مِنْ مَالِ (١) البَائِعِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ)، لأِنَّه لم يَكمُل قبْضُه؛ لكونه في خطر قهر العدُوِّ، كالثَّمرة المبيعة على رؤوس النَّخل إذا تلفت قبل الجَداد؛ فعليها: ينفسخ البيعُ، ويرد الثمن إلى المشتري من الغنيمة إن باعه الإمام، أو من مال البائع، وإن كان الثمن لم يؤخَذْ (٢) من المشتري؛ سقط عنه. ومحلُّه: إذا لم يُفرِّط المشتري، فإن كان لتفريطٍ حصل منه؛ كخروجه من العسكر ونحوه؛ فضمانه عليه، كما لو أتلفه. وعُلِم منه: أنَّ لكلِّ واحد من الغانمِين بَيعَ ما حصل له بعد القسمة (٣)، والتصرفَ (٤) فيه كيف شاء؛ لأنَّ ملكه ثابِتٌ فيه على المنصوص. وفي «البلغة» روايةٌ: لا تصح قسمتها فيها. وأمَّا الأمير؛ فيجوز له البَيْعُ قبل القسمة، للغانمين ولغيرهم، إذا رأى المصلحة فيه (٥)؛ لأِنَّ الولاية ثابتةٌ له عليها. (وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ المَغْنَمِ، مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِهِ؛ أُدِّبَ)؛ لأِنَّه وَطْءٌ حرام؛ لكونه (٦) في ملكٍ مشترَكٍ، (وَلَمْ يُبْلَغْ بِهِ الحَدُّ)؛ لأنَّ له في الغنيمة مِلكًا، أو شبهةَ ملكٍ، فيُدرأ عنه الحدُّ؛ للشبهة، (وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا)؛ لأِنَّها

стр. 2379

ليست مملوكةً له، أشبه وطْءَ أمَة الغير، وحِينَئِذٍ فيطرح في المقسم (١). وقال القاضي: يَسقُط عنه من المهر قدر (٢) حصَّته؛ كالجارية المشترَكة. ورُدَّ: بأنَّه لمَّا كان مقدارُ حقِّه يَعسُر العلم به، ولا ضَرَرَ عليه بوضع المهر في (٣) الغنيمة، فيعود إليه حقُّه؛ لم يُعتَبَر الإسقاطُ. (إِلاَّ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا)؛ لأِنَّه فوَّتها على الغانمين؛ فلزمته (٤) قيمتُها؛ كما لو أتلفها، وحينئِذٍ تطرح في الغنيمة، فإن كان معسِرًا كانت في ذمَّته. وقال القاضي: يُحسَب قدر حصَّته من الغنيمة، وتصير أمَّ ولَدٍ، وباقيها رقيقٌ للغانمين؛ لأنَّه إنما ثبت (٥) بالسِّراية إلى ملك غيره، فلم تَسْرِ في حق المعسر؛ كالإعتاق. وردَّ: بأنَّه استيلادٌ صيَّر بعضها أمَّ ولَدٍ، فيجعل جميعُها كذلك، كاستيلاد جاريةِ ابنه، وهو أقْوَى من العتق؛ لكونه نفلاً، وينفذ (٦) من المجنون. وظاهِرُه: أنَّه لا يلزمه قيمةُ الولد؛ لأنَّه مَلَكها حين علقت؛ فلم يثبت للغانمين فيه ملك. وعنه: يلزمه قيمته حين وَضْعه، تطرح في المغنم؛ لأنه فوَّت رِقَّه، أشبه ولد المغرور. وقال القاضي: إذا صار نصفها أم ولد؛ يكون (٧) الولد كلُّه حُرًّا، وعليه

стр. 2380

قيمةُ نصفه. (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) في الحال؛ لأنَّه وَطْءٌ يلحق به النَّسب؛ لشبهة الملك، كجارية ابنه، (وَالْوَلَدُ حُرٌّ)؛ لأنَّه مِنْ وطء في ملكٍ أو شبهةٍ، (ثَابِتُ النَّسَبِ)؛ لأِنَّه وَطْءٌ سقط فيه الحدُّ لشبهة الملك، فيَلْحَقُ فيه النَّسبُ. وظاهِرُه: أنَّه لا مهْرَ عليه حينئِذٍ في رواية، وهو مبنِيٌّ على أنَّ المهرَ هل يجب بمجرَّد الإيلاج، أو بالنزع، وهو تمامُه؛ لأنَّه إنما تم وهي ملكٌ له؟ قاله الزَّرْكَشِيٌّ. (وَمَنْ أَعْتَقَ (١) مِنْهُمْ عَبْدًا؛ عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ (٢) حِصَّتِهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ)، وجملتُه: أنَّ الغانم إذا أعتق رقيقًا من المغنم، أو كان فيهم من يَعتِقُ عليه؛ عَتَق كلُّه؛ لأنَّ ملكَه ثبت عليه في شَرِكَةِ الغانمين باستيلائهم عليه، أشبه المملوك بالإرث، فيَعْتِقُ جميعُه إن كان حقه منها لا ينقص، أو بقدر حقه إن نقص، ثمَّ الزَّائد على حقِّه إن كان موسِرًا؛ عتَق عليه وضمِنه، وإلاَّ بقِيَ رقيقًا بحاله على المنصوص (٣). وقال القاضي وابن أبي موسى: لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ ملكه لا يتعيَّنُ فيه؛ لجواز أن يحصل له بالقسمة غيرُه. وفي «المحرَّر»: وعندي إن كانت جنسًا واحدًا، فكالمنصوص، وإن كانت أجناسًا؛ فكقول القاضي؛ لأنَّ المعتق (٤) في الجنس الواحد يصير كالجزء المشاع، وفي الأجناس لم يتعيَّن حقُّه في شَيءٍ بعينه. وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّها قبل القسمة حقُّ كلِّ واحدٍ من الغانمين مشاعٌ في كلِّ

стр. 2381

جنسٍ، فالعِتْقُ يصادفه (١)، فيعتِقُ عليه، والباقي بالسِّراية. وفي «البلغة»: فيمن يعتق عليه رواياتٌ، الثَّالثة: موقوفٌ، إن تعيَّن سهمه في الرَّقيق عتَقَ، وإلاَّ فلا. وظاهره: لا فرق في المُعتَق أن يكون رجلاً، أو امرأةً، أو صبِيًّا. وصرَّح في «المغني» و «الشرح»: بأنَّ الغانم إذا أعتق رجلاً منها؛ لا يعتِقُ؛ لأِنَّه لا يصير رقيقًا بنفس السَّبيِ، وإنَّما يخيَّر فيه الإمامُ، فيحمل الكلامُ على من يصير رقيقًا بنفس (٢) السبي (٣) كالنِّساء والصِّبيان. (وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ)، وهو مَنْ كَتَم ما غنمه، أو بعضَه، فيجب أن (يُحْرَقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ)، قاله (٤) الحسنُ وجماعةٌ؛ لِمَا رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر حرَّقوا متاعَ الغالِّ» رواه أبو داودَ (٥)، ولحديث عمر بن الخطَّاب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بذلك» رواه سعيدٌ والأثْرَمُ (٦).

стр. 2382

واختار جماعةٌ: أنَّ ذلك من باب التَّعزير، لا الحدِّ الواجِبِ، فيَجتهِد الإمامُ بحسب المصلحة، قال في «الفروع»: وهو أظْهرُ. فعلى ما ذكره: يختصُّ التَّحريق بالمتاع الَّذي غُلَّ، وهو معه، فلو استحدث متاعًا، أو رجع إلى بلده وله فيه متاعٌ؛ لم يُحرَّق. وكما لو انتقل عنه ببيع أو هبة في الأشهر. وهذا إذا كان حيًّا، حرًّا، مكلَّفًا، ملتزِمًا، جزم به صاحب «الوجيز» والأدمي البغداديان، ولو أنثى أو ذِمِّيًّا. وظاهره: أنَّه لا يُنْفَى، نَصَّ عليه (١)، بل يُضرَب؛ للخبر (٢). وفي السَّارق: لا يُحرَق متاعُه. وقيل: بلى، جزم به في «التَّبصرة». (إِلاَّ السَّلَاحَ)، فإنَّه يحتاج إليه في القتال. (وَالمُصْحَفَ)؛ لحرمته، وشمل الجِلدَ والكيس، وما هو تابِعٌ له. وقيل: يباع ويُتَصدَّق بثمنه؛ لقول سالم: «بعه وتصدَّق بثمنه» (٣). والأصحُّ: وكُتُبَ العلم؛ لأنَّه ليس القَصْدُ الإضرارَ به في دينه، بل في بعض دنياه.

стр. 2383

(وَالْحَيَوَانَ)؛ «لنَهْيه ﵇ أنْ يُعذِّبَ بالنَّار إلاَّ ربُّها» (١)، وعدم دخولهم (٢) في مسمَّى المتاع المأمور بإحراقه، وكذا آلتها، نصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه يُحتاج إليها، وكذا نفقته؛ لأنَّه لا تحرق عادةً، وكسهمه وثيابه التي عليه، لئلاَّ يترك (٤) عُرْيانًا، وقيل: ساتِرُ عورته، جزم به في «الوجيز». وظاهِرُه: أنَّه لا يُحرم سهمُه؛ لعدم ذكره في أكثر الرِّوايات. وعنه: بلى، اختاره الآجُرِّيُّ، ولم يَسْتَثْنِ إلاَّ المصحفَ والدَّابَّة، وأنَّه قول أحمد. فرعٌ: ما أبْقت النَّارُ من حديدٍ ونحوِه؛ فهو له. فإذا تاب قبل القِسمة؛ ردَّ ما أخذه في الغنيمة، وبعدها؛ يُعطِي الإمامَ خُمسَه، ويتصدَّق بالباقي، وقال الشَّافِعِيُّ: (لا أعرف للصَّدقة وجهًا) (٥). قال الآجُرِّيُّ: يأتي به الإمامُ فيَقْسِمه في مصالح المسلمين. ومن ستر على الغالِّ (٦)، أو أخذ ما أُهْديَ له منها، أو باعه إمامٌ وحاباه (٧)؛ فهو غالٌّ. (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ)؛ أي: من فدية الأسارى، فهو غنيمةٌ، بغير خلافٍ نعلمه (٨)؛ لأنَّه «﵇ قسم فداء أُسارى بدْرٍ بين الغانمين» (٩)،

стр. 2384

ولأِنَّه مال (١) حصل بقوَّة الجيش، أشْبَهَ السِّلاحَ. (أَوْ أَهْدَاهُ الكُفَّارُ)، أوْ واحدٌ منهم (لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ)، جمْعُ قائِدٍ؛ وهو نائبه؛ (فَهُوَ غَنِيمَةٌ)؛ أي: للجيش، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك خَوْفًا من الجيش، فيكون غنيمةً؛ كما لو أخذه بغيرها، وشرطه (٣): أن يكون ذلك في دار الحرب. وعنه: هو للمُهْدَى إليه. وقيل: فَيْءٌ؛ لأِنَّه مالٌ لم يُوجَفْ عليه بخيل ولا ركابٍ. فلو كانت بدارنا؛ فهي لمن أُهْديتْ إليه؛ لأِنَّه ﵇ قَبِلَ هديَّةَ المقوقس (٤)، واختصَّ بها. وقيل: فَيْءٌ (٥). واقْتَضى ذلك: أنَّ الهديَّة لأحَدِ الرَّعيَّة في دارهم؛ يَخْتَصُّ بها، كما لو أُهْدِيَ إليه إلى دار الإسلام. وقال القاضي: هو غنيمةٌ، وفي «الشرح» احتِمَالٌ: إن كان بينهما مُهاداةٌ قبل ذلك؛ فهي له، وإلاَّ فهي للمسلمين؛ كهديَّة القاضي، والله أعلم.

стр. 2385

(بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ المَغْنُومَةِ) (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ): (أَحَدُهَا: مَا فُتِحَ عَنْوَةً)؛ أي: قهْرًا وغلَبةً، وهو مِنْ عنا يعنو؛ إذا ذلَّ وخَضَعَ، وشَرْعًا: (هِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ)، وهو نَوْعانِ: أحدهما: ما استَأْنَف المسلمون فتْحَه عَنْوةً؛ (فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا) على الغانمين كالمنقول، (وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ (١)؛ أي: على جميعهم؛ لأنَّ كلًّا (٢) ورد فيه خبرٌ، فإنَّ «رسول الله ﷺ قَسَم نصْفَ خَيبَر، وَوَقَفَ نصفَها لنوائبه» رواه أبو داودَ من حديث سهل بن أبِي حثمة (٣)، «وَوَقَفَ عمرُ الشَّامَ ومصرَ والعراقَ وسائِرَ ما فتحه»، وأقرَّه الصحابة ومَنْ بعدَهم على ذلك، وعن عمرَ قال: «أمَا والذي نفسي بيده، لولا أنْ أترك (٤) آخِرَ الناس بَبَّانًا (٥) -أي (٦): لا شيء لهم- ما فُتِحَت عليَّ قريةٌ إلاَّ قَسَمْتُها كما قَسَمَ رسولُ الله ﷺ خَيبرَ، ولكنِّي أتْرُكُها لهم خزانةً يقتسمونها (٧)» رواه البخاريُّ (٨).
следующие страницы →